الثلاثاء، 5 أغسطس 2014

المرغمون ...

المرغمون ...
يوناتان ميندل
"يمكننا أن نغفر للعرب قتلهم أطفالنا، لكننا لا يمكن أن نغفر لهم إرغامنا على قتل أطفالهم" كذلك قالت جولدا مائير في عام 1969. وبعد خمسة وأربعين عاما، وفي الأسبوع الثالث للهجوم على غزة، وبعد مقتل أكثر من ثمانمائة فلسطيني، قرابة ربعهم من الأطفال، تناولت حكومة إسرائيل وإعلامها ومجتمعها فكرة مائير عن الاضطرار إلى أشياء غير مقبولة فحوَّلتها إلى خرافة هائلة الحجم والخطورة. فإسرائيل ترفض تحمل مسئولية القتل مثلما رفضت تحمل مسؤولية الاحتلال العسكري والحصار، ففي ذلك أيضا ـ مثلما تقول إسرائيل لنفسها ـ كانت أيضا مرغمة غير مختارة. القتل في غزة في 2014، والقتل في 2012، والقتل في 2008. وتقنع إسرائيل نفسها، برغم تصاعد أعداد القتلى، أنها لا تقتل أحدا في غزة. حماس هم الذين يقتلون، هم المسؤولون عن الحصار، والدمار، والتخلف، والفقر، وغياب محادثات السلام، وتأجيل الهدنة، واستعمال مدارس أونروا لأغراض عسكرية.
ويستمر الحلم. ترفض إسرائيل منذ عام 1948 التعامل مع قضية اللاجئين: وما وجود مدارس أونروا ومخيمات غزة إلا نتيجة مباشرة لذلك. وإن إسرائيل، لا حماس، هي التي تحتل الضفة الغربية وتقيم المستطونات غير الشرعية (أكثر من 120 حتى اليوم). ومنذ انسحاب إسرائيل أحادي الجانب من قطاع غزة سنة 2005، حل محل الاحتلال نوع من الحبس: فغزة أشبه بسجن هائل، أو مجتمعات متجاورة تحت الحصار. وبرغم كل أكاذيب الديماجوجيين الإسرائيليين، لم تكن حماس هي التي فرضت الحصار على غزة منذ 2007، بل إسرائيل. ولقد اعترف أغلب زعماء العالم بذلك حتى لقد قال [ديفيد] كاميرون نفسه في 2010 إن "الحصار الإسرائيلي جعل من قطاع غزة معسكر اعتقال". فهل كانت إسرائيل "مرغمة" على فرض هذا الحجر على غزة؟ بالعكس، إنما قررت القيام بذلك، وقد انتهت حساباتها إلى أن تضييق الخناق على 1.8 مليون نسمة يعيشون أصلا في ظل أقسى الظروف وفي أكثف المناطق بالسكان على وجه الأرض، فيه ضمان لسلام الإسرائيليين واستقرارهم. والغريب أن الأمور لم تسر وفق المخطط فإذا بإسرائيل مرة أخرى "مرغمة" على قتل المدنيين والأطفال بينما تخفي الحقيقة عن نفسها، حقيقة أن سياستها في غزة كانت اختيارا لا اضطرارا. وفي لحظة الضلال المرعب التي نعيشها الآن يجدر بنا أن نكرر هذه الحقيقة: ليست حماس هي التي تحاصر غزة، وليست حماس هي التي تلقي القنابل على غزة من الجو.
لقد كانت الحياة في إسرائيل على مدار الأسابيع الثلاثة الماضية جحيما سياسيا. لن أقول إنها إسراحيم Isra-hell وهي الكلمة التي استخدمتها على فيسبوك الممثلة الإسرائيلية أورلي واينرمان فهاجمتها جحافل من الفنانين الإسرائيليين وطالبوها بالرحيل عن البلد وتعرضوا لحياتها الشخصية. وآخرون من الفنانين تعرضوا لمشاكل من جراء إثارتهم بعض الشكوك حول الهجمة الضارية الأخيرة. فلقد تعرضت للهجوم الشديد مجموعة من المخرجين طالبت بإنهاء الحرب ضمن فعاليات مهرجان سينماتيك في القدس، حيث وصفهم وزير الثقافة بـ "العار". كما تعرضت مظاهرات ضد الحرب في تل أبيب وحيفا للعنف من المتعصبين الهاتفين "الموت للعرب.. الموت لليسار". وهناك ناس أعرفهم يخشون الاعتراض على الحرب في الأماكن التي يعملون فيها.
