الأربعاء، 18 فبراير، 2015

شهرزاد ... هاروكي موراكامي

شهرزاد
هاروكي موراكامي
كانت بعدما يمارسان الجنس، تحكي لهابارا حكاية. كل مرة بحكاية غريبة آسرة. كحكاية الملكة شهرزاد في ألف ليلة وليلة. غير أن هابارا، خلافا للملك، لم يكن يخطط لقطع رأسها في الصباح التالي بطبيعة الحال. (وهي على أية حال لم تكن تبقى عنده حتى الصباح). ولم تكن تحكي الحكايات لهابارا إلا لأنها، في ما تصوّر، كانت تستمتع بالانزواء في السرير والحديث إلى رجل طوال تلك اللحظات الحميمية الخاملة بعد ممارسة الجنس. وربما كان ذلك أيضا لرغبتها في التسرية عن هابارا المرغم على قضاء كل يوم في حياته محشورا بين الجدران.
وبسبب هذا، أطلق هابارا على المرأة اسم شهرزاد. وإن لم ينادها به قط، بل جعله إشارة إليها في دفتر يومياته الصغير. فكان يكتب بقلمه الحبري الجاف أن "شهرزاد جاءت اليوم"، ثم يدوِّن خلاصة القصة التي حكتها له بلغة بسيطة غامضة لا شك أنها ستكون مبعث حيرة أي قارئ لليوميات في أي يوم من الأيام.
لم يعرف هابارا قط إن كانت حكاياتها حقيقية، أم مخترعة، أم فيها من هذا وذاك. وما كان له أن يعرف. وقد كانت الحقيقة والافتراض، والملاحظة والخيال المحض، جميعها مختلطة في حكاياتها، فما كان منه إلا أن كان يستمتع بها استمتاع طفل، لا يطرح الكثير من الأسئلة، ثم إنه ما الذي كان يعينه من أمرها، أهي حقائق أم أكاذيب أم مزيج معقد من الاثنين؟
في كل الحالات، كانت موهبة شهرزاد في حكي حكايات تمس القلب. فهي تضفي على القصة التي تحكيها، مهما تكن هذه القصة، لمسة خاصة، فلم يكن في نبرة صوتها غلطة، ولا في دقة توقيتها، ولا في إيقاعها، بل تأسر انتباه السامع، وتعذِّبه، وتسوقه سوقا إلى التأمل والتكهن، ثم إنها في نهاية المطاف تضع بين يديه ما كان يصبو إليه. فيجد هابارا نفسه، في افتتان، قادرا على نسيان الواقع المحيط به، ولو للحظة. ومثل سبورة تمسحها قماشة مبلولة، كان يجد نفسه وقد انمحت عنها المخاوف والذكريات الأليمة. فما الذي يرجوه أحد فوق هذا؟ خاصة وأن أكثر ما كان يتوق إليه هابارا في هذه المرحلة من حياته هو هذا النوع من النسيان.
كانت شهرزاد في الخامسة والثلاثين، أكبر من هابارا بأربع سنوات، وربَّة بيت متفرغة عندها ولدان في المدرسة الابتدائية (وإن تكن في الوقت نفسه ممرضة معتمدة تستدعى للعمل بين الحين والآخر)، وكان زوجها موظفا نمطيا في شركة. والمسافة بين بيتهم وبيت هابارا عشرون دقيقة بالسيارة. وتلك (أو تلك تقريبا) هي جميع المعلومات الشخصية التي تطوعت بتقديمها. ولم يكن لهابارا أن يتثبّت من أيٍّ منها، وإن لم يجد سببا للتشكك فيها. ولم تكشف له عن اسمها قط، قالت "لا داعي لأن تعرفه، أليس كذلك؟". ولا نادته باسمه يوما، برغم أنها بالطبع كانت على علم به. كانت تتحرى اجتناب الاسم، كما لو كان سريانه على لسانها نذير شؤم أو عدم لياقة.
ولم يكن ثمة، في الظاهر على أقل تقدير، أي شيء مشترك بين شهرزاد وملكة ألف ليلة وليلة الجميلة. كانت تقترب من منتصف العمر، وقد ترهل جسمها بالفعل، وظهرت الخطوط حول زاويتي عينيها. ولم تكن قصة شعرها وطريقتها في التجمل واللبس لتوصف بالارتجال بالضبط، ولكنها أيضا لم تكن لتستدعي أي نوع من الإطراء. ولم تكن الجاذبية تنقص قسماتها، لكن وجهها كان يعوزه التركيز، فكان الانطباع الذي تتركه لدى الناس ضبابيا. فلم يكن الذين يمرون بها في الطريق أو يستقلون معها المصعد يلاحظون وجودها، ولا بد أنها كانت قبل عشر سنين امرأة شابة جذابة، بل لعهلها كانت تدير قليلا من الرؤوس، ثم أسدل الستار في لحظة معينة على هذا القسم من حياتها وبدا من غير المرجح أن يفتح من جديد.
كانت شهرزاد تتردد على هابارا مرتين في الأسبوع، ولم يكن ذلك في أيام ثابتة، ولكنها لم تحضر يوما في العطلة الأسبوعية، فلا شك أنها كانت تقضيها مع أسرتها، ولم تكن تحضر إليه إلا بعد ساعة من اتصالها أولا، وتحضر دائما وقد اشترت البقالة من متجر الحي وجلبتها في سيارتها الخاصة، المازدا الزرقاء الصغيرة الهاتشباك. كانت من طراز قديم بعض الشيء، وفي مؤخرتها انبعاجة، وإطاراتها سوداء متسخة. كانت تركنها دائما في موقف البيت، وتحمل الأكياس إلى الباب الأمامي، وتدق الجرس، فينظر هابارا من العين السحرية، ثم يفتح القفل، وينزع السلسلة، ويدخلها إلى البيت، وفي المطبخ، تصنِّف البقالة وترتبها في الثلاجة، وتعد قائمة بالمشتريات التي ينبغ أن تشتريها في المرة التالية، وتفعل كل ذلك بدربة، وبالحد الأدني من الحركة، ودونما كثير من الكلام.
ولا تكاد تنتهي، حتى يمضي الاثنان بلا كلمة إلى غرفة النوم، كأنما يحملهما إلى هناك نهر خفي. تسارع شهرزاد إلى خلع ثيابها، وتنضم، وهي لا تزال على صمتها، إلى هابارا في سريره. وما كانت تتكلم تقريبا أثناء ممارستهما الجنس، بل تقوم بكل فعل كأنما تؤدي واجبا، وفي فترة الطمث، كانت تستعمل يدها وصولا لنفس الغاية. وكانت براعتها، أو بالأحرى طريقتها المهنية، تذكِّر هابارا دائما بأنها ممرضة معتمدة.
وبعد الجنس كانا يستلقيان في السرير ويتكلمان. ولمزيد من الدقة، كانت هي تتكلم وهو ينصت، لا يكاد يضيف غير كلمة مناسبة هنا، أو يطرح سؤالا عارضا هناك. وعندما تعلن الساعة الرابعة والنصف، تبتر قصتها (التي كان يبدو دائما، ولسبب ما، أنها تصل إلى ذروة من ذراها بحلول ذلك الوقت)، وتثب من السرير، فتلملم ثيابها، وتتأهب للخروج قائلة إنها مضطرة إلى الذهاب لإعداد العشاء.
