الثلاثاء، 8 أبريل 2014

ضد الفن؟

لو أنك تعبر عن طاقتك الإبداعية بينما يجوع غيرك من الناس، فعلك بهذا لا تجعل من العالم مكانا أفضل.
ضد الفن؟

رايز ساوثان
كان قد بقي أقل من أسبوع على الانتهاء من السيناريو المقدم للجولة الأخيرة من مسابقة كبرى لكتابة السيناريو، حينما ركبت قطارا مع اثنين من أعضاء حركة متنامية اسمها "الإيثار الفعال". كان "هولي مورجان" هو مدير منظمة "حياة يمكنك إنقاذها" التي تشجع الغربيين المنعمين على المساعدة في تخفيف الفقر العالمي. وكان "سام هيلتن" هو منظم ملتقى الحانة الذي سمعت فيه للمرة الأولى عن الحركة "المعروفة اختصارا بـ EA والتي يعرف أعضاؤها بالـ EAs) كان الاثنان متجهين إلى إيست ديفون مع عدد قليل من الناس للانعزال قليلا في كوخ يسترخون فيه وسط الماشية والحيوانات ويزورون كنيسة خربة، وينتهون من بعض الكتابة المتعلقة بالإيثار. وقررت الانضمام إليهم إذ راقتني فكرة الانتهاء من السيناريو (وكان من الكوميديا السوداء) في ريف إنجليزي مثالي، كما كنت أريد أن أزداد معرفة بمسعى حركة "الإيثار الفعال" إلى أن يفعل المرء بحياته أفضل ما يستطيع من الخير. وكنا لم نزل في منتصف الطريق إلى هناك حينما أجهز سببي الثاني على سببي الأول.
كنا قد وصلنا تقريبا إلى باسنجستوك حين سألت هيلتن عن رأي أعضاء الحركة في استخدام الفن لتحسين العالم. كان في خلفية ذهني السيناريو الذي أكتبه، وربما الكلمة القصيرة التي ألقاها "ستيفن سودربرج" وهو يتلقى جائزة أوسكار لأحسن مخرج سنة 2011، والتي كنت أعتبرها ملهمة: أريد أن أوجه الشكر إلى أي شخص يقضي جزءا من يومه في الإبداع. ليكن كتابا، فيلما، لوحة، رقصة، مسرحية، موسيقى. كل من يقضي بعض يومه ليشركنا في تجربته. أعتقد أن العالم ما كان ليعاش بغير الفن.
ويتبين أن هذه الخطبة القصيرة لا تتسق مع كثير من أعضاء الإيثار الفعال. ففكرة أن يقدم أحدهم كتابا أو فيلما أو لوحة أو رقصة لتقليل معاناة العالم بدت لهيلتن فكرة غريبة يعوزها التماسك. وفيما كنت أرى حاجبيه المقطبين وهو يحاول أن يمنطق سؤالي، بدأت أستبعد تماما أن يكون هذا الانعزال هو الملتقى الأنسب للانتهاء من السيناريو الطموح الذي كان بين يدي.
في عام 1972، نشر فيلسوف الأخلاق الأسترالي "بيترسنجر" مقالة عنوانها "المجاعة، والثراء، والأخلاق"  محتوية التجربة الفكرية التالية. هب أنك رأيت طفلة تغرق في بحيرة: هل تقفز لإنقاذها حتى إذا لم تكن أنت من قذفها؟ حتى إذا كان معنى ذلك أن تبتل ثيابك وتهلك؟ سيكون من المثير للغاية للجدل أن يجيب أحد بـ "لا"، ومع ذلك يستطيع أغلبنا أن يتجاهل من يموتون في شتى أرجاء العالم من الفقر ومن المرض الذي تسهل الوقاية منه، برغم أننا قادرون على مساعدتهم دون أن تكبد في ذلك الكثير. يذهب سنجر إلى أن هذا التناقض ليس له ما يبرره. ويوافقه على ذلك أعضاء "الإيثار الفعال" ممن كرسوا أعمارهم لتطبيق هذه الفلسفة حتى أقصى معانيها. ولو لم يكن للمسافة من قيمة ذات شأن من الناحية الأخلاقية، فنحن من ثم محاطون بالفقر القاتل والمرض القابل للوقاية من كل ناحية. وكل استراحة لنا من العمل على تقليل المعاناة في العالم هي أشبه بقيلولة ننعم بها هانئين على شاطئ بحيرة يصرخ من داخلها آلاف الأطفال الغرقى يطلبون منا النجدة.
