الأحد، 2 سبتمبر 2018

بين عالمين ... أسرة من زنجبار تناضل لإنقاذ ميراث شاعر


بين عالمين
أسرة من زنجبار تناضل لإنقاذ ميراث شاعر
أماندا لاي ليتشتنشتاين
حاجي جورا حاجي يكلم الأشباح. هو في قرابة الخامسة والثمانين، وهو من أحظى شيوخ زنجبار بالاحترام والتوقير، ويعد بصفة غير رسمية أمير شعراء الأرخبيل. يقضي الصباح في سريره ملفوفا بستائر البعوض، هائم العقل بين العالم الحقيقي في غرفته الصغيرة التي تلهبها شمس بوبوبو الحامية، وبوبوبو قرية صيد صغيرة تقع على بعد خمسة أميال إلى الشمال من عاصمة زنجبار، وبين عالم الموتى الخيالي.

يقول ابنه، المسمَّى أيضا حاجي، وهو الآن في الأربعينيات من عمره، إن "أبي رجع إلى حالة الطفولة، وذلك مذكور في القرآن. وواجبنا أن نعتني به ونحرص على أن يتذكره الناس".
فضلا عن الأشباح، تعيث في عقل حاجي دورا دوامة عمر من الشعر المحفوظ، ومن ذلك قصيدته كيمبونجا (الإعصار) التي كتبها عن ثورة زنجبار العنيفة. فتراه كثيرا ما يقطع الحوار ليتلو أبياتا:


حاجي جورا حاجي في تومباتو ـ ابريل 2013 ـ تصوير: بيتر بينيت


في يوم من الأيام هب إعصار
في بلدة سيايو هذه
لا على هذا الشخص أو ذاك
كانت الفوضى عارمة
خلع شجر الباوباب ـ من جذوره
ومرَّ على النخل
بردا وسلاما
والقلوب انخلعت.

