السبت، 28 أكتوبر 2017

كيف يبقي البنك الدولي الفقراء فقراء؟

كيف يبقي البنك الدولي الفقراء فقراء؟

جيمس ديلينجبول

ما الغاية من البنك الدولي؟ لعلك تحسبونه ـ إن كان يخطر أصلا على بالكم ـ مؤسسة حميدة، يمكن اعتبارها بمثابة وكالة مساعدات عملاقة قائمة على التعددية، مهمتها أن توفر السيولة للدول النامية وتساعدها على النمو وتجاوز الفقر.
حتى وقت غير بعيد للغاية كانت تلك في واقع الأمر هي وظيفتها. أنشئ البنك الدولي بالتوازي مع صندوق النقد الدولي في مؤتمر بيتون وودز سنة 1944، فكان عمل البنك الجيد في سنواته الأولى هو مساعدة دول مثل فرنسا على التعافي من الحرب، ثم صار لاحقا يعطي في الأغلب دول العالم الثالث الأموال المبدئية الضرورية واللازمة للمساعدة على جذب المستثمرين إلى المشاريع التي تنطوي على مخاطرة برؤوس الأموال. ويمكن أن يكون أثره المتضاعف على الاستثمار أثرا استثنائيا. في عام 2013 منح كوسوفو 40 مليون دولارا لبناء محطة طاقة تعمل بالفحم، فكان ذلك هو المؤشر الإيجابي اللازم لتشجيع القطاع الخاص على إكمال تمويل المشروع بـ 1690 مليون دولار.
مدهش. لولا أن هذا ليس ما يفعله البنك الدولي الآن. فهو لا يمول المزيد من محطات الطاقة العاملة بالفحم لأنها غير نظيفة وغير صديقة للبيئة. ويريد بديلا عن ذلك من الدول النامية أن تتبنى الطاقات المتجددة باهظة الأثمان المتقطعة التي لا يمكن الاعتماد عليها كطاقة الرياح والطاقة الشمسة، وذلك في سياق مهمة ـ أوضحها سكريتر عام الأمم المتحدة السابق بان كي مون ـ هي "الانتصار على الفقر والحفاظ على الكوكب". وحقيقة الأمر أنها لن تحقق أيا من هذين الهدفين. وإليكم مثالا في نيجريا التي سبقت عاصمتها لاجوس العاصمة المصرية القاهرة كأضخم مدن أفريقيا، لكن شبكة الطاقة فيها تنتج القليل للغاية من الطاقة فيدور الاقتصاد في الغالب معتمدا على محركات الديزل الخاصة (القذرة المسببة للتلوث). لدرجة أن النيجيريين يسخرون من الهيئة الوطنية النيجيرية للطاقة فيسموها "الهيئة الوطنية لانعدام الطاقة وإشعال الشموع". إذ يشيع انقطاع الكهرباء وضعفها، كما هو الحال في أفريقيا ما دون الصحراء، وتكلفة ذلك على الاقتصاد هائلة. وشبكة الهاتف المحمول المحلية التي يبلغ المشتركون فيها 62 مليونا تنفق سبعين في المائة من مصروفات تشغيلها على الديزل لضمان الطاقة اللازمة لشبكتها.
وها هي وزيرة المالية النيجيرية كيمي أديوصن تقول "إننا نريد أن نبني محطة طاقة تعمل بالفحم، لأننا بلد غني بالفحم، ومع ذلك فلدينا مشكلة في الطاقة. فالأمر لا يستوجب عبقرية لاستخلاص أنه من المنطقي أن تقام محطة طاقة عاملة بالفحم. غير أننا عاجزون عن ذلك لأن الفحم ليس صديقا للبيئة. وهذا ليس من العدل في شيء، لأن لديهم حركة تصنيع كاملة قامت في الغرب على الطاقة المستخلصة من حرق الفحم".
ومعها كل الحق في أن هذا ليس من العدل في شيء. إن الأمم المتحدة لا تكف عن الكلام في مسألة الظلم العالمي وتعترف أن إعادة توزيع الثروة أحد أهدافها التنموية الدائمة. غير أنها تتبع في الوقت نفسه سياسة الإمبريالية البيئية التي تفرض الطاقات المتجددة على دول العالم النامي الرافضة وعديمة الحيلة أيضا، وهذه أضمن وسيلة لأن تبقى دول العالم الفقيرة على فقرها.
