الاثنين، 19 مايو، 2008

شذرات من حياتي

زياولو جيو
في بعض بلاد العالم ينبغي للكلب أن يحمل هوية، ومثله القطة. فلا بد أن الشرطة مشغولة للغاية. ولكنها، في يوم ما لا تجد فيه ما يكفي من المشاغل ستحصل كل قُرَيدسة في البحر على بطاقة هويتها، والتي لن يسمح لها بدونها أن تعيش في الماء. وبغباء أتساءل: هل هذا ما سيئول إليه مجتمعنا؟

"الهوية" في أغلب الأوقات شيء يوجد ولا يُختار. شيء مقضي على المرء إما بقبوله أو بفقدان وضعه في المجتمع. وأنا بدوري لدي قطعتي البلاستيكية النبيلة: صينية، أقلية هِوِي، أسرة فلاحين. وأحمل هذه القطعة البلاستيكية منذ أكثر من ثلاثين عاما، دون أن أفهم قط ما هي هوي ولماذا أعد أنا فلاحة. والشيء الوحيد الذي أعرفه هو أن عائلتي أتت من خلفية إسلامية ريفية من الهوي، بينما ينتمي معظم الصينيين إلى أغلبية هان التي تمثل اثنين وتسعين في المائة من المليار وثلاثمائة مليون صينيا. لم أعان أي مشكلات مع بطاقة الهوية تلك. لقد تعلمت أن أتكلم لغة المندرين في المدارس ثم في بكين، وأنا الأخرى آكل لحم الخنزير. فـ "لا استثناءات" كما كان يقول قدامى الشيوعيين، لا أحد يعلو على أحد. الكل سواسية، الرجال والنساء، الأغلبية والأقلية.

ولكن لماذا أكون من الهوي؟ وفلاحة؟ إننا لم نمتلك قط قطعة أرض لنزرع فيها الأرز أو غيره. لقد كنا نعيش في قرية يصطاد أهلها السمك، ولم تكن ثمة من أرض إلا شط للسمك الميت. لم تطلعني عائلتي قط على السبب. فلو أننا من ناس الهوي، المسلمين، ذوي الأصول التركية والفارسية، فلماذا لا نعيش في الجانب الغربي من الصين في مراعي زنجيانج أو كوينجاي أو منطقة هوي ننجيزيا ذات الحكم الذاتي؟

لا أجوبة. لا تفسيرات. انتحر جدي وأنا في العاشرة. أتصور أنه كان هِوِيًّا حقا، ولكنه كان يأكل لحم الخنزير كما كنا نأكله. فلماذا يكون هو "الهوي" ومن أين تراه جاء؟ لا أحد يعرف. ولا أحد يعرف لماذا انتحر. وكنت أسأل: كيف يتأتى ألا يعرف أحد أن شخصا يريد الموت؟ فلا أرى من القرويين غير الوجوه الخاوية جوابا. ففي قرية "فلاحين" كالتي جئت منها، لا أحد يسأل، بل تستشري النميمة في الهواء، إلى أن يأتي يوم تموت فيه، كالذباب حينما تأتي رياح الخريف. وهكذا حين مات جدي لم يترك خلفه ما يشير إلى الطريقة التي كان يرى بها حياته. لا وصية، ولا رسالة، ولا شيء يعيننا أن نفهم قراره بالموت. شرب زجاجة من مبيد دي دي تي الحشري السام. ومن يمت بابتلاع الدي دي تي، فقد مات موت اليائس؟ تراه تألم والسم في أحشائه إلى أن مات؟ أم تراه لم يكن ليمنح الموت والألم مزيدا من الاكتراث؟

جدتي أيضا لم تكن تعرف لماذا هي من الهوي. ماتت بعد قليل من موت زوجها في الثمانينيات. كلاهما كانا أميين لا يجيدان حتى كتابة اسميهما. ويأتي أبي، الشيوعي المؤمن المقتنع. ربما كان الأوان قد فات ليعرف من أين ينحدر، هو المولود لعائلة خرساء، عائلة لا تعرف أي شيء عن ماضيها، عائلة تعيش حياتها التافهة يوما بيوم، بلا أسئلة، ولا تأملات. كان بيتنا بيت الصمت، والسعال، زي موحد جماعي سعالي موحد النبرة والحيرة والإحساس في كل مرة يتردد فيها.

