الاثنين، 4 فبراير 2013

ماتيس: كيف يتحول التوال إلى ذهب



كيف يتحول التوال إلى ذهب

جيمس بولتشين



في أحد أيام ربيع عام 1913، أقام طلبة معهد الفن بشيكاغو محاكمة هزلية للجرائم الجمالية التي اقترفها الرسام "هنري ماتيس". فكان ذلك رد فعلهم على معرض أقامه المعهد لأعمال مأخوذة من المجموعة الضخمة التي عرضت في مطلع ذلك العام من خلال المعرض الدولي للفن الحديث (آرموري شو) الذي أقيم في نيويورك وكان بالنسبة لكثير من الأمريكيين أول لقاء مع الحداثة الأوربية.
كانت المحاكمة عبارة عن عرض مسرحي محكم أقيم في الرواق الجنوبي من المعهد في حضور حشد من الطلبة وأنصار الفن، وكانت أسقف الرواق المقوسة تضيف إلى الحالة المسرحية المقصودة. جاء الحراس بالفنان الذي أطلق عليه تهكما اسم "هنري مرتبة الشَعر Henry Hair Mattress " مغلل اليدين مدفوعا إلى مقدمة المحكمة ـ أو "نقطة النصل الصدئ" على حد وصف صحيفة شيكاغو ديلي تريبيون للحدث. قدم الادعاء ثلاث لوحات مرسومة على التوال باعتبارها أدلة الاتهام ـ وقيل إنها أعمال أصلية أبدعها الفنان ولم تكن إلا نسخا لثلاثة من أعمال ماتيس هي "العارية الزرقاء" (1907) و"لوكس 1" (1907) و"السمكة الذهبية" (1912). وتليت الجرائم على المحلفين فكان من بينها "القتل الفني العمد، الإحراق التصويري، السطو الفني المسلح، الامتهان التام للون، الاستخدام الإجرامي للخط، الانحراف الجمالي الشامل، والاستخدام الجائر للعناوين".

"السمكة الذهبية" (1912)
كانت نسخ لوحات ماتيس غير مريحة بالمرة للجنة المحلفين المكونة جميعها من النساء (وكان ذلك في عام 1913 من قببيل التهكم، حيث لم تكن النساء قد حصلن بعد على حق التصويت) فتسببت في إغماء جماعي. صدر الحكم بالإجماع. وتم حرق اللوحات وسط ابتهاج الجمهور، ثم، في لحظة من لحظات المآسي الإغريقية المشوقة، تقدم الجلاد، وإذا بـ "المستقبلي الرعديد، يغلبه ضميره، ويسقط ميتا". وحملت جثته إلى الجانب المقابل من معهد الفن وشيعه الحاضرون، وانتهت الجنازة بنعي تلاه أحد الطلبة قائلا في خاتمه "لقد كنتَ مثالا حيا للموت في الحياة، لقد كنت جاهلا، وفاسدا، لقد كنت حشرة تضايقنا، فخير لك وخير لنا أنك الآن ميت". وكان مخططا عند هذه اللحظة أن يتم إحراق صورة لماتيس لكن الشرطة تدخلت قبل إحراق الفنان الحداثي الفرنسي هذا الإحراق الرمزي. فحتى في عرض من ذلك النوع كان إحراق الفنان تجاوزا للحدود.

"لوكس 1" (1907)
هذه الثورة على الحداثة كانت بالغة العنف، وأحدّ منها كانت كلمات النقاد والفنانين ممن توافدوا على معرض آرموري شو. ولو أن ما يفعله الفن الحداثي هو مجرد "القتل الفني" كما زعم طلبة معهد الفن، فمحاكمتهم الهزلية ذاتها كانت شكلا من الفن الحديث بما انطوت عليه من إضرام احتفالي للنار في أعمال ماتيس المنسوخة. ذلك أن إحراق الكتب والأعمال الفنية (أو حتى الساحرات) ينطوي على هذه المفارقة، إذ هو في الغالب لا يتعلق بالشيء المحروق في ذاته بقدر ما يتعلق بالإبقاء على فكرة أخرى، يعتمد بقاؤها في الغالب اعتمادا كبيرا على التدمير. وبهذا المعنى كانت المحاكمة الهزلية أكثر من مجرد غضبة، بل رأيا في عملية فنية رست سفينتها على الساحل الحاد للرسم الأكاديمي. أما الذي كان يكمن من وراء ذلك الغضب، والذي أثار غضب النقاد والطلبة، فهو كيفية استخدام ماتيس للتوال.  فبقدر ما كانت تلك المحاكمة تتعلق بجماليات الحداثة، كان تتعلق بمسألة ظلت كامنة لعقود على حواف الفن الحديث: ما الذي يجعل من التوال رسما؟

