الثلاثاء، 17 فبراير 2015

سلافوي جيجيك .. في المنطقة الرمادية

في المنطقة الرمادية

سلافوي جيجيك


ثمة حدود لصيغة "كلنا كذا" أو "أنا كذا"، فإن تجاوزت هذه الحدود تحولت من تماه وتعاطف إلى سفالة. بوسعنا جميعا القول "Je suis Charlie" [نحن شارلي]، ولكن كل شيء يتداعى في حالات من قبيل "كلنا نعيش في سراييفو" أو "كلنا في غزة"، إذا الواقع الأليم يقول إننا لسنا جميعا في سراييفو أو غزة، وهو واقع لا يمكن التغطية عليه بالتماهي والتعاطف. هذا التماهي يتحول إلى سفالة في حالة المسلمانر Muselmänner، أو موتى أوشفتز الأحياء. فلا يمكننا القول إن "كلنا مسلمانر" فقد كان نزع إنسانية الضحايا في أوشفتز يشطح إلى حد أن يصبح التماهي معهم بأي معنى منطقي أمرا مستحيلا. (وفي المقابل، من السخف إعلان التضامن مع ضحايا 11/9 بقولنا إننا "كلنا نيويوركيون". إذ سيقول الملايين "نعم، نود لو نكون نيويوركيين، فامنحونا التأشيرة).

ومثل هذا ينطبق على أعمال القتل التي وقعت الشهر الماضي: فقد كان من اليسير نسبيا التماهي مع صحفيي شارلي إبدو، في حين أنه يصعب كثيرا إعلان أننا "كلنا من باجا" (وباجا لمن لا يعلمون بلدة صغيرة في شمال شرق نيجريا أعدمت فيها بوكو حرام ألفي شخص). ولعل بوسعنا أن نترجم اسم "بوكو حرام" تقريبيا إلى عبارة نصها أن "التعليم الغربي حرام"، لا سيما تعليم النساء. فكيف نفسِّر حقيقة غريبة مفادها أن هناك حركة سياسية اجتماعية هائلة هدفها الأساسي هو التنظيم الهيراركي للعلاقة بين الجنسين؟ لماذا يعمد المسلمون ـ الذين لا شك في أنهم تعرضوا للاستغلال، ووقعوا تحت هيمنة جوانب مدمرة مهينة من الكولونيالية ـ إلى استهداف أفضل جزء (بالنسبة لنا على الأقل) من التركة الغربية، وهو المساواة في الحريات الشخصية، ومن ضمنها حرية السخرية من جميع السلطات؟ من بين إجابات هذا السؤال إجابة ترى أن هدفهم هذا قد اختير بعناية: فالغرب اللبرالي لا يمكن احتماله لأنه لا يكتفي بممارسة الاستغلال والهيمنة العنيفة، بل يقدم هذا الواقع القاسي متنكرا على هيئة نقيضه، أي: الحرية، والمساواة، والديمقراطية.

ونرجع إلى مشهد كبار شخصيات العالم السياسية إذ تماسكت أيديهم في تضامن مع ضحايا أعمال القتل في باريس، من كاميرون إلى لافروف، ومن نتانياهو إلى عباس: لو أن هناك صورة حية للنفاق والزيف، فهي هذه الصورة. كان ثمة مواطن مجهول يعزف "أنشودة البهجة"  لبيتهوفن ـ وهي نشيد الاتحاد الأوربي غير الرسمي ـ أثناء مرور الموكب أسفل شباكه، مضيفا لمسة من الكيتش السياسي إلى المشهد المقزز الذي مسرحه بعض أكثر من يتحملون المسؤولية عما نحن فيه من فوضى. فلو كان لوزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف أن يشارك في مسيرة مماثلة في موسكو، التي قتل فيها عشرات الصحفيين، لاعتقل في الحال. ولقد كان المشهد ممسرحا بلا شك: فالصور التي عرضها الإعلام أعطت انطباعا بأن القادة السياسيين ما كانوا غير مقدمة جمع غفير يشارك في المسيرة. ولكن صورة أخرى التقطت للمشهد الكامل من أعلى فبيّنت بوضوح أنه لم يكن خلف الساسة غير نحو مائة شخص ثم فراغ كبير من حوله ومن ورائه تملؤه الشرطة. وكانت التحية الحقيقة لشارلي إبدو لتتحقق لو أنها نشرت في صفحتها الأولى رسما كاريكاتيريا يسخر بقسوة وضراوة من هذا المشهد.

