الأحد، 3 يناير، 2016

المخطوفون

المخطوفون
(2 ـ 2)
روبرت بوينتن
  
كيم يونج إل

ولعل أدلَّ الحالات التي عمل فيها النظام الكوري الشمالي في التوفيق بين الرؤوس كانت تتعلق بفصيل الجيش الأحمر، وهم جماعة من الشباب اليابانيين الراديكاليين الذين اختطفوا طائرة سنة 1970 ليتلقوا التدريب العسكري في كوريا الشمالية. فما كادوا يدخلون البلد، حتى بدأ الرجال يدرسون الجوتشي juche وهي فلسفة كوريا الشمالية الرسمية وغالبا ما تترجم إلى الإنجليزية بمعنى "الاعتماد على الذات" وتقوم على هداية اللاوعي الجمعي المتجسِّد في كيم إل سونج. ولما قرَّر كيم أن المجموعة نجحت في التعلم، دعا إلى مؤتمر صحفي قال فيه "إن حالتهم الأيديولوجية قد تحسّنت في ما يبدو" وكان شباب الجيش الأحمر جالسين في صرامة حول منضدة اجتماعات. وبدأ يطلق على الشباب اسم "البيض الذهبي" ويخطِّط لاستخدامهم في نشر أفكار كوريا الشمالية الثورية في العالم. ولم تكن ثمة من مشكلة إلا أنه لا يوجد منهم غير القليل.
وتقرر أن أعضاء الجيش الأحمر بحاجة إلى زوجات. ولأن قانون كوريا الشمالية يمنع زواج الكوريين من الأجانب، اقترح المشرفون على الجماعة من الكوريين الشماليين أن يتم تجنيد يابانيات مناسبات من أوربا واليابان وإحضارهن إلى كوريا الشمالية ليخدمن الدولة كعرائس. وليس معروفا بوضوح كيف جيء بهن إلى كوريا الشمالية، أو ما إن كنّ قد علمن بسبب تجنيدهن. قيل لإحداهن إنها سوف تذهب للدراسة في كوريا الشمالية ولكن عليها أن تبقي الأمر سرًّا، وطلب منها أن تخبر أبويها بأنها ذاهبة إلى أوربا، وقبل سفرها بيوم طلب منها توقيع بضع بطاقات بريدية ذات طوابع وأن توجهها إليهما وتملأها بالتوافه من قبيل أن "الجو هنا جميل". وبلغ "مشروع الزواج" ـ بحسب الاسم الذي بات معروفا به ـ ذروته في مايو 1977 عندما تزوج أعضاء المجموعة كلهم واحد تلو الآخر في غضون أسبوع. وزار كيم إل سونج القرية الثورية  لحضور الأعراس وقال للجيش الأحمر إنهم الآن "لا بد أن يكملوا الثورة بإنجاب الجيل التالي".
سألت الرقيب جينكنز عن المغزى من ذلك كله في تصوره. فأجابني بأن حكى عن زيارة قام بها اثنان من الكوادر الكورية الشمالية إلى بيته سنة 1995. ولم تكن مثل هذه الزيارات مألوفة، فشعر بالتوتر. اتجه الحوار إلى بناته. قالا إنه "بفضل من كيم يونج إل" سوف يتم إرسال البنتين إلى جامعة بيونج يانج للدراسات الأجنبية. وهذه الكلية من أرقى المدارس في كوريا الشمالية، ولكنها أيضا المسؤولة عن إمداد جهاز المخابرات الوطني بالعناصر الجديدة. يقول "وساعتها عرفت أنهم يخططون لتحويل بريندا وميكا إلى جاسوستين. فكرت في الأمر كله. ستكون الفتاتان خامة مثالية لصنع جاسوستين، فهما من حيث الشكل أبعد ما تكونان عما يتوقع المرء أن يكون عليه الجاسوس الكوري الشمالي". فقد يكون مختلطو الأعراق مألوفين في كوريا الجنوبية واليابان، لكنهم ليسوا كذلك في كوريا الشمالية. يعتقد جينكنز أن مشروع الاختطاف كان برنامجا تناسليا بعيد المدى. وهذا يفسر سبب اختطاف أغلب اليابانيين من باريس، وسبب اختيار الثنائيات الغرامية أثناء خروجهم للسهر، وسبب عدم استعمال الكوريين الشماليين لوالدة زوجة جينكنز.