كان هابارا يودعها لدى الباب، ويعيد السلسلة إلى مكانها، ويرى من بين الستائر السيارة الصغيرة الزرقاء الوسخة وهي تبتعد. وفي الساعة السادسة، يعد عشاء بسيطا يتناوله وحده. ولما كان قد عمل طاهيا ذات يوم، فلم يكن إعداد وجبة يمثل له مشقة كبيرة. كان يشرب بيريير مع العشاء (فلم يقرب الكحول قط) ويتبعه بفنجان قهوة يرشفه وهو يشاهد دي في دي أو يقرأ. وكان يحب الكتب الطويلة، لا سيما التي يحتاج إلى قراءتها أكثر من مرة كي يفهمها. ولم يكن لديه تقريبا شيء يفعله. فلم يكن هناك من يتكلم معه. أو يتصل به. وما من كمبيوتر، أو وسيلة للاتصال بالإنترنت. ولا تصل إليه صحف، ولم يكن يشاهد التليفزيون مطلقا (ولذلك بالطبع سبب وجيه). ومن البديهي أنه لم يكن يستطيع الخروج. ولو كانت زيارات شهرزاد توقفت لسبب أو لآخر، لبقي وحده تماما.
ولم يكن هابارا يحمل همًّا كبيرا لذلك الاحتمال. وكانت تحدثه نفسه بأن ذلك الاحتمال لو تحقق فسيكون الوضع صعبا، ولكنني سأتجاوزه بطريقة أو بأخرى. فلست وحيدا رماه الموج في جزيرة. لا، إنما أنا في جزيرة صحراوية. كان دائما يرتاح لبقائه برفقة نفسه، ولم تكن تضايقه إلا فكرة أنه لن يقدر على الحديث مع شهرزاد في السرير، أو لمزيد من الدقة، أنه لن يحصل على الجزء التالي من حكايتها.
قالت شهرزاد وهما مستلقيان معا في السرير "لقد كنت في حياة سابقة سمكة ثعبان البحر الأنقليسي". قالتها ببساطة ومباشرة كما لو كانت تقرر أن القطب الشمالي قائم في أقصى الأرض، ولم يكن هابارا يدري أي كائن هو ثعبان البحر الأنقليسي، ولا كيف هو شكله. فلم يكن له رأي معين في الأمر.
سألته "أتعرف كيف يأكل ثعبان البحر الأنقليسي سمكة السلمون؟"
ولم يكن يعرف. وكان يعرف للمرة الأولى في حقيقة الأمر أن الأنقليس يأكل السلمون.
"ليس لثعبان البحر الأنقليسي فكان. وهذا ما يفرق بينه وبين أنواع ثعابين البحر الأخرى".
"ماذا؟ وهل للأنقليس فِكاك؟"
قالت في دهشة "هل سبق أن أمعنت النظر فيها؟"
"آكل الأنقليس بين الحين والآخر، ولكن الفرصة لم تسنح لي قط لأتأمل في ما إذا كان لديه فكاك".
"حسن، عليك أن تنظر فيه أحيانا. اذهب إلى حديقة أسماك أو شيء من هذا القبيل. الأنقليس العادي لديه فكاك فيها أسنان. لكن ثعبان البحر الأنقليسي لديه ماصات فقط، وبها يلتصق في الصخور أو قيعان الأنهار والبحيرات. وثمة يبقى يتهادي إلى الأمام وإلى الخلف، كالطحالب".
تخيل هابارا سربا من ثعابين البحر الأنقليسية وهي تتهادى في قاع بحيرة تهادي الطحالب. بدا المشهد له بطريقة ما منبتًّا عن الواقع، ولو أنه كان يعلم أن الواقع قد يكون في بعض الأحيان غير واقعي بصورة رهيبة.
"هكذا يعيش ثعبان البحر الأنقليسي، مختفيا وسط الطحالب. كامنا ينتظر. حتى إذا مرت سمكة سلمون فوقه، انطلق ليثبتها بماصاته، وبداخل تلك الماصات أشياء تشبه الألسن، مزودة بأسنان، تظل تنشر بطن السلمون ذهابا وإيابا  إلى أن تفتحها ثم تبدأ في تناول لحمها، قطعة بعد قطعة".
قال هابارا "ما كنت لأحب أن أكون سمكة سلمون".
"قديما في زمن الرومان، كانوا يربون ثعابين البحر الأنقليسية في البرك. ليلقى بالعبيد المارقين إليها فيؤكلون أحياء".
قال هابارا لنفسه إنه ما كان ليستمتع أيضا لو كان عبدا رومانيا.
قالت شهرزاد "رأيت ثعابين البحر الأنقليسية للمرة الأولى وأنا في المدرسة الابتدائية، في رحلة مع المدرسة إلى حديقة الأسماك. ولحظة أن قرأت طريقة حياته عرفت أنني كنت واحدة منها في حياة سابقة. أقصد أنني تذكرت فعليا التصاقي بصخرة، وتمايلي بين الطحالب في الخفاء، وعيني معلقة على سمكة سلمون تعوم فوقي".
"هل تتذكرين أكلك لها؟"
"لا، لا أستطيع".
قال هابارا "ذلك مريح. ولكن هل هذا هو كل ما تتذكرين من حياتك السابقة كثعبان بحري، فقط تمايلك في قاع النهر إلى الأمام وإلى الخلف؟"
قالت "لا أحد يستدعي حياته السابقة بهذه السهولة. ومن يواتيه الحظ لا يراها إلا لمحا. كمن يرى بصيصا من الصور عبر ثقب في جدار. هل تستطيع أنت أن تتذكر أيًّا من حيواتك السابقة؟"
قال هابارا "لا". ولم يكن في الحقيقة قد شعر بدافع إلى زيارة حياة سابقة، ومِلءُ يديه حياته الراهنة. و"مع ذلك، كانت الحياة مثالية في قاع البحيرة. وأنا ثمة رأسا على عقب، ملتصقة الفم بصخرة، مشاهدة سمكة تمر من فوقي. ومرة رأيت سلحفاة ضخمة تمرق، بدنا هائلا يعبر، مثل المركبة الفضائية الشريرة في ’حروب النجوم’ وطيورا بيضا ضخاماـ ذوات مناقير حادة طويلة، تبدو من الأسفل غيوما بيضاء سابحة في السماء".
"وترين كل هذه الأشياء الآن؟"
قالت شهرزاد "في وضوح الشمس. أرى حتى انسحاب التيار، أرى كل شيء. بل أستطيع أحيانا أن أعود إلى هناك بعقلي."
"إلى ما تفكرين فيه في تلك اللحظات؟"
"بالضبط".
"وفيم يفكر ثعبان البحر الأنقليسي؟"
" ثعبان البحر الأنقليسي يفكر في أفكار شديدة الأنقليسية. في مواضيع أنقليسية وسياق شديد الأنقليسية. ما من كلمات تعبر عن تلك الأفكار. هي تنتمي إلى عام الماء. الأمر أشبه بالوقت الذي قضيناه في الرحم. فقد كنا نفكر هناك في أشياء، لكننا لا نستطيع التعبير عن تلك الأفكار باللغة التي نستعملها هنا. صح؟"
"لحظة من فضلك. أتتذكرين الرحم؟"
"بالتأكيد" ورفعت رأسها لتنظر إلى صدره "وأنت؟"
قال لا. قال إنه لا يستطيع.
