الثلاثاء، 29 أبريل 2014

مهمة ... ريموند كارفر

مهمة*
ريموند كارفر




تشيخوف .. في مساء الثاني والعشرين من مارس سنة 1897، ذهب إلى عشاء في موسكو بصحبة صديقه وأمين سره "أليكسي سوفورين". كان هذا السوفورين ناشرا للكتب والصحف بالغ الثراء، رجعيا، عصاميا، ولد لأب كان جنديا في معركة بورودينو. وكان، مثل تشيخوف، حفيدا لعبد من عبيد الأرض. كانا يشتركان في هذا: أن في عروقهما دماء فلاحين. أما بعيدا عن ذلك، من الناحيتين السياسية والمزاجية، فبينهما أميال. ومع ذلك، كان سوفورين واحد من الخلصاء القليلين الذين يهنأ تشيخوف برفقتهم.
مضيا، بطبيعة الحال، إلى أفخم مطعم في المدينة، وكان من قبل منزلا كبيرا يطلق عليه الصومعة ــ مكان قد تنقضي فيه ساعات، بل نصف ليلة، في تناول وجبة من عشرة أطباق متتابعة، يتخللها طبعا العديد من الأنبذة والأشربة وفناجين القهوة. ارتدى تشيخوف لتلك الليلة ملابس كاملة لا تشوبها شائبة، فهو كدأبه في سترة داكنة وصدرية، وعلى عينيه نظارته المعتادة، فبدا في تلك الليلة مثلما يبدو في الصور الفوتوغرافية الملتقطة له في تلك الفترة. بدا مسترخيا، باشّا، صافح المتردوتيل، واستعرض في لمحة قاعة الطعام، التي تنبعث إضاءتها الباهرة من شمعدانات مزخرفة، ويتحلَّق حول موائدها الرجال والنساء في أناقة، ويمضي فيها النُدُل بلا توقف. وما كاد يجلس إلى المائدة، مقابلا لسوفرين، حتى بدأ الدم على حين غرة وبلا سابق إنذار يتدفق من فمه. فأخذه سوفرين، يعينه نادلان، إلى الحمام محاولين إيقاف الدم المتدفق بمكعبات الثلج. وأخيرا، أرجعه سوفرين إلى فندقه الخاص وأمر فهُيِّئ له سريرٌ في إحدى الغرف الملحقة بجناحه. وفي وقت لاحق، وبعد نزيف آخر، سمح تشيخوف لنفسه بالانتقال إلى عيادة متخصصة في علاج السل والأمراض التنفسية. وحينما زاره سوفورين هناك، اعتذر له تشيخوف عن "الفضيحة" التي وقعت في المطعم قبل ثلاث ليال، لكنه بقي يصر على أنه ما من شيء خطير. "كان يضحك ويمزح كعادته". كذلك كتب سوفرين في يومياته. "ويبصق الدم في وعاء كبير".
زارته شقيقته الصغرى ماريا تشيخوف في العيادة خلال الأيام الأخيرة من مارس. كان الطقس مزريا، فعاصفة جليدية تتكوّن، وأكوام الجليد تتناثر في كل موضع، حتى لقد صعب عليها أن تستوقف عربة تقلها إلى المستشفى. ولما وصلت أخيرا كانت تمتلئ روعا وقلقا.
"كان أنطون بافلوفيتش مستلقيا على ظهره". كذلك كتبت ماريا في ذكريات. "لم يكن مسموحا له بالكلام. وبعدما سلمت عليه ذهبت إلى المنضدة أداري مشاعري". وثمة وسط زجاجات الشمبانيا وأواني الكفيار وباقات الورد التي جلبها عُوَّادُه، رأت ما ارتاعت له: رسما باليد، واضح أنه من صنع متخصص في هذه الأمور، لرئتي تشيخوف. كان من تلك الرسوم التي يرسمها الأطباء للمرضى ليبيِّنوا لهم ما الذي يعتقدون أنه يجري بداخلهم. كانت الرئتان محددتين بالأزرق، لكن أعلاهما كان ممتلئا بالأحمر. "وأدركت أنهما معتلَّتان" كذلك كتبت ماريا.