قال أحدهم إن عائلتنا أتت في الأصل من مقاطعة فوجيان، من قرية على بحر الصين الشرقي كل أهلها من الهوي. وكان أهل القرية جميعا قد هاجروا من شمال غرب الصين، أي من زنجيانج أو ننجكسيا أو كوينجاي أو جانسو. ولو صدق ذلك، فهل كان أهلي في حقيقتهم أتراكا أم فرسا؟ لا أعرف. ولا أحد يعرف. وفيم السؤال؟ يحملق الناس في وجهي: أليست الحياة في حد ذاتها مشكلة كافية؟ فيم إذن المزيد من الأسئلة؟

إلى أن جاء يوم، حينما كنت في العشرين من عمري، فذهبت إلى زينجيانج (على حدود التبت)، وكنا نسوق سيارة جيب بمتهالكة عبر المراعي أو لنقل الصحراء المكسوة بالعشب الشائك، ومرت الساعات تلو الساعات دون أن يظهر شيء إلا الصخور البيضاء والرمل البني. ثم امتطيت حصانا أسود، كان أصغر حصان استطاع أهل المنطقة أن يوفروه. كنا نحاول الوصول إلى جبل تيانشان لتصوير إعلان تليفزيوني عن علاج عشبي لالتهاب المفاصل والعقم. كان يفترض أن يكون هناك بعض الزهور الجميلة النابتة عند حد الجليد على ارتفاع قدره قل 3000 م. هي زهرة أسطورية نعرفها جميعا من أغنياتنا وكتبنا المدرسية، وربما لم يرها غير القليلين لا أدري لذلك سببا. وهكذا كنت في سنوات شبابي تلك أرغب في اكتشاف تلك الزهرة، لكن المشكلة كانت في حصاني، الذي راح يجري مضطربا فأخافني حتى الموت، وأخذت أبكي وهو يجري، وأخيرا وصلنا إلى سفح الجبل، وثمة غير الحصان وجهته وراح يجري صوب نهر، وفي عرض النهر توقف وبدأ يشرب، ولم أكن أجيد العوم، ووقعت عنه، وكدت ألفظ قلبي مع صراخي.

وأخيرا تمكنا أن نجد زهور الجليد، ولكنها بدت قبيحة، كانت نباتات ضخمة وسميكة أشبه بالكرنب، ولونها رمادي كالجليد القذر، لعلها النموذج الحي على فلسفة دارون. صورناها على أية حال، وأخذنا واحدة منها كتذكار حزين. ثم انطلقنا أنا ومديري بالجيب البائسة نفسها على مدار يومين آخرين، عبر أميال تلو أميال من الأرض دون أن نرى نفسا واحدة، ليس سوى العشب الأصفر وبقرة بين الحين والآخر. وأخيرا بدا على البعد تجمع سكني، ترعى من حوله بضعة خيول. توقفنا بجوار خيمة وجاءنا أخوان من الأوَيْجور فألقيا علينا التحية، ورأيا أننا نعطس ونوشك أن نتجمد، فذهب الأكبر بينهما إلى الخيمة ليعد لنا بعض الشاي المالح على المدفأة، وهي على وجه التحديد ما كنت أتوق إلى قربه. أعطيناه مائتي يوان في مقابل الطعام فكان ذلك بالقطع ضعف ما يراه في الشهر، فأرسل أخاه ليقتل لنا حملا. فتناول الأخ الأصغر حبلا طويلا وقفز على حصانه، وبدأ يطارد نعجة، في طقس بدا لنا جميلا ومحترفا، وأخيرا نال منها بحبله السحري الطائر.

طهيت البهيمة في قدر ضخم مع حفنة من ملح البحيرة كانت هي المكون الإضافي الوحيد. وأكلناها، فكنا نمسك قطعة من الحمل بيسرانا وسكينا بيمنانا، ونقتطع من اللحم الطيب ما تقع عليه أسنانا. ثم شربنا المرق المالح المدهن.

تأخر الوقت. وصلت امرأة حاملة المزيد من الخبز. تبين لنا أنها زوجة يقتسمها الأخوان، وأن ثلاثتهم ينامون معا في فراش واحد. قال الأكبر بين الشقيقين "ليس لدينا من المال ما نأتي به بامرأة أخرى". لم أفهمهما ولم أفهم الحياة في مراعي الجليد تلك، ولكنني فهمت معنى الفقر.

ثم عدنا إلى بكين وقمنا بتجهيز الإعلان التليفزيوني، فكان شعاره: "زهرة الجليد: حياتك، ومتعتك، وصحتك". فكان الأكثر ابتذالا بين كل ما شاركت فيه طول عمري. ولكنني رغم ذلك واصلت الحياة بضعة اشهر بما دفعوه لي.