بدأت حركة EA في التشكل في أوكسفورد سنة 2009 عندما اجتمع أستاذا الفلسفة "توبي أورد" و"وليم مكاسيل" وعشرون غيرهما محاولين جميعا التوصل إلى طريقة يسوّدان بها الإيثار الراديكالي. قال لي مكاسيل إنهم ظلوا يحملون اسما كوميديا هو "أبطال عمل الخير الخارقون" إلى أن ظهر اسم "الإيثار الفعال" في 2011. وبجانب العديد من المنظمات التابعة للإيثار الفعال، أنشأ أورد ومكاسيل منظمة "إعطاء ما نستطيع" التي تدعو إلى تقديم 10 في المائة من الدخل لأعمال الخير.
هذا في الغالب ما تفعله "الإيثار الفعل": تعمل بأقصى ما تستطيع من أجل جمع المال، ثم تقدم أكبر كم ممكن منه للمحتاجين. وأفعال الخير بطبيعة الحال كثيرة ومتعددة، وهناك وسائل كثيرة يمكنك بها أن تحدث الفارق. لكن المنطق الذي تعتمده "الإيثار الفعل" بالغ البساطة: هل طريقتك المفضلة في فعل الخير تحدث من الفارق في حياة الناس مثل ما يحدثه إعطاؤهم النقود؟ فإذا لم يكن الأمر كذلك، فهل ما تفعله يعد أصلا من أفعال الخير؟
ما كدنا نستقر في الكوخ حتى خرجت أنا وهيلتن للتمشية في نتفة بقيت من غابة أزيلت لتكون مرعى، وسألني إن كان السيناريو الذي أكتبه سيكون أفضل سيناريو كتب على الإطلاق. فظننت وقتها أنه يسخر مني. واضح طبعا أنني ما كنت لأجيب بـ"نعم"، ولكن الإجابة بـ "لا" كانت لتعني بطريقة ما الاعتراف بالفشل. ولم يحدث إلا بعد أن تكلمت مع أعضاء آخرين في "الإيثار الفعل" أن فهمت ما الذي كان يعنيه هيلتن بالضبط. يرى أعضاء "الإيثار الفعل" أن كتابة السيناريوهات وإنتاج الأفلام تستلزم موارد بوسعها إن وضعت في الأيدي الصحيحة أن تنقذ حيوات البشر. فلو أن الفيلم موضوع السؤال فيلم تافه، سيبدو الوضع في هذه الحالة غير قابل لأي تبرير. أما لو كنت تكتب أفضل فيلم على الإطلاق، فحسن، يمكن في هذه الحالة أن يبدأ النظر إليه باعتبار أن له قيمة ما. لكنني قلت لهيلتن "لا" وانتباني إحساس ثقيل بالتفاهة ونحن نطأ النباتات الشوكية المنتشرة حول الكوخ.
استطعت أن أنتهي من السيناريو في عطلة الأسبوع برغم حديث هيلتن الساحق المثبط. وابتهجت بسبب ذلك، لكن شيئا ما في الحركة استولي على اهتمامي، فأمضيت الأسابيع التالية في الكلام مع أعضائها الذين بدا أكثرهم ـ شأن هيلتن ـ متشككين في أن تكون للفن قدرة كبيرة على تغيير العالم إلى الأفضل. وفي مرحلة ما بين تسليمي السيناريو في سبتمبر واستلامي "يؤسفنا إبلاغكم" في ديسمبر، بدأت أشعر أنهم قد يكونون على حق.