وزاره كذلك "ليو تولستوي". ذهل العاملون في المستشفى لما وجدوا أنفسهم في حضرة كاتب بلدهم الأعظم. أشهر الرجال في روسيا. كان عليهم بالطبع أن يسمحوا له برؤية تشيخوف، برغم أن الزيارة كانت ممنوعة على "غير الأقارب". بكثير من الامتثال من طرف الممرضات والأطباء المقيمين، سيق الشيخ الملتحي المتجهم إلى غرفة تشيخوف. وبرغم رأيه السلبي في قدرات تشيخوف ككاتب مسرحي (كان تولستوي يرى مسرحياته شديدة السكون تعوزها الرؤية الأخلاقية وقال مرة لتشيخوف "إلى أين تأخذك شخصياتك؟ من الأريكة إلى المخزن ومن المخزن إلى الأريكة)، كان تولستوي يحب قصص تشيخوف القصيرة، فضلا عن أنه ببساطة وهدوء يحب الرجل نفسه، فقد قال لجوركي "يا له من رجل جميل رائع: متواضع وهادئ كالبنت. حتى أنه يمشي مشية بنت. هو ببساطة رائع". وكتب تولستوي في يومياته (ويبدو أن كل شخص في ذلك الزمان كانت له يومياته أو مذكراته): "أنا سعيد أنني أحب ... تشيخوف".
أزاح تولستوي عن عنقه وشاحا من الصوف، وعن كتفيه معطفا من الفراء، ثم جلس في مقعد مجاور لسرير تشيخوف. ودونما اعتبار لخضوعه للعلاج، وعدم التصريح له بالكلام، ناهيكم عن الدردشة، كان لزاما عليه أن يصغي مذهولا للكونت وقد بدأ خطابا يدور حول نظرياته المتعلقة بخلود الروح. في وقت لاحق كتب تشيخوف عن تلك الزيارة يقول إن "تولستوي يفترض أننا جميعا (البشر والحيوانات على السواء) سوف نعيش على مبدأ (كالعقل أو الحب) لا يزال جوهره غامضا علينا، أو غايته ... وهذا نوع من الأبدية لا أرى له نفعا. لا أفهمه، واندهش ليو نيقولاييفيتش أنني لا أفهمه".
وبرغم أن تشيخوف فرح بالعناية الفائقة التي أبداها تولستوي له بهذه الزيارة، إلا أنه كان، خلافا لتولتسوي، لا يؤمن بحياة أخرى، ولم يسبق له قط أن آمن. لم يكن يؤمن بشيء لا يمكن اقتناصه بواحدة أو أكثر من حواسه الخمس. وفي حدود ما انتهت إليه نظرته للحياة والكتابة، فقد كان يرى ـ بحسب ما قال مرة لأحدهم ـ أنه يفتقر إلى "رؤية للعالم سياسية دينية فلسفية. إنني أغيرها مرة كل شهر، ولذلك سأقصر نفسي على وصف أبطالي، كيف يتحابون، ويتزوجون، ويلدون، ويموتون، وكيف يتكلمون".
قبل ذلك، أي قبل تشخيص إصابته بالسل، كان تشيخوف قد لاحظ أنه "حينما يصاب فلاح بالسل فإنه يقول: ليس بيدي شيء. سأذهب في الربيع مع ذوبان الثلوج". (وتشيخوف نفسه مات في الصيف أثناء موجة حارة). أما تشيخوف فما إن اكتشف السل لديه حتى مضى يقلل من خطورة حالته. تشي جميع المظاهر بأنه كما لو كان شعر حتى اللحظة الأخيرة أنه قد يقدر على التخلص منه مثلما يتخلص المرء من زكام طال حتى ثقل ظله. فحتى أيامه الأخيرة بقي يتكلم بقناعة بادية عن إمكانية التحسن. بل إنه، في رسالة كتبها قبيل نهايته، مضى فعلا إلى حد أن قال لأخته إنه "بدأ يسمن" ويشعر أنه أحسن بكثير بعد أن انتقل إلى بادنفيلر.
بادنفيلر مدينة ومنتجع، تقع في المنطقة الغربية من الغابة السوداء، غير بعيدة من بازل، يمكن من أي موقع فيها رؤية جبال فوسجيه، وفي تلك الأيام كان الهواء نقيا ومنعشا. وكان الروس يذهبون إلى هناك منذ سنين طلبا لغمر أجسامهم في المياه المعدنية الساخنة، وللتنزه في الشوارع المشجرة، وفي يونيو من عام 1904 ذهب تشيخوف إلى هناك طلبا للموت.