طبيعة صامتة مع فاكهة مطبوخة وتفاح وبرتقال (1899)
ذلك هو السؤال الذي يبحث فيه معرض "ماتيس: البحث عن الرسم المحض" [المقام في متحف المتروبوليتان بنيويورك في مارس 2013] وإن بمنحى مختلف بعض الشيء. بعرضه تسعا وأربعين لوحة من مئات الأعمال التي أكملها ماتيس في حياته، يبين المعرض أهمية التجريب وفعل الرسم ذاته في فهم أعماله. وبعرض الأعمال المرسومة كثنائيات أو كسلالسل، يبين المعرض هذا الفعل وهذه التجارب مع اللون على التوال، والطاقة الخلاقة في فنه.

طبيعة صامتة مع فاكهة مطبوخة وتفاح وثمار (1899)
في البهو المهيب الأول من أبهاء المعرض تجد نفسك في مواجهة التجريب مع اثنين من أعمال الطبيعة الصامتة أنجزهما الفنان في عام 1899 حينما كان في الثلاثين من العمر. بدأ ماتيس دراسته للفن في باريس في عام 1891 مخلفا من ورائه مهنة المحاماة مثيرا بذلك حزن أسرته الطبقوسطية النورماندية.
في لوحتي "طبيعة صامتة مع فاكهة مطبوخة وتفاح وبرتقال" و" طبيعة صامتة مع فاكهة مطبوخة وتفاح وثمار" تظهر محاولاته المبكرة مع التقنيات الانطباعية وما بعد الانطباعية.
توشك اللوحتان أن تكون إحداهما مرآة للأخرى في التركيب، لكن في حين أن تجارب اللوحة الأولى تتم من خلال ألوان ترابية، وضربات ثقيلة من الفرشاة، وأشكال هندسية على طريقة تراكيب سيزان، نجد الأخرى أكثر تسطيحا في اللون، والطلاء أقرب إلى الشفافية والنعومة، ويخفت باتجاه الركن الأيسر من اللوحة، والألوان أقرب إلى الاستسلام لنسيج التوال نفسه. هاتان لوحتان كان يمكن أن ينتجهما فنانان مختلفان كل الاختلاف، أو زمنان مختلفان من حياة فنان واحد. ولكن ها هما الواحدة جنب الأخرى، وقد رسمتا في سنة واحدة، فهما مساءلة أو علامة استفهام كبيرة حول أي محاولة أحادية لفهم ماتيس.

 "بحار شاب1"
نواجه تلك المساءلة المرة تلو المرة في هذا المعرض، مع استمرار هذه التجارب مع اللون والشكل والمنظور في تحدي مفهومنا عن ماتيس، مؤكدة أنه أكثر من مجرد ذلك الرسام المشهور بكولاجاته الظريفة. تأملوا "بحار شاب 1" و"بحار شاب 2" وكلتاهما رسمتا في جنوب فرنسا سنة 1906. الأولى تبدو أشبه باسكتش اسكتش للبحار وهو ملقى على مقعد بسيط، مائل الجذع إلى اليسار شاخص إلى البعيد. ألوان ثياب البحار والخلفية وضعت بضربات سريعة من الفرشاة تكشف عن التوال من تحتها، الجسم وقسمات الوجه محددة بخطوط سوداء قصد منها إعطاء البحار شيئا من العمق والصلابة. في حين تحطم النسخة الثانية عمق اللوحة، مقدمة بدلا من ذلك شكل جسم البحار محددا بتخطيط خارجي داكن ومبرزة درجات من الأخضر والأزرق والوردي. ويخلو العمل من أي استخدام للضوء والظل. هذه النسخة تخرق المنظور التصويري الذي كان بموجب معايير الفن الأكاديمي واشتراطه من أهم المحددات التي تجعل من التوال عملا فنيا.

"بحار شاب 2" (1906)
غير أن أوضح غياب للعمق هو الذي يتبدى في لوحتين ضخمتين هما "لوكس 1" و"لوكس 2" من مجموعة عامي 1907 و1908 المجاورة في المعرض. يستخدم ماتيس الطلاء ليعطي نسيجا وشكلا لأجسام النساء الثلاث المرسومة عارية على سفح تل، وللبحيرة وللتلال المرتفعة من ورائهن في البعيد. أما في النسخة الثانية فالقصد من الرسم أن يعطي قالبا، والألوان المسطحة محددة بالأسود، وأشكال الغيوم والتلال مسطحة وكثيفة بضربات الفرشاة، والاسكتش المرسوم تحتها بالفحم مكشوف من خلال الطلاء. تثير هذه اللوحة آليات عملها ونحن نصادف جهود الفنان على التوال، إذ يخلق حميميتها الخاصة بين المشاهد والفنان، وبين المشاهد والتوال أيضا.