الفرضية المركزية في حركة "الإيثار الفعال" هي عبارة عن بديهية آسرة. الحركة، ببساطة، تريد أن تقلل المعاناة وتزيد من السعادة وتطيل العمر. هذا كل ما في الأمر، ولا شيء آخر ذو أهمية. وشرح لي مورجان في رسالة إلكترونية قائلا: أرى أن أغلبنا فيما يبدو يهتم في نهاية المطاف بشيء قريب من مفهوم "الستر wellbeing " ـ نريد للجميع أن يكونوا مستورين ومشبَعين، فنعمل على تعزيز أي شيء من شأنه أن يحقق للبشر والحيوانات الستر والتشبع. فنادرا ما أقابل أعضاء في "الإيثار الفعال" يهتمون بالجمال على سبيل المثال أو المعرفة أو الحياة أو البيئة، ليس بأي شيء من ذلك في ذاته، إنما هم يهتمون بهذه الأشياء في حدود إسهامها في الستر.
من وجهة النظر هذه، فإن أهمية أغلب الأعمال الفنية تتقزم عند مقارنتها مثلا بتطهير بطون ألف طفل من الديدان. ومن بين الأفكار الشائعة في دوائر "الإيثار الفعال" فكرة أنه ليس مهما من الذي يفعل شيئا ما، المهم هو في أن يحدث هذا الشيء.  وبرغم أن الفنانين غالبا ما يتباهون بتفرد ذواتهم، إلا أن ذلك لا يستتبعه تقديمهم شيئا فريدا ذا قيمة للمجتمع. بل إن أغلبهم على العكس من ذلك ـ وحسب ما يقول "دييجو كالييرو" مدير معهد "الأخلاق والعقلانية ومستقبل الإنسانية" في البرازيل ـ غير متفردين وهم بالفعل قابلون للاستبدال، فهذا الفنان إلى حد كبير هو في مثل نفع ذلك الفنان. ومن الواضح أن المعروض منهم متوفر للغاية.
القابلية للاستبدال مفهوم أساسي لدى "الإيثار الفعال". والفكرة هنا هي أن الخير الوحيد الذي يعول عليه هو الذي تنجزه فتتجاوز به ما كان ليفعله غيرك لو كان في مكانك. وإليكم المعادلة: الخير الذي حققته مطروح منه الخير الذي كان ليحققه شخص آخر لو كان في مكانك يساوي الخير الفعلي الذي حققته. وهذه حسبة مزعجة، لأنك حتى لو رأيت أنك فعلت عملا عظيما، فإن نتاجك النهائي يكون صغيرا ما لم يكن نتاجا بالسلب. وفي حين قد يبدو وكأن لعملك في منظمة خيرية تأثيرا إيجابيا كبيرا، فإن عليك أن تتذكر الآخرين الذين تقدموا بحماس للحصول على الوظيفة نفسها وكيف أنهم كانوا ليبذلوا الجهد نفسه لو كانت طلباتهم قبلت. هل العالم الذي قبلت أنت فيه للقيام بالوظيفة أفضل فعلا من العالم الذي قبل فيه طلب غيرك؟ قد تكون الإجابة لا.
ومن أجل مصلحة القابلية للاستبدال يروج الكثير من أعضاء "الإيثار الفعل" لـ "الكسب من أجل العطاء": أن تحصل على وظيفة محترمة الراتب وتتبرع بحرص. فلو أن لديك وظيفة في البرمجة تدر عليك راتبا كبيرا وتتبرع بنصف أجرك فيها فليس من المرجح أن يتبرع أغلب منافسيك بمثل هذا. ومن ثم وفي حدود ما يتعلق بحسبة المنفعة الإنسانية العظمى، فقد جعلت نفسك غير قابل بسهولة للاستبدال. في حين ينهمك الفنانون في رسم المناظر الطبيعية الملونة الممتدة أمامهم بينما العالم بقيته تحترق.