ربما يكون لديه بعض الحق. فالمنشق الكوري الشمالي جانج جين سونج يصف في كتابه "عزيزي القائد" الصادر سنة 2014 برنامجا تأسَّس بعدما تأكد أن المخطوفين لن يكونوا جواسيس مطلقا. كانت "استراتيجية جمع البذور" تتعلق بإرسال نساء جذّابات لإغواء دبلوماسيين وصحفيين ورجال أعمال أجانب، وما ينتج عن تلك العلاقات من أطفال كان يمنح النظام نفوذا على الآباء فيتمّ التلاعب بهم وصولا إلى التغطيات الصحفية والصفقات التجارية والمساعدات الحكومية التي تحتاجها كوريا الشمالية، بينما يمكن تدريب الأبناء ليكونوا جواسيس. وعندما قابلت جانج، رأيت أنه يربط مشروع الاختطاف ببرنامج جمع البذور. قال "لقد كانا في الجوهر برنامجا واحدا، باستعمال منهجين مختلفين لا أكثر، فقد انتقلوا من اختطاف الناس، إلى اختطاف المني".
أنجب كاورو هاوسيك ويوكيكو أوكودو بنتا وولدا، في عامي 1981 و1985. وسمّياهما في السرّ باسمين يابانيين: شيجيو وكاتسويا. وفي كل يوم كان أحد المراقبين يقلّ الطفلين إلى حضانة خارج منطقة المدعوين ومنها، وشأن الأطفال هناك، كان الطفلان يحسبان أن حياتهما طبيعية. كانت المراقبة السرية الشاملة بالنسبة للكوريين الشماليين كالماء والهواء. وما كان أحد الطفلين يبلغ الثامنة إلا وترسله الحكومة إلى مدرسة داخلية على بعد مائة وعشرين ميلا إلى الشمال من بيونج يانج، فلا يُسمح لهما بزيارة البيت إلا لمدة ثلاثة أشهر في الشتاء وخلال الإجازات الصيفية، ولم يكن مسموحا لأبويهما بالزيارة أو الاتصال، وكان إرسالهما أي شيء إليهما يستغرق شهرا للوصول إذا وصل من الأساس. ولم يكن أحد من الطلبة يعرف من أين جاء زملاؤء. وكان طفلا هاوسيك يبدوان كوريين شماليين، وذلك ما كانا يعرفانه عن نفسيهما.
ولأن مواقع الاختطاف كانت متناثرة، ولأن عدد حالات الاختفاء كان صغيرا نسبيا، فلم يربط إلا عدد لا يذكر من الناس في اليابان بين الحوادث المختلفة، بل ولم يروها حالات اختطاف من الأساس، حتى أن صحيفة محلية تخابثت في وصف اثنين بقولها إنهما "احترقا" بنار هواهما، في إيحاء إلى أنهما اختفيا بعد أن حملت المرأة. وحينما كانت أسر المختطفين تذهب إلى الشرطة كان يقال لهم إنه لا مجال للتحقيق في ضوء عدم وجود دليل على أي مخالفة للقانون. غير أن قليلين في الحكومة اليابانية باتوا تدريجيا يعون بحالات الاختطاف، فلم تكن جميع العمليات تتمّ وفقا للخطة المرسومة لها، وبدأت الشرطة بين الحين والآخر تعثر على أدوات عسكرية كورية شمالية في قوارب تجسس يلقي بها الموج إلى الشواطئ النائية. وعُثر على اثنين يابانيين موثقي الأيدي ورأساهما موضوعان في كيسين بعدما تركهما خاطفوهما المزعومون ولاذوا بالفرار. ولكن اليابان لم تعترف رسميا بحالات الاختطاف. فما الذي كان يمكن أن تفعله إن اعترفت؟ لم تكن لها علاقات دبلوماسية بكوريا الشمالية أو جيش يمكن أن يقوم بتصرف عسكري، وما كان ليمكن تفعيل معاهدة الأمن المشترك بينها والولايات المتحدة بحفنة من حالات الاختطاف. ولو كان مسؤول ياباني أعلن الأمر على الملأ، لكانت كوريا الشمالية أخفت الدليل بقتلها المخطوفين. وفي اليابانية عبارة نصها: "شيكاتا جا ناي shikata ga nai" وترجمتها: "لا يمكن أن تمد له يد العون" ومغزاها تبرير الجمود وعدم القيام بأي عمل. وهكذا بقي عشرات الأشخاص حبيسي كوريا الشمالية لربع قرن.
