الثلاثاء، 10 فبراير 2015

قوة القصة

قوة القصة

إليزابث سبوفودا

 

في خريف 1999، طلب نورمن كونراد أستاذ التاريخ بمدرسة يونيتاون الثانوية بتكساس من طلبته أن يقترحوا مشاريع لليوم الوطني للتاريخ. وفي مرحلة عصف الأفكار عثرت إليزابث كامبرز الطالبة في الصف التاسع على قصاصة خبرية قديمة. وقرأت في الخبر سطرا نصه أن "إيرينا سيندلر أنقذت 2500 طفل من جيتو وارسو في الفترة من 1942 إلى 1943".
طلبت إليزابث من زميلتها في الصف التاسع ميجان ستيوارت أن تساعدها في مشروعها، ومضت إليزابث في وقت فراغها تتأمل قصة إيرينا سيندلر. عرفت أن تلك الممرضة البولندية المتواضعة اختلقت آلاف الهويات الزائفة لتهريب الأطفال اليهود من الجيتو. ولتهريب الأطفال أمام أعين الحرس النازي، كانت سيندلر تضعهم تحت قشر البطاطس أو تخفيهم في الأجولة. وكتبت كذلك قوائم بأسماء الأطفال ووضعتها في برطمانات بنية كانت تحفر لها في الأرض ليتسنى لها أن تطلع الأطفال بعد الحرب على هوياتهم الحقيقية.
تخيلت نفسها في موضع الممرضة البولندية، فأمكن ميجان أن تستشعر مدى صعوبة الخيارت التي اتخذتها سيندلر مخاطرة بحياتها، وانبهرت بذكائها وإيثارها لدرجة أن قامت ـ أي إليزابث ـ وزميلتان لها بكتابة مسرحية عن سيندلر. وقام ثلاثتهم بتمثيل المسرحية التي أطلقوا عليها اسم "الحياة في برطمان" في المدارس والمسارح. وذاع الخبر، ومضى الطلبة يتكلمون عما فعلته سيندلر حتى وصل الخبر إلى سي إن إن وإذاعة أمريكا الوطنية وبرنامج توداي شو. وإذا بقوة قصص سيندلر تحول المشروع إلى شيء أكبر كثيرا مما توقعته البنات.
اليوم أصبحت ميجان ستيورات ـ أو ميجان فيلت حاليا ـ مديرة البرامج في مركز لويل ميلكن للأبطال المغمورين وهو عبارة عن منظمة غير ربحية معنية بتعريف التلاميذ بالنجوم الغابرين من أمثال سيندلر.
"سيندلر لا تزال تلهمني كل يوم"، هكذا تقول فيلت التي لا تزال تعجب من أن قصة واحدة فتحت حياتها بهذه الطريقة على اتساعها، وغيَّرت مسارها تغييرا تاما. "نريد أن يستلهم الشباب القصص التي يستمعون إليها ويدركون أنهم أيضا قادرون على تغيير العالم".
تقوم منجزات كثير من عظماء الروائيين والسينمائيين على افتراض، واع أو غير واع، بأن القصص قادرة على تحفيزنا ودفعنا إلى إعادة تقييم العالم ومكاننا منه. ويأتي البحث الحديث ليضفي مصداقية على ما عرفته أجيال وأجيال من الحكائين وآمنت به: وهو أن الكتب والقصائد والأفلام والقصص الحياتية قادرة أن تؤثر على طريقتنا في التفكير، بل وفي أفعالنا بوصفها امتدادا لأفكارنا. ولقد قالها أمير الشعراء الأمريكيين الأسبق ستانلي كونتز في "الطبقات": لقد سرت في حيوات كثيرة، بعضها فقط لي، ولست الآن من كنته".
توشك قدرتنا على الحكي ـ وهي سمة ينفرد بها البشر ـ أن تكون ملازمة لنا تقريبا منذ قدرتنا على الكلام. فالقصة جزء أصيل مما فينا من دي إن آيه DNA، سواء تطورت خدمةً لغرض معين أو كانت محض ثمرة لانفجارة في تطورنا الإدراكي. ولقد أثبتت القصص عبر الزمان والثقافات جدارتها لا بوصفها أعمالا فنية أو مستهدفة للتسلية، بل كأدوات للتحول الشخصي.
