السبت، 21 أكتوبر، 2017

بول أوستر: لا أعرف إن كانت ثلاثية نيويورك رواية جيدة

بول أوستر في حوار حول الرواية التي تطارده:
 لا أعرف إن كانت ثلاثية نيويورك رواية جيدة

حوار: إنجي بيرجيت






"وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها"
(تكوين 2 ـ 19)

ـ قد تكون "ثلاثية نيويورك" أكثر كتبك قراءة، وأعتقد أن ذلك يرجع بالدرجة الأساسية إلى أنها ترتاد أرضا جديدة من خلال مزيج مميز من الاستكشاف، والقصة الآسرة، والتأمل الذي يسم كثيرا من أعمالك. يجد القارئ نفسه في وقت واحد مشدودا إلى عالم التحري والمراقبة المشددة وإذا به في النهاية في مواجهة ألغاز وجودية وأدبية تضعها أمامنا في الروايات الثلاثة التي تتألف منها الثلاثية وهي: "مدينة الزجاج" و"الأشباح" و"الغرفة الموصدة". كان جان كيارشتاد محقا حينما وصفها بـ"قطعة الكرستال التي تكسر الضوء إلى ألوان ندر أن شوهدت من قبل". ما الذي دفعك إلى تلك القصص؟
ـ هي ناتجة من مادة ظللت أفكر فيها وأعمل عليها طوال سنين كثيرة. في "الدفتر الأحمر"، أصف مكالمة هاتفية تلقيتها من شخص راغب في الحديث إلى وكالة بينكرتن. ذلك ما أثارني لكتابة الرواية الأولى، أي "مدينة الزجاج". فكرة الاتصال برقم خاطئ استولت عليَّ، ولأن المكالمة بالمصادفة كانت تتعلق بوكالة تحريات، فقد بدا حتميا بطريقة ما أن تحتوي قصتي على العنصر التحري. وذلك ليس بالجزء المحوري من القصة على أي حال، وكم أثار ضيقي أن أسمع الناس يصفون هذه الروايات بروايات التحري. فليس فيها من ذلك أي شيء.
ـ لا، على الإطلاق. برغم أن البطل في كل قصة يتفانى في التحقيق في مرحلة ما، لكن عنصر التحري هنا يتعلق بقضايا لغوية ووجودية لا قضايا جنائية. هل تعمدت التجريب في جنس رواية التحري أم أن القالب بدا لك نافعا وحسب؟
ـ كان نافعا لي مثلما كان روتين القاعة الموسيقية القديم واستعراض الفودفيل vaudeville  نافعا لبيكيت في كتابة "في انتظار جودو"، أو مثلما كانت القصص الملحمية [الرومانسات] نافعة لثرفانتس في كتابة دون كيخوتة. أتصور أنه يمكنك بالمثل أن تقولي إن "الجريمة والعقاب" رواية تحريات. كثير من الروائيين استعملوا قالب رواية الجريمة ليكتبوا عن أشياء أخرى. لا يمكن اعتباري أول من فعل ذلك. لذلك لم أشعر أنني مقدم على تفجير أي شيء. كل ما هنالك أنه كان لدي فضول.
ـ تصورت أنك ربما تكون أردت أن تجعل الكتابة هنا نوعا من التحري؟
ـ أردت فقط أن أبقى مخلصا للإلهام الذي وجدته من تلك المكالمة الهاتفية. كان ذلك تحديا فرضته على نفسي. وهذا الكتاب له مصادر أهم كثيرا. فعلى المستوى الفكري البحت، يرجع أحد هذه المصادر إلى قراءتي الكثيفة لجون ميلتن وأنا طالب في الجامعة. كان لي أستاذ عبقري هو إدوارد تايلر، وكان قد درَّس ميلتن في كولمبيا. تلك القراءات غيَّرت تماما تفكيري في الأدب. كنت شابا طيَّعا، مجرد طالب في الفرقة الثانية منغمسا تمام الانغماس في تأملاته اللغوية مستلهمة من ميلتن. عرفت من خلال ذلك أفكارا عن بابل الجديدة دفعتني إلى النظريات الجنونية التي أنسبها إلى هنري دارك في مدينة الزجاج. ومدينة الزجاج على المستوى الشخصي أشبه بسيرة ذاتية معتمة. تخيلت ـ بشيء من المبالغة ـ ما كان ليحدث لي لو لم أقابل [زوجتي الروائية] سيري [هوستفيدت]. فهي بمعنى من المعاني مديح لها. شعرت بحق أنها أنقذت حياتي حينما التقيت بها.