"أوزي جوين" ـ المبرمج المسئول عن موقع اسمه "80000 ساعة" ومقره المملكة المتحدة وتخصصه الوظائف الأخلاقية ـ حكى لي عن بطل خارق اخترعه للسخرية من الفنانين في الدول الغنية الذين يهتمون بإنتاج فن ظريف أكثر مما يهتمون بمساعدة المحتاجين، وهم راضون عن أنفسهم مع ذلك، لأن ما يفعلونه هذا هو خير من لا شيء. قال جون "ابتكرت نكتة ’رجل الإيجابية الصافية’ الذي لديه كل الموارد والمزايا والنقود، والذي يجوب العالم يمارس أعمال الإيجابية الصافية، كأن يرى رجلا يغرق في بئر فيقول له ’لا تقلق، رجل الإيجابية الصافية وصل! لحظاتك الأخيرة ستكون على يوتيوب وسوف يراها العالم، لا تقلق’".
ولو أنك باق، برغم كل ذلك، على التزامك بالعمل في الفن، فهل من أمل يبقى لك، أي أمل؟ في واقع الأمر، الإجابة هي نعم: يبقى طريقان مفتوحين أمامك للوصول إلى الحياة الجديرة بالثناء. فلو تصادف أنك حققت النجاح بالفعل، فيمكنك أن تجعل مكسبك هذا من أجل العطاء. وإذا كنت لم تنجح، فلعلك تستغل مواهبك لتجتذب أعضاء جددا في الإيثار الفعال وفي نشر أفكار الإيثار.
قال لي "روبرت ويبلن" المدير التنفيذي لمركز الإيثار الفعال "إننا في واقع الأمر حريصون دائما على البارعين في الرياضيات والبارعين في الفلسفة. أحب فعلا أن يكون لدينا بعض الفنانين. نحن بحاجة ماسة مثلا إلى مصممين بصريين. سيكون شيئا عظيما بالفعل لو فكر البعض في كيفية دعم الإيثار الفعال من خلال الفن. غير أن غرباء الأطوار من الفنانين الذين ينتظرون سنين مقفرة من الرفض والكدح ليس لديهم الكثير فيما يبدو مما يمكن أن يقدموه للقضية. ربما الأجدر بهؤلاء أن يفكروا في سبيل تهبط به طائرة أحلامهم إلى ما يسميه كاليرو Caleiro  بـ "منطقة العائدات المتوقعة الأكثر ارتفاعا".
هذه إذن هي الرسالة المحبطة التي يتلقاها كاتب سيناريو مبتدئ مثلي. لقد قال لي "بريان توماسيك" ـ الكاتب الأمريكي ومدير موقع "مقالات في تقليل المعاناة" ـ إن الفنانين الذين يهجرون فنونهم لمعاونة الآخرين ينبغي أن يكون عزاؤهم هو أن جميع الأعمال الفنية المحتملة هي نظريا موجودة في ما مكان ما من كون متعدد كمي ما quantum multiverse. وعلى حد تعبيره: "بتقليل المعاناة، نهتم بتقليل شيء موجود، لكن بالعمل الفني يبدو أن كل ما تهتمون به هو إما الوجود أو اللاوجود، بهذه ثنائية. فلو أن كل الفن موجود فعلا بطريقة ما، ألا يكون هذا خيرا كافيا؟"
وإنني أجد هذا مريحا بعض الشيء، لو صح، لكنني لست مقتنعا أنه كفيل باجتذاب كثير من الأنصار لقضية الإيثار الفعال. المشكلة، للمفارقة، قد تكون في واقع الأمر مشكلة جمالية.
من ناحية، يمكن القول بأن الإيثار الفعال منفلت، ومن ناحية أخرى متزمت: منفلت في تطرف إيمانه بالمساواة وانتقاده للمزايا الطبقية أو الفئوية، ومتزمت بوصفه قوة أخرى توجهنا في طريق نموذج تقليدي للنجاح. إن السوبرمان الإيثاري هو شخص جاد في عمله، سخي في عطائه، قوي في مناصرته أو هو عبقري في ابتكاراته لأدوات أو لأفكار من شأنها تحقيق قدر أمكبر من المنفعة. وكالعادة، تتعرض النوعيات المبدعة للتجاهل إن لم تكن أفكارهم مربحة أو إذا لم يدعموا أيديولوجية أثيرة.
