الثلاثاء، 5 أغسطس 2014

حرب إسرائيل الأخرى

حرب إسرائيل الأخرى

إتجار كيريت

رأيت الأسبوع الماضي وسمعت العبارة الشعبية: "دعوا جيش الدفاع ينتصر". ظلت تظهر على وسائل الإعلام الاجتماعي، وتكتب بالطلاء على الجدران، ويهتف بها في المظاهرات. ونقلها كثير من الشباب على فيسبوك وهم يحسبون في ما يبدو أن هذه العبارة ظهرت كرد فعل على العملية العسكرية الراهنة في غزة. لكن لي من العمر ما يجعلني أتذكر نشأتها: لقد صيغت أول ما صيغت كملصق، ثم تحولت إلى تسبيحة  mantra. هذا الشعار طبعا غير موجه إلى حماس أو المجتمع الدولي ـ بل إلى الإسرائيليين محتويا في ثناياه رؤية ملتوية للعالم هي التي تقود إسرائيل على مدى الاثنتي عشرة سنة الماضية.

أول افتراض خاطئ في هذا الشعار هو أن هناك في إسرائيل من يمنعون الجيش من الانتصار. ولعل هؤلاء المخربين المفرتضين هم أنا  أو جاري أو أي شخص يسائل هذه الحرب في أساسها أو الغرض منها. غرباء الأطوار هؤلاء، ممن يجرؤون على طرح الأسئلة أو التعبير عن القلق فيما يتعلق بأداء حكومتنا، يقيدون أيدي جيشنا القادرة بما يكتبونه من مقالات أو نداءات انهزامية تعبر عن الإنسانية أو التعاطف، هؤلاء هم الذين يفترض أنهم العائق الوحيد دون تحقيق جيش الدفاع انتصارا مثاليا.

الافتراض الثاني، ينطوي على فكرة أخطر بكثير يحتويها هذا الشعار: وهي أن بوسع جيش الدفاع فعلا أن ينتصر. ولا يكف كثير من إسرائيليي الجنوب عن قولهم "إننا مستعدون لاحتمال كل هذه الصواريخ التي لا تتوقف، ما دمنا سننهي كل هذا، مرة وإلى الأبد".

اثنتا عشرة سنة، خمس عمليات ضد حماس (أربعة منها في غزة) ولا يزال لدينا هذا الشعار الملتوي. الشباب الذين كانوا في الصف الأول الابتدائي أثناء عملية الترس الدفاعي [2002] هم الآن الجنود الذين يقومون بغزو غزة برا. في كل هذه العمليات كان هناك ساسة من اليمين ومعلقون عسكريون يوضحون "أننا هذه المرة سوف نفعل المستحيل، ونقطع كل الطريق، ونمضي حتى النهاية". وأراهم على الشاشة فلا أملك إلا أن أسأل نفسي: ما هذه النهاية التي يتحرقون شوقا إليها؟ فحتى لو ذهب كل مقاتل من مقاتلي حماس، هل يصدق أحد فعلا أن تطلع الشعب الفلسطيني إلى الاستقلال الوطني سوف يختفي باختفائهم؟ لقد قاتلنا قبل حماس منظمة التحرير الفلسطينية، وبعد حماس، وبفرض، وعلى أمل، أننا سنكون لا نزال موجودين، من المحتمل أننا سنجد أنفسنا في صراع مع منظمة فلسطينية أخرى. قد ينتصر الجيش الإسرائيلي في بعض المعارك، ولكن السلام والهدوء لن يتحققا لمواطني إسرائيل إلا من خلال تسوية سياسية. ولكن هذا، فيما ترى القوى الوطنية التي تدير الحرب الراهنة، كلام لا ينبغي أن يقال، فهذا الكلام بالتحديد هو الذي يمنع جيش الدفاع من الانتصار. وفي النهاية، عندما تنتهي العملية، وتكتمل إحصاءات الموتى، كم في جانبنا وكم في جانبهم، فسوف يشير إصبع الاتهام من جديد إلينا نحن المخربين.

تغير تماما تعريف الخطاب المشروع في إسرائيل في 2014. فالنقاش الآن قائم بين "أنصار جيش الدفاع" وأعداء جيش الدفاع. يهتف سفاحو اليمين في شوارع القدس "الموت للعرب" مثلما يهتفون "الموت لليساريين"، ويدعو وزير الخارجية أفيجدور ليبرمان إلى مقاطعة أنشطة عرب إسرائيل الاقتصادية التي يعترض أصحابها على وطنية عملية غزة، أما المطالبات بوقف العملية، أو مجرد الإعراب عن التعاطف مع وفيات النساء والأطفال في غزة فلا تُرى إلا خيانة للعلم وللبلد. ونحن الذين في مواجهة هذه المعادلة الزائفة اللاديمقراطية التي ترى العدوان والعنصرية وعدم التعاطف حبا للوطن، وأي رأي آخر ـ لا سيما إذا كان لا يشجع على استخدام القوة والتضحية بأرواح الجنود ـ محاولة لتدمير إسرائيل التي نعرفها.