ـ بدونها كان يمكن أن تتحول إلى كوين؟
ـ ربما. ربما. من مصادر الإلهام المهمة الأخرى قصص الأطفال الجامحة التي كانت منفتحة على جميع الأسئلة المتعلقة باللغة والتي استحوذت طويلا على اهتمامي. كتبت كثيرا عن تلك القضايا اللغوية وأنا أصغر سنا. وكانت مندمجة في مشروع مبكر كان بطريقة ما مزيجا من روايتي "قصر القمر" و"مدينة الزجاج" ـ عمل هائل، أكبر من قدرتي على التعامل معه. كثير من أفكار "مدينة الزجاج" مأخوذ من هذه الكتابات الجنينية، من قبيل تشكيل الحروف من خطوات شخص يمشي في مدينة والحوار عن دون كيخوتة مع شخصية "أوستر". وهي بالمناسبة قراءة جنونية تماما لدون كيخوتة، ولا بد أن أصر أنني أسخر من نفسي. فكل ما يقوله "أوستر" تقريبا هو نقيض ما أعتقد به أنا.
ـ يمكنني أن أرى هذا [ضحك]. فضلا عن أنه يوصف بالشخص الكئيب  الذي لا يعتمد عليه.
ـ يعني، هو ليس كئيبا تماما
ـ كان يسيء التصرف طول الوقت
ـ نعم نعم [ضحك]
ـ هناك لحظة بالقرب من نهاية "الغرفة الموصدة" يقحم فيها الراوي فجأة هذا الإعلان الغريب بعض الشيء:
هذه القصص الثلاثة أخيرا هي قصة واحدة، لكن كلا منها تمثل مرحلة مختلفة من وعيي لفحوى القصة.
هل كنت تخطط أن تكون الروايات الثلاثة صورا من بعضها بعضا؟
ـ لا. هكذا بدأت المسألة: بينما كنت أعمل على "مدينة الزجاج" سنة 1981، أدركت أنني كتبت شيئا شبيها قبل قرابة خمس سنين في مسرحية عنوانها "إغفاءات" فرجعت إلى المسرحية لأرى إمكانية إعادة تشكيلها على هيئة قطعة نثرية سردية. وهكذا، رجعت إليها، وعدلتها من مادتها القديمة، وأصبحت "إغفاءات" هي الأصل لـ"أشباح". وبمجرد أن كنت أكتب الجزء الثاني، علمت أنه لا بد من جزء ثالث. وهكذا أصبحت ثلاثية.
ـ تقصد أن الروايات الثلاثة أبعاد مختلفة للقصة نفسها.
ـ الموضوع الذي يسري فيها جميعا هو الغموض. الغموض واللايقين. ولو أن لي أن أختزلها في عبارة واحدة فهي هذه "تعلم أن تعيش محتملا الغموض". هذا هو جوهر ثلاثية نيويورك. وهو ما يفسر السبب الذي يجعل راوي "الغرفة الموصدة" يرمي في النهاية بالمخطوطة.
ـ لأنها علامة طريق آخر مغلق في وجهه؟
كانت الكلمات جميعا مألوفة لي، ومع ذلك بدا أنها كتبت جميعا بغرابة، وكأن الغرض النهائي من كل منها هو أن تبطل الأخرى. كانت كل جملة تمحو الجملة السابقة عليها، وكل فقرة تجعل التالية لها مستحيلة.
ـ المسألة تتعلق بانعدام اليقين، وحقيقة أنه ما من معطيات أبدية في العالم. وأن علينا بطريقة ما أن نوجد مساحة لما لا نفهمه. علينا أن نعيش مع الغموض. ولست أتكلم عن قبول سلبي صامت للأمور، بل عن إدراك بأن هناك ما لن نعرفه.
ـ هذا مثير للغاية، "تعلم العيش مع الغموض".
ـ ربما