ظهر الدليل الأكثر دراماتيكية على وجود حالات الاختطاف سنة 1987 عندما دخل إرهابيان من كوريا الشمالية مزودين بمتفجرات مزروعة في راديو باناسونيك إلى طائرة كورية جنوبية في مقصورة الأمتعة. ثم إنهما تركا الطائرة في مطار أبو ظبي قبل أن تقتل القنبلة كل من على متنها. واعترفت إحدى الإرهابيين لاحقا أنها تعلمت اليابانية على يد مخطوف. ولم تعترف كوريا الشمالية بالمسؤولية مطلقا، لكنها بعد سنين عديدة بدأت نقاشات دبلوماسية مع اليابان. وأخيرا، في لقاء سنة 1997 استبدل المفاوضون اليابانيون بعبارة "الأشخاص المفقودين" عبارة جديدة هي "الأشخاص المخطوفين" ووافقت كوريا الشمالية على التحقيق في الأمر.
في السابع عشر من سبتمبر سنة 2002، اتجه رئيس الوزراء الياباني جونيتشيرو كويزومي من طوكيو إلى منطقة نزع السلاح لبدء عملية تطبيع العلاقات الدبلوماسية التي كان من شروطها الاعتراف بالمسؤولية عن المواطنين اليابانيين المحتجزين رهن الاعتقال في كوريا. ولقد انتظرت كوريا الشمالية حتى آخر لحظة ممكنة قبل أن تسلِّم قائمة بالمخطوفين الأحياء والموتى: واعترفت باختطاف ثلاثة عشر شخصا، زعمت أن ثمانية منهم ماتوا، في ظروف مريبة، وأن خمسة فقط هم الذين لا يزالون على قيد الحياة.