***
العهدُ القديم من أولى السرديات التي كان لها مثل ذلك التأثير. ولقد كتب العهدُ القديم في القرن السابع قبل الميلاد، ثم شهد تعديلات على مدار مئات السنين. ونحن حينما نفكر في هذا القسم الأول من الكتاب المقدس نميل إلى تذكّر مقاطه الطويلة العامرة بالمنهيِّ عنه، ولكن كثيرا من أكثر قصص العهد القديم جاذبية تخلو من أي مواعظ سافرة. وفي حين كان العهد القديم بلا شك انعكاسا لقيم الثقافة التي نشأ فيها وأولوياتها، فقد تجسدت تلك القيم في حواديت قوية تدعو القراء والمستمعين إلى الخروج باستنتاجاتهم الخاصة. فحينما أكلت حواء الثمرة من شجرة المعرفة في جنة عدن جالبةً على نفسها وعلى آدم عقاب الرب، أوضحت الصورةُ بقوةٍ المصيرَ الذي قد ييكون في انتظار كل من يتجاهل أوامر السماء. ونوح الذي امتثل لأمر السماء المبهم بإقامة الفلك فنجا من الطوفان الهائل الذي أعقب ذلك، إنما كان مثالا مشخصنا لما ينتظر كل ممتثل لإرادة الرب. فلم تكن مصادفة أن أصبح العبريون ـ وهم على ما كانوا عليه من انغماس في تلك القصص ـ مجتمعا موحدا مخلصا للرب وأوامره.
في الوقت نفسه، كان ثمة في اليونان القديمة تراث قصصي شفاهي مسيطر، تنتقل فيه قصص ملحمية كأوديسا هوميروس وإلياذته من جيل إلى جيل، فيضيف كل حكاء ما يراه لائقا من الإضافات. وبرغم أن الشخصيات في تلك الملاحم كانت أكبر من شخصيات الحياة، وغالبا ما كانت لديها قدرات فوق بشرية، كان لا يزال طبيعيا للبشر أن يتماهوا معها. فنادرا ما كان الأبطال الملحميون يغلبون خصومهم بسهولة. بل كانوا، شأن أوديسيوس عند هوميروس الذي مر برحلة أليمة طويلة في رجوعه إلى وطنه، يواجهون مصاعب في مسيرتهم ويصبرون على مكاره جسيمة.
ومن أسباب قوة الملاحم الأكيدة أن تقطَّرت فيها قيم كالصبر والتضحية والإيثار فـ "كان الإغريق يتخذون من هوميروس نصوصا تعليمية مبكرة، لا لكونها قديمة وجليلة وحسب، بل لأنها ترسم بوضوح مدهش ملامح نهج في الحياة، وفي التفكير أثناء التعرض للضغوط" كما كتب وليم هاريس أستاذ الكلاسيكيات الفخري الراحل في كلية ميدلبيري بفيرمونت. "كانوا [أي الإغريق] يعلمون أن هذه الملاحم كفيلة بغرس إحساس الاستقلال وبتكوين الشخصية، فقط في حال قراءتها قراءة حذرة، ومتكررة وواعية".
ولقد كانت أجيال الإغريق في سعيها إلى عيش حياة طيبة تستلهم الملاحم، فنشأت جماعات تتعبد إلى الأبطال القدماء أمثال أخيل وأوديسيوس. ويوضح المؤرخ جيه إي ليندُن أن التأكيد الهوميري على غزو المدن بالحيلة ينعكس في استراتيجية المعارك لدى الإغريق المتأخرين، بما يبرز أثر الحواديت لا على العقول وحدها، بل وعلى الأعراف الثقافية والسلوكيات.
***
نعرف منذ آلاف السنين، معرفة حدسية، أن القصص تغيِّر التفكير، فتغيِّر نهجنا في معاركة العالم. ولكن البحث العلمي لم يشرع إلا أخيرا في إلقاء الضوء على كيفية جريان هذا التحول من الداخل. فمن خلال استخدام التقنيات الحديثة مثل "التصوير المغنطيسي الوظيفي fMRI "، والمسح بالأشعة، يعالج العلماء أسئلة شديدة القدم: أي نوع من الآثار تتركه السرديات القوية على أمخاخنا؟ وكيف لمنظور مستلهم من قصة أن ينعكس في تغير سلوكي؟
تبدأ استجابتنا العقلية للقصص، شأن كثير من عمليات التعلم، من خلال المحاكاة. ففي دراسة أجريت سنة 2010 في الأكاديمية الوطنية للعلوم، قام أستاذ علم النفس يوري هاسن وزملاؤه في جامعة بيرنستن بتوجيه طالبة خريجة إلى حكي قصة في أثناء مسح مخها بتقنية التصوير المغنطيسي الوظيفي. ثم قاموا بمسح أمخاخ أحد عشر متطوعا أثناء إنصاتهم إلى تسجيل للقصة. وبينما كان الباحثون يحللون البيانات، عثروا على تماثلات مذهلة. ففي اللحظة التي كان يسطع فيها مخ الحاكية في منطقة الإنسولا insula ـ وهي المنطقة الحاكمة للتقمص والحساسيات المعنوية ـ كانت نفس المنطقة تسطع في أمخاخ المستمعين. كما ظهر توازٍ في نشاط الملتقى التمبروباريتالي temporoparietal  الذي يساعد على تخيل أفكار الآخرين ومشاعرهم. فمن خلال سبل جوهرية، تساعد القصص أمخاخنا على تمثُّل مخ الحكاء.