في وقت سابق من ذلك الشهر، كان قد قام برحلة شاقة بالقطار من موسكو إلى برلين، هو وزوجته الممثلة المسرحية الشابة أولجا كنيبر التي التقى بها سنة 1898 أثناء التحضير لمسرحية "النورس". يصفها معاصروها بالممثلة الممتازة، وكانت موهوبة وجميلة وأصغر من الكاتب المسرحي بنحو عشر سنين. وانجذب لها تشيخوف على الفور، لكنه لم يبادر بالامتثال لمشاعره والتصرف على أساسها، فقد كان كدأبه يؤثر المغازلة على الزواج، وبعد علاقة دامت ثلاث سنين تخللها الكثير من الافتراق والمراسلات وسوء الفهم الحتمي، تزوجا في حفل خاص في موسكو  في الخامس والعشرين من مايو سنة 1901. وسعد تشيخوف سعادة لا حدود لها، وصار يسمي أولجا "مهرتي"، و"كلبتي" أو "كليبتي" في بعض الأحيان. كما كان مغرما بمناداتها بـ "روميتي" أو "فرحتي" وحسب.
في برلين، استشار تشيخوف متخصصا شهيرا في الأمراض الرئوية هو د. كارل إيفالد، ويروي شهود عيان أن الطبيب فحص تشيخوف ثم رفع يديه وغادر الغرفة دون أن ينطق بكلمة. كان تشيخوف قد تجاوز مرحلة العلاج، فثار ذلك الدكتور إيفالد على نفسه لعجزه عن  القيام بمعجزة، ولأن تشيخوف كان في غاية المرض.
وحدث أن كان صحفي روسي يزور آل تشيخوف في الفندق فبعث إلى رئيسه رسالة قال فيها إن "أيام تشيخوف معدودة، وإنه يبدو مريضا مرض الموت، نحيل نحولا مرعبا، يسعل لا يتوقف عن السعال، يلهث لأقل مجهود، ويعاني الحمى". وودع هذا الصحفي نفسُه آلَ تشيخوف في محطة بوتسدام عندما استقلا القطار قاصدين بادنفيلر. وبحسب روايته "كان تشيخوف يعاني في صعود درج صغير في المحطة. فكان لزاما عليه أن يجلس دقائق طويلة ليلتقط أنفاسه". والحق أن مجرد الحركة كانت تؤلم تشيخوف، فكانت ساقاه تتوجعان، مثلما تتوجع أحشاؤه، وقد غلب المرض أمعاءه ونال من نخاعه الشوكي. ولم يكن أمامه في تلك المرحلة غير شهر واحد في الحياة. وعندما كان تشيخوف في ذلك الوقت يتكلم عن حالته فقد كان يتكلم، بحسب رواية أولجا، "بما يقترب من اللامبالاة الطائشة".
كان دكتور شفوهرر أحد أطباء بادنفيلر الكثيرين الذين يعيشون في رغد من معالجتهم الموسرين الذين يفدون على المنتجع طلبا للتخلص من مختلف الأوجاع. كان من بين حالاته مرضى وعجزة، مثلما كان من بينهم الموسوسون لا أكثر. أما تشيخوف فكان حالة خاصة، تجاوز بوضوح مرحلة العلاج وبات في أيامه الأخيرة. وكان كذلك واسع الشهرة، فحتى دكتور شفوهرر كان يعرفه باسمه، وقرأ له بعض قصصه في مجلة ألمانية، ولما فحصه في أوائل يونيو، أعرب له عن تقديره لفنه، لكنه احتفظ برأيه الطبي لنفسه. ووصف له نظاما غذائيا يقوم على الكاكاو والشوفان المنقوع في الزبد وشاي الفراولة، وكان الهدف من هذا الشاي مساعدة تشيخوف على النوم ليلا. وفي الثالث عشر من يونيو، قبل أقل من ثلاثة أسابيع على وفاته، كتب تشيخوف رسالة إلى أمه قال فيها إن صحته تتحسن، وقال فيها "من المحتمل أن يكتمل شفائي في ظرف أسبوع". من يدري لماذا قال هذا؟ ما الذي يمكن أن يكون خطر له؟ فهو نفسه كان طبيبا، وكان يعرف. كان يحتضر، بهذه البساطة، وبهذه الحتمية. ومع ذلك جلس في شرفة غرفته في الفندق يقرأ جدول رحلات القطار. طلب معلومات عن السفن المبحرة من مارسليا إلى أوديسا. لكنه كان يعرف. في هذه المرحلة لا بد أنه كان يعرف. ومع ذلك قال لأخته في واحدة من آخر ما كتب من الرسائل إنه يزداد قوة بالنهار.