دخل كيم يونج إل غرفة المفاوضات مرتديا سترته العسكرية المموهة التي اشتهر بها قائلا "بوصفي المضيف، أعتذر أننا جعلنا رئيس الوزراء يأتي إلى بيونج يانج في هذا الوقت المبكر من الصباح لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين كوريا الشمالية واليابان". وأوضح لكويزومي ـ وهو يقرأ من دفتر ـ أنه يريد بداية "علاقات جيرة حقيقية" مع اليابان. فقال كويزومي "أنا أيضا أرجو أن تثمر فرصة هذا اللقاء عن تقدم عظيم في العلاقات الثنائية بين بلدينا" ثم قال بنبرة صارمة "لقد استأت كثيرا من المعلومات التي قدمتموها لي، وأطالب بترتيب لقاء لنا مع الأحياء من المخطوفين. وأريد منك اعتذارا صريحا". أصغى كيم صامتا، وبدا عليه عدم الارتياح، وبعد صمت طال، قال "ألم يحن الوقت لاستراحة؟"
ولما استؤنفت المفاوضات، تطرَّق كيم مباشرة إلى الموضوع. فقرأ على الحاضرين: "لقد تعمَّقنا في التحقيق في هذا الأمر. إن عقودا من العلاقات العدائية بين بلدينا كانت خلفية لهذه الحادثة. وهي حادثة مرعبة برغم كل شيء. وكانت هذه الحادثة، حسبما أفهم، قد بدأت على أيدي منظمات مكلفة بمهمة خاصة في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته، بدافع من حوافز وطنية عمياء ومشاعر وطنية ضالة". وأوضح أن الهدف من الاختطاف كان يتمثل في إيجاد أشخاص قادرين على تعليم اليابانية لعناصر في هذه المنظمات، وسرقة هويات تساعد على اختراق كوريا الجنوبية. "وما كدت أعرف بأمر هذه الخطط والأفعال حتى عوقب المسؤولون عنها". وزعم الكوريون الشماليون أن الاثنين المسؤولين عن اختطاف ميجومي يوكوتا ـ وكان اختطافها قد شاع شيوعا شديدا ـ قد حوكما وثبتت إدانتهما في عام 1998، فتمَّ إعدام أحدهما، وحكم على الآخر بالسجن لمدة خمسة عشر عاما "وإنني أنتهز هذه الفرصة لأقدم اعتذارا صريحا عن ذلك السلوك المؤسف. وأعد بأن لا أسمح بحدوث هذا من جديد".
العودة 16-10-2002
لم يكن كويزومي ليتصور وجود برنامج من هذا النوع بدون معرفة كيم، خاصة وأنه كان المسؤول عن عمليات التجسس في السنوات التي شهدت أغلب حالات الاختطاف. لكن كويزومي ـ برغم شكوكه ـ وقّع إعلان بيونج يانج في حفل أقيم في الخامسة والنصف من عصر ذلك اليوم. وصدر طابع بريد في كوريا الشمالية تخليدا للحدث.
في السادس عشر من أكتوبر سنة 2002، نشرت صحف العالم صورة فوتغرافية لخمسة يابانيين في منتصف العمر، أربعة منهما عبارة عن زوجين وزوجتين وامرأة، يرتدون جميعا ثيابا من طراز الخمسينيات، سترات وربطات عنق وجيبات، أثناء نزولهم من بوينج 767 في مطار هانيدا بطوكيو. وكان عنوان نيويورك تايمز "دموع وأحضان عند وصول خمسة مخطوفين يابانيين إلى أرض الوطن". رجع كاورو هاوسيك، ويوكيكو أوكودو وهيتومي سوجا واثنان آخران إلى اليابان بعد أربع وعشرين سنة من اختطافهم. وبقي جينكنز، زوج سوجا، في بيونج يانج مع ابنتيهما. وأذاعت كبرى محطات التليفزيون اليابانية تغطية خاصة على الهواء طوال ذلك اليوم، مخصصة ثلاثين ساعة لرصد العودة إلى الوطن. وسوف يمر ثمانية عشر شهرا من التفاوض، وتستهلك مئات الأطنان من الأرز، قبل أن يسمح لأبناء المخطوفين بالانضمام إليهم في اليابان.
في الوقت نفسه أصابت العودة الرأي العام بالذعر من لؤم كوريا الشمالية والاشمئزاز من عجز الحكومة اليابانية، وفي غضون أسبوع واحد تهاوى تأييد اليابانيين لتطبيع العلاقات مع كوريا الشمالية ـ الذي كان كويزومي يناصره ـ من واحد وثمانين إلى أربعة وأربعين في المائة. وسرعان ما أدرجت الأحزاب جميعا مسألة التعامل مع حالات الاختطاف في برامجها الانتخابية. وعندما تولى شينزو آبي رئاسة الوزراء في عام 2006 كان من أوائل أفعاله أن أقام "مقر قضية المخطوفين" وهو عبارة عن مكتب وزاري ذي ميزانية هائلة للتنسيق بين جهود الحكومة المتعلقة بقضايا المخطوفين. وأنتج هذا المكتب أفلاما وكتبا مصورة وأفلاما كارتونية حول القضية. كما أمر آبي أيضا قناة "إن إتش كيه" التليفزيونة الحكومية بزيادة وتكثيف تغطيتها للقضية.
وواصل بعض النشطاء اليابانيين الدفع إلى المزيد، بحافز من قناعة بأن المخطوفين الذين زعم الكوريون أنهم موتى لا يزالون على قيد الحياة. وأقامت جماعة لدعم المخطوفين مؤتمرات صحفية وجمعت تبرعات ترمي إلى تنفيذ مهمة اختراق لكوريا الشمالية لتحديد مواقع المخطوفين. (وفشل ذلك). منظمة أخرى، هي لجنة التحقيق في حالات اليابانيين المفقودين المحتمل ارتباطها بكوريا الشمالية، تعمل منذ 2005 على بث محطة إذاعية على الموجات القصيرة تدعى شيوكازي Shiokaze وتبث موادها مرتين كل يوم باليابانية والإنجليزية إلى كوريا الشمالية. وتذاع برامج باليابانية والإنجليزية والصينية والكورية متضمنة أخبارا عالمية ورسائل إلى الأفراد المختطفين وغالبا ما يقرؤها أصدقاء وأقارب لهم. وفي الخلفية موسيقى بيانو هادئة. وتتكرر رسالة تدعو المخطوفين إلى التمسك بالإيمان لأن"الوقت لن يطول قبل أن ننقذكم".
التقيت بكاورو هاسويك في عصر يوم دافئ في ابريل. قصة شعره الشبابية ووجهه بارز العظام مشدود الجلد جعلاه يبدو أصغر بعقد من الزمن من سنه الحقيقي. لا دليل على الفترة التي قضاها في كوريا الشمالية إلا أسنانه المصفرة غير المنتظمة. في 2010 أكمل كاورو دراسته في جامعة تشاأو بالمراسلة، وهو الآن يدرس لنيل شهادة جامعية في الدراسات الكورية في جامعة نييجاتا. ولقد طلب قبل فترة وجيزة من الحكومة اليابانية أن توقف الراتب المقرر له ضمن الرواتب التي تخصصها للمخطوفين لأنه لم يعد بحاجة إليه. فقد عثر هو ويوكيكو على وظيفتين لبعض الوقت في قاعة مدينة كاشيوازاكي خلال فترة العام ونصف العام التي انقضت قبل تحرير ابنيهما. والآن يعيش كاورو من ترجمة الكتب من الكورية، علاوة على تأليفه بعض الكتب هو نفسه. أما يوكيكو فتعمل طاهية في حضانة في المدينة.
كان ليبدو الأمر شديد الغرابة لو كان سهُل على كاورو ـ وقد قضى نصف عمره كوريا وسط الكورين ـ أن ينفصل تماما عن تجربته هناك. ولقد أصيب البعض بالجنون، نظرا لأنه يصعب على الثقافة اليابانية أن تتقبل العناصر التي لا تتواءم معها ومع تصنيفاتها المحددة، ونظرا للارتياب في أن كاورو لم يكن يهتم كثيرا بمسألة الرجوع إلى اليابان، وفي أنه بطريقة ما كوري وياباني في آن واحد. لكن يبدو أن كاورو تجاوز محنته الكورية بعيشه حياة طبيعية قدر المستطاع، حياة نال فيها أكثر من نصيبه المستحق من القهر والخوف والشقاء، لكنها بطبيعة الحال حياة برغم كل شيء. فقد تزوج وأنجب وأقام صداقات. وهل كان أمامه بديل آخر؟
قال لي كاورو إن الوقت الذي قضاه في انتظار إطلاق كوريا الشمالية سراح ابنه وابنته كان الأصعب عليه. فقد أوضح النظام أنه يراقب كل حركة يقوم بها، ومن ثم كان على كاورو أن يحذر من قول أو فعل أي شيء من شأنه أن يسيء إلى كوريا الشمالية، فيُحتمل أن يمنعه من رؤية ابنه وابنته مرة أخرى. وفي تلك الفترة عمل الكوريون الشماليون على تهيئة الولدين لصدمة معرفة حقيقة أبويهما ونفسيهما. قال كاورو "وبمجرد أن توصلت السلطات الكورية الشمالية إلى أن عليها أن تعيد الولدين حتى قالت لهما إنهما يابانيان وإن أبويهما في اليابان، وإن لم يشيرا إلى الجزء المتعلق بالاختطاف. لم يكن بوسع السلطات الكورية الشمالية أن تطلق سراحهما وسط عاصفة إعلامية من شأنها أن تضرّ الولدين وتصدمهما فيترك ذلك أثرا سلبيا على سمعة كوريا الشمالية. ومن أجل الحصول على الأثر الدعائي الملائم، كان لا بد من تهيئتهما بالتدريج".