علاوة على أن القصص التي نستوعبها تصوغ في ما يبدو عملية التفكير لدينا بمثل ما تصوغها التجارب المعيشة. فحينما حكت أستاذة علم الأعصاب بجامعة كاليفورنيا الجنوبية ماري إيموردينو يانغ لعدد من الأشخاص سلسلة من الحكايات الحقيقية المؤثرة إذا بهم يتماهون مع القصص والشخصيات تماهيا عميقا. وأفاد الأشخاص بأنهم انتابتهم موجات شعورية وهم يستمعون، وكان من بين القصص على سبيل المثال قصة امرأة أوجدت إمكانية لقراءة اللغة التبتية بطريقة برايل وعلمتها للأطفال الأكفاء في التبت. أظهرت بيانات التصوير المغنطيسي الوظيفي أن الاستجابات ذات الدافع الشعوري للقصص كتلك التي بدأت من جذع المخ الحاكم للوظائف الفيزيائية الأساسية مثل الهضم وخفقان القلوب. فحينما نقرأ عن شخصية في موقف فاطر للقلوب، من الطبيعي تماما أن تخفق قلوبنا. ولقد قالت إحدى المشاركات في تجربة يانج بعد الاستماع إلى إحدى القصص "إنني أكاد أقدر على الشعور بالإحساس الفيزيقي. فكما لو أن هناك بالونة تحت قفصي الصدري تنتفخ وتتحرك إلى أعلى وإلى الخارج. وهكذا هو إحساسي عندما أتعرض لشيء مؤثر بحق". وقد نشرت يانج نتائجها في مجلة الأكاديمية الوطنية للعلوم في 2009 وفي إيموشن رفيو في 2011.
كما أفاد المشاركون في التجربة أنهم شعروا أثناء استماعهم للقصص بمحفزات معنوية قوية. فحينما استمع أحدهم على وجه التعيين لقصة عن طفل صيني يمنح أمه كعكة ساخنة، برغم أنه كان جائعا، قال إن القصة جعلته يتأمل علاقته بأبويه وفي كل ما فعلاه من أجله وقدماه له. كما تماهى الناس بالمثل مع شخصيات قصة في تجربة أجريت في جامعة فاريجي بأستراليا سنة 2013، حيث سجِّلت لدى قراء قصة شعروا أثناء القراء أنهم انتقلوا عاطفيا إليها مستويات أعلى من التقمص بعد أسبوع من تجربة القراءة.
هذا النوع من التقمص العميق مع القصة هو الذي يلهم الناس تصرفاتهم في العالم الحقيقي. وقد درست ليزا ليبي أستاذة علم النفس في جامعة ولاية أوهايو جماعة ممن شاركوا في "عيش الخبرات" أو وضع النفس في موضع شخصية أثناء قراءتها. وقد تنبأت المستويات العليا من "عيش التجربة" بتغيرات ملحوظة في السلوك توصلت إليها ليبي وزملاؤها في 2012. فحينما كان الناس يتماهون مع بطل شخصية تقهر التحديات وتقوم بالتصويت الانتخابي، كانوا أميل إلى التصويت لاحقا في الانتخابات.
 وبالطبع، قد لا يتحول كثير من رسائل القصص إلى أفعال كما قد تشير الدراسات المحكومة، فنحن نستجيب لـ "يوميات آن فرانك" ونحن في الثانية والأربعين خلافا لاستجابتنا لها ونحن في الثانية عشرة، ويرجع ذلك من ناحية إلى جميع القصص الأخرى التي غيَّرت إدراكنا في ما بين العمرين. ونحن نجادل القصص، سرا أو جهرا. ونرد عليها. أو نثني عليها.  أو ندينها. فكل قصة بداية لحوار، مع أنفسنا ومع الآخرين على السواء.