"إذن أحكي لك يوما ما عن الحياة في الرحم".
"شهرزاد. ثعبان البحر الأنقليسي، حيوات سابقة" ذلك ما دوّنه هابارا في يومياته ذلك اليوم. كان يستبعد أن كل من سيصادف هذه الكلمات سوف يخمن معانيها.
التقى هابارا بشهرزاد للمرة الأولى قبل أربعة شهور. كان قد انتقل إلى هذا البيت في بلدة صغيرة إلى الشمال من طوكيو، وعيِّنتُ له "مسئولة دعم". ولما كان لا يستطيع الخروج، فقد كانت هي التي تشتري له الطعام وغيره مما يحتاج إليه وتحضره إلى البيت. كما كانت تتدبر له من الكتب والمجلات ما يود أن يقرأه، والاسطوانات التي يحب أن يسمعها. كما انتقت له تنويعة من الديفيديهات، برغم أنه عانى كثيرا كي يرضى بمعاييرها في هذا الصدد.
وبعد أسبوع من مجيئه، وفي خطوة بدا كما لو كانت بديهية، اصطحبته شهرزاد إلى السرير. كان هابارا قد وجد على المنضدة المجاورة للسرير واقيات ذكرية عند وصوله. فتصوّر أن الجنس جزء من تكليفاتها، أو ربما المصطلح المعتمد لديهم هو "أنشطة الدعم". ومهما يكن المصطلح، ومهما يكن دافعها، استسلم هابارا للتيار وقبل العرض بغير تردد.
لم يكن الجنس إلزاما بالضبط، ولكن لا يمكن أيضا القول بأنهما أقبلا عليه بقلبيهما. بدا كأنها تحتاط، لكي لا يجرفهما الحماس، تماما كما لا يريد مدرب القيادة أن يصل طلبته إلى درجة غير مأمونة من الإثارة. ومع أن ممارسة الحب لم تصل إلى حد الشغف، لم تكن كذلك مسألة مهنية. فلعلها بدأت كواجب من بين واجباتها (أو حتى كمسألة مرغوب فيها بشدة)، ثم بدا في مرحلة معينة، أنها تجد في الأمر لذة، مهما صغرت. عرف هابارا ذلك من جسمها نفسه، من ردود أفعال بسيطة كان يبتهج لها بدوره. وهو في نهاية المطاف لم يكن حيوانا حبيسا في قفص، بل إنسانا  له مشاعره، ولم يكن الجنس بهدف المتعة الجسدية المحضة ليشعره بالإشباع. لكن إلى أي مدى كانت شهرزاد ترى علاقتهما الجنسية من جملة واجباتها، وإلى أي مدى كانت جزءا من حياتها الشخصية؟ هذا ما لم يعرفه.
وكان هذا يصدق على أشياء أخرى كذلك. كان كثيرا ما يصعب على هابارا أن يتبيّن مشاعر شهرزاد ونواياها. فقد كانت على سبيل المثال ترتدي في أغلب الأوقات كيلوتات قطنية سادة، من النوع الذي تخيل أن ربات البيوت اللاتي تجاوزن الثلاثين يرتدينه في العادة، وإن يكن ذلك محض تخمين، لما لم تكن له خبرة بربات البيوت في تلك المرحلة العمرية. ولكنها كانت في بعض الأحيان ترتدي كيلوتات ملونة، حريرية. ولم يكن لديه أدنى فكرة متى تبدل بين النوعين.
الأمر الآخر الذي كان يحيره هو أن ممارستهما للجنس وحكيها للقصص كانا مرتبطين ارتباطا وثيقا، فيصعب عليه أن يعرف متى ينتهي أحدهما ليبدأ الثاني. ولم يكن قد سبق له من قبل أن عرف شيئا كذلك: فبرغم أنه لم يحبها، وأن الجنس بينهما كان على ما كان عليه، فقد كان يرتبط بها ارتباطا جسديا شديدا. فكان ذلك محيرا له بشدة.
قالت له ذات يوم وهما في السرير "كنت لم أزل صبية حينما بدأت أقتحم البيوت الخاوية".
ورأى هابارا نفسه، شأنه كلما شرعت تحكي الحكايات، في حيرة من كلماتها.
سألته "أسبق لك أن اقتحمت بيت أحد؟"
قال بصوت جاف "لا أظن".
"افعلها مرة، وسوف تدمنها".
"لكن هذا غير قانوني".
"طبعا. وخطر. ولكنك لا تقاوم".
وانتظر هابارا نافد الصبر أن تكمل.
قالت شهرزاد "أجمل ما في أن تكون في بيت أحد هو ألا يكون هناك أحد. الصمت. ما من صوت. كأنه أهدأ مكان في الدنيا. هكذا كنت أشعر بالأمر على أية حال. كنت حينما أجلس على الأرض في سكون تام، فترتد إليّ حياة ثعبان البحر الذي سبق أن كنته. حكيت لك أني كنت ثعبان بحر من قبل، أليس كذلك؟"
"نعم"
"كان الأمر كذلك بالضبط. تلتصق ماصاتي بصخرة تحت الماء، ويتمايل جسدي من فوقي إلى الأمام وإلى الخلف، تمايل الطحالب من حولي. كل شيء هادئ. لكن ربما كان سر ذلك الهدوء أنني كنت بلا أذنين. وفي الأيام المشمسة، كان الضوء ينطلق من السطح انطلاق السهم. والسمك من جميع الألوان والأشكال يسبح أعلاي. ويكون عقلي فارغا من الأفكار. إلا الأفكار الأنقليسية طبعا. وتلك كانت غائمة، لكن شديدة النقاء. كان مكانا رائعا، والوجود فيه رائعا".
حكت شهرزاد أنها اقتحمت بيتا للمرة الأولى وهي في الثانوي. كانت مأخوذة بولد معها في الفصل. برغم أنه لم يكن ليوصف بالوسامة، كان طويلا منحوتا، وطالبا جيدا يلعب في فريق كرة القدم، وكانت مرتبطة به بشدة. ولكن كان واضحا أنه معجب بفتاة أخرى في الفصل، فلم ينتبه قط لشهرزاد. ومع ذلك لم تخرجه من رأسها. فلم تكن تقع عيناها عليه إلا وتنحبس أنفاسها، بل وتشعر في بعض الأحيان أنها توشك أن تتقيأ. ورأت أنها لو لم تفعل في ذلك الأمر شيئا، فقد يصيبها الجنون. ولم يكن اعترافها له بحبها مطروحا.
وذات يوم، تغيبت شهرزاد عن المدرسة، وذهبت إلى بيت الصبي، وكان على مسافة خمس عشرة دقيقة مشيا من بيتها. كانت قبل ذلك قد درست وضعه العائلي. فعرفت أن أمه تدرِّس اللغة اليابانية في مدرسة بمدينة قريبة، وأن أباه كان عاملا في شركة أسمنت مات قبل سنوات في حادث مروري، وأن له أختا تلميذة في مدرسة ثانوية، وكان معنى ذلك أن البيت يخلو طول النهار.
