الثلاثاء، 17 أبريل 2018

لا وجود للماضي أو المستقبل


لا وجود للماضي أو المستقبل
حوار: شارلوت هاجينز



ما الذي نعرفه عن الزمن؟ تخبرنا اللغة أنه "يمر"، يتحرك مثل نهر عظيم، مجرجرا إيانا معه في عناد، إلى أن يلقي بنا في نهاية المطاف على ساحله، بينما يستمر هو دونما توقف. يتدفق الزمن. يتحرك قدما وإلى الأبد. أم ماذا؟ يخبرنا الشعراء أيضا أن الزمن يتعثر أو يزحف أو يبطئ بل ويبدو في بعض الأحيان أنه يتوقف. يخبروننا أنه قد لا يكون من مهرب من الماضي، فهو متأصل في الأشياء أو الناس أو الآفاق. فيما تكون جولييت في انتظار روميو يمر الزمان متراخيا، فتتوق أن يأخذ فيثون بقايا مركبة الشمس فهو القادر على أن يجلد الخيول و"يأتي بالليل الغائم على الفور". وحينما نستيقظ من حلم واضح يكون وعينا غائما بأن إحساسنا بالزمن الذي مررنا به في الحلم كان وهميا.
كارول روفيلي عالم فيزياء نظرية إيطالي يريد أن يتيح للجهلة فهم ما يكمن في مجاله العلمي من إثارة. باع في شتى أرجاء العالم أكثر من مليون وثلاثمئة ألف نسخة من كتابه "سبعة دروس وجيزة في الفيزياء"، بمقالاته الكثيفة المشعة في مواضيع من قبيل الثقوب السوداء والكم. والآن يأتي كتابه "نظام الزمن"، وهو عمل شعري يدير الرؤوس جعلني أعدل عن كل شيء كنت أحسب أنني أعرفه عن الزمن، لا سيما فكرة أنه "يتدفق" بل وأنه موجود أصلا بأي معنى حقيقي.
نلتقي خارج كنيسة سان بترونيو في بولونيا التي درس فيها روفيلي. (يقول ضاحكا "يحلو لي القول إنني مثل كوبرنيكوس، كانت دراستي الجامعية في بولونيا، ودراستي العليا في بادوا"). هو رجل فكه المزاج متين البنيان، تجاوز الستين بقليل، ومزاجه عموما مزاج نوستالجي. يعيش في مارسليا حيث يدير منذ عام 2000 مجموعة الجاذبية الكمومية في مركز الفيزياء النظرية. وكان قبل ذلك قد قضى عشر سنوات في الولايات المتحدة بجامعة سان بيتسبرج.
نادرا ما يزور بولونيا، ولكنه حضر إليها هذه المرة لملاقاة أصدقاء قدامى. نسير باتجاه منطقة الجامعة. يتوافد على ساحة فيردي حشد مبهج من الطلبة. ثمة أعلام وجرافيتي ولافتات، وكذلك شعارات مناهضة للفاشية، وشعارات مناصرة للأكراد، ولافتة تدعو المارة إلة عدم نسيان جوليو ريجيني، طالب الدكتوراه في جامعة كمبريدج الذي لقي مصرعه في مصر سنة 2016.
يقول "في أيامي لم يكن غير المتاريس والشرطة". وكان ناشطا طلابيا متحمسا في ذلك العهد. ما الذي كان يريده هو ورفاقه؟ "أشياء بسيطة! كنا نريد عالما بلا حدود، بلا دولة، بلا حرب، بلا دين، بلا أسرة، بلا مدرسة، بلا ملكية خاصة".
الآن يقول إنه كان في غاية التطرف، وإنه من الصعب للغاية التشارك في الممتلكات ومحاولة العيش بلا غيرة. ثم حدث أن ظهر عقار "إل إس دي". وجربه مرَّات قلائل. وتبيَّن أنه كان البذرة التي أدت به إلى الاهتمام بالفيزياء بصفة عامة، ومسألة الزمن بصفة خاصة. يتذكر أنها "كانت تجربة قوية على نحو استثنائي تركت في نفسي أثرا فكريًّا. كان إحساس توقف الزمن من الظواهر الغريبة. كانت الأشياء تحدث في ذهني لكن الساعة لم تكن تتقدم، تيار الزمن لم يكن يتقدم. كان دمارا تاما لبنية الواقع". كانت لديه هلاوس بأشياء مشوهة، ذات ألوان ساطعة مدوخة، لكنه يتذكر كذلك تفكيره في أثناء التجربة وطرحه أسئلة فعلية عما يجري.