ـ أفترض أنه يلعب في اعتبارات الراوي هنا:
كنت أكافح لوقت طويل كي أودع شيئا ما، وهذا الكفاح هو وحده المهم. القصة ليست الكلمات، بل هي هذا الكفاح.
أفهم أن الكفاح هنا يتعلق بالكتابة.
ـ هو يتعلق فعلا بالكتابة، ولكنه في الوقت نفسه يتعلق بمهادنة المجهول.
ـ بتوديع للمطلق؟
ـ أعتقد هذا، نعم.
ـ طيب، لو أن هذا الكتاب هو الذي تأكد فيه بعض مدركاتك الأساسية في ما يتعلق بالمعرفة والحقيقة، فهل لنا أن نعتبر "ثلاثة نيويورك" من أهم كتبك، إن لم يكن الأهم بينها على الإطلاق؟ وهكذا ينظر إليه النقاد ومراجعو الكتب.
ـ لا أعرف. هناك ميل لدى الصحفيين إلى اعتبار العمل الذي يجعل الكاتب في موضع اهتمام من الجمهور للمرة الأولى هو أفضل أعماله. وانظري إلى لاو ريد الذي لا يحتمل أغنية "المشي في الجانب البري". هي أغنية شديدة الشهرة، ظلت تتعقبه طوال حياته، وظل دائما شهيرا بسببها. وبالمثل، بغض النظر عن الأفلام الكثيرة التي أخرجها، سيظل جودار دائما معروفا بـ"انقطاع النفس". ويصدق هذا على الروائيين، ويصدق على الشعراء. ومع ذلك، أنا لا أفكر بطريقة "الأفضل" و"الأسوأ". فإنتاج الفن في نهاية المطاف لا علاقة له بالتنافس في الأولمبياد.
ـ أنا لا أقول إن ثلاثية نيويورك هي أفضل كتبك، بل بصفة عامة، قد تكون أهم كتبك.
ـ الأهم بمعنى أنها الأكثر قراءة ودرسا بين كتبي، ربما.
ـ لماذا في رأيك هذا هو حالها؟
ـ لا أعرف. لا أعرف. يبدو أن الكثيرين رأوها مبتكرة.
ـ هي مبتكرة. مبتكرة جدا، لسبب أو لآخر، الجديد فيها يتفق مع الأفكار التي ظهرت في النظرية الفرنسية وفاجأت المشهد الأدبي في الوقت الذي نشرت فيه الثلاثية تقريبا.
ـ وكما تعلمين، أنا لم أكن منخرطا في شيء من هذا.
ـ أعلم. هو مجرد تزامن غريب.
ـ عندي إحساس أنه بمرور السنين، وبتضاؤل أهمية النظرية الفرنسية، سوف يتوقف الناس عن قراءة كتبي بهذه الطريقة. أرجو على الأقل أن يحدث هذا.
ـ ربما. ومع ذلك أن بعض أعمالك الأولى سوف تصفو مع الزمن إلى أن تكون أعمالا ما بعد حداثية في جوهرها. وأعلم أنك لا تفرح بوضعك في هذه الفئة.
ـ "ثلاثية نيويورك" سوف تبقى دائما مرتبطة باسمي، أينما أذهب، وبغض النظر عن كثرة ما أكتبه غيرها. وليس بيدي شيء حيال هذا.
ـ وهل هذا بالضرورة أمر سيء؟ هل يثير ضيقك؟
ـ الواقع أنني لا أعرف أصلا إن كانت ثلاثية نيويرك رواية جيدة جدا. هي بالنسبة لي أقرب إلى أن توصف بالخام. أعتقد أنني أصبحت كاتبا أفضل [عما كنت عليه فيها]. هناك نوع من نصوص الشباب يسم نهاية مرحلة معينة من الحياة.
ـ لكنك جرَّبت في العرف الأدبي، وافتتحت في القص إمكانيات جديدة، لا سيما في ثلاثية نيويورك، وطرحت أسئلة مهمة حول الحقيقة، وحول اللغة، وحول الوجود في العالم، وتحرض على التأمل في قضايا محورية تماما من قضايا النظرية الأدبية المعاصرة.
ـ لن أزعم أنها ليست كتبا فلسفية
ـ وكذلك الحال في "اختراع العزلة" التي أرى أنها تدعو إلى قدر كبير من التأمل.
ـ في الجزء الثاني من "اختراع العزلة" أبحث في كثير من هذه الأسئلة، لكن من منظور تاريخي أكثر منه منظورا فلسفيا.