ليس غريبا أن الباب الأمامي كان موصدا، فبحثت شهرزاد عن المفتاح تحت الدواسة، وكالعادة كان ثمة مفتاح تحتها. ففي المجتمعات السكنية الهادئة كالتي في بلدانهم الصغيرة لم تكن ثمة جرائم تذكر، فكانت المفاتيح الاحتياطية غالبا ما توضع تحت دواسة أو في أصيص لدى الباب.
ولمزيد من التأمين، دقت شهرزاد الجرس، وانتظرت فلم يرد أحد. مسحت الشارع بعينيها خشية أن يكون ثمة من يراقبها. ثم فتحت الباب ودخلت، وعادت فأغلقت الباب من الداخل. خلعت حذاءها ووضعته في كيس بلاستيكي دسته بدوره في حقيبة على ظهرها ثم صعدت السلم على أطراف أصابعها إلى الطابق الثاني.
كانت غرفة نومه هناك، مثلما تخيلت. سريره مرتب، وفي المكتبة ستريو صغير وقليل من الاسطوانات. وعلى الجدار تقويم تحتله صورة لفريق برشلونة لكرة القدم، بجواره ما بدا كأنه شعار فريق، ولا شيء آخر. ما من صور أو لوحات. فقط حائط مطلي بلون الكريم، وستارة بيضاء على النافذة. كانت الغرفة مرتبة، وكل شيء فيها في مكانه. لا كتب مبعثرة، ولا ثياب متناثرة على الأرض. كانت الغرفة تشهد بميل ساكنها إلى النظام. أو بالأحرى تشي بأمٍّ تحافظ على بيت مثالي. أو بكليهما. أثارت توتر شهرزاد. لو كانت الغرفة غير منتظمة، لما كان لأحد أن يلاحظ أي اختلال بسيط قد تحدثه فيها. وفي الوقت نفسه، أثارت الغرفة بنظافتها وبساطتها ورائحتها المثلى سعادتها. كانت مثله.
جلست شهرزاد لبرهة على مقعد المكتب. ومضت تفكر بقلب خافق أنه ها هنا يذاكر. أخذت تتناول ما على المكتب من أشياء، واحدا بعد واحد، فتديرها بين أصابعها، وتتشممها، وتمسكها بشفتيها. أقلامه الرصاص، مقصاته، مسطرته، دباسته، كل تلك الأشياء البسيطة بدت مشعة لمجرد أنها أشياؤه هو.
فتحت أدراج مكتبه وتفحصت محتوياتها على مهل. كان الدرج العلوي مقسما إلى أجزاء، في كل منها علبة تحتوي كثيرا من الأشياء والتذكارات. في الدرج الثاني دفاتر المدرسة التي كان يذاكرها في تلك الفترة، أما الدرج السفلي، والأعمق، فكان ممتلئا بكثير من الورق القديم، والدفاتر، والامتحانات. كان لكل شيء هناك علاقة إما بالمدرسة أو بكرة القدم. ودّت لو تصادف شيئا شخصيا، دفتر يوميات مثلا أو رسائل، ولكن المكتب لم يحتو شيئا من هذا النوع. ولا حتى صورة فوتغرافية. وبدا هذا لشهرزاد غير طبيعي. ألم تكن له حياة خارج المدرسة والملعب؟ أم تراه كان يخفي بحرص كل شيء ذي طبيعة شخصية حيث لا يعثر عليه أحد؟
ومع ذلك، كان مجرد الجلوس إلى مكتبه، والنظر إلى أشيائه، ينقل شهرزاد إلى ما تعجز عن إدراكه الكلمات. ولكي تهدئ نفسها، قامت من على المقعد وجلست على الأرض. رفعت عينيها إلى السقف. كان الهدوء من حولها مطلقا. وبتلك الطريقة رجعت إلى دنيا ثعابين البحر.
"لم تفعلي إذن أكثر من دخول غرفته والنظر في أشيائه والجلوس على الأرض؟" سألها هابارا.
قالت شهرزاد "لا. كان هناك ما هو أكثر. كنت أريد أن آخذ إلى البيت شيئا من أشيائه. شيئا كان يستعمله كل يوم أو كان قريبا من جسده. على أن يكون شيئا غر مهم لا يلاحظ غيابه. فسرقت أحد أقلامه الرصاص".
"قلم واحد؟"
"نعم. قلم كان يستعمله. ولكن السرقة لم تكن كافية. كان ذلك ليجعل الأمر مجرد سرقة. لا سرقتي أنا بالذات. أنا اللصة العاشقة، في نهاية المطاف".
بدت "اللصة العاشقة" لهابارا أشبه بعنوان فيلم صامت.
"فقررت أن أترك في موضعه شيئا، تذكارا من نوع ما. دليل على أنني كنت هناك. إعلان بأن ما جرى كان مقايضة لا مجرد سرقة. فأي شيء أتركه؟ لم يخطر لي شيء. فتشت في حقيبتي وفي جيوبي ولكنني لم أجد شيئا ملائما. لمت نفسي لأنني لم أحضر معي شيئا لائقا. وقررت في النهاية أن أترك فوطة صحية. فوطة غير مستعملة طبعا لا تزال في كيسها البلاستيكي. كان موعد الطمث يقترب، فكنت أحمل فوطة احتياطية. أخفيتها في عمق الدرج السفلي، حيث يصعب العثور عليها. وأثارني ذلك بشدة. فكرة وجود إحدى فوطي الصحية في عمق درجه. وربما شعوري بالإثارة هو ما جعل الطمث يفاجئني بعد ذلك على الفور".
فوطة صحية في مقابل قلم رصاص، فكر هامبارا. ربما ذلك ما ينبغي أن يكتبه في يومياته في ذلك اليوم: "اللصة العاشقة، قلم رصاص، فوطة صحية". ولير ما الذي سيخرجون به من هذا!
"بقيت في بيته لمجرد خمس عشرة دقيقة. لم يكن بوسعي أن أبقى أكثر من ذلك: كانت تجربتي الأولى في التسلل للبيوت، وكنت أخشى أن يظهر أحد وأنا هناك. مسحت الشارع من جديد لأطمئن من خلو المسرح، وانسللت من الباب، وأغلقته، ووضعت المفتاح تحت الدواسة. ثم ذهبت إلى المدرسة حاملة معي قلمه الرصاص".
وصمتت شهرزاد. وبدا عليها أنها رجعت إلى ذلك الزمن، ومضت تستعرض صور ما جرى بعد ذلك، صورة تلو صورة.
وبعد صمت طويل قالت "كان ذلك أجمل أسبوع في حياتي. دوَّنت في دفتري الكثير بقلمه. تشممته، وقبَّلته، ومررته على خدي، وقلبته بين أصابعي. بل وفي بعض الأحيان كنت أضعه في فمي وأمصه. وبالطبع كان يؤلمني أنني كلما كتبت به كان يقصر ويقصر، ولكنني لم أستطع أن أمنع نفسي. وكنت أقول لنفسي إنه لو قصر أكثر مما ينبغي فيمكنني الرجوع للحصول على غيره. فقد كان ثمة كثير من الأقلام الرصاص المستعملة في كوب على مكتبه، وما كان ليلاحظ غياب واحد. ولعله لم يكن قد عثر بعد على الفوطة في درجه. وظلت الفكرة تثيرني بلا حدود، وتسري بدغدغة في جسمي كله. لم يعد يضايقني أنه في العالم الحقيقي لم ينظر إليّ قط أو أبدى أي بادرة تشي بوعيه بوجودي. ذلك أنني كنت في السر أمتلك شيئا يخصه، شيئا منه، منه هو".
