السبت، 8 يونيو 2013

نقاء الدم كيف ساهم الهوس في تقدم العلم؟

نقاء الدم
كيف ساهم الهوس في تقدم العلم؟
فرانك ثادويتس


لودفيك هيرتسفيلد



قبل سنوات من وصول النازيين إلى الحكم، كان العلماء الألمان يروِّجون لنظريات تتعلق بنقاء الدم. وعلى الرغم من أن هذا الهوس أفضى إلى نظريات خطيرة وشاذة عن سمات التفوق العرقي، فقد أفضى أيضا إلى فتوحات طبية.
 لقد كان اندلاع الحرب العالمية الأولى وبالا لم يسبق له مثيل على أغلب الإنسانية. ولكن تلك الحرب بالنسبة لي لـ "لودفيك هيرتسفيلد" كانت ضربة الحظ الكبرى في حياته.
لقد كان ذلك الطبيب الألماني وزوجته حنا يديران مختبرا بكتيريا في سالونيكي باليونان، حيث كان متاحا له أن يجري التجارب على عدد غير محدود تقريبا من البشر، من الجنود الفرنسيين والبريطانيين والإيطاليين والروس والصرب الذين كان يتشكل منهم جيش الشرق متعدد الجنسيات المتمكرز في تلك المدينة اليونانية الشمالية والذي حاصرته القوات الألمانية في ما عرف بحملة البلقان.
ولصالح إجراء إحدى أضخم الدراسات الطبية في التاريخ الطبي حتى ذلك الحين، كان هيرتسفيلد يتقدم من أسرى الجيش الألماني الضعفاء وفي يده حقنة طالبا منهم سحب عينة من دمائهم. وكان الطبيب يعلم كيف يتعامل مع حاملي تلك الجنسيات المختلفة ليهوّن عليهم الاتفاق وينتهي إلى إقناعهم بالمشاركة في تجربته واسعة النطاق.
يروي هيرتسفيلد في مذكراته أنه "في حالة الإنجليز، كان يكفي أن يقال للواحد منهم إن الهدف من سحب عينة الدم هو هدف علمي"، أما أصدقاؤه الفرنسيون في المقابل فكان الطبيب الداهية يقدم لهم نصائح عن اللاتي يمكن لهم "أن يمارسوا معهن الرذيلة آمنين" بناء على فصيلة الدم. كما كان يسهل عليه أيضا إقناع الجنود السنغاليين الذين كانوا موجودين بوصفهم قوات كلونيالية في الجيش الفرنسي. حيث يكتب الطبيب هيرتسفيلد "إننا كنا نقول لهم إن الاختبار قد يكون مرتبطا بتحديد وقت إطلاق السراح. فكانت الأيدي السوداء تمتد إلينا دونما أي نوع من تباطؤ".
في غضون شهور قليلة، بحسب ما يروي هيرتسفيلد في حماس، أصبح من الممكن إنجاز ما كان يمكن أن يستغرق سنين في ظروف أخرى، وهو تحديد الأنماط الدموية لقرابة ثمانية آلاف جندي من نطاق واسع من البلاد. وما أن قام الطبيب، المقيم منذ زمن طويل في مدينة هايدلبرج الألمانية، من تحليل بياناته، حتى وصل إلى قناعة بأنه توصل إلى اكتشاف مذهل: وهو أن "المجموعة الدموية ألف A ترتبط بالبيض أي بـ ’العرق’ الأوربي، بينما ترتبط المجموعة الدموية باء B بـ ’الأعراق’ ذوات البشرة الداكنة" بحسب ما تكتب المؤرخة السويسرية "مريام سبوري" في كتابها الصادر حديثا عن التاريخ الثقافي لبحوث فصائل الدم.