ـ كل من "اختراع العزلة" و"ثلاثية نيويورك" يأسران القراء في أنحاء العالم. طلبتي يحبونهما حبا عظيما. قمت بتدريسهما مرة أخرى (ولعلها المرة العاشرة) الأسبوع الماضي فجاءني أحد طلبتي بعد المحاضرة وطلب مني أن أبلغك هذه الرسالة. رسالة مفادها أن عملك غيَّر حياته وأنه الآن يريد أن يصبح كاتبا.
ـ [يضحك] أنا مشفق عليه.
ـ لكتبك هذا التأثير. لقد طغت عليه. كان يوشك ألا يستطيع التنفس وهو يتكلم عن تجربته.
ـ هل هو طالب جامعي أم طالب دراسات عليا؟
ـ يعني، هذه المجموعة في سنتها الرابعة أو الخامسة. على وشك إكمال الماجستير. مر بي طلبة كثيرون كان لهم مثل رد الفعل هذا على مدار السنين.
ـ يعني، هذا من دواعي سروري.
ـ أعتقد أن للأمر علاقة بمزيج خاص من حكي فاتن وتحد فكري: فهي تفتتح طرقا جديدة للتفكير في كيفية محاولتنا فهم العالم. وهي تعالج قضايا كلنا مشتبكون معها، لا سيما ونحن شبان في ظني. من أكثر الملامح لفتا للنظر، وليس ذلك فقط في أعمالك الأولى، حقيقة أن أسئلتك لا تنفتح إلا على مزيد من الأسئلة. الإجابات نادرا ما تطرح. أنت شديد الاهتمام بعمليات وآليات الكتابة حتى لتضعها عارية وتجعل أفكارك حولها جزءا من نسيج قصصك أنفسها.
ـ إنني أتأمل في هذه الأسئلة طوال حياتي
ـ مؤكد أن هذا حال الكتَّاب جميعا
ـ أغلب الكتاب راضون كل الرضا بالنماذج الأدبية التقليدية وسعداء بإنتاج أعمال يشعرون بها جميلة وصادقة وطيبة. وأنا أيضا أردت دائما أن أكتب ما يبدو لي جميلا وصادقا وطيبا، كما أنني مهتم باختراع طرق جديدة لحكي القصص. أردت أن أبقر أحشاء كل شيء. أتصور أن هذا موقف هائل الطموح: ألا أكون راضيا بالأعراف، فألاعبها أحيانا، ثم أفضح النماذج القديمة وأوسِّعها حتى تتجاوز حدودها.
ـ برغبة في تعريتها أم لترى ما قد يحدث نتيجة لذلك؟
ـ أريد أن أبقر أحشاء كل شيء. مثل مهندس معماري يقيم بيتا كاشفا فيه عن جميع الأنابيب والأسلاك. أنا مفتون بما في الأدب من اصطناع. كلنا نعلم أنه كتاب: حينما نفتح كتابا، نعرف جميعا أنه ليس العالم الحقيقي. بل هو شيء آخر. هو ابتكار. أعتقد أن هذا هو السبب الذي أثارني في أن أضع اسمي في أول جزء من الثلاثية. الاسم مطبوع على غلاف الكتاب، أفلا يكون مثيرا للفضول أن يكون الاسم نفسه داخل الكتاب، ونرى ما يكون؟ كنت ألعب بالفاصل بين ما أسميه "الذات الكاتبة" و"الذات السيرية". ها أنذا، لم أزل جالسا إلى الطاولة الحمراء معك، أخرج بالقمامة، أدفع الضرائب، أفعل كل ما يفعله غيري. في الوقت نفسه، هناك الكاتب الذي يعيش في عالم آخر تماما. أردت بطريقة ما أن أربط بين العالمين.

المحاورة أستاذ مساعد الدراسات الإنجليزية والجرمانية والرومانسية بجامعة كوبنهاجن بالدنمارك وهي القوة الفاعلة في مركز بول أوستر القائم هناك

نشر الحوار في موقع ليت هاب ونشرت الترجمة في جريدة عمان اليوم
اقرأ أيضا:
من مراسلات أوستر وكوتزي
من مراسلات أوستر وكوتزي
يوميات شتوية
لا أملك إلا التفكير في الحرب
ثائر بالصدفة