في بعض الأحيان يبدو أن هناك حربين تجريان. فعلى جبهة، يحارب الجيش حماس. وعلى الأخرى، يصف وزير في الحكومة زملاءه العرب من على أرض الكينيست بأنهم "إرهابيون"، ويرهب السفاحون نشطاء السلام في وسائل الإعلام الاجتماعي، يشتركون في قمع "العدو الداخلي": أي كل من يقول كلاما مغايرا. ولا شك في أن حماس تمثل خطرا على أمننا وأمن أبنائنا، لكن هل يمكن قول ذلك عن ممثلة كوميدية مثل أورنا باناي أو عن مغنية مثل أشينوم نيني أو عن زوجتي المخرجة السينمائية شيرا جيفين اللاتي تعرضن جميعا لتشويه وتهديد كريهين حينما أعربن علنا عن أساهن لمقتل الأطفال الفلسطينيين؟ هل الهجمات المتطرفة عليهم تمثل فعلا دفاعيا آخر ضروريا لبقائنا، أم هي محض انفجارة سوداء للكراهية والغضب؟ هل نبلغ فعلا من الضعف والرعب حد أنه لا بديل عن إخراس أي رأي خارج على الإجماع، وإلا فإنه يمثل تهديدا بالموت لا لمن يواجهون الموت وحدهم، بل ولأبنائهم أيضا؟

لقد حاول الكثيرون إقناعي بعدم نشر هذه المقالة، فقال لي صديق الليلة الماضية "إن لديك طفلا صغيرا"، وإنه "يحسن أحيانا أن تكون ذكيا لا أن تكون على حق". وأنا لم أكن مطلقا على حق، ولا ينبغي أن أكون أذكى من اللازم أيضا ولكنني مصر أن أقاتل من أجل حقي في التعبير عن رأيي بمثل ضراوة جيش الدفاع الآن في غزة. وهذه ليست حربا من أجل رأيي أنا الذي قد يكون خاطئا أو مثيرا للشفقة، بل من أجل المكان الذي أعيش فيه، وأحبه.

في العاشر من أغسطس سنة 2006، قرب نهاية الحرب اللبنانية الثانية، أقام الكتاب عاموس عوز وآيه بي ييهوشوا وديفيد جروسمان مؤتمرا صحفيا طالبوا فيه الحكومة بوقف فوري لإطلاق النار. كنت في تاكسي أثناء إذاعة الخبر في الراديو وقال السائق "ما الذي يريده هؤلاء الخرائيون، هه؟ ألا يحبون أن يعاني حزب الله؟ هؤلاء الأوغاد لا يريدون شيئا أكثر من كراهية بلدنا". وبعد خمسة أيام دفن ديفيد جروسمان ابنه في منطقة العسكريين بمقبرة ماونت هرتزل. والظاهر أن "هذا  الخرائي" كان يريد ما هو أكثر من كراهية هذا البلد. فلعه كان أكثر اهتماما بأن يرجع ابنه إلى بيته حيا، هو وكثيرون من الشباب الذين قتلوا في أيام القتال الأخيرة غير الضروية.

إنه لأمر بشع أن يرتكب خطأ مأساوي يكبد الكثير من الأرواح. لكن الأسوأ هو تكرار ذلك الخطأ نفسه المرة تلو الأخرى. أربع عمليات في غزة، عدد هائل من قلوب الإسرائيليين والفلسطينيين توقفت عن الخفقان، وكل مرة ننتهي في المكان نفسه. الشيء الوحيد الذي يتغير هو تسامح إسرائيل مع النقد. لقد بات واضحا خلال هذه العملية أن اليمين نفد صبره تجاه كل ما يخص مصطلح "حرية التعبير" المراوغ. لقد رأينا اليمينيين خلال الأسبوعين الماضيين يضربون اليساريين بالهراوات، ورسائل على فيسبوك تعد بإرسال اليساريين إلى أفران الغاز، ورفضا لكل رأي يعطل الجيش عن طريقه إلى النصر. ويتبين أن هذا الطريق الدموي الذي نسلكه من عملية إلى عملية ليس دوريا كما كنا نحسبه ذات يوم. فما هو بدائرة، إنما هو دوامة تهبط كل مرة إلى الأدنى فالأدنى، إلى أعماق يؤسفني أن أقول إننا لن نقوى على احتمالها.

 

نشرت هذه المقالة في ذي نيويوركر في 25/7/2014  نقلا عن يديعوت أحرونوت وبترجمة إلى الإنجليزية بقلم يارديني جرينسبان ونشرت الترجمة اليوم في شرفات

 

كاتب المقال قاص وسيناريست إسرائيلي