هناك 1.2 بليون إنسانا لا تتوافر لهم الكهرباء، و2.7 بليون شخصا لا تتوافر لهم سبل الطهو الحديثة. لقد قدر أن تلوث الهواء المنزلي الناجم عن أنواع الوقود الحفرية قد أدى إلى وفاة 3.5 مليون نسمة في عام 2010. وتكلفة انقطاعات الكهرباء وضعفها في أفريقيا ما دون الصحراء تبلغ في بعض الحالات، ما يصل إلى 5% من إجمالي الناتج الوطني. وخلافا للدول المتقدمة، لا تحتاج هذه الدول إلى أن يستعبد ضمائرها دعاة الحفاظ على البيئة وشهداؤها المزعومون. إنما هم بحاجة ماسة إلى طاقة يمكن الاعتماد عليها.
وفقا لأرقام الأمم المتحدة، تبلغ تكلفة الطاقة في العالم مجرد 50 بليون دولار في السنة. لكن هذا في حالة الاعتماد على الوقود الحفري. في حين أن الفاتورة تبلغ عشرة أمثال ذلك على أقل تقدير ـ في حال الإصرار على الطاقات المتجددة. فالأمر لا يقتصر على أن الطاقات المتجددة أكثف في خاماتها ـ فكيلو الحديد الصلب في محرك يعمل بالغاز ينتج من الطاقة ألف مثل ما ينتجه في محرك يعمل بطاقة الرياح، ولكن الطاقات المتجددة تستوجب شبكات توزيع أعلى تكلفة وأكثر تعقيدا، وهو ما لا يتوافر للدول النامية.
كيف حدث هذا الجنون؟ بدأ في عام 1995، عند تعيين محام ومستثمر مصرفي أمريكي أسترالي يدعى جيمس ولفنسون رئيسا للبنك الدولي. كان ذلك الرجل العولمي يحظى برعاية أشد الشخصيات في تاريخ حركة مناصرة البيئة إثما ونفوذا، وهو الملياردير الكندي الراحل موريس سترونج.
لم يكن سترونج ـ المقرب للغاية في زمنه من نظام ماو الشيوعي الصيني ـ من أنصار الديمقراطية، لذلك قضى جزءا كبيرا من حياته المهنية بعمل من خلال الأمم المتحدة التي كان يعتبرها المؤسسة المثلي لتحقيق حكومة عالمية واحدة يديرها تكنوقراط مستنيرون مثله هو. كان أيضا من المحرضين الأساسيين على إقامة قمة الأرض في ريو سنة 1992 والتي أقنع فيها 192 دولة بتوقيع وثيقة عرفت بالأجندة 21 وجعلت "الاستدامة" في القلب من جسد السياسة العالمية. كان سترونج يرى أن البيئة هي الأزمة الكبيرة المثالية التي يمكن استعمالها في القضاء على سياسة الدول باسم "إنقاذ الكوكب".
في ظل توجيه ولفنسون تغيرت أهداف البنك الدولي تغيرا دراماتيكيا. فحيثما كان من قبل لا يعنى إلا بتخفيف الفقر من خلال التشجيع على النمو الكفء، بات الآن معنيا بأهداف "تقدمية" غائمة من قبيل مناصرة البيئة، وحقوق المرأة، وحقوق العمال، وتشجيع المنظمات غير الحكومية. وبذلك، أصبح مؤسسة عالمية أخرى ينطبق عليها "القانون الأول" من قوانين الكاتب المحافظ جون أوسوليفان، وهو أن "كل المؤسسات غير اليمينية ستصبح بمرور الوقت مؤسسات يسارية".
تسارع تدهور البنك الدولي في ظل الرئيس الحالي د. جيم يونج كيم، وهو من تعيين الرئيس أوباما. ومثلما يلاحظ روبرت دارويل في تقرير لاذع أصدرته المؤسسة العالمية لسياسة الاحترار فإن سياسته القائمة على تقديم "الاستدامة البيئية على تقليص الفقر" سياسة غير إنسانية. فما من جدوى اقتصادية ـ أو حتى أخلاقية ـ لإجبار الدول النامية على تقنيات "باهظة الأثمان" منطوية على عيوب كثيرة في التشغيل بما يؤخر التنمية في هذه الدول ويزيد من صعوبة الكهربة عليها".

نشر المقال أصلا في مجلة ذي سبكتيتور بتاريخ 21 أكتوبر 2017