الاثنين، 26 نوفمبر 2012

هانز فيرنر سين لدير شبيجل: استقرار اليونان في الخروج من اليورو



هانز فيرنر سين لدير شبيجل:
استقرار اليونان في الخروج من اليورو

حوار: آرمن ماهلر ومايكل ساوجا


ـ تشعر المستشارة أنجيلا ميركل كما لو كان الاقتصاديون تركوها في دوامة. وقالت مرة إن النصائح التي تتلقاها من الاقتصاديين متنوعة إلى حد التعارض. هل ترى أسبابا لقولها هذا؟
ـ لا.

ـ معذرة! علماء الاقتصاد يقولون آراء مختلفة تماما حول كيفية إنقاذ اليورو. أنت مثلا تقترح أن تخرج الدول مؤقتا من منطقة اليورو إلى أن تستعيد قدرتها على التنافس. آخرون في المقابل يوصون بالدين الجماعي لمنطقة اليورو كلها. كيف يمكن للساسة أن يتعاملوا مع هذه النصائح المتعارضة؟
ـ هناك اختلافات في أنواع العلاج المقترحة، وقدر أقل من التنوع في التشخيص. فهناك اتفاق معتبر اليوم على عيوب اليورو.

ـ لكن لا يوجد هذا الاتفاق على كيفية إنقاذ اليورو، أو حتى على ما إذا كان ينبغي إنقاذه
ـ أنا شخصيا أتمنى أن يتم إصلاحه. أزمة اليورو تتقدم على شكل مراحل، ويقال لنا طول الوقت عن كل مرحلة تالية إنه إنه لا بديل لها، فبدونها يتحطم اليورو. ومن ثم فمن المفترض أنه لم يكن من بديل حينما منح البنك المركزي الأوربي قروضه المستهدفة، أو حينما قام بإرغام البنك المركزي الألماني على شراء السندات ذات السيادة من الدول الجنوبية على غير رغبة منه، أو حينما تدفقت صناديق الإنقاذ بصورة متزايدة أكثر فأكثر. وهم الآن بصدد التخطيط لانشاء اتحاد مصرفي للتشارك في ديون بنوك الدول الجنوبية. والخطوة التالية ستكون طرح سندات يورو ...

ـ ... الأمر الذي ترفضه الحكومة الألمانية رفضا باتا.
ـ عندما يأتي الوقت الذي تضرب فيه الأزمة فرنسا، وهو ما يتخوف الجميع من أنه سوف يحدث عاجلا أم آجلا، فلن تبقى الحكومة الألمانية قادرة على رفض هذا الطلب. وسوف يفضي هذا التطور في نهاية المطاف إلى نظام ليس فيه من اقتصاد السوق إلا أقل القليل. فحينئذ سوف يقوم البنك المركزي الأوربي وآلية الاستقرار الأوربية ـ وهي خليفة صندوق الإنقاذ الراهن الدائمة ـ بتوجيه تدفق رءوس الأموال بموافقة من حكومات منطقة اليورو إلى الدول التي لا تريد رءوس الأموال التدفق إليها. وسوف ينتج عن هذا تناقص في النمو في شتى أرجاء أوربا، وسوف تستمر النقود في الضياع في جنوب القارة. علاوة على أن هذا سوف ينشئ خلافات غير هينة لأنه يقسم الدول المتحالفة إلى دول دائنة وأخرى مدينة.

ـ البديل الذي تدعو أنت إليه، والذي بموجبه تنسحب دول مفردة من الاتحاد النقدي، سوف يتسبب في اضطراب هائل:  شركات وبنوك سوف تتعرض للإفلاس وقد تهوي أوربا إلى كساد عميق لسنوات قادمة. ألا ينذرك هذا؟
ـ أنا لا أتفق مع هذا التنبؤ. لو خرجت اليونان من الاتحاد النقدي، سيعود اليونانيون مرة أخرى إلى شراء بضائعهم، واليونانيون الأثرياء سوف يرجعون ليستثمروا ثرواتهم. ولو خرجت البرتغال ستمر بمثل هذه الخبرات الإيجابية. لقد قام "معهد آي إف أو Ifo Institute " بدراسة قرابة سبعين حالة لتخفيض العملة وتوصل إلى أن التعافي يبدأ بعد ما بين عام إلى عامين. ونحن بالمثل نقترح خروجا مؤقتا بالطبع. فعلى اليونان والبرتغال أن تكونا أرخص بنحو ما بين ثلاثين وأربعين في المائة لتستعيدا قدرتيهما على التنافس. وهذا ما تجري محاولة تحقيقه من خلال إجراءات التقشف داخل منطقة اليورو، ولكنه لن يفلح. بل إنه سيقود هذه الدول إلى شفا الحرب الأهلية قبل أن ينجح. في حين أن الخروج المؤقت سوف يؤدي بشكل سريع إلى الاستقرار، وإيجاد فرص عمل جديدة ويحرر الشعوب من نير اليورو.

ـ لكن من يدري ما الذي سيحدث لهذه الشعوب في حالة الخروج؟
ـ علينا أن نتوقف عن الزعم بأن الخروج يعني نهاية العالم. ولنقم بدلا من ذلك بصياغة عملية منظمة للخروج تتضمن مساعدة معقولة للبنوك في الدولة المعنية وشراء واردات مهمة منها. أما الذي نشهده حاليا في اليونان فكارثة ـ وهي كارثة ليس الخروج من منطقة اليورو سببها بل إنه البقاء فيها.

ـ وكيف تضمن أن لا يؤدي انسحاب دولة إلى تكهنات أوتوماتيكية بالدولة التي عليها الدور؟
ـ الأسواق ليست غبية، ولا تنظر إلى الدول ككتل. ونحن نرى هذا بوضوح في حالة أيرلندة. منذ نهاية العام الماضي، تناقصت أسعار الفائدة في أيرلندة بصورة كبيرة بالمقارنة مع غيرها من الدول المأزومة وذلك لأن أيرلندا قللت أسعارها بنسبة خمسة عشرة في المائة، مما أتاح لها أن تعود إلى توليد الفائض الراهن.

ـ البرتغال وأسبانيا ليستا أيرلندة.
ـ هاتان الدولتان في موقف إقناع المستثمرين. ليس على اسبانيا إلا أن تخفض العملة بنسبة عشرين في المائة. وهذا قابل للتحقق داخل منطقة اليورو. اليونان والبرتغال يقعان ضمن فئة أخرى. فهاتان فقط هما الدولتان اللتان يفوق استهلاكهما إنتاجهما.

ـ أنت الآن تدافع عن الأسواق المالية وترى أنها تتسم بالعقلانية. في حين أنها في بعض الأحيان تتخذ ردود فعل فيها المغالاة والبعد عن العقلانية.
ـ وأين رأيتما هذا؟

ـ أحداث بسيطة كفيلة بإشعال شرارة زيادة أسعار الفائدة على السندات ذات السيادة في  دول أوربا الجنوبية.
ـ ولكن الأسواق تتصرف بعقلانية حينما تنسحب من الاستثمارات السيئة في جنوب أوربا. في الشتاء الماضي، ارتفعت أسعار الفائدة في بعض الحالات إلى أكثر من 5.6 في المائة. قبل اليورو  كان على هذه الدول أن تدفع أسعار فائدة تتراوح ما بين عشرة وخمسة عشرة في المائة. وسعر الفائدة يعكس مخاطرة بأن المستثمر لن يرى نقوده مرة ثانية. فما اللاعقلاني في هذا؟

ـ إذا خشي المستثمرون من احتمال أن ينهار الاتحاد النقدي، سيسحبون أموالهم. وهذا سوف يتسبب في واقع الأمر في  أن تتفكك منطقة اليورو.
ـ لن يحدث هذا إذا غيرت الدول من سياساتها الموازنية. إذا قدمت للمستثمر ضمانا في مقابل القروض وأقنعته أنها لا تعتزم الحصول على أية قروض أخرى، فلن يحدث في هذه الحالة أي تفاوت في أسعار الفائدة.

ـ تريد أن تقول إن العواقب بعيدة الآماد لسياسة الإنقاذ الراهنة أشد خطرا من المخاطر المرتبطة بتغيير المسار كله. أهذا كلام علم.. أم المسألة أنك مؤمن بهذا؟
ـ بناء على التحليل السليم، أشير الآن إلى خطر لا يراه الكثيرون، وإنني أزن الأمور. لقد قدمت الدول الأعضاء في منطقة اليورو 1.400 بليون يورو قروضا للإنقاذ، ساهم البنك المركزي الألماني فيها بـ 700 بليون يورو من خلال قروضه المستهدفة. وعلى قمة هذا ثمة آلية الاستقرار الأوربية بـ 700 بليون يورو، وسوف يجري دعمها بـ 2000 بليون يورو بمساعدة مستثمرين من القطاع الخاص. هذا يؤدي إلى استقرار أسواق المال ولكنه يذهب باستقرار الدول الأوربية الأخرى ويطيح بمدخرات المتقاعدين ودافعي الضرائب فيها. إننا ننزلق تدريجيا نحو شرك لن نقدر على الفرار منه. وهذه المخاطرة في رأيي هي الأشد خطرا على الإطلاق.

ـ ولكن اقتصاديين آخرين يصلون إلى نتائج أخرى من تحليل الوضع. بأمانة، لو كنت أنت المستشار الألماني، أما كنت لتسلك أكثر الطرق أمنا، مثلما تفعل هي؟
ـ أفهم تماما أن السياسيين دائما حريصون على عبور الفجوة وصولا إلى الانتخابات القادمة حتى لو أفضى هذا إلى مخاطر بعيدة الآماد. ولكنني كرجل اقتصاد أحظى بأفق زمني أكبر.

ـ أليس من المنطقي تماما أن يتحلى المرء بأقصى درجات الحذر في ظل الوضع الراهن؟
ـ  لن يقنعني أحد أنه من المنطق أن نقف ولا نفعل شيئا بينما نخاطر مخاطرات بالغة الجسامة. نحن بهذا نزعزع نظامنا السياسي بالإفراط في سياسات الإنقاذ ...

ـ لكن هذا لن يكون صحيحا لو نجح الإنقاذ.
ـ أعتقد أن هذا غير مرجح لأنه سوف يعطينا الثمن الخطأ وسوف يؤدي إلى غياب التنافسية في الدول التي تتلقى المعونات. وليس من الممكن أن أعالج مدمن المخدرات بتوفير المخدرات له.

ـ مقترحات علماء الاقتصاد تلقى تشككا بسبب ما تعرضت له سمعتهم الأكاديمية العلمية خلال السنوات الأخيرة. فقليل جدا منهم هم الذين تنبأوا بالأزمة المالية، فلا غرابة أن يكف السياسيون عن تعليق أهمية كبيرة على آرائهم.
ـ عدد قليل للغاية من الاقتصاديين هم الذين تنبأوا بالموعد الصحيح للأزمة. ولكن كثيرين حذروا من تطورات خطرة تطرأ على الأسواق المالية. في عام 2003 على سبيل المثال خصصت فصلا كاملا من كتاب لي ـ موضوعه تنافسية النظم ونقص القواعد المصرفية ـ وأثرت نقاشا كبيرا كنت أؤيد فيه زيادة القواعد المصرفية. وهناك أيضا علماء اقتصاد أمريكيون مثل مارتن فلدشتين وروبرت شيلر اللذين حذرا مرارا وتكرارا من أن فقاعة الأسواق المالية في الولايات المتحدة سوف تنفقئ طال بها العهد أم قصر.

ـ لكن المؤكد أنك لا تنكر أن الأغلبية الساحقة من علماء الاقتصاد كانت تؤيد حتى قبل عقد واحد فقط الرأي القائل بوجوب تحرير أسواق المال.
ـ ليس في ألمانيا. فالرواد من أنصار نظرية سوق المال الألمان ـ مثل مارتن هيلفيج ومثلي أنا ـ كانوا دائما يدعون بكل قوة إلى مزيد من التقعيد للأسواق المالية.

ـ في الولايات المتحدة يعرف الاقتصاديون بالإيمان المطلق بالأسواق، بينما هم يعرفون هنا في ألمانيا بالجدل. في الصيف الماضي، دارت مناظرة علنية بين مجموعتين من الاقتصاديين لكل منهما وجهة نظر مناقضة تماما للأخري: المجموعة الأولى التي كنت أنت ضمن أفرادها تعارض بصرامة الاتحاد البنكي الأوربي بينما المجموعة الأخرى تناصر هذه الخطوة. هل كانت المناظرة كلها مبادرة ناجحة؟
ـ أنت تتكلم عن تناقضات غير موجودة أصلا. كلتا المجموعتين كانتا ضد الديون المصرفية الجمعية في أوربا. الجماعة الثانية ناصرت قيام وكالة مصرفية أوربية مهمتها وضع القواعد، والجماعة الأولى كان لديها تعليق على هذا. الحقيقة مختلفة عن تصورك: الحقيقة أن 495 عالم اقتصاد ألماني يحذرون الحكومة الألمانية من إنقاذ بنوك جنوب أوربا بأموال دافعي الضرائب الألمان.

ـ هذا يثير سؤالا عن السبب في أنكم لم تصوغوا بيانا مشتركا في المقام الأول بخصوص هذا الأمر.
ـ أنا لم أقم بصياغة البيان لكنني وقعته. الذي كتبه هو فالتر كرامر من جامعة دورتموند. وبعد أيام قليلة، كتبت أنا وكرامر مقالة انتهينا فيها إلى مناصرة فكرة وجود وكالة أوربية للتقعيد للبنوك. وكان يمكن أن يكون ذلك ما تسفر عنه المناظرة الأولى.

ـ ألا يبين هذا أن المناظرة قد تكون طريقة خاطئة للنقاش الاقتصادي؟
ـ لم تكن الفكرة معنية بمجرد الجدل، بل توعية الرأي العام. كنا نرى تهديدا بأن تتخذ القمة الأوربية في يونيو قرارات تعمل على توحيد ديون بنوك الدول الجنوبية. وديون البنوك في الدول المأزومة تبلغ ثلاثة أمثال الديون الوطنية. فمن باستثناء ضامني البنوك يتحمل هذه الأعباء؟

ـ ومع ذلك لا بد من ملاحظة أن توصيات علماء الاقتصاد عامرة بالشكوك لا سيما حينما تتعلق بموضوع شائك مثل أزمة اليورو. زميلك "جريت فاجنر" رئيس المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية يقول إن "كل من يزعم أنه يعرف بدقة ما الذي ينبغي القيام به هو مدان بادعاء المعرفة في ظل ظرف تاريخي فريد". ألست مدعيا بعض الشيء؟
ـ علماء الاقتصاد لا يحصلون على رواتبهم ليختبئوا في الأزمات.

ـ وأنت تعرف بالضبط ما الذي ينبغي القيام به؟
ـ أنا أزن المخاطر وأتخذ القرارات. ولو لم أفعل هذا، فأنا لا أؤدي وظيفتي كعالم اقتصاد.

ـ ألم يحدث أن فكرت في احتراف السياسة؟
ـ إطلاقا، إنني أتعامل مع مهنتي كعالم اقتصاد بمنتهى الجدية وأشعر أنني من خلالها أظل ملتزما بالحقيقة. وهذا لا يتسق مع المشي على الحبل في الحزب. إنني أريد أن أساعد الألمان والأوربيين على المضي بسلام على طريق الاندماج، وأستطيع أن أفعل هذا بقدر من المهارة يفوق أي شيء يمكن أن أقدمه لحزب سياسي.

نشرت هذه الترجمة صباح اليوم في جريدة عمان