"مغزى مذهب المنفعة هو أنه ما من شيء مقدس". هذا ما يوضحه "مايكل بيتن" السينمائي الكندي المبتدئ ـ أو الذي كان سينمائيا مبتدئا ذات يوم  قبل أن يتحول إلى أحد أعضاء الإيثار الفعال. يقول "كل شيء موجود إنما هو خاضع لحسبة المنفعة. وعليه فلا شيء ثمة من قبيل: أوه، لا، هذا فن. أو: أوه، لا هذا دين. وبناء على ذلك يعفى من النظرة الأخلاقية". ولـ ويبلين رؤية مماثلة، فقد قال لي إنه "صحيح أن الإيثار الفعال يقول في بعض الأحيان أن أكثر ما تستمتع بالقيام به ليس أكثر ما يمكنك القيام به أخلاقية. وصحيح أن من الناس من يريدون أن يكونوا كتابا، لكن الأجدر بهم فعلا أن ينخرطوا في المساعدة التنموية أو العمل الاجتماعي أو غير ذلك".
ويبقى بوسع الفنانين المحبطين أن يجدوا العزاء لأنفسهم في أن العلم نفسه ليس مستثنى من منطق الإيثار الفعال الذي لا يرحم. قال ويبلين "أنا نفسي كنت شديد الاهتمام بالبيولوجيا التطورية، وكنت أود لو أصبح أكاديميا في هذا المجال. ولكنني بصدق لم أستطع أن أبرره بناء على ما له من آثار على الآخرين، برغم أنني كنت مفتونا به".
منطق القابلية للاستبدال الحديديُّ هذا يترك الكثير من الأحلام جثثا مطروحة على الأرض، هذا لا شك فيه. ولكن هل هذه مشكلة بالنسبة للإيثار الفعال بوصفه أيديولوجيا، أم هي مشكلة بالنسبة للواقع؟ كان الوضع ليكون عظيما لو أن الفنون والآداب كان ذات نفع كبير للعالم، لأنها مشبعة بالفعل على المستوى الذاتي. ولكن، إذا لم يكن الفنانين مفيدين كثيرا في واقع الأمر، فربما يرجع ذلك لكونهم يعملون على بعض القيم التي لا ضير من مساءلتها. هل تعبيركم عن أنفسكم أهم من حياة البشر ومعاناتهم؟ هل تفضلون الإسهام في ثقافة مجتمعات ثرية على أن تعملوا من أجل تقليل معاناة الفقراء، أو معاناة الأجيال القادمة؟ أليس من قبيل الاستبداد أن تملؤوا العالم بالدوران حول أشياء لمجرد أنها أشياء تخصكم؟
إليكم اختبارا بسيطا تحددون به إن كنتم تبدعون الفن من أجل أنفسكم أم من أجل العالم؟ لو اكتشفتم أن شخصا آخر خطرت له بمعزل عنكم فكرة مشروع فني خطرت لكم أيضا، لكنه سبقكم إلى إنتاج عمله وتوزيعه، فهل تحزنون؟ أم تبتهجون لأن هذه الفكرة بالغة الأهمية قد خرجت إلى النور ومضت تبدل وجهات النظر وتجعل كل شيء أفضل مما كان عليه على نحو واقعي ملموس، وإن لم تزد من مكانتكم الاجتماعية؟
يقول الكاتب الأسترالي "كريس رودلي": "أعتقد أن هناك ضربا من الوهم الشائع بين الفنانين والكتاب لمجرد أنه لا يكاد يوجد ما يحقق المكانة الاجتماعية المتميزة ورأس المال الرمزي مثلما يحققهما الفن، لمجرد أنه رفيع المكانة فالناس تعتبره رفيع الأهمية. وأعتقد أن هذا خطأ. وأعتقد أنه يكون في موقف غريب منطو على تناقض جوهري ذلك الشخص الذي يريد أن ينتج الفن ليأخذ".