تطايرت الصخور
مضت تتدحرج وتتدحرج

غرقت السفن الكبيرة أمام ذلك الإعصار العنيف
والعربات التي تجرها الخيول
نجت
والغبار لم يثر
لكن القلوب انخلعت.
لحاجي حورا إسهامات هائلة في الشعر السواحيلي، بل وفي اللغة السواحيلية نفسها. يعرف أكثر ما يعرف بـ كيمبونجا، كتابه الأول، المنشور سنة 1994. أصدر بعده ستة كتب شعرية منها "ملحمة النبي سليمان بن داود" و"أسرار جينجينجي"، وكذلك خمسة كتب للأطفال صدرت جميعا في مطلع القرن الحالي. وفي عام 1999، كان ممثلا للشعر السواحيلي في مهرجان روتردام الدولي للشعر، وفي 2006، وضع أول قاموس للهجة كيتُمباتو المتداولة في جزيرة تمباتو وتقع على مسافة نصف ساعة في البحر من سواحل شمالي أونجوجا التي ولد فيها الشاعر.
برغم كثرة إنجازاته، يعيش حاجي جورا فقيرا، في شبه عزلة تامة. صحته تتدهور، والعارفون بأهمية أعماله حائرون في كيفية الحفاظ على إرثه. يتولى اثنان من أبنائه، هما علي وحاجي، مسؤولية رعايته بصفة أساسية في بيته بـ بوبوبو. يحرص علي، وهو شاب في الثامنة والعشرين، أكمل مخطوطتي ديوانين من شعره الخاص، على أن يكون هاتفه مشحونا طول الوقت ليكون مركز اتصالات أبيه. وحاجي، معلم تربية إسلامية سابق، خافت الصوت، لديه السلطة القانونية التي تخول له تولي شؤون أبيه. ويحلم الأخوان معا بيوم تقام فيه مؤسسة جورا حاجي لدعم أعمال أبيهما وأرشفتها، وتحتوي مكتبة صغيرا ومكتبا على مقربة من بيتهم لعرض كتب أبيهما واستضافة الفعاليات الشعرية. ولكن في غياب التمويل، تبقى هذه الأحلام خيالات في الهواء.
تأمل الأسرة ـ ولا يزال عشرة من أبناء حاجي جورا على قيد الحياة ـ بأن يدر كتابان حديثان بعض الدخل. كتاب "حياة حاجي جورا" وهو سيرة كتبها الصحفي الزنجباري علي صالح ونشر في 2016، وكتاب "الهادئون" الذي حرره كل من فلافيا آييلو تراوري وإيريني برونوتي وهو عبارة عن مجموعة من أعمال حاجي جورا الأخيرة ينتظر نشره في وقت لاحق من العام الحالي. وبرغم أن كتاب علي صالح قد أدرَّ إلى الآن قليلا من الدخل، فإن العقد الذي وقعه حاجي جورا مع الناشر ـ في حفل عام في يناير 2018 ـ لا يخول له غير نسبة معينة من العائد في أثناء حياته، ثم يشترك علي صالح والأسرة في هذه النسبة بعد وفاته.
وحتى في حال إدرار الكتابين بعض النقود، فما من سابقة تذكر في زنجبار لرعاية إرث فنان. وتشير أسرة حاجي جورا إلى مصير المطربة الأسطورية فطومة بنت بركة المعروفة بـ بي كيدودي. عرفت ببلبلة زنجبار الحبيبة المغردة، وماتت مفلسة في ابريل 2013 وقد تجاوزت المئة. ووقعت تركتها في وحل خلافات حول من يمتلك حقوق أعمالها وصورتها. ولم تتحقق الأحلام بإقامة منحة بي كيدودي لدراسة الموسيقي للنساء، أو مركز بي كيدودي للزوار في بينت المطربة الراحلة. وتخشى أسرة حاجي جورا أن يلقي الشاعر مثل هذا المصير.
ولأن بعض أعمال حاجي جورا الأولى غير متاحة في طبعات نهائية، بل ومنها ما ليس متاحا في أي طبعات على الإطلاق، فهي معرضة لخطر الاختفاء التام، ليختفي معها نصف قرن من تراث زنجبار الثقافي. يقول لي الكاتب علي هلال إن "حاجي جورا ليس أكبر كتاب زنجبار الأحياء من حيث السن فقط،  بل من حيث الفن ذاته. وليس بوسعنا المضي في ترويج أدبنا بدون الرجوع إلى الوراء والنظر إلى الأدب القديم. لو فقدنا رجلا مثل حاجي جورا، فإننا نخاطر بأثرى أشكال هذا الفن وأعتقها وأعرقها، فلا يراها شباب اليوم، ما لم نحفظها، ونتعلم منها. إن كتاب زنجبار القادمين يستحقون أن يعرفوا عبقرية حاجي جورا. ومستقبل الأدب الزنجباري يعتمد على هذا".