بعد ذلك، وفيما كنت في أكاديمية بكين السينمائية، تذكرت الأويجور الذين قابلناهم في زنجيانج، وتبين لي أنني لم أقابل ثمة أيا من الهوي. يقولون إن في الصين قرابة عشرة ملايين من أهل الهوي، وإنهم يستوطنون مقاطعاتها الغربية مثل زنجيانج وننجكسيا. ولكنني أذكر أنني سألت أهل صحراء جوبي وجبل تيانشان "هل أنتم من الهوي؟" فكانوا يقولون "لا" بوجوههم المسفوعة قبالة خيامهم. فأين إذن أهل الهوي؟ أين الشعب الذي يفترض أنني منه؟

وبعد عامين، اي في عام 1996، ذهبت إلى مقاطعة كوينجاي لأكتب سيناريو للتليفزيون الحكومي عن بعض القضايا البيئية. سهل كوينجاي ـ التبت أشد ريحا وبرودة من زينجيانج. زرت بحيرة كوينجاي الشهيرة، أضخم البحيرات المالحة الحبيسة في الصين. ورأيت المياه زرقاء كأنها في الأساطير. كنت أرى بعيني الجمبري وهو يسبح في الموج. تلك المخلوقات الصغيرة الهشة. وكان العشب البري ينمو هنا وهناك محاولا البقاء على قيد الحياة في تلك التربة المالحة. وفي تلك المنطقة المرتفعة، كان الجميع منتمين إلى أقليات التبت، والمنغوليين والهوي. ولم يكن أحد غيري يرتدي سترة عصرية وبنطلونا من الجينز ويتكلم المندرين شأن أي صيني مديني من الهان، ولم يكن غيري يتذمر من برودة الجو. كنت طالبة جامعية تدرس الفن ولا تتوق إلى معرفة شيء أكثر من جان لوك جودار وهمنجواي وهل تكنيك الرسم لدى بولوك بدأ بالصدفة أم كان نتاج وعي فلسفي منذ البداية؟ كنت شابة تطمح إلى أن تكون مواطنة عالمية ولم أكن أكترث بغير هذا.

بعد بضع سنوات، في الأول من ابريل، غادرت الصين، وانتهى بي الحال إلى قرية ميتة وغنية في إنجلترا، كل بيت من بيوتها محاط بجيش من الورد الشائك. كان اسمها بيكونسفيلد، على بعد ثلاثين دقيقة بالقطار من لندن. وذات يوم سألتني امرأة في مكتب بريد بيكونسفيلد:
"أأنت فتاة هونج كونج التي جاءت هنا السنة الماضية؟"

"لا، هذه أول مرة لي هنا. وأنا من الصين".

"أوه، آسفة. الصينيون جميعا يبدون لنا متشابهين"

كانت لامرأة بيكونسفيلد لهجة بالغة التأنق، وشعر مثالي، شأنه شأن ردائها وأزرارها الذهبية النبيلة.

أحبطني قولها. كرهت الزهور الوردية حول البيوت الضخمة. ولكنني بدأت أدرك أن الهوية هي حقيقة أهم شيء في بلد أجنبي. وسألت نفسي: لو لم يكن لشخص ما هوية، أيكون له وجه؟ يكون شخصا بلا وجه ولا صوت ولا ذاكرة. وهل ليس لذلك شأن بمدى سعي المرء إلى أن يكون فردا، له صوته الخاص ووجه المميز.

وهكذا أنا الآن في أوربا الآفلة، أتملى خريطة الصين. خريطة الصين ذات الحروف الإنجليزية. وذلك مربك، أن تقرأ خريطة وطنك بحروف لغة أجنبية، فلا تعود على يقين من المواقع التي يفترض أن تكون بها هذه الأماكن. بصدق، أنا لا أجد الصين ذات المدن والبلدان، فكل ما أراه هو الحدود: منغوليا، كازاخستان، أوزبكستان، تركمنستان، أفغانستان، باكستان، الهند، بورما، نيبال، كمبوديا، لاوس، فييتنام، ودول كثيرة أخرى تائهة في جنوب الصين والمحيط الهادي. وعلى تلك الخريطة أحاول أن أعرف ما الذي يجعلني هيوية وما الذي يجعلني فلاحة، وما الذي يجعلني صينية.

** ولدت زياولو جيو عام 1973 في جنوب الصين، وهي مخرجة سينمائية، وكاتبة، ومعلقة ثقافية. تم ترشيح روايتها الثالثة "قاموس صيني إنجليزي مختصر للعشاق" ـ وتتناول طالبة صينية في لندن تسمي نفسها زِد، ظنا منها أن أحدا لا يستطيع نطق اسمها ـ لجائزة أورانج عام 2007. فازت بجائزة لجنة التحكيم الكبرى من مهرجان باريس الدولي لسينما المرأة عن فيلمها "ما أخبار سمكتك اليوم؟"
عن الإندبندنت