رودلي أحد اثنين من أعضاء الإيثار الفعال الذين تكلمت معهم وكانت لهم خلفية فنية أو إعلامية. الثاني هو "مايكل بيتن" الذي درس الإنتاح الإعلامي في تورنتو وقال "لقد كنت أريد أن أكون سينمائيا، ثم قلت لنفسي: حسن، وما نفع هذا؟ ويمكن القول إنني عدلت عن الرغبة في أن أكون سينمائيا".
وعلى الرغم مما لديهما من تحفظات، إلا أن رودلي وبيتن يفحصان المشاريع الإبداعية التي يحتمل أن تكون نافعة، على أساس أن أعضاء الإيثار الفعال يرون في بعض الأحيان أن بإمكانهم التأثير على الثقافة من خلال الفن والإعلام. وهذا معناه بالنسبة لبيتن أن يتساءل عما لو كانت "المعايير التقليدية للعظمة الفنية كعمق الأفكار أو التأثير الشعوري أو الأصالة أو اللازمنية أو الجماهيرية" قابلة للترجمة إلى عواقب حميدة خيرة. أما "مفهوم الاستقلال الفني، بمعنى اكتفاء الفن بذاته، فيتعارض بداهة مع مفهوم الإيثار الفعال". وقال لي بيتن "لا أعتقد أنك يمكن أن تقطع طريق الإيثار الفعال حتى نهايته دون أن تتنازل فيما يتعلق باستقلال فنك واكتفائه بذاته". على المستوى النظري، في ما يرى بيتن، "يمكن أن تصادف فنانا ينتج شيئا ما دون أن يكون مهتما به، أو معجبا به، أو يراه مثيرا أو طريفا، أو لا يعرف له مغزى، لكن هذا هو العمل الأفضل الي يمكن للفن أن يقوم به في ضوء حسبة المنفعة السحرية المتعلقة بالنتائج والعواقب ...".
يرى رودلي أن فناني الإيثار الفعال يمكن أن يتعلموا شيئا من حقبة القرون الوسطى، عندما كانت القيمة والتأثير الاجتماعيان هما غاية الفن قبل رواج "أسطورة الفن للفن". انظروا مثلا إلى مسرحيات الصوفية المسيحية Christian mystery  "كانت أعمالا فنية غايتها المنفعة. أكثرها يهدف إلى محاولة إنقاذ أرواح الجمهور. وأي فعل أنفع بل أعظم نفعا من أن تبعد أحدا عن المعاناة المطلقة؟"
طبعا لا يؤمن أغلب أعضاء الإيثار الفعال بالروح، ناهيكم عن اللعنة الأبدية، ومن ثم فالرجوع إلى المسرحيات الدينية  ولوحات العشاء الأخير ليس ما يقصدونه. إنما هم أكثر اهتماما بكيفية استخدام الفن لتقليل معاناة البشر والحيوانات وكائنات المستقبل ـ بما فيها الكمبيوترات ذات الذكاء الاصطناعي. لقد تحدثت مع رودلي وبيتن كل على حدة، لكنهما تلاقيا في بعض الخطوط العامة الهادية للفنان ذي العقلية المنفعية.
أولا، قيمة التسلية في أي مشروع فني هي قيمة عابرة، فالمهم بحق هو كيفية تأثيره على السلوك السياسي أو الاجتماعي. ومن هنا يكون السرد ـ أو أي طريقة للتعبير عن الأفكار الصلبة ـ ضرورة. قال بيتن "إنه من الصعب أن نتخيل كيف لمزهرية أن تؤثر فعلا على الثقافة بأية طريقة، إذ ما الذي تعلمه لك عن الحياة؟". ويرى أنه قد يكون من المفيد تسريب بعض الأفكار الجيدة من قبيل أن "العنصرية شر" أو "الجنسية شر" إلى الأعمال الأدبية لا سيما إذا أمكن اجتناب إحساس التوجيه.