لوكس 2 (1907)
بجانب هاتين اللوحتين إطار كبير للرسم الأول. كان من الشائع لدى ماتيس أن ينفذ اسكتشات في ضخامة اللوحات النهائية إيمانا منه بمقدرة الاشكتش على الاحتفاظ بقوته الخاصة في التصوير والرسم. وهذا الاسكتش يخدم في الحفاظ على اللوحة الأولى لكنه يشير إلى التخفف من العمق في اللوحة الثانية. هذا النسخ عن النسخ ـ وهو استكشاف أقرب إلى الهوس لاستخدامات الأشكال والخطوط ـ يبرز إلى أي مدى كانت أهمية مواضيع اللوحات بالنسبة لماتيس أقل من أهمية كيفية تلقى التوال لمواضيعه واحتفاظه بها. لقد رد ماتيس في حوار يرجع إلى سنة 1925 على تساؤل النقاد عن تكراره لمواضيعه فذهب إلى إنه على مدار تاريخ الفن ظل الرسامون "يعيدون عمل نفس اللوحة بطريقة مختلفة.  فكل فترة معينة، كان سيزان يعود إلى رسم ’المستحمات’". وهو بإشارته إلى سيزان ـ الذي كان يكن له عظيم الإعجاب ـ أظهر ماتيس انحيازه إلى اتجاه في الفن يعلي من عمل الفنان بمثل ما يعلي من مواضيعه التي يرسمها.
هذا الاتجاه في ذاته هو بحث في الحدود والإمكانيات، لا الخاصة بالرسم وحده، بل وبالتوال نفسه. ومن النصوص المعلقة على الجدران في المعرض مقتطف من كليمنت جرينبرج ـ وهو الناقد الفني المناصر للحداثة يقول فيه إن ماتيس كان "معلما مطمئن النفس إلى أنه معلم، وما كان يملك إلا أن يجيد الرسم إجادته للتنفس".
تلك الطمأنينة مبعثها المقدرة على استخدام التوال كمجال للاستكشاف، لخلق اللوحات التي تصاد في لحظة تعبير لكنها تبقى منقوصة تماما لدى كل من الفنان والمشاهد. وإن في هذا النقصان قوة، فهذه اللوحات تبدو طول الوقت في غمار التحول إلى ما هو أكمل. قوة هذا النقصان تثير سؤالا يبرزه هذا المعرض بمجرد أن تبلغ منتصفه تقريبا: ما الذي يكوّن لوحة مكتملة؟

اسكتش "لوكس" (1907/1908)
أعمال ماتيس، وتكراره لأعماله، تلقي الضوء على كل من فعل الرسم وإمكانات التوال. لقد كان أوائل نقاده مستائين من مستوى أعماله. حتى أن ناقدا بعينه تمنى أن يأتي اليوم الذي يبرأ فيه ماتيس من "النقصان" وكأنما هذه اللوحات شبه الاسكتشية مرض. وربما في محاولة للرد على هذه الانتقادات عمد ماتيس إلى التصوير الفوتوغرافي لعملية الرسم نفسها، وما يطرأ على التوال من تحولات خلال مراحل الاشتغال عليها، وظل ذلك دأبه لفترة طويلة من حياته. في كتابه "ملاحظات رسام" الصادر سنة 1908 كتب يقول "إنني لا أتبرأ من لوحاتي، ولكن ليس بينها لوحة واحدة لا أعيد اشتغالها بطريقة مختلفة لو كان عليّ أن أعيدها. مبتغاي دائما واحد ولكني أعمل على الوصول إليه من طريق مختلف". وبهذه الطريقة تعطينا الصور الفوتغرافية لعملية الرسم خارطة طريق لاستكشاف ماتيس للاتجاه الذي توليه اللوحة كل يوم.