لم تبق لديه في ذلك الوقت أي شهية للعمل الأدبي، ومن قبل ذلك بفترة. والحقيقة أنه كان قد اقترب أشد الاقتراب من الفشل في إكمال "بستان الكرز" في السنة السابقة. كانت كتابة تلك المسرحية أشقَّ ما فعله طول حياته. وقرب النهاية لم يكن يقوى إلا على ستة سطور أو سبعة في اليوم. وكتب لأولجا يقول "بدأت أفقد قلبي. أشعر أنني ككاتب قد انتهيت، وكل جملة تبدو لي تافهة لا نفع فيها". لكنه لم يتوقف. أكمل المسرحية في أكتوبر 1903، فكانت آخر ما كتبه، باستثناء رسائل وبضع فقرات في يومياته.
بعد قليل من منتصف ليل الثاني من يوليو عام 1904، بعثت أولجا من يحضر دكتور شفوهرر لطارئ طرأ: كان تشيخوف في حالة اهتياج. وتصادف أن كان شابان روسيان في إجازة ويقيمان في الغرفة المجاورة، فسارعت أولجا إليهما تشرح ما يجري. كان أحد الشابين في سريره نائما، والآخر كان لا يزال صاحيا يدخن ويقرأ، فترك الفندق ليحضر دكتور شفوهرر. وفيما بعد كتبت أولجا في مذكراتها تقول "بوسعي أن أسمع صوت الحصا تحت حذائه في صمت تلك الليلة الخانقة من ليالي يوليو". كان تشيخوف يتكلم مهلوسا عن بحارة، ومن كلامه نتف عن يابانيين. وقال حينما حاولت أن تضع الثلج على صدره "لا ينبغي أن تضعي ثلجا على معدة خاوية".
وصل دكتور شفوهرر وفتح حقيبته، وبقي أثناء ذلك الوقت يثبت نظره على تشيخوف الراقد يلهث في السرير. كان بؤبؤا عيني المريض متسعين ووجنتاه لامعتين بالعرق. لم يبد أي شيء على وجه دكتور شفوهرر، فلم يكن رجلا عاطفيا، لكنه عرف أن نهاية تشيخوف قريبة. ولكنه كان طبيبا، أقسم أن يبذل أقصى ما في وسعه، وتشيخوف كان متشبثا بالحياة، وإن في رقة. أعد دكتور شفوهرر حقنة الكافور، وحقنه بها، راجيا تسريع دقات قلبه. ولكن الحقنة لم تنفع، وما كان لشيء بطبيعة الحال أن ينفع. ومع ذلك أطلع الطبيب أولجا على اعتزامه الإرسال في طلب الأوكسجين. وفجأة، أقام تشيخوف نفسه، وبدا عليه الصفاء، وقال في هدوء "وما نفعه؟ قبل أن يصل سأكون قد صرت جثة".
شد دكتور شفوهرر شاربه الضخم وهو يحملق في تشيخوف. كانت وجنتا الكاتب غائرتين رماديتين، وبشرته ملساء، وفي تنفسه حشرجة. وعلم دكتور شفوهرر أن وقته بات يحسب الدقائق. ودونما كلمة، أو مشاورة لأولجا، مضى إلى فجوة في الجدار كان الهاتف موضوعا بداخلها، وقرأ تعليمات استخدام الجهاز فعرف أن بوسعه تفعيله إن هو ثبّت إصبعه على زر فيه ثم حرّك يدا في جنبه، فيتصل حينئذ بالقطاع السفلي في الفندق، أي المطبخ. تناول السماعة وقربها من أذنه وفعل ما أملت عليه التعليمات، ولما ردّ شخص في نهاية المطاف، طلب دكتور شفوهرر زجاجة من أفضل ما لدى الفندق من شمبانيا، وسئل "كم كأسا؟" فصاح الطبيب في السماعة "ثلاثة كؤوس. وأسرع، هل تسمعني؟". كانت إحدى لحظات الإلهام التي يسهل غض الطرف عنها في ما بعد نظرا لما في التصرف نفسه من مواءمة شديدة تجعله يبدو محتوما.