وفي أول لقاء لكاورو مع ابنه بعد إرساله من كوريا الشمالية، أمكنه أن يستشعر الشك. في الثاني والعشرين من مايو سنة 2004، وبمجرد أن أقلعت الطائرة التي تقل الولدين، قدم مسؤول ياباني لكاتسويا هاتفا محمولا ليكلم أبها. قال الولد لأبيه "لغتك الكورية غريبة. أنت لست أبي، صح؟". كان كاورو يدرِّس الكورية منذ عودته معتمدا على شرائط صوتية من كوريا الجنوبية تركت أثرا طفيفا على لكنته.
يتذكر: "في اليومين الأولين، لم نتكلم كثيرا، فقط تركنا الوقت يمر". ولمعرفته بتواضع مستوى يابانية ولديه، أحضر لهما اسطوانات دي في دي كورية. وقضت الأسرة ليلتها الأولى في كاشيوازاكي تشاهد مسلسل "سوناتا الشتاء" الكوري الجنوبي. ولما بدأت أخبار المنشقين عن كوريا الشمالية تظهر في نشرة الأخبار، لاحظ كاورو أن تركيز ابنيه يتزايد وأنهما يحاولان تمييز الصدق من الدعاية. وما كادا يعرفان أن البلد الذي تعلما حبه هو الذي اختطف أبويهما وسجنهما، حتى أدركا أنه ما من مستقبل لهما في كوريا الشمالية. وبعدما أجادا اليابانية، كان أكبر تحدٍّ في مواجهتهما هو التعامل مع الحرية الجديدة. كان أمرا مخيفا ألا تجد حولك فجأة من يوجِّهك إلى ما ينبغي أن تفعل. قال كاورو "إنني اليوم حينما أتكلم مع ابنيّ، لا ألجأ مطلقا إلى الكذب في أي شيء. هذه هي القاعدة. لأنك لا تكاد تفتح الباب وتلتزم بالصدق حتى يصير عليك أن تواصل الصدق والانفتاح التام".
حصل كاتسويا على شهادة في علوم الكمبيوتر من جامعة واسيدا ويعمل في بنك في سيول. وشيجيو ـ ابنة كاورو ـ تدرس للحصول على الدكتوراه في التعليم. بريندا جينكنز درست خدمات الزفاف وتجهيز العرائس في مدرسة نيجاتا تراثية، وحصلت على وظيفة في مصنع ساكي، وتزوجت في 2014 من ابن صاحب مصنع أسمنت قابلته في مصنع الساكي. أختها ميكا تدرِّس في حضانة وتعيش مع أمها وأبيها اللذين لا يزالان يتواصلان بالكورية: اللغة الوحيدة المشتركة بينهما.

نشر الموضوع أصلا  في مجلة ذي نيويوركر الأمريكية في الحادي والعشرين من ديسمبر 2015. ونشر الجزء الثاني من هذه الترجمة في جريدة عمان بتاريخ 4 يناير 2016