***
شأن كثير من الأطفال الذين يولدون في زنجبار، كان البحر هو الذي صاغ حياة حاجي جورا. ولد ـ بحسب أغلب الروايات ـ سنة 1933 (بدون شهادة ميلاد، فلا يعرف له أحد تاريخ ميلاد محدّدًا) وتعلم قراءة إيقاع الأمواج قبل زمن طويل من إمساكه القلم والورقة. كان والده جورا حاجي قبطانا بحريا وصيادا محترما ووالدته مايزي مجومبي جوما ربة بيت. وبرغم أن حاجي جورا لم يتعلم الكتابة والقراءة رسميا قط فقد علمه أحد أصدقاء طفولته حروف الهجاء كما التحق حاجي جورا بمدرسة دينية لتعلم القرآن (وغالبية أهل زنجبار مسلمون). ومثلما كتب علي صالح كان حاجي جورا "يتسول" الدروس "ويقترضها" إلى أن تعلم القراءة والكتابة بمفرده.
حينما بلغ الرابعة، انتقل حاجي جورا إلى حي إمباير المزدحم في مدينة ستون تاون التاريخية بجزيرة أنجوجا (وهي الجزيرة الأساسية في زنجبار التي حملت اسمها سينما شهيرة وصورت فيها أفلام هوليودية كثيرة. في مراهقته كان يتسلل إلى سينما إمباير ليشاهد الواردات الأمريكية مثل "20 ألف فرسخ تحت البحر" ثم يقصد البراوا (وهي أرائك حجرية طويلة) ليحتسي القهوة السادة المركزة ويثرثر مع أصدقائه حتى حلول المساء وهم يلعبون الباو، وهي لعبة لوحية شائعة في الساحل السواحيلي، وينعم بنسيم البحر وما يحققه من استرخاء عقب قيظ النهار.
في أربعينيات القرن العشرين، كان حاجي جورا كثير التنقل بين تومباتو الهادئة  وستون تاون الصاخبة مستلهما شعره الأول من كلا المكانين. وفي تلك الأيام كان السلاطين لا يزالون يحكمون، برغم أن البريطانيين أيضا كانوا يتولون حكم زنجبار إداريا. وفي عام 1963 وقعت الاضطرابات السياسية وقامت الثورة لتشهد زنجبار شهرا واحدا كانت فيه دولة مستقلة قبل أن تندمج مع تنجانيقا Tanganyika  سنة 1964 وتصبحا ما نعرفه اليوم بجمهورية تنزانيا المتحدة.
وفي حين تحول الأفق السياسي في زنجبار على مدار العقود، بقيت الثقافة الساحلية السواحيلية مركزية في حياة الجزيرة. ويرصد حاجي جورا حبه للغة حتى يجد جذوره في النجوما، وهو عزف مدوٍّ آسر على الطبول جاء من الكونغو. وهو من تراث البانتو الذي انتشر في زنجبار من خلال تاريخ العبودية المظلم ومع التجارة بين الداخل الأفريقي والساحل السواحيلي وكذلك مع الجزيرة العربية. وللنجوما أشكال عديدة، لكلٍّ منها إيقاعاته وأصواته، وقد انجذب حاجي جورا إلى "نجوما يا كيباتي" الذي يقوم على حوار مرتجل سريع بين مجموعتين من الطبول يبرز المغنون والراقصون إيقاعاتها بأبيات مكتوبة للكورال.
في مراهقته المتأخرة، انضم حاجي جورا إلى "زايجي ونجامبوا، وهما فريقا طبول متنافستان. كان إيقاع الطبول يثير شعرا مرتجلا مقصودا منه تصحيح الأخطاء الشائعة أو التنبيه العلني لأولئك الذين تجاوزوا الحدود بطريقة أو بأخرى. فألف مئات الأبيات التي تتراوح ما بين محاورات مطولة ومقاطع ثلاثية حادة، وكثير من ذلك لم يدوَّن قط فلا وجود له في غير ذاكرة حاجي جورا:
لا تشرب
لا تشرب الدنيا، عليك أن تقتسمها مع الآخرين
للإمام لعناته وللتابعين أيضا لعناتهم
والدنيا أظلمت، من أفعال البشر