الفستان الأزرق الضخم (1937)
بحول ثلاثينيات القرن العشرين أصبح التوال نفسه فضاء ديناميكيا، فخلافا لتركيزه سابقا على سلسلة من قطع التوال في موضوع واحد، بدأ يعمل على نفس قطعة التوال، يرسمها ويعيد رسمها، كاشطا بعض طلاء الجلسة السابقة، تاركا بعضه دون أن يمس، وفي كل إعادة للشغل يبقى أثر من التراكيب السابقة. وبهذه الطريقة نفذ "الفستان الأزرق الضخم" في عام 1937، حيث كان يرسم على مدار أيام عديدة، وكانت كل جلسة تنتهي بصورة فوتغرافية للتوال يلتقطها مصور استأجره لهذا الغرض وكانت تعينه في تلك العملية الموديل الروسية ليديا ديلكتورسكايا وهي مهاجرة روسية قابلها ماتيس في مدينة نيس في أوائل ثلاثينيات القرن العشرين عندما كانت هي في الثانية والعشرين من العمر بينما هو في الثانية والستين. عينها ماتيس مساعدة لزوجته ومساعدة له هو في مرسمه. وفي حين أن وجودها أحدث تمزقا في زيجة ماتيس (فتركته زوجته سنة 1939)، إلا أن ليديا ديلكتورسكايا ستصبح الموديل الكامل لماتيس، والملهمة والراعية طوال البقية الباقية من حياته. وخلال أربعينيات القرن العشرين عمل ماتيس وليديا ديلكتورسكايا التي كانت داعمته ومساعدته في مرسمه في مدينة نيس غافلين تقريبا عن الدمار الذي تحدثه الحرب من حولهما.
 ماتيس لم يكن فنانا سياسيا، وليس في أعماله التي أنجزها في الأربعينيات غير إشارات قليلة إلى صراعات أوربا. 

صورة فوتغرافية توثق رسم ماتيس لـ "الفستان الأزرق الضخم" (1937)
من بين القاعات الأخيرة في هذا المعرض قاعة تعيد خلق معرض جاليري ماييه Gallerie Maeght المقام سنة 1945 لأعمال ماتيس ومن بينها "لا فرانس" (1939) و"طبيعة صامتة مع مانوليا" (1941) و"الحلم" (1940). ومثلما كان الحال عند عرضها سنة 1945، وضعت هذه اللوحات وسط صور فوتغرافية تسجل عملية رسمها على مدار أسابيع. وذلك كان خيار ماتيس: أن يعرض أعماله في سياق تكونها. وكان الهدف الوحيد من المعرض حسب ما كتب ماتيس "هو عرض تطور الأعمال الفنية عبر مراحل خاصة إلى نهايات محددة وعلامات دقيقة". الغريب أنه لا ذكر للحرب في هذا المعرض المقلد الذي أقيمت نسخته الأصلية بعد مجرد شهور من استسلام الألمان وتحرير باريس. لقد كانت المدينة لا تزال تعاني من نقص الطعام والكهرباء بينما كان المشاهدون يتزاحمون على المعرض يوم افتتاحه ليقابلوا بالداخل ما لا بد أنه بدا لهم غريبا: لوحات بجانب  صور فوتغرافيا بالأبيض والأسود تسجل الشغل عليها. كان ذلك العرض بمثابة حالة فيلمية ـ بحسب ما كتبت أمينة المعرض "دوروثي آجيسين" في مقالتها بالكتالوج المصاحب ـ إذ هي تسجل لقطات متتابعة للتوال قبل أن يتحول إلى اللوحات المعروضة. لكنني لا أقاوم فكرة أن الهاجس الذي سيطر على ماتيس فجعله يحتفظ بسجل لعملية الرسم ذاتها إنما جاء كرد فعل للدمار المحيط به على المستويين الشخصي والاجتماعي.

طبيعة صامتة مع مانوليا" (1941)
حفاظه أيضا على سجل عملية الرسم سمح بوجود واقع وصفه المؤرخ الفني جاك فلام بـ "حالة التحول الدائمة" مبينا كيف أن التركيز على العملية الفنية يسمح بوجود مشروع النقصان المستمر. ولعل هذا هو ما يجعل هذا المعرض آسرا. فهو يذكرنا أن الشغل في الفن سعي من فوق سعي، طبقات من الجهد، غالبا ما تضيع من وراء غلالة غموض منشؤها حماسنا نحن للوحة بوصفها أيقونة من أيقونات السوق، فتجعلنا بذلك على مسافة من تعقيدات العملية الفنية والقوى الثقافية التي تحدد متى تتحول قطعة من التوال، إلى قطعة من الفن.

طباعة جديدة لصورة فوتغرافية تسجل شغل ماتيس على للوحة "الحلم" (1940)
في اليوم السابق على وفاته سنة 1954 عن أربعة وثمانين عاما، رسم ماتيس اسكتشا صغيرا لـ ليديا ديلكتورسكايا بالقلم الجاف. وكان ذلك آخر اسكتش له. وفي السيرة التي كتبتها "هيلاري سبيرلنج" لماتيس تلاحظ أن الفنان فرد ذراعه بالرسمة ليقيم مستواها ثم قال "ستنفع".

كاتب المقال هو أستاذ الكتابة الإبداعية في جامعة نيويورك
نشر المقال في 18/1/2013 في "ذي سمارت ست"  ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان