الأربعاء، 9 أغسطس، 2017

دائما تنتصر الرواية .. الرواية فقط

دائما تنتصر الرواية .. الرواية فقط
روزينا علي



في 2016، وبعد انقضاء خمس سنين على الإطاحة برئيس مصر السابق حسني مبارك، قررت الحكومة المصرية تغيير الإشارات إلى ثورة 2011 بحذف أسماء الناشطين من الكتب المدرسية المقررة على المدارس الابتدائية، وقلَّلت من تقدير المظاهرات الشعبية في بعض الكتب المقررة على المدارس الثانوية، فـ"كأنما لم تقم ثورة" بحسب ما قال كمال مغيث الباحث في المجلس الوطني للتعليم بمصر لواشنطن بوست في ذلك الوقت. وفي الشهر الماضي أعلنت وزارة التعليم عن حذف أي إشارة إلى انتفاضتي يناير 2011 ويونيو 2013 من كتب التاريخ المدرسية في الفصل الدراسي التالي. واحتوى امتحان العام الماضي سؤالا تبين أنه مثير للجدل إلى أقصى حد: "ما الذي كانت لتؤول إليه الأمور لو لم يلق سيسي خطابه في الثلاثين من يونيو؟"
 ذلك هو الخطاب الذي أصدر فيه عبد الفتاح السيسي ـ رئيس مصر حاليا ـ إنذارا نهائيا للحكومة التي كان على رأسها آنذاك الرئيس المصري محمد مرسي والإخوان المسلمون: فإما تلبية "مطالب الشعب" أو يعلن الجيش "خريطة طريق ... للمستقبل". وبعد ثلاثة أيام أطاح الجيش بمرسي. وفي الشهور التالية قنل نظام السيسي قرابة ألف من المتظاهرين الموالين لمرسي في يوم واحد، وحظر جماعة الإخوان المسلمين، واعتقل صحفيين، وأخفى قسريا أو اعتقل آلافا من الخصوم. واليوم يناضل البلد ذو التسعين مليون نسمة الذي أطاح بطاغيته أسعار الطعام الخانقة والتضخم المتزايد. وكان سؤال الامتحان مثيرا للجدل لأنه ضمنيا كان يسأل عن شيء آخر: هل فشلت الثورة المصرية؟
تلمح رواية جدديدة عنوانها "دائما تنتصر المدينة" لعمر وبرت هاملتن إلى أن هذا السؤال قد يكون السؤال الخطأ. تجري أحداث الرواية في أواخر 2011، وتركز على حياتين متضافرتين هما حياة الناشطة مريم والصحفي خليل. وفي لقاء أقيم أخيرا بمتجر مكنالي جاكسن للكتب، أصر عمر هاملتن ـ وهو نفسه صحفي وسينمائي ـ على أنه لا يمكن لامرئ أن يحدد مآل الثورة المصرية، وأن اللحظة لا تسمح بقياس دقيق لما حققته من نجاح أو فشل. وقال إن ذلك ما دعاه إلى الاتجاه للأدب. فالمقالات الخبرية والتحليلات، والأعمال التاريخية تركز بطبيعتها على حوادث منفصلة: ثورة الخامس والعشرين من يناير، مذبحة ماسبيرو في أكتوبر، مظاهرات يونيو 2013، وتنظر إليها بوصفها علامات تقدم أو فشل. بينما يخول الأدب للكتاب حرية أكبر للنظر في دواخل حيوات الناس الذين شكّلتهم تلك الأحداث. وبالالتفات إلى تلك العواقب المرئية، يتسنى لهاملتن أن يتصدى لسؤال من نوع مختلف، لا عما إذا كانت الثورة قد نجحت أم فشلت، بل عما إذا كان منطقيا أن نتخيل إن كانت الثورة بمعنى من المعاني لم تزل حية.
تبدأ "دائما تنتصر المدينة" في مشرحة بمستشفى في أكتوبر سنة 2011، وهو الشهر الذي قتل فيه الجيش المصري أكثر من عشرين متظاهرا سلميا قرب مبنى التليفزيون الحكومي في ماسبيرو. وصف ذلك الحدث لاحقا بـ"أكثر الأيام دموية منذ الثورة" وإن أنكر الجيش استعماله رصاصا حيا ضد المدنيين. في المرشحة تراقب مريم ـ الشابة المتحمسة المنهكة ـ امرأة تعانق ميتا. يصر والد الميت على أن يدفن الراحل فورا، بينما يذهب آخرون إلى أنه لا بد من انتظار تقرير التشريح. ويقولون إن تلك هي طريقة تحقيق العدالة.