هذه النوعية من الحوارات، الداخلية والخارجية، هي على وجه التحديد ما يعوّل عليه المعلمون في إطلاق إمكانيات التغيير الكامنة في القصص. ومن هنا، تقوم منظمة "مواجهة التاريخ وأنفسنا" غير الربحية النشطة في مدارس الولايات المتحدة ببسط دروس للتلاميذ تقوم على قصص من الصراعات التاريخية. وتقول مارتي سليبر الموظف في المنظمة إن التحولات الكبرى تجري حينما يشتبك الأطفال بقوة مع سردية معينة بل وحينما يتقمصونها، فيدركون مدى أهميتها لهم. وتقول سليبر "إننا نعلِّم أجزاء من التاريخ تتصل مع الحاضر، نبحث عن السبل التي تبيِّن للطلبة كيف يرتبط التاريخ بحياتهم".
أحد الدروس يتعلق بهجمات كرستالناخت Kristallnacht   سنة 1938، مستخرجا القصة التاريخية، مبينا كيف قام النازيون بإحراق المعابد اليهودية، وحطموا نوافذ العرض في محلات اليهود ناهبين محتوياتها بينما وقف الألمان العاديون مكتفين بالفرجة. هذه القصة الحقيقية تدفع إلى نقاش داخل الفصل يتماس مع معنى أن تكون متفرجا، لا تفعل أي شيء بينما بالقرب منك من يتعرض للأذى. فيفكر الأطفال فيما كان يمكن أن يفعلوه واليهود يتعرضون للقتل في ظل الحكم النازي، ولكنهم يفكرون أيضا في شؤون مماثلة على مقربة منهم، من قبيل ما إذا كان ينبغي أن يتصدوا عند تعرض زميل لهم للضرب أو للسباب. عندما يتأمل الأطفال في دلالة القصص بهذه الطريقة، فإن أفكارهم واختياراتهم تتبدل بوضوح. ومن يكملون من الأطفال منهج "مواجهة التاريخ وأنفسنا" يصبحون أقدر على التعاطف مع هموم الآخرين وأميل إلى التدخل عند تعرض زملائهم للضرب عند مقارنتهم بجماعة أخرى من الأطفال لا تشارك في المنهج.
***
أما برنامج العقوبات البديل المعروف بـ"التغيير من خلال الأدب" فأثبت أن القصص محكمة الحكي قد تعيد توجيه المذنبين الراشدين وتغيِّر مساراتهم. بدأ برنامج "التغيير من خلال الأدب" في مطلع التسعينيات من القرن الماضي ببرنامج استرشادي ضم ثمانية رجال بينهم مدانون في تهم عديدة. كان الرجال يجلسون حول مائدة مع روبرت واكسلر الأستاذ بجامعة دارتماوث ويتكلمون عن كتب متنوعة، من "ذئب البحر" لجاك لندن إلى "النجاة" لجيمس ديكي.
وفيما كانوا يقرؤون القصص ويناقشونها، كانوا يخرجون بوجهات نظر جديدة ومدهشة. تكلم أحد الرجال عن تماهيه مع سنتياجو في "الشيخ والبحر" لإرنست همنجواي. قال الرجل إنه كان يشعر أحيانا بدافع داخلي إلى الرجوع للمخدرات لولا أن إرادة سنتياجو كانت تحفزه على البقاء على طريق الإقلاع. ويكتب واكسلر أن "الشخصية الروائية كانت تحيا لدى الدارس في اللحظة الحاسمة، إلهاما، أو كأنها شخصية غريب صار صديقا، فلم يكن من المغالاة القول بأن القصة استحوذت على انتباه الدارس وأنقذت حياته". وتبين من دراسة على ستمائة مشارك أن معدلات الجريمة انخفضت بينهم بنسبة 60 في المائة قياسا إلى جماعة من غير المشاركين في الدراسة.
والقصص التي نحكيها لأنفسنا هي الأخرى جزء أصيل من سلامتنا. فالمكتئبون غالبا ما يتشبثون في سرديات داخلية قديمة تتكرر فيها عبارات من نوعية "أنا لا أصلح لتحقيق كذا" أو "أمي هي التي حطمت أهم أحلامي". والمستشارون الممارسون للعلاج السايكوديناميكي يساعدون مرضاهم على التخلص من هذه المونولوجات الداخلية الراكدة وتكوين أخرى جديدة. ففي دراسة حالة سنة 2005، تصف كارين ريجس سكين أستاذة علم النفس بجامعة راتجرز أحد مرضاها بأنه خريج جامعي في أواخر العشرينات يدعى سي جي كان طفلا لأبوين مهملين ومنتهكين له. فاعتقد سي جي أن أي علاقة وثيقة مع الآخرين فيها إضرار له. وبحياته على تلك السردية، صار وحيدا، منطويا، مقتنعا أن الآخرين لا يريدون إلا النيل منه فكان كثيرا ما يقول لسكين في بداية العلاج "أنا لست متأكدا من مدى نفع جلسة اليوم"، لكنه بدأ يسمح لسكين قليلا قليلا بالدخول إليه والتوغل في ماضيه الذي راح يحكي لها قصصا منه. وفي المقابل، ساعدته سكين على أن يرى صراعاته المبكرة وكيف ساقته إلى أن يحكي لنفسه قصصا معينة عن العالم الكاره البارد، والبشر الرافضين، وأن هذه القصص لم تكن بالضرورة قصصا صحيحة.