ومثلما كانت هناك لوافت تتضامن مع الجريدة (Je suis Charlie!) كانت هناك لوافت أخرى تتضامن بقولها "نحن الشرطة" (Je suis flic!). فالوحدة الوطنية المحتفى بها والمتجلية في التجمعات الشعبية الهائلة لم تكن فقط وحدة الشعب التي تتجاوز الإثنيات والطبقات والأديان، بل الوحدة بين الشعب وقوات النظام والسيطرة، والتي لا تتمثل في الشرطة وحدها بل وفي الـ CRS، أي الشرطة السرية ومجمل جهاز الدولة الأمنية (ولقد كان من بين شعارات مايو 1968 شعار يساوي الـ CRS  بالنازية بأن يضيف إليها حرفين اثنين فقط لتكون هكذا: CRS-SS). وليس في هذا الكون الجديد مكان لـ سنودن أو مانينج. فقد كتب جاك آلن ميلر الشهر الماضي يقول إنه "لم يبق مجال للاستياء من الشرطة كالذي كان، إلا بين الشباب المساكين من العرب أو من شمال أفريقيا. وهو شيء لا شك أنه غير مسبوق في تاريخ فرنسا. باختصار، لقد حققت الهجمات الإرهابية المستحيل: فصالحت بين جيل 68 وعدوه الألدّ، في ما يشبه النسخة الفرنسية من القانون الوطنيPatriot Act [الذي استحدث سنة 2001 في فترة رئاسة جورج دبليو بوش]، إذ بات الناس يتطوعون من تلقاء أنفسهم للعمل كمخبرين متبرعين.

كانت لحظات النشوة في مظاهرات باريس انتصارا للأيديولوجية، فقد وحَّدت الشعب ضد عدو طمس بحضوره المؤقت الفاتن كل الخصومات. لقد وضع الشعب أمام خيار مؤسف: إما أن تكونوا شرطة  أو إرهابيين. ولكن كيف لكوميديا شارلي إبدو عديمة الوقار أن تناسب هذا الوضع؟ لإجابة هذا السؤال، لا بد أن نضع في أذهاننا العلاقات الداخلية بين الوصايا العشر وحقوق الإنسان التي يذهب كينيث رينهارد وجوليا رينهارد لوبتن إلى أنها في نهاية المطاف هي حقوق انتهاك الوصايا العشر. فحق الخصوصية هو حق ارتكاب الزنا. وحق الامتلاك هو حق السرقة (واستغلال الآخرين). حق حرية التعبير هو حق قول الزور. وحق حمل السلاح هو حق القتل. وحق الحرية الدينية هو حق عبادة الآلهة الزائفة. وحقوق الإنسان بالطبع لا تسمح مباشرة بانتهاك الوصايا، لكنها تحافظ على منطقة رمادية هامشية يفترض أنها آمنة من يد السلطة (الدينية أو العلمانية). في هذه المنطقة الغائمة يمكنني خرق الوصايا، فإن اجترأت السلطة على دخولها، وقبضت علي وسروالي نصف مخلوع، يمكنني أن أصيح قائلا إن هذا "عدوان على حقوقي الإنسانية الأساسية". والقصد من هذا أن أقول إنه من المستحيل بنيويا على السلطة أن تعيّن حدًّا واضحا فاصلا لا يمنع إلا إساءة استعمال حقوق الإنسان دونما خرق لاستعمالها السليم، أعني الاستعمال الذي لا ينتهك الوصايا.