أشار رودلي إلى التجريب بوصفه مناهضا للمنفعية تماما. والطليعية بصفة عامة مريبة لأن تأثير الفن لا يتزايد إلا بوصوله إلى جماهير عريضة، وهو ما يعطي ميزة للكتب والأفلام والأغنيات وألعاب الفيديو وتطبيقات الهاتف الذكي كأدوات لترويج الأفكار الإيثارية. "انظر مثلا إلى تشبيه سنجر للبحيرة الضحلة. هذا التشبيه بطريقة ما فني، حكاية أخلاقية أدبية. صادمة للغاية وفيها كثير من ملامح العمل الإبداعي".
ولكن، لو أننا احتكمنا إلى حسبة المنفعة السحرية المتعلقة بالنتائج والعواقب، فكم مرة سوف تنصحنا بالمبالات بإنتاج الفن من الأساس؟ قد يكون الفن التقدمي الإقناعي أفضل من لا شيء، لكن هذا لا يجعل منه الاستغلال الأمثل للوقت والطاقة. وحتى لو حدث ولتف عمل فني محمل برسالة اجتماعية انتباها كافيا لأن يحدث تأثيرا إيجابيا (وهو أمر شديد الندرة في ذاته) فآن آثاره غالبا ما تأتي مختلطة.
أشار رودلي إلى أن مسلسل "ويل وجريس" الأمريكي ربما يكون قد جعل بعض الأمريكيين يقبلون المثليين، لكنه ربما يكون في الوقت نفسه قد خلق توقعات للطريقة التي ينبغي أن يتصرف بها المثليون. وبالمثل، رواية "كوخ العم توم" لهارييت بيتشر ستو (1852) جعلت كثيرا من الأمريكيين البيض يناهضون العبودية ولكنها في الوقت نفسه أبَّدت صورا نمطية مضرة. يزعم الوثائقي الأمريكي "البحث عن رجل السكر" (2012) أن موسيقى "سيكستو رودريجز" ساعدت في إلهام المتظاهرين ضد الأبارتيد في جنوب أفريقيا لكنه يقول إن ذلك حدث بطريقة غامضة أو كتأثير جانبي لا كشيء كان ييمكن لرودريجز أن يعمد إليه. إن لدى الفنانين المشهورين كثيرا من النفوذ والمال الذي يمكنهم تقديمه للقضايا النبيلة. و"أغلب الفنانين" كما يقول رودلي "هم بطبيعة الحال متوسطو القيمة، فنهم لا يرضي الكثيرين في حقيقة الأمر، إن كان يرضي أحدا".
لو أن ما تريده هو أن تجعل العالم أفضل، فإن تأثير دفع ثمن علاج كثير من المصابين بأمراض يمكن علاجها قد يبدو سخيفا بعض الشيء عند مقارنته بثورة الوعي الإنساني التي لا شك ستندلع بمجرد نشرك روايتك. ولو أن التبرع للأعمال الخيرية يبدو شيئا عموميا، فالأرواح التي ينقذها هذا التبرع ليست كذلك. وغاية كل ذلك أن أقول إنني حينما فكرت أن كتابتي فيلما هي خير وسيلة يمكنني أن أساهم بها في العالم كنت أخدع نفسي. وكلنا، بدرجة ما، نخدع أنفسنا.
قال رولي "لو أنك قبلت بتشبيه البحيرة الضحلة، ففي كل منا من الناحية الأخلاقية بشاعة. حتى بيتر سنجر نفسه. فكل واحد قادر أن يفعل أكثر مما يفعله حقا".
حاليا، سيكون هذا مبرري. أنا لست جاهزا بعد للتوقف عن الكتابة. لست جاهزا للقبول بوظيفة عالية الأجر أكرهها ولكني أعمل فيها تقليل للمعاناة في العالم. ربما أتغير. لكن حاليا يمكنكم اعتباري واحدا من رجال الإيجابية الصافية.

نشرت أصلا في مجلة أيون ونشرت الترجمة اليوم في شرفات





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق