الأحد، 30 يوليو، 2017

البحث عن الآخر في غمار الحرب

البحث عن الآخر في غمار الحرب
سارة سنتيلز



 كان طالبان في الفصل حينما دخلت مبكرة لترتيب الكراسي، لتغيير وضعها من صفوف متتالية إلى شبه دائرة، فيتسنى لنا أن نجري نقاشا.
لكزت طالبة طالبا، وقالت، أخبرها. فهزَّ الطالب، مايلز، رأسه.
أخبرها.
هزَّ رأسه مرة أخرى.
قالت، إذا لم تخبرها أنت، فسوف أخبرها أنا.
قال، ليكن، أخبريها.
قالت، مايلز كان جنديا في العراق، وكان يخدم في أبو غريب.
*
كان الناس يقولون، شعرنا كأننا نشاهد فيلما، ونحن نشاهد الطائرتين تصطدمان بالبرجين، ونحن نشاهد البرجين يسقطان.
*
حلَّ مايلز محلَّ الجنود الذين حلّوا محل الجنود الذين ظهروا في الصور، [صور سجن أبو غريب المسرَّبة سيئة السمعة].
كان الطالبان يدرسان الفن ويحضران لي محاضرات نظرية النقد، وحكت لي المرأة منهما عما كان يرسمه مايلز: صور أطفال محبوسين في أبو غريب.
سألت، هناك أطفال؟
كان مايلز يتخذ من ابن أخته موديلا يلبسه إحدى سترات السجن الصفراء التي أحضرها معه من العراق، ويصوِّره فيها، ثم يرسم معتمدا على الصور.
لم أدر ماذا أقول. كنت لسنوات أجري أبحاثا عن أبو غريب، وأكتب عن صوره.
توافد الطلبة على الغرفة. وبقيت ثلاث دقائق على بداية المحاضرة.
قلت لمايلز، إن أحببت في أي وقت أن تتكلم عن تجربتك هناك، فسوف يسعدني أن أنصت.
*
أقام الفنانون جلسات استماع في الأيام التالية لـ11 سبتمبر في شوارع مدينة نيويورك، وعلى أرصفة محطات المترو، وفي محطات القطارات. وكانوا يسألون المارة، هل تحب أن أنصت إليك؟ فيتوقف الناس ليتكلموا. الاهتمام بالإنصات، مجرد تكرار ما يقوله شخص لك، أمر يفترض أنه قادر على المداواة.
منذ ذلك اليوم وأنا أشعر أني وحيد.
تشعر بالوحدة. كلمني عن وحدتك.
تشعر بالوحدة وأنت بين الناس، حتى وأنت مع أهلك.
نعم، وخائف.
خائف.
*
انتهت المحاضرة وكنت أجمع أغراضي، وسار باتجاهي مايلز. أتذكر أنه سألني، هل يمكن أن نتكلم الآن؟
*
يطلقون على السجون السرية خارج الولايات المتحدة اسم المواقع السوداء. ويطلقون على السجناء الذين لا يسجلون أسماءهم الأشباح. ويصفون آليات التعذيب التي لا تخلف أثرا جسديا بـ النظيفة.
في التعذيب والديمقراطية، أوضح داريوس ريجالي أن الحكومات التي تمارس التعذيب تضطر إلى استحداث تقنيات نظيفة لتفادى تعقب الجماعات التي تراقبها، كالصليب الأحمر، والأمم المتحدة، والعفو الدولية، والاتحاد الأمريكي للحريات المدنية. وتتدرب فرق التحقيق على طرق لا تترك علامات. التعذيب المختلس. فمزاعم التعذيب ببساطة تكون أقل مصداقية حين لا يكون لها أثر.
والتعذيب المختلس يستعمل من الأدوات ما يسهل العثور عليه ـ ملاءات، غاز، أقنعة، هراوات الشرطة، مصابيح، دلاء، صناديق ورقية، ماء، ثلج، بطاطين، خراطيم، حتى إذا جاء من يفتش عن أدوات تعذيب لا يجد منها شيئا. فبوسعك أن تخفي دلوا وصندوقا ورقيا على مرأى من الجميع. أما الثلج فيمكنك أن تتركه يذوب.
وليس التعذيب المختلس بالشيء الجديد. فتجار العبيد الأمريكيون اخترعوا وسائل لتعذيب المستعبدين لا تترك أثرا على أجسامهم لعلمهم أن مشتريهم في المستقبل سوف يعلم أن الأجسام ذات الندوب هي أجسام عبيد مشاغبين فيحجم عن شرائهم.
*
الظهر المجلود صورة لعبد يدعى جوردن، على ظهره ندوب من أثر الجلد العنيف، آثار السوط واضحة في خطوط بارزة. في عام 1863، هرب جوردن من العبودية، متجها إلى الميسيسيبي وفي جيوبه بصل كان يدعك به جلده فلا تتعقبه الكلاب التي بعثها مالكه في إثره. كان ذلك أثناء الحرب الأهلية، ولمّا وصل جوردن إلى جنود الاتحاد في بيتون روج [عاصمة ولاية لويزيانا]، أعلن أنه يريد الانضمام إلى جيش الاتحاد. فلمَّا فحصه الأطباء اكتشفوا ندوب ظهره. فطلبوا من مصوِّري المعسكر أن يلتقطوا له صورا. ووزعت صورة  لجوردن على جميع أرجاء البلد ـ يجلس فيها عاري الجذع ملتفتا إلى الجنب وقد انصبّ التركيز على ندوب ظهره. فكتب محرر في إندبندنت نيويورك يقول، إن هذه الصورة الفوتغرافية ينبغي أن تطبع في مئات الألوف من النسخ، وتوزَّع على الولايات. فهي تحكي القصة ... للعيون.

*
جلست أنا ومايلز في مكتبي، وما هو بمكتبي. إنما كنت أشترك فيه مع الأساتذة المساعدين الذين يعملون لبعض الوقت. كان المكتب مكسوّا بالغبار، ولوحة المفاتيح طافحة به، ولا شيء على الجدران.
وبدأ يتكلم.
*
كان مايلز يعيش في زنزانة بسجن متداع من أثر القصف، ومثله بقية الجنود. ومن فتحة خلفتها قذيفة في الجدار كانت الريح تتحرك.
ينقلونهم إلى السجن بالمروحيات ولا يحضرون معهم من الأغراض إلا ما يكفي يومين أو ثلاثة لاضطرارهم إلى تخفيف الوزن أثناء الرحلة. ولم تلتزم إحدى الجنديات بالتعليمات، فكانت حقيبتها أثقل من المسموح به على متن الطائرة. وكان على مايلز أن يقرِّر أيهما أكثر أمنا: أن يحمل هو حقيبة المرأة أم يتركها للمرأة تحملها فتبطئ من سرعة الجميع إذ ما كانوا ليجروا دونها، لأن الأبطأ دائما هو الذي كان يحدِّد سرعة المجموعة، ولأنهم إن تحركوا ببطء، يكونون أكثر تعرضا لإطلاق الرصاص، إذ كان سور السجن شديد الانخفاض حتى لترى ما وراءه، ومن وراء سور السجن كان يقع أخطر طرق العراق، ومن تلك الطرق كان الناس يقصفون  السجن طول الوقت. فكان لزاما عليهم أن يتحركوا بسرعة.
تبادل مايلز الحقائب معها.
قضيت ليلتي الأولى في السجن وأنا أرتعش، ولم تكن لدى مايلز بطاطين. ولم يكن في زنزانته هيكل سرير، أو حشايا. لكنه وجد حشية في مكان آخر من السجن، فجاء بها إلى أرض زنزانته، ووضع نفسه في كيس التخييم الشخصي، والتحف ببعض المجلات طلبا للدفء.
*
ألغى باراك أوباما في 2009 حظرا على نشر صور فوتغرافية لأكفان الجنود الأمريكيين الملفوفة بالأعلام. وفي إصلاح الروح ذهبت ريتا ناكاشيما وجابرييلا ليتّيني إلى أن التعتيم الإعلامي أخفى تكاليف وعواقب الحرب عن الوعي العام. وكتبتا أننا اخترنا فقدان الذاكرة الجمعي في ما يتعلق بالحرب وتبعاتها. كان المحاربون يرجعون إلى أمة رافضة أو عاجزة عن تحمل مسؤولية إرسالهم إلى الحرب.
*
أكثر ما أدهش مايلز في الحرب كان الحميمية. لم يكن يتصور ما فيها من تلامس، وما فيها من اتصال جسدي. كانت أولى مهامه في السجن هي الإشراف على المسح الضوئي لبصمات أعين وأصابع السجناء الجدد. كان الجنود يقفون بجوار السجناء، جنبا إلى جنب، متلامسي الأكتاف. ويضعون راحات أيديهم على الماسحات الضوئية، ويضغطون أصابعهم على الزجاج. وكأنهم يعانقون أيديهم.
*
كتب بيير بورديو أن مشاعر كالصداقة والحب والتعاطف قادرة على الانتقال بين الأجسام، من شخص إلى آخر. والأجسام تكتسب طباعا متماثلة حينما توجد في مكان واحد في الهيكل الاجتماعي.
أطلق بورديو على ذلك مصطلح المورفولجيا المتزامنة.
*
سمعت في الإذاعة قصة عن عالم صمَّم برنامج كمبيوتر يمكنه أن يكرر كل ما يكتبه شخص من خلاله. راجيا من ذلك أن يتوصل إلى علاج نفسي رخيص ويسير، وراجيا كذلك تيسير الإيهام بأن لديك من ينصت إليك. ثم بدأت واحدة من مساعدي العالم تصل إلى مكان العمل قبل بقية المشاركين، وحين يأتي البقية يجدونها تكلم البرنامج، إذ تكتب فيه قصة حياتها، منتظرة من الكمبيوتر أن يرد عليها. حكت للكمبيوتر كل شيء.
كتبت، بابا أوحشني
أوحشك أبوك.
أحبك.
أحبك.
لا أحد الآن يعرفني مثلما تعرفني.
لا أحد الآن يعرفك مثلما أعرفك.
لا أحد غيرك يصغي إليَّ.
أنا الوحيد الذي يصغي إليك.
*
كان يفترض بمايلز أن يكون طاهياـ ذلك ما درَّبوه عليه، أن يعد الطعام، ويجهز الوجبات للجنود ـ ثم عهد بهذه المهمة لشركات خاصة، فجعلوا منه حارسا في السجن.
كان يشرب قهوته في الخيمة الطبية كل صباح في العراق مشاهدا حقن السجناء بأمصال ضد التيتانوس والحصبة والغدة النكافية والحصبة الألمانية. كان على أغلب أجسام السجناء ندوب، وما كانوا يفهمون لماذا يحقنون بما يحقنون به، وفي بعض الأحيان كان مايلز يبتسم لهم ليطمئنهم، وأحيانا كانوا يبادلونه الابتسام، وأحيانا كان يشاكسهم، فيقول إنهم يحقنون بالسم، ويضع يديه على رقبته كأنما يختنق، كما لو كان عاجزا عن التنفس. وكان من السجناء من يخشون الحقن لدرجة الإغماء، فإذا بجميع من في الخيمة الطبية، بمن فيهم من سجناء أيضا، ينفجرون في الضحك.
*
تقيم بعض الحكومات غرفا متقنة للتعذيب. فـ بيت البهجة صمَّمته شركة بريطانية روَّجت له بوصفه معدة تضليل للسجناء [تفقدهم الإحساس بالمكان]، وركَّبته في مقر فرع خاص بدبي، مزودة إياه بمصابيح قوية الإضاءة وآلات ما يعرف بالضوضاء البيضاء وجعلت له شكل قاعة ديسكو، ولكن الصوت الذي يجري توليده داخل تلك المساحة كان كفيلا من فرط ارتفاعه بأن يرغم الضحية على التسليم في غضون نصف ساعة.
*
قال لي مايلز إنه لم يقرِّر خوض الحرب تأييدا للحرب. فلم يكن يعتقد أن لدى العراق أسلحة دمار شامل. بل ذهب إلى الحرب لأنه كان يريد الالتحاق بالجامعة، وبدا أن الالتحاق بالجيش هو الطريقة المثلى لتدبير مصاريف الجامعة. وكان ذلك حال أغلب من عرفهم من الجنود. كانت أسبابهم برجماتية، وكانوا لا يكادون يجدون أنفسهم في موقع الحدث، حتى يؤدوا وظائفهم، ويؤدوها على النحو الأمثل، فلو لم يفعلوا ذلك لماتوا أو مات أصدقاؤهم أو مات من يجاورونهم، وجوهر الحرب هو حماية الجنود بعضهم لبعض، واستعداد أحدهم للموت من أجل البقية. قال، حينما تكونين هناك، كل ما تريدينه هو أن تحمي أصدقاءك.
*
حكى لي مايلزأنني أول شخص سأله عن تجربته في العراق. وكان قد رجع منذ سنتين.
*
وأنا على الطائرة في رحلة لزيارة أبوي، سمعت قائد الطائرة يقول إن على المتن جنديا. فرأيت الجميع أثناء مرورهم به في الطريق إلى الحمام في مؤخرة الطائرة يربتون على كتفه أو يقولون له يا بني أو يشكرونه على أدائه الخدمة. توقف راكب، كبير في السن، بجواره وضغط زرا فوقه فأضاء. وقال، شراب. أي شيء تريده. ووصلت المضيفة ومعها صينية عليها زجاجات صغيرة ليختار الجندي من بينها، وكان صوت الزجاح دافئا كالرخام. ووقف الرجل بجواره في الطرقة يتحدثان بينما يشرب الجندي البوربون والكوكا، حاكيا له حكاياته الحربية، عن كوريا.
ولما هبطت الطائرة على الممر، تكلم الكابتن مرة أخرى، طالبا من الركاب الالتزام بمقاعدهم عند وصولنا إلى البوابة، الالتزام بمقاعدهم وإن أطفئت إشارات أحزمة الأمان، والسماح للجندي بالنزول أولا. قال، وهذا أقل ما نقدمه. أن نظهر نزرا من الاحترام لرجالنا ونسائنا في الزي العسكري.
ومضى الجندي في الطرقة وسط تصفيق الجميع.
*
أغلب أفعال المدنيين تجاه المحاربين السابقين تقينا مغبة القبول بتواطؤنا مع الحرب. هكذا كتبت بروك وليتيني.
*
كانت الجدران المثقوبة في زنزانة كل جندي مكسوة بخشب الأبلكاش لإضفاء طابع شخصي، ولو أن الخشب مثلما قال لي مايلز، لم يكن يصل إلى السقف، فكان بوسعك أن تري الضوء في الزنازين المجاورة، ويسمع الجميع أصوات بعضهم بعضا. الشبايك كلها كانت معتَّمة بطلاء داكن. خشية أن يرى القناصة الحراس فيقتلونهم.
كان مايلز صديقا مه مسؤول الإمدادات، فكان يحصل على أدوات شاربيز الكتابية شاربيز، بل وعلى مجموعة من الأقلام السميكة. رسم صورا على خشب الجدران في غرفته، سبايدر مان، وباتمان، وشخصيات من مسلسل عائلة سمسونز، وصور أصدقاه، وجنود غيره. وعلى باب زنزانته رسم اسمه، ورسمه في صورة جميلة.
ولما انتهت مدة خدمته، طلب منه زملاؤه أن يأخذ الجدران معه، لأنه سيحتاج إلى رسومه عند عودته إلى الوطن، لكنه لم يتخيل أنه قد يحتاج إلى أيٍّ منها.
وهو الآن يريدها.
*
بورتريهات الفيوم ـ صور رسمت قبل آلاف السنين بشمع العسل والصبغات على الخشب أو الكتَّان في بلدة اسمها الفيوم، تقع إلى الجنوب من القاهرة، وكانت ترسم في حياة الشخص، ثم توضع حينما يموت أو تموت مع المومياء، وتدفن معها. تلك الصور كانت تضمن مرورا آمنا في العالم الآخر، فهي  بمثابة صور جوازات السفر، تحدد هوية جسد الشخص في رحلته أو رحلتها.
كان مقدرا لبورتريهات الفيوم، منذ لحظة رسمها، أن تختفي. فما معنى أن يبدع فنان رسما يعرف أنه لن يوجد إلا برفقة الميت، في الظلام؟
لطالما تعلمت أن وظيفة الفنان هي أن ينظر، لكن جون بيرجر أصرَّ في شكل الجيب أن  فنان الفيوم كانت له وظيفة أخرى، أن يُنظر إليه بدلا من أن ينظر هو. كتب أن لوحات الفنان يُنظر إليها. هذا هو العقد المبرم بين الرسام والشخص المرسوم، وهو عقد حميمي. تعاون الاثنان، في حياة كل منهما، على التهيؤ للموت. يخاطب المرسوم الفنان، يخاطبه بضمير المخاطب أنت، ويأتي الرد من الفنان، متمثلا في الرسم نفسه، بمثل ذلك الصوت الحميمي: أنت، أنت يا من هنا. أنت يا من عما قرب لا تكون هنا.
*
تغيرت مهمة مايلز من المسح الضوئي لبصمات السجناء الجدد إلى حراسة السجناء في الفناء خارج المبنى. كانوا يضعونهم في أقفاص، هي نسخة أكبر حجما مما قد تراه في مؤسسة لرعاية الكلاب. كان السجناء يصلون خمس مرات في اليوم على سجاجيد يوفرونها لهم، بأصوات جميلة، يسجدون على الأرض صفوفا، ويلزم الحرس الصمت أثناء صلاتهم، ويرد السجناء الجميل بالتزامهم الصمت في الكريسماس. قال لي مايلز إن تلك كانت بادرة على الاحترام.
في بعض الأقفاص أطفال، وفي البعض منها شيوخ. كثير منهم كانوا يتكلمون الإنجليزية فصاحبهم مايلز، وكان يتبادل معهم النكات إنفاقا للوقت.
*
إنتَ، الكلمة العربية لـ you. قال مايلز إن الجنود كانوا ينادون بها كل سجين.
كان الجنود العاملون في الفناء يجمعون أعقاب سجائرهم في برطمان، ويقول أحد الجنود لأحد السجناء عن العصر، إنتَ، خمِّن كم عقب سيجارة في البرطمان. فإن لم يصب، يقض ساعتين في القفص المخصص للمذنبين. كان بضع جنود يأخذون البرطمان إلى السجين ويجعلونه يكتب الرقم الذي يخمِّنه، ثم يجعلونه يسكب كل أعقاب السجائر، ويرتبها في صفوف منتظمة على التراب، ويحصيها بالواحد.
قال مايلز، طرائف كثيرة هناك ليست طرائف هنا.
*
تأملوا الجملة، التي قالها جيمس إيلكنز: ينظر المراقب إلى الشيء. تبدو بسيطة، لكن الجملة سرعان ما تتهاوى، إذ أنها قائمة على فكرة مغلوطة ترى أن المراقب والشيء كيانان مختلفان. ينظر الناظر إلى الشيء، فيغير الشيء في الناظر، وبذلك لا يكون الناظر هو من ينظر إلى الشيء.
أو تأملوا هذه الجملة: يقتل الجنود الأعداءَ. تبدو الحركة فيها من اتجاه واحد، لكنها ليست كذلك، لأن فعل القتل لا يغير فقط في المقتول. فعل القتل يغير القاتل، كما كتب إيلكنز.
وفي الجسد المتألم، تقولها إيلين سكاري بعبارة أخرى. كتبت أن لكل سلاح حدَّين.
*
مناداة إنسان إنسانا بـ إنت، مناداة إنسان بأنت بدلا من مناداته باسمه، تنزع عنه إنسانيته، تقيم مسافة بين الحرس والسجناء، لكن ماذا لو كانت أنت بيرجر، ماذا لو كانت أنت الفيوم، ماذا لو كانت سبيلا إلى قول المكلفين بالنظر، إلى المكلفين بأن ينظر إليهم: كلانا منذور للظلام.

نشرت المقالة في موقع ليت هب، ونشرت الترجمة أخيرا في جريدة عمان