 وإلى هذه المنطقة الرمادية تنتمي سخرية شارلي إبدو القاسية. لقد بدأت المجلة في عام 1970 خلفا لمجلة هاراكيري التي أغلقت لسخريتها من وفاة الجنرال ديجول. وإثر رسالة من قارئ اتهم فيها هاراكيري بأنها "غبية  ومقرفة" (bête et méchant) تبنّت المجلة العبارة متخذة منها شعارا رسميا وأدخلتها لغة الحياة اليومية. فكان الأنسب أن يصيح الآلاف المشاركون في مسيرة باريس قائلين "كلنا أغبياء ومقرفون" (Je suis bête et méchant) بدلا من شعار "كلنا شارلي" المسطح.

موقف "نحن أغبياء ومقرفون" الذي تتبناه شارلي إبدو قد يكون منعشا في بعض الحالات، لكنه محدود بحقيقة أن الضحك في ذاته ليس محرِّرا، بل عميق الغموض. ففي النظرة الشائعة لدى اليونان القديم، هناك تناقض بين الاسبرطيين بأرستقراطيتهم الوقور، والأثينيين بديمقراطيتهم المرحة. لكن الاسبرطيين ـ الذين كانوا يتباهون بصرامتهم ـ جعلوا الضحك في مركز أيديولوجيتهم وممارستهم، فكانوا يرون في الضحك الشائع قوة تساعد على تنمية مجد الدولة. وهذا الضحك الاسبرطي ـ ضحك السخرية من العدو أو العبد الذليلين، والسخرية من خوفهما وألمهما من موقع القوة ـ وجد صداه في خطب ستالين حينما كان يهزأ من ذعر "الخونة" وحيرتهم، وقد بقي إلى اليوم. (ويتصادف أنه يتميز عن نوع آخر من ضحك أصحاب السلطة، وهو التهكم الذي يبيِّن أنهم لا يأخذون أيديولوجيتهم مأخذ الجد). ومشكلة شارلي إبدو لا تتمثل في أن سخريتها تجاوزت الحدود في منافاة الوقار، بل أنها كانت نوعا من الإفراط غير المؤذي، الملائم تمام الملاءمة، لوظيفة الاستهزاء المسيطرة على مجتمعاتنا من الأيديولوجيات. فلم تمثل خطرا من أي نوع على أصحاب السلطة، بل زادت من إمكانية التسامح مع ممارستهم للسلطة.

وسلطة الدولة في المجتمعات العلمانية اللبرالية الغربية تحمي الحريات العامة لكنها تتدخل في الفضاء الخاص ـ حينما يكون ثمة شك في انتهاك طفل على سبيل المثال. غير أن "اقتحام الحيز العائلي" ـ بحسب ما يقول طلال أسد في "هل النقد علماني؟ التجديف، والإيذاء، وحرية الكلام" (2009) ـ "والعدوان  على النطاقات ’الخاصة’، محظور في القانون الإسلامي، برغم صرامة الامتثال للسلوك ’العام’ ... فالمهم، بالنسبة للمجتمع، هو الممارسة الاجتماعية من قبل الرعية المسلمة ـ بما في ذلك الكلام المنشور ـ وليس ما في رؤوسهم من أفكار، مهما تكن، فالقرآن يقول ’من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر’". ولكن، بموجب كلمات الأسد، فإن "الحق في التفكير في أي شيء لا ينطوي على الحق في التعبير عن معتقدات المرء الدينية أو الأخلاقية علنا بقصد دعوة الناس إلى عقيدة زائفة". وهذا هو السبب في أنه من المستحيل على المسلمين أن "يلزموا الصمت في مواجهة التجديف ... فليس التجديف بالذي يدخل في نطاق حرية التعبير، ولا هو حقيقة جديدة، بل هو شيء ينشد قطع علاقة حية". وثمة مشكلة في هذا بالنسبة للموقف اللبرالي الغربي، فماذا لو أن حرية التعبير تنطوي على ما فيه قطع لعلاقة حية؟ وماذا لو أن لـ "حقيقة جديدة" تأثير قطع العلاقات هذا؟ وماذا لو أن وعيا أخلاقيا جديدا يبيّن جور علاقة حية قائمة؟

ولو أنه ليس فقط من المستحيل على المسلمين "ان يلزموا الصمت في مواجهة التجديف" بل ومن المستحيل عليهم أيضا أن يمتنعوا عن الفعل ـ والضغط من أجل فعل شيء ما قد ينطوي على اقتراف أعمال العنف والقتل ـ فأول ما ينبغي القيام به هو وضع هذا الموقف في سياقه المعاصر. ومثل هذا ينطبق على حركة مناهضة الإجهاض المسيحية التي ترى من المستحيل عليها "أن تلزم الصمت" في مواجهة موت مئات آلاف الأجنة كل عام، تلك المجزرة التي يقارنونها بالهولوكوست. من هنا يبدأ التسامح الحق: التسامح مع ما يبدو لنا مستحيل الاحتمال (أو l’impossible-a-supporter’ كما قال لاكان)، وفي هذا المستوى يقترب اليسار اللبرالي من الأصولية الدينية بقائمة الأشياء التي يستحيل في مواجهة التزام الصمت: كالجنسية، والعنصرية، وغيرهما من أشكال التعصب. ماذا لو أن مجلة سخرت علنا من الهولوكوست؟ ثمة تناقض هنا في موقف اليسار اللبرالي: فالموقف اللبرتاري libertarian  من السخرية والتهكم المطلقين والاستهزاء بكل السلطات الروحية والسياسية (الموقف الذي تجسده شارلي إبدو) يميل هنا إلى الانزلاق إلى نقيضه، أي الحساسية الفائقة من الاستهزاء بآلام الآخرين وإذلالهم.

من هنا كان التناقض في ردود أفعال اليسار على اغتيالات باريس التي اتبعت نمطا متوقعا ومؤسفا: فقد رأوا ـ مصيبين في رؤيتهم ـ أن ثمة خطأ عميقا في مشهد الإجماع اللبرالي والتضامن مع الضحايا، ولكنهم أخذوا موقفا خاطئا حينما أمكنهم أن يدينوا الاغتيالات بعد كثير من الشروط الطويلة المملة. فالخوف من أن الوضوح في الإدانة قد يعني الإسلاموفوبيا هو خاطئ سياسيا وأخلاقيا. فما للإسلاموفوبيا من علاقة بإدانة اغتيالات باريس، كما أنه لا علاقة لمعاداة السامية بإدانة معاملة إسرائيل للفلسطينيين.

أما عن مسألة أننا يجب أن نضع اغتيالات باريس في سياقها وأن "نتفهمها"، فهذا أيضا أمر مضلل تماما. فماري شيلي تتيح للوحش المجال في فرانكنشتاين ليتكلم ويعرب عن آرائه. فيعكس خيارها هذا الموقف اللبرالي من حرية الكلام في أقصى تجلياته تطرفا: لا بد من الإنصات لوجهات نظر الجميع. والوحش، في فرانكنشتاين، يكتسب الطابع الذاتي تماما، إذ يكشف القاتل الوحشي عن تألمه أشد الألم، وبؤسه، وتوقه إلى الصحبة والحب. غير أن ثمة حدودا لهذه الممارسة: فكلما عرفت عن هتلر "وتفهمته"، بدا لي الغفران له أصعب.

ما يعنيه ذلك أيضا، هو أن علينا عند تناول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني أن نلتزم بمعايير باردة لا شفقة فيها: علينا أن نقاوم بلا قيد أو شرط غواية "تفهم" معاداة العرب للسامية (حيثما نصادفها) كرد فعل "طبيعي" على مأزق الفلسطينيين المحزن، أو أن "نتفهم" الإجراءات الإسرائيلية بوصفها رد فعل "طبيعيا" على ذكرى الهولوكوست.  لا ينبغي أن يكون ثمة "تفهم" لحقيقة أن هتلر لا يزال يعد في كثير من البلاد العربية بطلا، وأن الأطفال في المدارس الابتدائية يدرسون أساطير معادية للسامية من قبيل أن اليهود يستخدمون دماء الأطفال لأغراض قربانية. والزعم بأن هذه المعاداة للسامية تمثل ـ في نمط من أنماط الإزاحة ـ  مقاومة للرأسمالية، لا يبرر بأية حال (فمثل هذا ينطبق على معادة النازية للسامية التي تستمد طاقتها هي الأخرى من مقاومة الرأسمالية). فالإزاحة ليست عملية ثانوية، بل إشارة أساسية على الضبابية الأيديولوجية. فما يعنيه هذا الزعم هو فكرة أن السبيل الوحيد ـ على المدى البعيد ـ لمحاربة معاداة السامية لا يتمثل في الترويج للموقف اللبرالي، بل الإفصاح عن دافع معاداة الرأسمالية الكامن، بطريقة مباشرة لا مجال فيها للإزاحة.

ولا ينبغي الحكم على أفعال جيش الدفاع الإسرائيلي في الضفة الغربية الآن في ضوء الهولوكوست، ولا ينبغي الحكم على تدنيس المعابد اليهودية في فرنسا وغيرها من بلاد أوربا بوصفها ردود فعل، غير مناسبة لكنها مفهومة، على ما تفعله إسرائيل في الضفة الغربية. وحينما يدان أي احتجاج علين على إسرائيل باعتباره تعبيرا عن معاداة السامية، أي حينما يبقى ظل السامية قائما طول الوقت لتحييد أي نقد لعمليات إسرائيل السياسية والعسكرية، لا يكفي الإصرار على التفرقة بين معاداة السامية ونقد سياسات معينة تنتهجها دولة إسرائيل، بل ينبغي للمرء أن يخطو خطوة أبعد ويقول إن دولة إسرائيل ـ في هذه الحالة ـ تدنِّس ذكرى ضحايا الهولوكوست وتجعل منهم أداة لشرعنة إجراءات سياسية في الحاضر. معنى هذا أن المرء ينبغي أن يرفض بلا لبس فكرة الربط السياسي أو المنطقي بين الهولوكوست والتوترات الإسرائيلية الفلسطينية الراهنة. فهما ظاهرتان مختلفتان تمام الاختلاف: إحداهما جزء من تاريخ المقاومة اليمينية الأوربي لديناميات التحديث، والأخرى جزء من آخر فصول تاريخ الكولونيالية.

إن نمو معاداة السامية في أوربا أمر لا يمكن إنكاره. فيحنما تتحرش على سبيل المثال أقلية مسلمة في مالمو باليهود  بحيث يخشون من السير في الشوارع بزيهم التقليدي، فلا بد من إدانة هذا الفعل بلا لبس أو مواربة. ولا بد من النظر إلى محاربة معاداة السامية ومحاربة الإسلاموفوبيا بوصفهما مظهرين من مظاهر نضال واحد.

في فقرة لا تنسى من كتاب "لا أزال حية: ذكريات فتاة في زمن الهولوكوست" (2001) تصف روث كلوجر حوارا مع "بعض طلبة الدكتوراه" في ألمانيا:

"يحكي أحدهم عن يهودي مجري من الناجين من أوشفيتز يعيش في القدس وكيف أنه يلعن العرب ويحتقرهم جميعا بلا تمييز. ويتساءل الألماني: كيف لشخص نجا من أوشفتز أن يتكلم بهذه الطريقة؟ فأدخل في النقاش، وأجادل، ربما بقدر من الحماسة أكثر مما كان ينبغي. ما الذي تتوقعه؟ أوشفتز لم يكن مؤسسة تعليمية ... لم نكن نتعلم شيئا هناك، لا شيء عن الإنسانية والتسامح. ما من خير على الإطلاق جاء من معسكرات الاعتقال. وسمعت نفسي أقول، بصوت متصاعد، هل تتوقع التسامي والتطهر، وشتى ما تذهب إلى المسرح طلبا له؟ لقد كانت أكثر ما يمكن تخيله من المؤسسات عبثية".

علينا أن ننسى فكرة أن في التجارب القصوى قدرة على تحرير من يخوضونها، وأن هذه التجارب تمكِّننا من فتح أعيننا على حقائق الوضع الإنساني الأكيدة. فلعل هذا هو أبشع دروس الإرهاب.



عن لندن رفيو أوف بوكس ونشرت الترجمة اليوم بملحق شرفات