ليس البشر أخيارا
البشر ليسوا أخيارا، مؤكد ليسوا أخيارا
ومن تثق فيه، وتبدي له الرحمة وتأتمنه على سرك،
ذلك تملؤه الضغينة.
لم تدرّ النجوما كثيرا من المال، ومع ذلك استمر حاجي جورا في التأليف والعزف جنبا إلى جنب عمله حمالا بميناء ماليندي في ستون تاون. وفي أواخر الخمسينيات دُعي إلى الانضمام إلى نادي ميتشنزاني الاجتماعي ونادي إخوان الصفا الاجتماعي وهما أقدم فرق الطرب الزنجبارية وقد تأسستا في عام 1905. والطرب هو موسيقى عاطفية ـ وكلمة الطرب نفسها عربية الأصل معناها "التأثر" أو "الاستثارة". في مزيج من أساليب الشرق الأوسط والأساليب الأفريقية، وصل الطرب إلى زنجبار أول ما وصل في سبعينيات القرن التاسع عشر بفضل السلطان العماني برغش Barghash  الذي أوفد الموسيقار محمد ابراهيم إلى مصر لدراسة الموسيقى المصرية وتعلم العزف على القانون، فلما رجع محمد ابراهيم إلى زنجبار أسس أول فرقة طرب زنجبارية، واستولت تلك الموسيقى الهادئة على أهل زنجبار وبمرور الوقت أصبح الطرب مرادفا للجزر.
كتب حاجي جورا مئات الأغنيات الطربية التي تجتمع فيها العاطفة الرومنتيكية بالتزاماته الراسخة بالسياسة والفلسفة. كتب أغلب تلك الأغنيات في مقطوعات مقفاة ثلاثية الأبيات، ولحنت فعزفتها كبرى الفرق في القاعات الموسيقية في شتى أرجاء الجزيرة. وبينما استمر حاجي جورا في العمل في الميناء، بقي الطرب حجر زاوية في إبداعه.
وابتداء من ستينيات القرن العشرين، باتت أغنياته تذاع في الإذاعة الزنجبارية ويغنيها أشهر المطربين في الجزيرة. وتعد أغنية "دنيا ولها وجهان" أول أغنية رسمية في حياة حاجي جورا، وقد كتبها سنة 1959، ليغنيها المطرب خميس عبيد من بلدة زنجبار في عام 1964