وجاء يوم قال فيه سي جي إنه دعا امرأة إلى موعد وإنه استمتع طول الوقت. وتتذكر سكين أنها عبرت عن سعادتها فإذا بـ سي جي "يبدأ في البكاء ويقول إنه أدرك أنه لم يكن لديه في حياته أحد قط يمنحه الإحساس بأنه ينبغي أن يكون سعيدا، وينبغي أن يفعل أشياء تدخل على نفسه السعادة". كانت لحظة فاصلة، لمحة من تطور مونولوج سي جي الداخلي. لم يعد الطفل المنتَهك المنسيّ الذي رأى كثيرا من القوى ضده، كان قد بدأ يرى نفسه قادرا، قيِّما، وجديرا بما في الحياة من طيبات. وبعدما انتهى علاجه، مضى سي جي ليعيش حياة مزدهرة ويتولى مواقع رفيعة في مجاله الأكاديمي.
وبالطبع، يمكن للسرديات الداخلية المستولية على أصحابها أن تتلف الآفاق العقلية. وينبغي لنجاح أدولف هتلر ببراعته الخطابية في السيطرة على ألمانيا الثلاثينيات من القرن العشرين أن تقنعنا بأن السردية ظاهرية الإقناع ليست فضيلة في ذاتها. ومعقول بالقدر نفسه أن كثيرا من الفنانين يأنفون من فكرة أنهم يحكون القصص ليحملوا الناس على التفكير أو التصرف بطريقة معينة. فقد كتبت شانون هيل الحاصلة على جائزة نيوبير في مدونتها تقول إن "الناس غالبا ما تسألني ’ما الذي ترجين أن يأخذه قراؤك من كتبك؟’ فيصعب عليّ أن أجيب السؤال، لأنني لا أكتب مطلقا مستهدفة غرضا أو عظة. كل ما أرجوه هو أن تأخذ القارئة ما تحتاج إليه".
والقصة حينما تكون في أفضل حالاتها ـ وذلك ما يشهد به الغزّالون من أمثال هيل ـ فإن تأثيرها يتجاوز مسألة القدرة المحضة على الإقناع. فالسرديات التي تقول لنا ما ينبغي أن نكونه، وكيف لنا أن نتصرف، هي أجدر بوصفها بالدعائية التلقينية. أما القصص الأقوى على البقاء في المقابل فهي التي توسع من منظورنا العقلي والأخلاقي دون أن تطالبنا بتحقيق معيار معين. فسواء تصف لنا القصص ممرضة شابة تخاطر بحياتها وهي تهرِّب الأطفال من جيتو وارسو، أو امرأة مسكينة أكبر سنا تبدي الصلابة والإيثار عقب مأساة مدهشة (علاقات خارجية لأليسن لوري) أو مدير فندق يفتحه للاجئين المعرضين للموت "فندق رواندا لتيري جورج)، فهي تقدم لنا بديلا آسرا لطريقتنا في النظر إلى العالم.
ولنا دائما أن ندير ظهورنا للقصة وآفاقها أو نخطو بأرجلنا إلى احتمالات جديدة تعرضها علينا. ولكننا حين نغامر بالدخول إلى قصة غير مالوفة ـ مثلما فعلت ميجان فيلت، وطلبة واكسلر، وسي جي ـ فإننا نخرج بنسخ من أنفسنا معدلة، وربما غير متوقعة. القصص تمنحنا رحلة، مرة بعد مرة، إلى خارج الفضاءات المحدودة لما نؤمن به وما نعتقد في إمكانيته. وهذه الرحلات، الحزينة أحيانا، المبهجة أحيانا، هي التي تلهمنا توجيه دفة أنفسنا والإبحار في أصقاع من الحياة الحقيقية لم ترصدها بعد الخرائط.


عن مجلة أيون ونشرت الترجمة اليوم في ملحق شرفات