بعد عشرة أيام، تغيبت شهرزاد عن المدرسة من جديد وزارت بيت الصبي مرة ثانية. كانت الحادية عشرة صباحا. وكما في المرة السابقة، تناولت المفتاح من تحت الدواسة وفتحت الباب. ومرة أخرى كانت غرفته في حالة لا تشوبها شائبة. اختارت أولا قلما رصاصا لا يزال طويلا ووضعته بحرص في مقلمتها. ثم استلقت بحذر على سريره، واحتضنت ثدييها، ومضت تنظر إلى السقف. ذلك هو السرير الذي ينام فيه كلَّ ليلة. مجرد الفكرة جعلت خفقان قلبها يتسارع، بل وصعب عليها أن تتنفس بصورة طبيعية. لم تستطع أن تملأ رئتيها بالهواء، وجف حلقها كأنه عظمة، جاعلا كل نفس ألما.
قامت شهرزاد من السرير، وسوّت الملاءات، وجلست على الأرض، مثلما فعلت في زيارتها الأولى، وعاودت النظر إلى السقف وهي تحدث نفسها، لا أظنني بعد مستعدة لسريره، لا يزال التعامل مع ذلك كثيرا عليّ.
في هذه المرة، قضت شهرزاد نصف ساعة في البيت. تناولت دفاتره من الدرج ومضت تتصفحها. صادفت مقالة عن كتاب وقرأتها. كانت عن رواية "كوكورو" لـ سوسيكي ناستيوم، وكانت ضمن الواجبات القرائية في ذلك الصيف. كان خطه جميلا، كما هو متوقع من طالب من بين الأوائل، وليس في المقالة غلطة أو تصويب. والدرجة التي حصلت عليها المقالة هي ممتاز. وماذا غير ذلك؟ ما كان لمعلم في مواجهة خط مثالي كذلك إلا أن يعطيه درجة الامتياز بدون تفكير، سواء قرأ منها سطرا أم لم يقرأ.
انتقلت شهرزاد إلى مجموعة الأدراج، ومضت تتفحصها بالترتيب. ملابسه الداخلية وجواربه. قمصانه وبنطلوناته. ثياب كرة القدم. كانت جميعها مطوية ومرتبة، لا بقعة فيها أو اهتراء. تراه هو الذي طبَّقها؟ أم أن أمه هي التي فعلت ذلك على الأرجح؟ انتباتها الغيرة من أمه التي كان بوسعها أن تفعل له ذلك كل يوم.
انحنت شهرزاد تتشمم الثياب في الأدراج. كانت تفوح منها جميعا رائحة الغسيل والنشر في الشمس. تناولت تيشيرت رماديا، وفردته، ووضعته على وجهها، عسى أن يكون قد بقي في الإبطين بصيص من عرقه؟ لكنها لم تجد شيئا. ومع ذلك استبقته على وجهها قليلا، ومضت تنهل بأنفها منه. أرادت أن تأخذ القميص. ولكن في ذلك مخاطرة كبيرة. فالثياب كانت مرتبة بدقة وعناية، ولعله كان يعرف (أو أمه) عدد التيشيرتات في الدرج. فلو ضاع أحدها قد ينفتح الجحيم. أعادت شهرزاد تطبيق التيشيرت وأعادته إلى مكانه. وبدلا منه أخذت شارة صغيرة على هيئة كرة قدم عثرت عليها في أحد الأدراج. بدا أنها ترجع إلى أحد فرق الكرة في مدرسته الإعدادية. خطر لها أنه قد يلاحظ غيابه. لكن وقتا سيمر على أقل تقدير قبل أن ينتبه إلى غيابه. وبينما كانت تتفحص أدراج المكتب تفقدت موضع الفوطة فوجدتها لا تزال هناك.
حاولت شهرزاد أن تتخيل ما قد يحدث لو اكتشفت أمه الفوطة. ما الذي سيذهب إليه ظنها؟ هل ستطالبه بالسبب اللعين لوجود فوطة في درج مكتبه؟ أم ستسكت على اكتشافها وتظل تقلب الشكوك السوداء في رأسها المرة تلو المرة؟ لم تدر شهرزاد بالضبط ما قد يحدث. لكنها قررت أن تترك الفوطة حيثما كانت، فهي في نهاية المطاف أول ما تركته له.
وتخليدا لزيارتها الثانية، تركت شهرزاد ثلاث شعرات وراءها، كانت قد انتزعتها في الليلة السابقة ولفتها بالبلاستيك، وأغلقت عليها مظروفا. أخرجت المظروف من حقيبتها ووضعته في أحد دفاتر الرياضيات القديمة في درجه. كانت الشعرات الثلاثة ناعمة وسوداء، لا طويلة للغاية، ولا قصيرة للغاية. ما لأحد أن يعرف لمن هي إلا بتحليل دي إن آيه، لكن كان واضحا أنها لفتاة.
تركت بيته ومضت على الفور إلى المدرسة، ووصلت بالضبط في موعد حصة الظهيرة الأولى. ومرة أخرى، بقيت راضية لنحو عشرة أيام. شعرت أنه أصبح بالنسبة لها يعني الكثير. وكما هو متوقع، ما لسلسلة أحداث كتلك أن تنتهي بدون حوادث، خاصة وأن التسلل إلى بيوت الناس كما قالت شهرزات إدمان حقيقي.
عند تلك المرحلة من القصة رمت شهرزاد بعينها إلى المنبه الموضوع على الكمدينو ورأت أن الساعة الرابعة واثنتين وثلاثين دقيقة، فقالت "لا بد أن أقوم" كأنها تقولها لنفسها. وثبت من السرير وارتدت كيلوتها الأبيض السادة، وشبكت حمالة الصدر، أدخلت ساقيها في الجينز وارتدت تيشيرت نايك الأزرق، ثم غسلت يديها في الحمام، وسارعت تسوي شعرها بالفرشاة، وانطلقت بالمازدا.
ولما كان وحده، وبلا شيء يفعله، مضى هابارا يتفكر في القصة التي حكتها له للتو، مستطعما إياها قطعة بعد قطعة، كما تستطيب بقرة ما تجتره. تساءل، إلى أين تتجه القصة؟ وشأن جميع قصصها، لم يدر لها وجهة على الإطلاق. صعب عليه أن يتصور شهرزاد تلميذة في الثانوي. تراها كانت أنحف في ذلك الوقت، بغير ترهلات جسمها الحالية؟ وفي زي مدرسي، بجورب أبيض، وشعر في ضفيرتين؟
لم يكن جائعا، فأرجأ إعداد عشائه ومضى إلى الكتاب الذي كان قد بدأه، فلم ير إلا أنه عاجز عن التركيز. كانت صورة شهرزاد إذ تتسلل إلى غرفة زميلها في الفصل وتدفن وجهها في قميصه حية في ذهنه أكثر مما ينبغي. ولم يجد في نفسه صبرا للانتظار حتى يعرف ماذا حدث بعد ذلك.
كانت زيارة شهرزاد التالية للبيت بعد ثلاثة أيام، أي بعد انتهاء العطلة الأسبوعية. وكدأبها، جاءت وفي يدها أكياس ورقية كبيرة ملآنة بالبقالة. مرت على ما في الثلاجة من أطعمة تستبعد ما انتهت صلاحيته، وتتفحص المعلبات والزجاجات في الخزانة، وترى ما أوشك من التوابل والبهارات على النفاد، وتدوِّن قائمة التسوق التالية. وضعت بعض زجاجات بيرييه في الثلاجة، وأخيرا رصت الكتب والديفيديهات التي اشترتها على المنضدة.
"هل هناك شيء آخر تريده؟"
قال هابارا "لا يخطر لي شيء"
وكالعادة، مضى الاثنان إلى السرير ومارسا الجنس. وبعد قدر كاف من التمهيد، ارتدى الواقي الذكري، وولجها، وبعد وقت كاف قذف. وبعد إلقاء نظرة محترفة على محتويات الواقي الذكري، بدأت شهرزاد آخر حلقات قصتها.
شعرت، كما سبق، بالسعادة والتشبع لمدة عشرة أيام منذ اقتحامها الثاني. دسَّت شارة كرة القدم في عمق مقلمتها، وبين الحين والآخر كانت تتحسسها وهي في الفصل. كانت تقضم القلم الرصاص وتلعقه. وطول الوقت تفكر في غرفته. تفكر في مكتبه، في السرير الذي ينام عليه، والأدراج التي فيها ثيابه، في سراويله الداخليه البيضاء التقليدية، والفوطة الصحية والشعرات الثلاثة المخبأة في درجه.
فقدت الاهتمام بالمدرسة تماما. فلم يكن يشغلها في الفصل إلا أن تتحسس الشارة أو تستسلم لأحلام اليقظة. ولم تكن تجد نفسها عند رجوعها إلى البيت في حالة ذهنية تسمح لها بالاهتمام بالواجبات. قبل ذلك لم تكن درجات شهرزاد تمثل أدنى مشكلة. لم تكن متفوقة، ولكنها كانت فتاة جادة لا تهمل في واجباتها على الإطلاق. فلما سألها المعلم سؤالا وعجزت عن تقديم إجابة مقنعة، فاقت حيرة المعلم غضبه. وفي النهاية استدعاها إلى غرفة المعلمين أثناء فسحة الغداء وسألها مباشرة "ما المشكلة؟ هل هناك ما يضايقك؟" فما كان منها إلا أن غمغمت بكلمات غامضة عن أنها متعبة. لم يكن لسر ثقيل ومعتم كسرها أن ينكشف لأحد ـ كان عليها أن تحتمله وحدها.
كان عليّ أن أستمر في اقتحام بيته. كنت مدفوعة إلى ذلك. وكان ذلك كما يمكنك ان تتخيل شديد الخطورة. حتى أنا لم أكن أغفل عن ذلك. كنت أعرف أن أحدا سيفاجئني وأنا هناك، طال الوقت أم قصر، وأن الشرطة سوف تأتي. كانت الفكرة تروعني حد الموت. ولكن لم يكن بوسعي أن أوقف الكرة وقد بدأت في التدحرج. وبعد عشرة أيام من ’زيارتي’ الثانية، مضيت للمرة الثالثة. لم يكن لدي خيار. شعرت أنني لو لم أفعل ذلك فسوف أتورط فيه أكثر وأكثر. والآن، حينما أرجع النظر، أجد أنني كان بي شيء من الجنون".
سألها هابارا "هل تسبب لك ذلك في مشكلات في المدرسة، فكرة التغيب عن الحصص كلَّ حين؟"
"أبي وأمي كان لديهما شغلهما، فلم يكن لديهما وقت للاهتمام بشئوني. ولم أكن أتسبب لهما في أي مشكلات في ذلك الوقت، ولا أثور على سلطتهما. فكانا يريان أن كف أيديهما عني هو الخيار الأمثل. وتزوير توقيعهما على ورق المدرسة كان أسهل من السهولة. وكنت قد أوضحت للمعلم المشرف عليّ أن لدي ظروفا صحية تستوجب أن أقضي نصف يوم في المستشفى بين الحين والآخر. ولما كان المعلمين مشغولين بمتابعة مشكلات الطلبة الذي لا يحضرون أصلا إلى المدرسة، فما كانوا ليهتموا بمشكلة طالبة تتغيب لنصف يوم كل فترة".
ألقت شهرزاد نظرة سريعة على المنبه المجارو للسرير قبل أن تكمل.
"تناولت المفتاح من تحت الدواسة ودخلت البيت للمرة الثالثة. كان هادئا كما كان من قبل، لا، بل إنه لسبب ما كان أهدأ. فزعت حينما عادت الثلاجة إلى العمل، بدت كأنها وحش هائل يزفر. رنَّ الهاتف وأنا هناك. وكان الرنين شديد الارتفاع والحدة حتى تخيلت أن قلبي سوف يتوقف. غمرني العرق. لم يرفع أحد السماعة طبعا، فصمت الهاتف بعد بضع رنات. وبدا البيت حينها أشد سكونا".
قضت شهرزاد وقتا أطول مستلقية على سريره في ذلك اليوم. وفي تلك المرة لم يكن قلبها يخفق بسرعة، وكانت تتنفس بصورة طبيعية. مضت تتخيله مستلقيا بجوارها في دعة، بل وتخيلت أنها تتملى منه وهو نائم. شعرت أنها إذا مدت يدها فإنها سوف تمس ذراعه المنحوت. ولم يكن بجوارها بالطبع، لكنها كانت غائبة في غيمة من حلم اليقظة.
 شعرت برغبة جارفة في أن تشمه. نهصت من السرير واتجهت إلى خزانة الأدراج، ففتحت أحدها ومضت تفحص ما فيه من قمصان. كلها مغسول ومطوي. وكلها نظيفة شديدة النظافة، لا أثر فيها لرائحته، شأن المرة الماضية.
ثم برقت في رأسها فكرة. سارعت تنزل السلالم إلى الطابق الأول، وثمة، في الغرفة المجوارة للحمام، وجدت سبت الغسيل فرفعت غطاءه. كانت ملابس أفراد الأسرة الثلاثة مختلطة هناك بعضها ببعض، ملابس الأم والابنة والابن. وبمجرد أن وقعت عيناها على الغسيل عرفت أن تعب يومها لم يضع هدرا. انتقت قطعة ثياب ذكورية. تيشيرت أبيض ذو رقبة دائرية. تشممته. رائحة شاب لا تخطئها أنف. زنخ سبق أن شمته حينما كان يقترب منها زملاؤها الذكور في الفصل. مؤكد أنها ليست رائحة زكية. ولكن كونها رائحته هو بعثت في نفس شهرزاد فرحة بلا حدود. حين قربت أنفها من الإبطين وتشممت، شعرت كأنها في حضنه، وأن ذراعيه يلتفان حولها.
 صعدت شهرزاد السلم إلى الطابق الثاني والتيشيرت في يدها واستلقت ثانية على السرير. دفنت وجهها في قميصه ومضت تتشمم في نهم. وبدأ ينتابها إحساس واهن في القسم السفلي من جسمها. تصلبت حلمتاها. أيحتمل أن الطمث في الطريق. لا، الوقت مبكر للغاية. أم كانت رغبة جنسية؟ لو كان الأمر كذلك، فماذا تفعل فيها؟ لم يكن لديها أدنى فكرة. كان ثمة شيء واحد مؤكدا مع ذلك، وهو أنه ما من شيء يمكن القيام به في ظل هذه الظروف. ليس هنا، في غرفته، وعلى سريره.