 "فكرت: ما هي إلا مواد كيميائية تغير الأشياء في مخي. لكن كيف لي أن أعرف أن الإدراك المعتاد هو الصحيح، وأن هذا الإدراك هو الخطأ؟ لو أن طريقتي الإدراك هاتين مختلفتان إلى هذا الحد، فما معنى أن إحداهما هي الصحيحة؟". الطريقة التي يتكلم بها عن عقار "إل إس دي" مشابهة كثيرا في واقع الأمر لوصفه قراءة أينشتين وهو طالب، على شاطئ مشمس في كالبريا، إذ رفع عينيه عن الكتاب متخيلا العالم لا كما كان يظهر له كل يوم، بل بوصفه الزمكان الجامح الموَّار الذي وصفه عالم الفيزياء العظيم ألبرت أينشتين. فالواقع ـ إن استعرنا عنوان أحد كتبه ـ ليس كما يبدو.
يقول إنه تسبَّب لأبويه المحافظين ابني مدينة فيرونا شيئا من الذعر. اندهش والده ـ البالغ من العمر الآن أكثر من تسعين سنة ـ حينما قال له أساتذة ابنه إن أداءه جيد، برغم شعره الطويل وأفكاره السياسة الراديكالية ومناوشاته بين الحين والآخر مع الشرطة. ولم يحدث إلا بعد أن انتهى الإحساس المتفائل بالثورة الطلابية نهاية مباغتة باختطاف وقتل رئيس الوزراء السابق ألدو مورو سنة 1978 أن بدأ روفيلي يتعامل مع الفيزياء بجدية. لكن طريقه إلى مسيرته الأكاديمية الكبيرة كان غير مباشر وغير معهود. يقول إن "الجميع الآن مهمومون بسبب عدم وجود وظائف. في شبابي، كانت المشكلة هي كيفية اجتناب الوظيفة. لم أكن أريد أن أصبح جزءا من ’النظام الإنتاجي’".
بدت الحياة الجامعية آنذاك أشبه بطريقة مناسبة لاجتناب عالم الوظيفة النمطية، ولبعض السنوات ظل يتبع فضوله بدون بطموح مهني. ذهب إلى ترينتو في شمالي إيطالي للانضمام لمجموعة بحثية كان مهتما بها، وظل ينام في سيارته لشهور ("كنت أستحم في القسم للحفاظ على نظافتي"). ذهب إلى لندن لاهتمامه بعمل كريس إيشام ثم إلى الولايات المتحدة ليكون على مقربة من علماء فيزياء مثل أبهاي أشتيكار ولي سمولين. "تأخر بحثي الأولى تأخرا مرعبا بالمقارنة مع ما يجب على الباحث الشاب الآن. وتلك كانت ميزة، فقد عرفت أشياء كثيرة، وكان لدي مزيد من الوقت".
الكتب الجماهيرية أيضا تأخرت نسبيا بعد صدور دراسته الأكاديمية الخاصة بالجاذبية الكمومية سنة 2004. ولو أن "سبع دروس وجيزة في الفيزياء" كان بداية مشرقة، فإن "نظام الزمن" يقطع شوطا أبعد، إذ يتعامل مباشرة مع "ما أفعله حقا في العلم، وما أفكر فيه بعمق، وما هو مهم بالنسبة لي".
يحتل عمل روفولي في الفيزياء ـ بعبارة مباشرة ـ المساحة الضخمة التي تركها أينشتين، وتطور نظرية الكم من ناحية أخرى. فلو أن نظرية النسبية العامة تصف عالم زمكان منحن كل شيء فيه مستمر، فإن نظرية الكم تصف عالما تتفاعل فيه كموم منفصلة من الطاقة. و"آليات الكم" على حد تعبير روفولي "لا يمكن أن تتعامل مع طبيعة الزمكان المنحنية، والنسبية العامة لا تستطيع التعامل مع الكم".
كلتا النظريتين ناجحتان، ولكن تنافرهما الظاهري مشكل، ومن مهام الفيزياء النظرية الراهنة محاولة إقامة إطار مفاهيمي تعمل من خلاله كلتا النظريتين. يعمل روفولي في مجال النظرية الحلقية أو الجاذبية الكمومية الحلقية التي تطرح إجابة ممكنة للمشكلة، يفهم من خلالها الزمكان نفسه بوصفه بنية رقيقة حبيبية منسوجة من حلقات.