لقد مات إلى الآن ثلاثون جنديا إسرائيليا، وهذه الوفيات أيضا كنا "مرغمين" عليها، فلا علاقة لها بعدم تعامل إسرائيل مع حماس، وعدم تفاوضها مع الفلسطينيين، وعدم اعترافها بحكومة الوحدة الفلسطينية، أو بحصارها غير الإنساني. لقد قال وزير الشؤون الخارجية أفجدور ليبرمان إن حماس أشبه بالنازيين، وهدد وزير الاقتصاد نفتلي بينيت بالخروج من الحكومة إذا لم يتم تعميق الهجوم، وقالت وزيرة العدل تسيبي ليفني إن حماس منظمة إرهابية، ويقول العمل، وهو الحزب الإسرائيلي المعارض الكبير، إن إسرائيل اليوم ليس فيها يسار ويمين: فهو يدعم القتل بدون أي تحفظات.
وطوال الوقت يستمر خطاب المرغمين، خطاب الاضطرار. "ما من دولة في العالم يمكن أن تقف مكتوفة الأيدي وتسمح للصواريخ بالسقوط عليها"، وكأن كل بلاد العالم في صراع مع الشعب الفلسطيني، وكأنما كل دول العالم في حالة حرب طويلة الأمد وترفض محادثات السلام. ويقال عن حماس إنها خرقت الهدنة. ولكن خرق الهدنة من أحد يقتضي أولا أن يكون قد وافق على شروطها. وحماس لم توافق.  والوسيط في هذه اللااتفاقية كان عبد الفتاح السيسي عدو نظام حماس الذي تعهد بتدميرها ولم يراع مطالب حماس. ولعل الأكثر إزعاجا من هذا هو ما تقوله إسرائيل بشأن الوفيات، فالجمل التي تبدأ بـ "إن حقيقة موت كذا من الأشخاص" تبقى شائعة بين الإسرائيليين، حتى مع ارتفاع الرقم، وذلك لأن منطقهم يرى أن إسرائيل كان بوسعها أن تقتل خمسة آلاف، بل عشرة آلاف، بل مليونا من الفلسطينيين لو أرادت، لكنها لم تقتل إلا الـ كذا وحسب.
ونبقى نسمع قولهم "لا يوجد من نتكلم معه"، وقولهم "إنهم لا يعترفون بوجودنا" وقولهم "إنهم منظمة إرهابية". فليت أحدا يذكِّرنا أن منظمة التحرير الفلسطينية لم تكن تعترف بإسرائيل والآن تعترف بها، وليت أحد يذكرنا إنك لا يمكن أن تقيم سلاما مع أصدقائك بل مع أعدائك. لقد كان عرفات يعد إرهابيا، ولكن خلفه محمود عباس ربما يكون أكثر المعتدلين الذين يمكن أن ترجوهم إسرائيل بين الزعماء الفلسطينيين. وإذا كان "ليس بوسعنا أن نتكلم مع حماس"، لأنهم ليسوا لطفاء ـ وهل لنا أن نتوقع أن ينشأ جيل من حملة نوبل بعد سنوات من الاحتلال والحصار؟ ـ فلماذا لم يحدث مطلقا أي تقدم مع عباس؟ ليت أحدا "يرغمنا" على أن ندير رؤوسنا من جديد للسلام. ففي إسرائيل لا تزال روح جولدا مائير حية وبخير.

دكتور يونتان ميندل باحث في جامعة بن جوريون. يصدر له هذا العام كتابه عن سياسات اللغة العربية
نشر المقال في لندن رفيو أوف بوكس في 25/7/2014 ونشرت ترجمته اليوم في شرفات