دنيا ولها وجهان
دنيا ولها وجهان
تبادرك بالخير
لكن ليس لها أمان.

تلعق العسل
ويسعدك الناس
وتمتلئ حياتك
وأتذكر ذلك جيدا
أتذكر أن الشر يأتي
وتنقلب عليك دنياك

صن كرامتك
واجعل كل ما تقوله بلسانك
تصدقه أفعالك.
برغم أن كثيرا من أغنيات حاجي جورا الطربية أغنيات غرامية في مديح الحب، فقد كانت حياته العاطفية عنيفة. إذ يروي علي صالح أن حاجي جورا أصيب بحزن شديد من جراء حب من طرف واحد حتى أوشك أن ينهي حياته. فسبح إلى ما وراء الحاجز المرجاني متوغلا في المياه العميقة، و"تصادف أن رآه بعض البحارة فنادوه وسألوه عما يفعله هناك، ولمَّا لم يجبهم إجابة شافية، أنقذوا حياته". ويتضح فتور حاجي جورا تجاه الحب في أغنيته "يا حبيبتي، يا حبيبة قلبي" التي كتبها في وقت ما من الستينيات:
يا حبيبتي، يا حبيبة قلبي
سلاما يا حبيبة قلبي
ليس بوسعي أن أبتسم
وهكذا هو حال نفسي:
بلا حدود
يعتمل القلق في نفسي
روحي بين يديك
يعاقبني الحب
نحلت حتى صرت كالخيط
أجهز الحزن عليّ
سلاما لك يا حبيبة قلبي
يا بعيدة فلا أراك
أنا الغارق في الحب
أبكي وداعك
ولا أعرف ما العمل
ساعديني على الإيمان.
ففي حب شخص مثلك
لا يتوقف مثلي عن التفكير
واللوذ بحلمه.
يقول علي هلال "إننا نرى عبر حاجي جورا أن  الفن هو الشعور وأن الشعور أساس الشعر. ما يحرك حاجي جورا هو الإحساس. ما يحركه هو بيئته. ذلك ما تقوم عليه حياته: الإنسانية : أفعالنا، طبيعتنا، عوالمنا".
ومع تنامي شهرته بين محبي الطرب، اكتسب حاجي جورا كذلك شهرة  بوصفه من أشد المصارعين بالكلمة في قالب شعري فريد معروف على طول الساحل السواحيلي هو قالب المشاعري يا مالومبانو، أو شعر المواجهة. في هذه المعارك الكلامية الأسبوعية ـ الشبيهة بالدزائن Dozens  وهي مباريات في الشتائم شائعة بين المجتمعات الأفروأمريكية ـ يتبارى الشعراء في تحد، قد يكون لغزا أو تحريضا شعريا من خلال الجرائد المحلية  أو عبر الإذاعة. ومن يرى من الشعراء اسمه مطبوعا أو يسمعه مذاعا يرد في الأسبوع التالي بشيء من شعره. ويستمر التراشق الأسبوعي "إلى أن يخفت التحدي" بحسب ما يقول علي صالح. هذه الأشعار تلقى إلقاء دراماتيكيا بوصفها أغنيات تلتزم إيقاعاتها بقواعد صارمة تحددها الفينا (أي القوافي) والميزاني (أي عدد التفعيلات) والبحري (أي البحور الشعرية).
يشيع هذا القالب في شرق أفريقيا منذ قرون كوسيلة للمديح والتعلم والمجادلة، وفوق ذلك كله، للعب بالكلمات. في الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، كان أداة جوهرية، ومجرَّمة اجتماعيا، للكتابة في مواضيع من قبيل الآيدز والعنف الأسري والبطالة وغيرها من التابوهات الكتابية. من أشهر مؤلفات جادي جورا "لا تضرب زوجتك بعصا"، وفيها يناصر حقوق المرأة في موقف يعارض بجرأة العادات في زنجبار. ازدادت شهرة حاجي جورا في ردوده على المتحدين بسخريات حاذقة وقراءات بارعة. في بعض أكثر أعماله استثنائية، وقد أذيعت في الإذاعة سنة 1998، تجادل هو والشاعر جوما ماتشانو حول وجود الـ تشونوسي، وهي في الفولكلور السواحيلي كائنات بحرية خفية قابعة تحت الماء ويعتقد أنها تغرق العائمين.
يسأل ماتشانو:
بسم الرب أبدأ
هذه ليست المرة الأولى
وسؤالي
أي نوع من الكائات هو التشونوسي
باسم أتقى تعامل مع كائن كهذا
أرجوكم جميعا أن تحتملوني
وأخبروني أين يعيش؟
يرد حاجي جورا:
يأ أيها المحرض
ها أنا جئت إلى إذاعة زنجبار
وسألتني أنت عن التشونسي
فاسمع بغير انتظار
فورا ودون احتقار
للمعلم الذي أبدو إياه
في إجابتي التبيان
التشونسي من الجان.
في مطلع تسعينيات القرن الماضي، شرع حاجي جورا في جمع شعره المدون ـ وأغلبه من أغنيات الطرب ـ في مخطوطة عنوانها كيمبونجا. وبتشجيع من بعض أساتذة جامعة زنجبار، أطلع على أعماله غير المنشورة علي مواليمو راشد وكان في ذلك الوقت رئيس قسم الدراسات والنشر في الجامعة. يقول علي مواليمو راشد "علمت حينما اطلعت على المخطوطة أن حاجي لديه من الموهبة والإبداع أكثر مما لدى أي شخص صادفته". وارتبط حاجي جورا في نهاية المطاف بمطبعة جامعة دار السلام التي نشرت كيمونجا سنة 1994. وبذلك بدأ الفصل الثاني في حياة رجل يعتبره الكثيرون منذ عهد بعيد أعظم شاعر سواحيلي على قيد الحياة.
***
في 2015، حينما كان حاجي جورا في مطلع الثمانينيات، صدمته سيارة وهو يقوم بجولاته المعتادة في سوق داراجاني المزدحم في ستون تاون. كسرت ساقه وانتقل على مضض من المدينة ليقيم في قرية مجاورة ليتسنى لأهله الاعتناء به. كانت المتاهة الاجتماعية في المدينة تغذي الإبداع دائما لدى حاجي جورا لكن أسرته أصرت على أنه بحاجة إلى إشراف حثيث خلال فترة تعافيه.
ومع شفاء ساق حاجي جورا، بدأ عقله يخف. أودعته أسرته غرفة بسيطة بلا مذياع أو هاتف محمول، وهما الحبلان السريان في حياته، خوفا من أن يضل إن خرج من البيت وحده. وأخفوا عنه كراساته وأقلامه. إذ تعتقد أسرته أنه لم يعد قادرا على الكتابة بالطريقة التي درج عليها  وأن عليه أن يريح عقله. وبعد ستة أشهر من الانتقال إلى القرية بدأ حاجي جورا يكلم بشرا وكائنات خفية. يقول لي علي وهو يهز كتفيه في أسف إن "بعض كراساته [التي تحتوي أعمالا غير مكتملة] ضاعت في أثناء التنقلات أو أتلفها الأطفال". ويحتفظ أشقاؤه بما بقي من كراسات أبيهم آمنة في بيت العائلة. حينما زرته في نوفمبر 2017، انتظر حاجي جورا إلى أن غادر أبناؤه الغرفة ثم اعترف أنه يتوق إلى الكتابة مرة أخرى. وفي لحظة نادرة صفا فيه ذهنه طلب مني أن آتيه بقلم جيد.
تقول نتالي آرنولد كوينينجز الباحثة والمترجمة التي التقت بحاجي جورا وهي في الرابعة والعشرين من العمر عندما كانت تدرس الأدب السواحيلي في زنجبار "إنني أخشى أن يكون شاعرا بعض الشيء بالوحدة. وأريد أن أقول لأصدقائه: المعلم لم يزل بينكم! فاستغلوا الوقت وزوروه، وأطلعوه على الأخبار. خذوه إلى سوقه المفضل في المدينة، دعوه يثرثر ودعوه ينهل من الأنشطة البشرية التي تمثل لشعره قلبه وروحه. دعونا نشكره، ونراعه، ونمنحه الحب ما دمنا قادرين على ذلك. لقد أعطاكم الكثير ولا يجب أن تنسوه".
كانت كيمبونجو، وهي من أشهر قصائد حاجي جورا، موضع اختبارات عديدة لطلبة المستوى الرفيع في تنزانيا، ولم يحصل حاجي جورا على عائدات من مطبعة جامعة دار السلام غير مرة واحدة، وليس إلا بعد مطالبات حثيثة من أقرب أصدقائه ريدر سامسوم. وهو ما يفاجئ على مواليمو راشد من جامعة زنجبار إذ يقول لي إن الكتاب بيع لآلاف الطلبة في شتى أرجاء تنزانيا وأعيد طبعه مرات كثيرة. سافر حاجي الأصغر إلى دار السلام في السنة الماضية ليتأكد من مستحقات أبيه، ولكنه لم يكن يمتلك آنذاك السلطة القانونية فحيل بينه وبين المعلومات. ولما رجع مرة أخرى ومعه الأوراق التي تثبت حقه القانوني في تمثيل أبيه، وعدت الجامعة بإرسال خطاب رسمي يحتوي المزيد من التفاصيل. وبعد أسابيع تلقى حاجي جورا خطابا من الجامعة يدعو الأسرة إلى التقدم بشكوى إلى الحكومة.
غير أنه حينما يحصل حاجي جورا على أجر، فإن الأدب لا يدر من المال ما يفي بتلبيه الاحتياجات. يعاد طباعة كتابيه المؤلفين للأطفال سنويا في ما بين 300 و700 نسخة حسبما تقول فاطمة شانجازي المديرة المحلية لمطبعة جامعة أكسفورد في دار السلام. "ونحن ندفع للكتّاب عائداتهم مرتين في السنة، في ديسمبر ويونيو. يحصل حاجي جورا على عشرة في المئة من صافي الأرباح، وتباع كتبه بـ 3300 شلن [ما يعادل 1.50 دولار أمريكي]. ووفقا لحساباتنا فإن حاجي حصل على 256000.10 [أي 116 دولار أمريكي] اعتبارا من ديسمبر 2017".