في النهاية، قررت شهرزاد أن تأخذ التيشيرت معها إلى البيت. كانت مخاطرة ولا شك. فمن المحتمل أن أمه سوف تلحظ غيابه. وحتى لو لم تدرك أنه سرق فسوف تظل تتساءل أين ذهب. فالمرأة التي تحافظ على بيتها بهذه النظافة لا بد أن تهتاج أشد الاهتياج. وإن ضاع شيء فإنها تقلب البيت رأسا على عقب كأنها كلب بوليسي إلى أن تعثر عليه. ولا بد أنها ستكتشف آثار شهرزاد في غرفة ابنها. ومع إدراكها ذلك كله، لم تشأ شهرزاد أن تنفصل عن التيشيرت. وعجز عقلها تماما عن إقناع قلبها.
وبدلا من ذلك، مضت تفكر فيما ستتركه. بدا كيلوتها أفضل اختيار. كان من النوع العادي البسيط، جديد نسبيا، وارتدته فقط في ذلك الصباح. بوسعها أن تخفيه في عمق خزانة الأدراج. هل كان يمكن أن تجد ما هو من أنسب من الكيلوت لتتركه في مقابل التيشيرت؟ لكنها حينما خلعته، وجدت عانتها مبلولة؟ فكرت أن يكون سبب ذلك هو الرغبة أيضا. لا يصح أن تترك في غرفته شيئا فيه أثر شهوتها. سيكون في هذا امتهانا لها. ارتدت الكيلوت، ومضت تفكر في شيء آخر تتركه.
قطعت شهرزاد قصتها. ولوقت طويل لم تقل كلمة. ظلت مستلقية، تتنفس بهدوء، مغمضة. وهابارا بجوارها، ممتثل، ينتظر أن تكمل.
وأخيرا فتحت عينيها ونطقت. قالت "ماذا يا مستر هابارا؟"، وكانت تلك هي المرة الأولى التي تناديه فيها باسمه.
نظر إليها هابارا.
"هل تعتقد أن بوسعنا أن نفعلها مرة أخرى؟"
قال "أعتقد أنني أستطيع أن أتدبر ذلك".
ومارسا الجنس من جديد. ولكن هذه المرة كانت شديدة الاختلاف عن سابقتها. عنيفة، شغوفة، جامحة. وكانت ذروتها في النهاية واضحة لا لبس فيها. سلسلة نوبات قوية تركتها ترتعش. حتى وجهها تبدل. فبدا لهابارا كما لو كان فيه أثر من شهرزاد في شبابها: كانت المرأة التي بين ذراعيه فتاة بنت سبعة عشر عاما مأزومة واقعة في شرك جسد ربة بيت عمرها خمسة وثلاثون عاما. كان بوسع هابارا أن يستشعر ذلك، عيناها مغمضتان، وجسمها يرتعش، تشم في براءة ونهم عرق تيشيرت زميلها في الفصل.
هذه المرة، لم تحك له شهرزاد قصة بعد الجنس. ولا تفحصت محتويات واقيه الذكري. استلقيا صامتين بجانب أحدهما الآخر. مشدوهة العينين، محملقة في السقف، كثعبان بحر في سطح الماء الساطع. وفكر هابارا كم سيكون رائعا لو يستطيع هو الآخر أن يسكن في زمان ومكان آخرين، تاركا من ورائه البشري المعين المعروف بـ نوبوتاكا هابارا ليصبح ثعبان بحر لا يحمل اسما. خايلته صورته هو وشهرزاد متجاوران، وماصاتهما مثبتة في صخرة، وجسماهما يتهاديان مع التيار، يرنوان إلى السطح في انتظار سمكة سلمون سمينة تمر بهما.
كسر هابارا الصمت وقال "فماذا تركت له في مقابل التيشيرت؟"
لم تجبه على الفور.
قالت أخيرا "لا شيء. لم يخطر ببالي شيء يضاهي التيشيرت برائحته. فأخذته وخرجت. وفي تلك اللحظة أصبحت لصة، ببساطة، مجرد لصة".
عندما رجعت شهرزاد بعد اثني عشر يوما إلى بيت الصبي، كان ثمة قفل جديد للباب، يلمع لونه الذهبي في وضح النهار، كما لو كان يتباهى بمتانته. ولم يكن ثمة مفتاح تحت الدواسة. بات واضحا أن التيشيرت الضائع أثار شكوك أمه. لا بد أنها قلبت البيت كله، وعثرت في ثنايا ذلك على علامات أخرى غريبة أنبأت عن دخول غريبة إلى بيتها. طاوعت غريزتها، وتصرفت بسرعة. وبالطبع شعرت شهرزاد بخيبة من جراء هذه التطورات، لكنها في الوقت نفسه شعرت بالارتياح. فقد بدا ما حدث وكأنما أتى شخص من ورائها ليزيح عن كتفيها ثقلا عظيما. ففكرت أن معنى هذا هو أنها لن تكون مرغمة على اقتحام بيته، فما من شك في أن غزواتها كانت لتستمر إلى الأبد إذا لم يتم تغيير القفل. وما من شك أيضا في أن أفعالها كانت لتتصاعد مع كل زيارة. وفي نهاية المطاف كان ليصادفها أحد أفراد الأسرة وهي في الطابق الثاني. وما كانت لتجد أمامها مهربا. ولا كانت لتجد كلاما تنجي به نفسها من المأزق. وما كان ثمة مستقبل ينتظرها غير هذا، آجلا أم عاجلا، ولا نتيجة أخرى أقل تحطيما. وها هي تفادت كل ذلك، ولعلها ينبغي أن تشكر لأم الصبي، وإن كانت لم تقابلها قط، أن لها عيني صقر.
ظلت شهرزاد تنهل من رائحة التيشيرت كلَّ ليلة قبل أن تنام. وظلت تنام والتيشيرت بجوارها، ثم تلفها في ورق وتخفيها قبل أن تخرج إلى المدرسة في الصباح، ثم تخرجها من لفافتها بعد العشاء لتتحسسها وتشمها، وتتحسب للرائحة التي سوف تذوي بمرور الأيام، لكن ذلك لم يحدث. فقد ظلت رائحة عرقه في النسيج إلى الأبد.
ولما لم يعد الاقتحام واردا، فقد بدأ عقل شهرزاد رويدا رويدا يرجع سيرته الأولى. فباتت أحلام اليقظة تقل، وباتت كلمات المعلمين تصل إليها، وإن ظل تركيزها منصبا لا على ما يقوله المعلمون بل على تصرفات زميلها، فكانت تبقي عينيها مثبتتين عليه، ترصدان أي تغيير أو علامة من أي نوع تشي بكونه متوترا من شيء ما. ولكنه ظل كما كان بالضبط لم يتغير فيه شيء. كان يلقي رأسه إلى الوراء ويضحك بلا تكلف مثلما كان، ويجيب بسرعة كلما سئل في شيء، ويصيح في تمرينات الفريق، ويتعرق بمثل غزارة تعرقه من قبل، فلم تر فيه أي أثر لشيء غير معتاد: مجرد شاب فارع، ذي حضور سافر.