تطرح نظرية الأوتار مسارا آخر مختلفا لحل المشكلة. حينما أسأله عن رأيه في احتمال أن يكون عمله في الجاذبية الكمومية الحلقية خاطئا يقول برقة إن الأمر لا يتعلق بالخطأ والصواب، بل يتعلق بأن يكون جزءا من الحوار. وعلى أي حال "لو أنك تسألينني من يكون صاحب أطول وأعجب قائمة نتائج فهو أينشتين بلا جدال. ولكن لو سألتيني من العالم الذي أرتكب أكثر الأخطاء فهو أيضا أينشتين".
كيف يظهر الزمن في عمله. أوضح أينشتين منذ عهد بعيد أن الزمن نسبي، فالزمن يتحرك ببطء أكبر بالنسبة لشيء سرعته أكبر من شيء آخر على سبيل المثال. في هذا العالم النسبي فإن "الآن" المطلق لا يعدو شيئا عديم المعنى. ومن ثم فالزمن ليس شيئا منفصلا يتحرك حولنا دونما مبالاة. بل هو بتعبير روفيلي "جزء من هندسة معقدة منسوجة مع هندسة المكان".
وثمة المزيد بالنسبة لروفيلي: وفقا لتنظيره، يختفي الزمن في المستوى الأكثر جذرية. ونظرياته تطالبنا بقبول فكرة أن الزمن مجرد وظيفة بالنسبة لإدراكنا البشري "الغائم". نحن لا نرى العالم إلا عبر زجاج، نشاهد ظلال أفلاطون في الكهف. وفي رأى روفيلي أن خبرتنا الأكيدة بالزمن لا تنفصل عن طريقة سلوك الحرارة. في "نظام الزمن" يتساءل لماذا لا نعرف غير الماضي، وليس المستقبل؟ ويرى أن المفتاح هو التدفق أحادي الاتجاه للحرارة من الأشياء الأكثر دفئا إلى الأشياء الأكثر برودة. سقوط مكعب ثلج في فنجان قهوة ساخن يبرد القهوة. ولكن العملية ليست قابلة للعكس: هي شارع أحادي الاتجاه مثلما يتبين من قانون الديناميكا الحرارية الثاني.
الزمن أيضا، مثلما نعرفه، شارع أحادي الاتجاه. وهو يفسره في علاقته بمفهوم الإنتروبي entropy  ـ أي قياس عدم انتظام الأشياء. الإنتروبي أقل في الماضي. الإنتروبي أعلى في المستقبل ـ إذ ثمة مزيد من عدم الانتظام، ومزيد من الاحتمالات. مجموعة أوراق المستقبل مختلطة وغير موثوق فيها، خلافا لمجموعة أوراق الماضي محكمة الترتيب والتنظيم. لكن الإنتروبي والحرارة والماضي والمستقبل خواص لا تنتمي إلى قواعد العالم الأساسية بل إلى ملاحظتنا المصطنعة له. يكتب روفيلي قائلا "لو أنني أراقب حالة الأشياء الميكروسكوبيةَ، يتلاشى الاختلاف بين الماضي والمستقبل ... ففي القواعد الأولية للأشياء، ما من تمييز بين السبب والنتيجة".
لكي نفهم هذا على نحو جيد، يمكنني أن أقترح فقط أن تقرأوا كتب روفيلي، وتمروا بسرعة على هذا التقريب من شخص نبذ دروس الفيزياء في سعادة عند أول فرصة سنحت له. لولا أنه يتبين أنني القارئ المثالي الذي يتمناه روفيلي، أو أحدهم، وأنه يبدو سعيدا جدا حينما أختبر مفهومي الجديد للإنتروبي معه (يقول لي "أنت نجحت في الامتحان").
يفسر "إنني أحاول أن أكتب على مستويات مختلفة. لا أفكر فقط في الشخص الذي لا يعرف أي شيء عن الفيزياء بل وفي الشخص غير المهتم بها أساسا. أتخيل أنني أكلم جدتي التي لم تكن إلا ربة بيت. أفكر أيضا أن بعض طلبة الفيزياء الصغار يقرأونه، وأفكر أيضا في أن بعض زملائي يقرأونه. لذلك أحاول أن أتكلم على مستويات مختلفة، لكنني أبقي في ذهني ذلك الشخص الذي لا يعرف أي شيء".
أكبر جمهوره هم الصفحات الخاوية، أمثالي، وزملاؤه في الجامعات، وأكبر ما يتلقاه من نقد يأتي ممن بين هؤلاء وأولئك، "الذين يعرفون القليل عن الفيزياء" وهو أيضا حانق كثيرا على الفيزياء المدرسة ("احسب سرعة سقوط كرة ـ من يهتم بهذا؟ في حياة أخرى قد أهتم بتأليف كتاب مدرسي في الفيزياء") ويرى أن قسمة العالم إلى "ثقافتين" إحداهما ثقافة العلوم الطبيعية والأخرى ثقافة العلوم الإنسانية قسمة "غبية". "الأمر أشبه بأن نأخذ انجلترا فنقسم الأطفال إلى مجموعات تتعلم إحداها الموسيقى، وأخرى الأدب، ولا يسمح لمجموعة الموسيقى بقراءة الروايات أو مجموعة الأدب بالاستماع إلى الموسيقى".