استطاع هرتسفيلد وزميله "إيميل فون دونجرن" في عام 1910 أن يتوصلا إلى مجموعات فصائل الدم ألف A وباء B وألف باء AB وواو O المستخدمة على مستوى العالم. وقبلهما ، في عام 1901، كان "كارل لاندشتينر" هو أول من اكتشف أن خلايا الدم الأحمر تحتوي على العديد من الأجسام المضادة.
التركيز على نقاء الدم
أرغم النازيون هيرتسفيلد، اليهودي، على اللجوء إلى جيتو وارسو عام 1941، وعلى الرغم من أنه لم تكن تحيط بذلك  الباحث في الدم أية شكوك تتعلق بدوافع عنصرية لأبحاثه، إلا أن سبوري  تنتهي إلى نتيجة مختلفة.
فالمؤرخة السويسرية تنتهي إلى أن المجالات البحثية التي أسسها هرتسفيلد كانت تستهدف منذ البداية أغراضا تتعلق بتحسين السلالة، وتكتب سبوري أن هرتسفيلد كان ـ حتى في فترة اعتقاله ـ يلقي محاضرات يؤكد فيها أن "توزيع المجموعات الدموية لدى اليهود ولدى ’الشعوب المستضيفة’ التي يعيش اليهود وسطها متطابقة تقريبا".
ولم يكن الباحث ـ الذي كان في الأصل من وارسو ـ  هو الوحيد الذي يختار هذه الكلمات التي تبدو مقنعة للغاية من منظورنا الراهن. فقد كان العالم الألماني البرليني "فريتس شيف" على سبيل المثال يصر في مجلة "بحوث الأنساب اليهودية" الأكاديمية Jüdische Familienforschung على أن الاختلافات في الفصائل الدموية بين المجموعات اليهودية المختلفة يمكن أن يرى بوصفه تقاربا في سبيله إلى التشابه مع ’الشعوب الستضيفة’".
كان لودفيك وحنا هيرتسفيلد قد شرعا في نشر نظرياتهما في العشرينيات من القرن الماضي. وبحسب ما تكتب سبوري فإن "فكرة ’نقاء الدم’ التي عبر عنها الزوجان هرتسفيلد للمرة الأولى جاءت متماسكة ولم تلق أي معارضة برغم الاكتشافات الحديثة".
يكاد يكون جميع علماء تلك الفترة يتشاركون في ذلك الهوس بفكرة نقاء الدم. وقبل سنوات من استيلاء النازي على الحكم، كان الباحثون في الفصائل الدموية من اليهود ومن غير اليهود  يبحثون عن خصائص وعلامات الاختلاط العرقي في الدم، مفترضين أن هذه الخصائص والعلامات موجودة في الدم ولا شك.
في كتابها، تلقي سبوري الضوء للمرة الأولى على مجتمع من الأكاديميين يبدو أعضاؤه ـ بمعاييرنا اليوم ـ متنافرين تنافرا مستحيلا، كما تكشف عن أعمال لهم غابت عن الأنظار إلى حد كبير. من جانب، كان هناك علماء ذوو عقول ليبرالية من نسل يهودي، مثل هرتسفيلد، وشيف، ولاندشتينر. وفي المقابل كانت هناك مجموعة رجعية من أتباع عالم الأنثروبولوجيا "أوتو ريتشي" من هامبورج، الذي قام بتأسيس الجمعية الألمانية لأبحاث فصائل الدم سنة 1926.
 
يبدو من المدهش من منظورنا اليوم أن يكون هؤلاء العلماء المتباينون المتخصصون في أبحاث الدم متفقين في أغلب الأحيان. ففي عام 1929 على سبيل المثال، استغل لانشتاينر ـ الذي كان في ذلك الوقت قد هاجر إلى نيويورك ـ وقت زيارته إلى ألمانيا لمقابلة عالم الأعراق المغمور ريتشيه  . في رسالة إلى زميل، راوح عالم الأعراق ـ الذي أصبح لاحقا من المعجبين بهتلر ـ بين الشك في لاندشتينر والإعجاب به "هو رجل طويل، نحيل، حسن المظهر، على وجنته اليسرى ندبة فخار ناجمة عن مبارزة، وعرقه غير ظاهر تماما ... وعنده بعض الأفكار الجيدة للغاية".
هتلر أيضا كان له اهتمام متحمس بالموضوع، ولكنه كان يحصل على معلوماته فيه من مصادر ضعيفة. فالذي أوحى إليه بإصدار "قانون حماية الدم الألماني والشرف الألماني" وهو من قوانين نورمبرج سنة 1935، لم يكن إلا رواية شعبية رديئة صدرت في عام 1917 بعنوان "خطيئة في حق الدم".
تطبيقات مبكرة في بحوث فصائل الدم
وعلى الرغم من ذلك، وبصفة إجمالية، فإنه بدلا من التسبب في نكوص البحث الطبي في ألمانيا، أدى هذا الإيمان الهائل بـ "نقاء" الدم إلى تقدم البحث الطبي، فلقد كان العلماء الألمان روادا في المجال حينما حان وقت البحث في خصائص الدم الوراثية. والمرة الأولى التي يتم فيها تقديم تقرير بفصيلة الدم كدليل في قضية إثبات نسب كان في المانيا في عام 1924.
 كما حقق علماء الطب الشرعي في ألمانيا في مطلع القرن العشرين إنجازا يعد من قبيل المآثر العظيمة إذ تمكنوا من إدانة قاتل متسلسل استنادا إلى قوة اختبار دم. فقد أحاطت الشكوك بـ "لودفيج تيسناف" ـ وكان يعمل نجارا باليومية ـ في مقتل أربعة أطفال. وكانت ثيابه الملطخة بالدم هي دليل إدانته.
ما كان من تيسناف ـ في ظل غفلته بما يتيحه الطب الحديث من إمكانيات ـ إلا أن زعم أن البقع التي تلوث ثيابه ناجمة عن بقع من الخشب. ولكن الخبراء استطاعوا أن يتعرفوا على البقع ويقطعوا بأنها دماء بشرية، الأمر الذي أفضى إلى إعدام تيسناف سنة 1904.
في الوقت نفسه، كان الأطباء الألمان يرون نقل الدم "نذير شر" ويتخوفون من أنه قد يؤدي إلى تلويث نقاء الدم، على الرغم من أن عمليات نقل الدم المنقذة للحياة كانت جارية في مستشفيات الولايات المتحدة وبريطانيا منذ نهاية الحرب العالمية الأولى.
كما أن مزج الدم الألماني بدم مواطن يهودي كان يبدو بالنسبة لأغلب الأطباء الألمان عملا لا يمكن التفكير فيه من الأساس. كذلك كان نقل الدم بين رجل وامرأة موضع ارتياب، خوفا من أن يؤدي ذلك إلى نقل سمات أنثوية من الأنثى إلى الذكر المنقول إليه.
استخدام الدم في إثبات التفوق
كان الزوجان هيرتسفيلد هما اللذان وضعا أساس هذا الافتتان بدراستهما عن فصائل الدم. عندما رفضت "المجلة الطبية البريطانية" هذه الدراسة في البداية، كان عزاء "لودفيك هيرتسفيلد" أن نظرية النسبية لـ "ألبرت أينشتين" لم تلق هي الأخرى إلا الاستهانة في أول الأمر. ثم حدث أخيرا أن نشرت مجلة "ذي لانسيت" الطبية البريطانية نتائج مغامرات هيرتسفيلد في معسكر الجنود.
كان هيرتسفيلد والباحثون في الدماء في تلك الفترة يعتبرون أن فصائل الدم المختلفة إنما هي مؤشرات واضحة وضوح الشمس على وجود سمات عرقية أعلى أو أدنى. كما كان هؤلاء العلماء على قناعة أيضا بأن من الممكن استنتاج سمات الشخصية من الدم.
لكي يفسر لودفيك سبب وجود فصائل مختلفة من الدم قام بوضع نظرية تبدو اليوم عبثا محضا. فقد كان يعتقد أنه في الماضي السحيق لم يكن ثمة غير "عرقين بدائيين"، عرق أصحاب فصيلة الدم ألف الذين يعيشون في الغرب والشمال، وعرق أصحاب فصيلة الدم باء الذين يعيشون في الجنوب والشرق. واستنتج أن اختلاط هاتين المجموعتين بصورة تدريجية على مدار آلاف السنين  هو الذي أوجد فصائل الدم الأخرى.
كان الأكاديميون ذوو العقول الليبرالية والمتعصبون العنصريون يستوون في تخطئتهم لهذا الاختلاط. وذلك يضع الباحثين اليهود ضمن الذين مهدوا الطريق لما أعقب ذلك من تطرف في معاداة السامية. ترى سبوري أن هذه الحقيقة "بغير حاجة إلى أي تفسي يتجاوز حقيقة أن هؤلاء العلماء ذوي الأصول اليهودية كانوا يرون أنفسهم في المقام الأول والأكبر لا كيهود، بل كعلماء".
أجمع العلماء على أن فصيلة الدم باء علامة انحطاط. وكان عالم البكتريا "ماكس جاندل" يعتقد أنه لاحظ المزيد من "الأفراد المعروفين بوصفهم أدنى" ضمن حاملي فصيلة الدم باء، وأن فصيلة الدم هذه شائعة بين "المضطربين عصبيا، والمصابين بالهستريا، ومدمني الكحوليات، وكذلك سمر البشرة".
معتدقات خاطئة حول لغز دائم
نسب توزيع فصائل الدم في بعض مناطق العالم

لا يزال المنشأ الحقيقي لفصائل الدم لغزا حتى يومنا هذا. ولكن ما يمكن القطع به على وجه اليقين هو أن فصيلة الدم واو O تنتشر في الأمريكتين وأفريقيا أكثر منها في سواهما، بينما تنتشر فصيلة الدم باء في آسيا، وفصيلة الدم ألف في أوربا.
ويرى الباحثون اليوم أن مفتاح فهم فصائل الدم يكمن في السمات المحددة التي تتوفر في كل مجموعة. فالأشخاص الحاملون لفصيلة الدم واو لديهم مناعة أكبر ضد الملاريا. وبناء عليه يعتقد العماء أن هذه الفصيلة الدموية تكونت في أفريقيا قبل ملايين السنين كرد فعل تطوري ناجم عن تحور في دم من الفصيلة ألف. في حين يتسم دم الفصيلة باء بدرجة أكبر من المناعة ضد الطاعون، فلعله تطور في مناطق تعاني من هذا الوباء بصفة خاصة. ولكن المؤكد أنه ما من علاقة ثمة على الإطلاق بين فصائل الدم والسمات الشخصية.
ومع ذلك، كان لهذا المعتقد الخاطئ تأثير أثناء جمهورية فيمار، ووصل هذا التأثير حتى إلى النظام القضائي حيث كان كثير من القضاة يعولون كثيرا على فصيلة دم المتهم. ويمكننا أن نرى هذا في قضية وفاة شاب يدعى "هيلموت داوبي" فقد حامت الشكوك حول زميل في المدرسة يدعى "كارل هوسمان"، وكانت الشرطة ترى أنه قد يكون هو الذي ذبح داوبي قبل أن يقطع عضوه الذكري. ولكن المحققين عجزوا، في نهاية المطاف، عن إدانة المدعى عليه وتجاوز مرحلة الشك المنطقي. وتكتب سبوري أن "هاوسمان كان محظوظا بأن دمه من الفصيلة واو، لا من الفصيلة باء، في وقت كان فيه أغلب ممارسي الطب على قناعة بأن الدم من الفصيلة باء يجري أكثر ما يجري في عروق المجرمين الخطرين".
ثم كان هناك ذلك الطبيب في المستشفى الجامعي بميونيخ الذي كان يعتقد خطأ بأنه في سبيله إلى اكتشاف طبي مثير بعد دراسة عميقة لحركة الأمعاء "تظهر اختلافات في المدة اللازمة للتغوط بين المجموعتين، إذ لا تتجاوز مدة التغوط دقائق قليلة لدى حملة الفصيلة ألف، ولكنها تستغرق وقتا أطول بكثير (من عشرين إلى أربعين دقيقة) لدى حملة فصيلة الدم باء". وكان العلماء يعتقدون أن الأفراد الذين يقضون وقتا أطول في المرحاض يزداد وجودهم بين سكان المدن الشرقية مثل برلين ولايبزج، بينما ينتشر الأفراد الأكثر رقيا من حملة فصيلة الدم ألف انتشارا كثيفا بين سكان الريف في غرب ألمانيا.
مخاوف الامتزاج والتلوث
هذه العقيدة الجامدة، الجنونية أيضا، المنتشرة بين العلماء فيما يتعلق بالنقاء العرقي، كانت لها عواقب كارثية على تطور التبرع بالدم في ألمانيا التي تخلفت عن الولايات المتحدة وبريطانيا  وفرنسا وكانت جميعها تطبق برامج للتبرع بالدم في السنوات الأولى التالية للحرب العالمية الأولى.
وبسبب مخاوفهم من اختلاط الدماء وفقدانها نقاءها، لم يكن الأطباء الألمان يقدمون على إجراء عملية نقل الدم إلا لدم طازج يضخ مباشرة في عرق المريض المتلقي. بينما كان الأطباء في الولايات المتحدة يعملون معتمدين على دماء معالجة بـ سترات الصوديوم المانعة للتخثر، وكان ذلك التقدم نعمة على المرضى، حيث كان يمنع الدم من التخثر نتيجة للنقل. كان الأطباء الألمان يعتبرون مضاد التخثر هذا مركَّبا خطيرا، برغم أن عددا غير محدود من الأطباء كانوا قد لاحظوا ولا شك عيوب النقل المباشر إلى المريض بحسب الطريقة الألمانية.
كان نقل الدم يستوجب متبرعا ومتلقيا ينامان جنبا إلى جنب على حشية أثناء إجراء العملية. وكان الجراح النمساوي "بيرجارد برايتنر" يشكو قائلا "إننا مررنا في مرات عديدة، أثناء عمليات نقل الدم، بحالات تسبب فيها قرب المتبرع من مريض محتضر بارد الجسم في إثارة الاشمئزاز في نفس المتبرع، علاوة على كل ما كان يجد نفسه محاطا به".
ولم يحدث حتى سقطت ألمانيا  في نهاية الحرب العالمية الثانية أن انتهى جنون نقاء الدم هذا إلى حد كبير. وفي تلك المرحلة اعترف "لودفيك هيرتسفيلد" نفسه بأن أبحاث فصائل الدم في ألمانيا "خدمت قضية سيئة". ولكن العالم ـ الذي توفي في عام 1954، بقي راضيا عن الدور الذي قام به وأعلن في مذكراته أنه كان يشعر بالتزام بأن "يقف في وجه إساءة استغلال العلم".

الترجمة إلى الإنجليزية بقلم إيلا أورنشتين.
نشر الموضوع أصلا في دير شبيجل ونشرت الترجمة اليوم في جريدة عمان