تتبع بقية الرواية مريم وخليل وأصدقاءهما وهم يؤسسون وسيطا إعلاميا لمواجهة سيطرة الدولة على الأخبار. وقد شارك هاملتن في تأسيس موقع مصرين Mosireen الإعلامي غير الهادف للربح في القاهرة في عام 2011، ورجع مثل خليل إلى نيويورك بعد سنين قليلة من قيام الثورة. ولكنه أصر في لقاء مكنالي جاكسن أن الرواية غير سيرية، ولكنه مع ذلك يتنقل ببراعة بين الواقع والخيال في روايته، موزعا في ثنايا السرد أختاما مؤرخة وتغريدات حقيقية ومانشيتات صحفية. وكل ذي دراية بالتاريخ المصري الحديث يعرف الأحداث التي سوف تظهر في الرواية، ومن ثم يكمن التشويق في تشكك المرء من ردود أفعال الشخصيات المحتملة أزاء تلك الأحداث المعروفة.
من الملفت أن كتاب هاملتن لم يبدأ بأحداث يناير 2011 وانتصار المتظاهرين غير المتوقع. ولكن القصة كما يقول سينمائي من أصدقاء خليل "خربت من فرط ما حكيت". وبدلا من الحكي، فإن حضور تلك الأيام الثمانية عشرة من مطلع 2011 في الرواية أشبه بطيف يسيطر على شخصيات الكتاب، فيبدو كأن كل ما يفعلونه حكم على ما حدث فيها. وقصة الثورة ـ مثلما يشير هاملتن ـ ليست في تلك الأيام الوردية، بل في كل شيء مما جرى بعدها.
جزء مما تسرده الرواية عن 2011 هو ببساطة تذكُّر للذين ماتوا في يناير من ذلك العام، وفي الأعوام التالية. ولكن حتى في تلك المواضع يقاوم هاملتن العاطفية والرومنتيكية. فيشتبك الحزن بإحساس مزعج بالذنب، ذنب خليل لعجزه عن احتمال عبء أب فقد ولده، وذنب أمٍّ ظلت تشجع على المقاومة وهي تعلم أن شبابا ـ مثل ولدها ـ سوف يموتون، وذنب جيل لأنه حاول تغيير بلده، وتساؤل عما إذا كان أولئك الذين ماتوا قد راحوا بلا ثمن. وتتواتر في الكتاب جملة عن "كثيرين ماتوا، وكثيرين فقدوا".
يصلح سرد هاملتن جزئيا كتحد للسجل الرسمي الذي يصر أن الجيش لم يقتل المتظاهرين السلميين وأن السيسي حمى الثورة. يتحدى الكتاب كذلك أسطورة أن يناير 2011 كان حدثا جميلا وسلميا، وهو من هذه الناحية يذكّر أيضا بالقمع والعنف المستمرين. ففي الأيام الحالية ربما لا يتجه الملايين إلى ميدان التحرير، لكن قتل المتظاهرين لا يزال قائما، واعتقال النشطاء لا يزال قائما. وفي لحظة يخطر لخليل أنه "ما من فتنة في تلك المغارب الطويلة الأليمة. ما من عين ترى المشهد الذاوي"، أما هاملتن فكان أكثر مباشرة في حديثه في متجر الكتب "لقد حاولت أن أخرج التفاؤل والأمل من المعادلة. فالمرء يفعل ما يفعل، لأنه ما من خيار آخر".
الدوافع التي يطرحها الكتاب ليست تحقيق نظام طوباوي، بل هي احتياج ثابت يستشعره الناس إلى عمل شيء ما، والتجربة المعيشة المصاحبة لذلك الاحتياج. في المتجر وصف هاملتن قصة الحب التي تحكيها الرواية بالعارضة، قال إنها أداة أدبية لمساعدة القارئ على التقدم. لكنها أداة يوظِّفها هاملتن بدربة مضفيا على الأحداث شكلا يتحاشى المأساة. فالحب القائم بين مريم ـ المستمرة في التنظيم، وخليل ـ الذي يكدح ليفهم الغاية وراء ذلك ـ يمثل استعارة للثورة. يلتقي الاثنان في يناير 2011، في فورة الأدرينالين والإثارة التي شهدتها تلك الأيام الأولى، للحفاظ على علاقتهما بينما يناضلان من أجل الحفاظ على ببقاء الثورة، وفي النهاية، تنتهي قصة الحب. وحينما يحدث ذلك، لا يصاحبه زعيق، ولا قسوة في الكلام، ولا دموع. يبدو وكأنهما كانا يعلمان طول الوقت أن هذه النهاية محتومة. ومع أنهما لا يعودان حبيبين، فهما يستمران في النضال معا. وربما لا يكون هذا أملا، لكنه يبدو قريب الشبه به.
كاتبة المقال محررة في ذي نيو يوركر
نقلا عن  ذي نيويوركر ـ 1 أغسطس 2017

نشرت الترجمة أخيرا في جريدة عمان