 ومع ذلك، ظلت شهرزاد تعرف أن ثمة ما يخيِّم عليه. أو شيء قريب من ذلك. ولم يعرف بذلك غيرها، على الأرجح (وبعد تفكير في الأمر، خطر لها أن أمه أيضا ربما تكون على علم). ففي اقتحامها الثالث، وقعت على عدد من صور البورنو مخبأة بعناية في أبعد مكان من خزانته. صور مليئة بعاريات، منفرجات السيقان، كاشفات في كرم عن فروجهن. وفي بعضها ممارسات جنسية: رجال يلجون بقضبان ضخمة نساء في أغرب الأوضاع على الإطلاق. لم تكن شهرزاد قد رأت من قبل صورا كتلك. جلست إلى مكتبه تتصفح المجلات ببطء، متفحصة كل صورة باهتمام بالغ. وخمنت أنه يستمني وهو يستعرضها. ولم تبد لها الفكرة مثيرة للاشمئزاز. فقد كان رأيها أن الاستمناء نشاط إنساني طبيعي تماما، إذ لا بد لكل هذا المني أن يذهب إلى مكان ما، شأن البنات والطمث. كان ببساطة مراهقا عاديا، لا هو بطل ولا قديس. ولما عرفت ذلك شعرت ببعض الارتياح.
قالت شهرزاد "لما توقفت عن اقتحام بيته، بدأ شغفي به يبرد. حدث ذلك تدريجيا، مثلما ينحسر الموج عن ساحل طويل منحدر. وجدت نفسي وقد بدأت أتشمم قميصه بقدر أقل، وأقضي وقتا أقل في تحسس قلمه الرصاص وشارته. كانت الحمى تتبدد. لم يكن ذلك الذي أصابني كالمرض، بل كالحقيقة. وكان باؤه بي لا يعني إلا بقائي أنا عاجزة عن التفكير المنظم. لعل كل واحد من الناس يمر بمثل هذه الفترة المجنونة في حياته. أو لعله شيء حدث لي وحدي دون الناس. فماذا عنك أنت؟ هل سبق لك أن مررت بتجربة من هذا النوع؟".
حاول هابارا أن يتذكر، ثم قال "لا، لا شيء بمثل هذه الدرجة. لا أظن".
بدت شهرزاد وكأنما أحبطتها إجابته بعض الشيء.
"على أية حال، نسيت أمره تماما بمجرد أن تخرجت. بمنتهى السرعة والبساطة، بطريقة غريبة أيضا. ما الذي كان في ذلك الفتى فجعل ذات السبعة عشر عاما التي كنتها تقع فيه بتلك الطريقة؟ وأحاول ما أحاول فلا أتذكر. الحياة غريبة، أليس كذلك؟ تكون في لحظة منتشيا بشيء ما، مستعدا للتضحية بكل شيء من أجل الحصول عليه، ثم يمر من الوقت شيء قليل، أو تتغير وجهة نظرك قليلا، وإذا بك مبهور من خفوت بهائه وتلاشيه. وتقول لنفسك، ما الذي كنت أراه؟ وإذن هذه قصة فترة اقتحامي".
فكر هابارا أنها جعلتها أشبه بمرحلة بيكاسو الزرقاء. ولكنه فهم ما كانت تحاول توصيله إليه.
ألقت نظرة على المنبه المجاور للسرير، ورأت أن وقت رحيلها قد أزف.
قالت أخيرا "أقول لك الحق، القصة لا تنتهي هكذا. بعد سنوات قليلة، وكنت في السنة الثانية في كلية التمريض، جمعت ضربة قدر غريبة بيني وبينه. ولعبت أمه فيها دورا كبيرا، الحقيقة، كان في الأمر كله شيء مرعب، كان أشبه بقصة من قصص الأشباح القديمة. سارت الأحداث في مسار لا يصدق. هل تحب أن أحكي لك؟"
قال هابارا "بالتأكيد".
قالت شهرزاد "يستحسن أن نرجئ ذلك لزيارتي القادمة، فالوقت تأخر. ولا بد أن أرجع الآن لأعد العشاء".
نهضت من السرير وارتدت ثيابها، الكيلوت، والجورب الطويل، والكومبين، وأخيرا الجيبة والبلوزة. وراقبها هابارا من السرير، وهاله أن ارتداءها لثيابها قد يكون أشد إثارة من خلعها لها.
وفي طريقها إلى الباب سألته "هل من كتب معينة تريد أن أحضرها؟"
قال "لا، ليس في ذهني شيء معين". كان ما يريده بحق هو أن تكمل له القصة لكنه لم يجد كلمات يقول بها هذا. فقد كان في ذلك خطر محتمل على أن يعرف بقية القصة أصلا.
أوى هابارا إلى السرير مبكرا في تلك الليلة وهو يفكر في شهرزاد. في أنه قد لا يراها من جديد. كان ذلك يقلقه. كان الاحتمال واردا للغاية. فلم يكن ثمة أي شيء شخصي يجمع بينهما، ما من عهد أو تفاهم ضمني. كانت العلاقة بينهما عارضة تماما، تسبب فيها طرف ثالث، وقد ينهيها الطرف الثالث بناء على نزوة. كان ما يربط بينهما إذن، خيط واه، ومحتملٌ، وإن لم يكن لازما، أن ينقطع الخيط في النهاية، وإذا بجميع الحكايات الغريبة التي حكتها له وقد ضاعت معها. وما من سؤال هنا إلا متى.
كان واردا أيضا أن تأتي لحظة فيحرم فيها هو الآخر من حريته تماما، وفي هذه الحالة لن تختفي شهرزاد وحدها من حياته، بل جميع النساء. ولن يتاح له بعدها أن يلج بلل أجسادهن الدافئ، أو يستشعر رعشتهن. وذلك قد يكون بالنسبة لهابارا  احتمالا أقسى من توقف النشاط الجنسي نفسه أن يخسر لحظات الحميمية نفسها. فما كان يناله حقا من النساء هو فرصة أن يعانقه الواقع، وفي الوقت نفسه أن ينتفي هذا الواقع تماما. وذلك ما كانت تقدمه شهرزاد بوفرة، فموهبتها في الحقيقة كانت لا تنضب. وكان احتمال ضياعها منه ينزل عليه بحزن لا يطاق.
أغمض هابارا وتوقف عن التفكير في شهرزاد، ومضى بدلا من ذلك يفكر في ثعابين البحر. في ثعابين الماء عديمة الفكاك الملتصقة بالصخور، المختبئة وسط الطحالب، تتمايل مع الموجات إلى الأمام وإلى الخلف. تخيل نفسه واحدا منها ينتظر مرور سمكة سلمون، فلا تمر، مهما طال به الانتظار. لا سمينة، ولا نحيلة، لا سمك على الإطلاق. وأخيرا غابت الشمس، وطوى عالمه الظلام.

الترجمة إلى الإنجليزية بقلم: تيد جوسين


نشرت في نيويوركر في أكتوبر 2014

نشرت في نيويوركر في أكتوبر 2014 ونشرت الترجمة في مجلة إبداع فبراير 
حوار موراكامي عن القصة هنا
مقالي عن موراكامي وقصته وترجمتي لها