تلك المبالغ الزهيدة لا تتسق مع المكانة الرفعية التي يحتلها حاجي جورا في الجزر. فهو ـ كما تقول كوينينجز ـ "المقياس الذي أقيس عليه قدراتي ككاتبة. وأرجو بحق أن يقوم محبوه ـ ونحن الذين نحبه كثيرون جدا في زنجبار وشرق أفريقيا وفي العالم كله ـ بالتكتل جميعا، والتنسيق فيما بيننا بطريقة أو بأخرى، لنضمن المحافظة على إرثه ونعلمه أيضا بقوة وبحق كم يعني بالنسبة لنا".
***
في زنجبار كثيرا ما أقابل علي في موقف الحافلات الفوضوي في سوق داراجاني على طرف مدينة ستون تاون. وبدونه أضل الطريق وسط المسارات الرملية المتلوية باتجاه بيت العائلة المختفي وراء الطريق الرئيسي وسط كثير من البنايات الأسمنتية المزدحمة والمزارع الصغيرة والمساجد الضئيلة المكتوب على صفائح ملصقة إليها بخط اليد تسبيحات لله.
في الدلدلة المزدحمة (والدلدلة daladala  هي شاحنة الركاب الصغيرة في زنجبار) ينطلق علي مغنيا أغنية شعرية في ما بين الأحاديث عن إرث أبيه. يهز رأسه مبديا تخوفه من أن حياته سوف تضيع مثلما ضاعت حياة أبيه: غنية بالكلام فقيرة إلى النقود. حينما كان علي في العشرين من العمر، ألقى قصائده في برنامجي "مؤلفات جيدة" و"شعراؤنا" في الإذاعة المحلية، ولكن ذلك استوجب دفع ألفي شلن [قرابة 85 سنتا] للقصيدة الواحدة.
يقول علي إن "الإذاعة تجعل الشعراء يدفعون زاعمين أنهم يسوِّقوننا بعرض أعمالنا. هذا لا يضيف شيئا إليّ". وهو يعتمد على الإنترنت وشبكة دولية كبيرة من الأصدقاء لمساعدته على التحقق ككاتب. وأسرته كذلك تفكر في اللجوء إلى الإنترنت لترويج وبيع أعمال حاجي جورا، ولكن استعمال الإنترنت مكلف للغاية في زنجبار، ونادر أيضا. ففي 2016 لم يكن الاتصال بالإنترنت متاحا إلا لـ 13% من أبناء زنجبار.
لا نكاد نصل إلى البيت حتى نحيي حاجي جورا بالسلام التقليدي المخصص للكبار الموقرين "شيكامو" فيرد علينا "مرحبا". يجلس منتصبا في السرير، مرتديا كانزو [جلبابا] رماديا داكنا ولفاحا كلاسيكيا أصفر مزخرفا باليد مائلا بعض الشيء إلى اليمين. يغادرنا علي لوهلة ويرجع ملوحا في فخر بـ موانا مكيوا، وهي مخطوطته الشعرية الأولى وتحتوي خمسا وخمسين قصيدة عن شابة تصارع عار الآيدز. يصف مخطوطته الثانية بأنها من "الشعر السياسي" المكتوب لفضح "الذئاب الشريرة في غابة" الحكومة الزنجبارية.
"أبي قرأ المجموعة الأولى وصحَّحها، ولكنني لم أطبع الثانية بعد، وأبي على أي حال يفتقر إلى السلامة العقلية اللازمة لإبداء رأيه الآن".
خلال زيارتنا، يكثر حاجي جورا من ذكر حي إمباير القريب ويصر على أنه لا يزال يمتلك فيه بيتا. والحقيقة أن البيت الذي عاش فيه اختفى منذ أمد بعيد، شأن كثير من الناس الذين عرفهم وكبر بينهم. تختلط في عقله ذكريات الماضي العميق، بما قد يوحي باختلال عقلي، وإن لم يتم تشخيص ذلك. لا يزال يتعرف على الزوار، ومنهم مسؤولون حكوميون يأتون لتحيته، ولكن جوقة من الموتى لا تكف عن تشتيته.
أبدي الرغبة في الاطلاع على مخطوطة علي وطرح أسئلة عن كتابته، فلا نكاد نبدأ في الكلام حتى يجفل حاجي جورا ويترك السرير مخاطبا أشباحه متشبثا في الباب.
يقول علي "لنتركه".
يقف حاجي جورا بجوار الباب، هائما مرة أخرى في ستون تاون، ولو في ذهنه. يكثر من الكلام عن لقاءات وهمية مع باحثين وناشرين. يبدو أنه راغب في الرجوع إلى عالم الشعر، حب حياته العظيم، لكن العتبة القائمة في طريقه لا تتزحزح، ليبقى الرجل بين عالمين.

* ترجمة "كومبونجا" إلى الإنجليزية بقلم ريانون ستيفنز وريدر سامسوم. وبقية النصوص ترجمتها الكاتبة بنفسها إلى الإنجليزية.

نشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان ونشرت المادة أصلا في موقع مجلة شعر الأمريكية

تعليق الصورة
حاجي جورا حاجي في تومباتو ـ ابريل 2013 ـ تصوير: بيتر بينيت