متعة قراءة كتبه تأتي من نطاقه الثقافي العريض. فالنظرة التاريخية تمنحنا أول مفتاح إلى المادة. (يقوم روفيلي بتدريس مساق في تاريخ العلم يحلو له فيه أن يجمع بين طلبة العلوم الطبيعية وطلبة العلوم الإنسانية). وبموازاة أشخاص مثل أينشتين ولودفيج بولتسمان وروجر بينروس يظهر أشخاص مثل بروست ودانتي وبيتهوفن وبصفة خاصة هوراس ـ حيث يبدأ كل فصل بمفتتح من الشاعر الروماني ـ وكأن ذلك لتأسيسنا في الوجدان والمشاعر الإنسانية قبل الرحيل إلى دوار عالم الثقوب السوداء ودوامات الزبد وغيوم الاحتمالات.
يقول روفيلي عن هوراس إن "له جانبا حميميا غنائيا شديد الاحتدام، وهو مغنٍّ له أغنيات عظيمة عن مرور الزمن. لديه إحساس نوستالجي، ليس ألما وليس حزنا، بل إحساس ودعوة إلى أن نعيش الحياة حتى تمامها. لي صديق اسمه إرنستو، كان صديقا مقربا، مات في شبابه، أهداني كتيبا لهوراس ظللت أتنقل به طيلة حياتي".
رؤية روفيلي هي أنه ما من تناقض بين رؤية الكون التي تجعل حياة الإنسان تبدو تافهة وضئيلة، وأحزان حياتنا اليومية وأوجاعها". أو بين "العلم البارد" وحيواتنا الروحية الداخلية. يقول لي "نحن بعض من الطبيعة، ومن ثم فالحزن والبهجة جانبان من جوانب الطبيعة ذاتها، والطبيعة أغنى كثيرا من مجرد مجموعات من الذارات". في كتاب "سبعة دروس" لحظة يقارن فيها بين الفيزياء والشعر: كلاهما يحاولان وصف ما هو خفي. قد يضاف إلى ذلك أن الفيزياء عند انفصالها عن لغتها الأم بما فيها من معادلات رياضية تعتمد كثيرا على الاستعارات والتشبيهات. وروفيلي موهوب في عقد مقارنات لا تنسى. فهو يخبرنا مثلا حينما يشرح وهم "تدفق" الزمن السلس أن "أحداث العالم لا تشكل رتلا منظما مثل الإنجليز، بل تتزاحم وتتدافع مثل الطليان". ويقول إن مفهوم الزمن "فقد طبقات طبقة بعد أخرى وقطعة بعد قطعة" فلم يبق لنا إلا "أفق كنسته الريح حتى أوشك أن يخلو من كل آثار الزمانية ... فهو عالم مجرد من جوهره، يتألق بجمال أجرد مرتعش".
ويذكرني روفيلي أكثر من أي شيء قرأته بلوكريتوس، الكاتب الروماني من القرن الأول قبل الميلاد، وصاحب القصيدة الملحمية المعنونة بـ"في طبيعة الأشياء". ربما لا يكون الأمر شديد الغرابة، حين نعرف أن روفيلي من كبار المعجبين به. لقد أصاب لوكريتوس في افتراضه وجود الذرات في نظرية ستظل مفتقرة إلى برهان إلى أن يعرضها أينشتين سنة 1905، وتظل توصف بالعبثية حتى تسعينيات القرن التاسع عشر.
ما يشترك فيه روفيلي مع لوكريتوس ليس جمال اللغة وحسب، بل إحساس بموقع البشرية من الطبيعة، فهي في آن واحد جزء من نسيج الكون، وفي موقع خاص يتيح التأمل في جمالها العظيم. هي رؤية عقلانية، رؤية ترى أنه بفهم أفضل للكون، واستبعاد للمعتقدات الزائفة والخرافات، قد يتسنى للمرء أن ينعم بالصفاء. وبرغم أن روفيلي الإنسان يعترف أن مادة الإنسانية هي الحب والخوف والرغبة والشغف، فإن ذلك كله لا يكتسب معنى إلا بحياتنا القصيرة، بنصيبنا الضئيل من الزمن المكتوب.
عنوان الكتاب: The Order of Time
نشر الحوار أصلا في الجارديان