جاء بالشمبانيا إلى الباب شاب واضح عليه الإرهاق، وشعره الأصفر منتصب فوق رأسه. كان بنطال الزي الموحد الذي يرتديه متجعدا، تلاشت ثنيته الحادة، وكان في لهوجته قد نسي في سترته عروة لم يعقد بها الزر. كان واضحا من شكله أنه كان يستريح (مسترخيا في مقعد أو  قولوا ناعس فيه) عندما رن الهاتف صاخبا من البعيد وفي تلك الساعة المبكرة من الصباح ـ يا إله السماوات العظيم! ـ ثم لم يدر إلا ويد رئيسه توقظه من غفوته بعنف طالبة منه أن يذهب بزجاجة من "مويت" إلى الغرفة رقم 211. "وبسرعة، سامع؟"
دخل الشاب الغرفة حاملا دلو ثلج فضيا فيه زجاجة الشمبانيا وصينية فضية عليها ثلاث كؤوس من الكرستال. عثر على منضدة للصينية والدلو، وهو منحني الرقبة طول الوقت يحاول أن يرى إلى الغرفة المجاورة، حيث ثمة من يلهث طلبا للتنفس. كان صوتا رهيبا معذبا، والشاب أحنى رأسه حتى مست ذقنه ياقة سترته واستدار خارجا بينما التنفس السيء يزداد سوءا. ونسي الشاب نفسه فنظر من الشباك المفتوح إلى المدينة المعتمة. ثم دسَّ الرجل الضخم المهيب ذو الشارب الكث بضع عملات في يده ـ فبدت من ملمسها في يده نفحة كبيرة ـ وفجأة رأى الشاب الباب ينفتح. فخطا بضع خطوات وجد نفسه بعدها على البسطة ففتح يده ينظر إلى العملات في ذهول.
بصورة منهجية، شأنه في كل شيء يفعله، مضى الطبيب في مهمة نزع سدادة الزجاجة، مراعيا ما استطاع أن يتجنب أكبر قدر ممكن من الانفجار الاحتفالي، ثم صب ثلاثة كؤوس، وبحكم العادة، أعاد السدادة أعلى عنق الزجاجة. ثم أخذ كؤوس الشمبانيا إلى السرير، فتركت أولجا مؤقتا يد تشيخوف ـ اليد التي قالت لاحقا إنها أحرقت أًصابعها، وهيأت له وسادة أخرى وراء رأسه، ثم وضعت كأس الشمبانيا البارد في راحة تشيخوف واطمأنت إلى إحكام أصابعه عليه. وتبادلا النظر، أولجا وتشيخوف.
دكتور شفوهرر. ولم يقرعوا الكؤوس. ولم يكن هناك نخب. فنخب أي شيء على وجه الأرض كان يمكن أن يشربوا؟ نخب الموت؟ حشد تشيخوف البقية الباقية له من قوّته وقال "مضى وقت طويل للغاية منذ أن شربت شمبانيا" ورفع الكأس إلى شفتيه وارتشف. وفي غضون دقيقة أو اثنتين أخذت أولجا الكأس الخاوي من يده ووضعته على المنضدة الجانبية. ثم استدار تشيخوف ليستريح على جنبه. وأغمض، وتنهد، وبعد دقيقة، توقفت أنفاسه.
رفع دكتور شفوهرر يد تشيخوف من على السرير، وأبقى أصابعه على معصمه وهو يسحب من جيب صدريته ساعة ذهبية ويفتح غطاءها، ومضى عقرب الثواني يتحرك ببطء، بمنتهى البطء. تركه الطبيب يدور حول ميناء الساعة ثلاث دورات وهو ينتظر أي إشارة إلى وجود نبض. كانت الثالثة صباحا ولم يزل القيظ يستولي على الغرفة، وقد وقعت باندنفيلر فريسة أسوأ موجة حارة تشهدها منذ سنوات، وبرغم الشبابيك المفتوحة في كلتا الغرفتين، لم تعبر بالغرفة نسمة هواء، لكن فراشة ضخمة سوداء الجناحين . طارت إلى الغرفة واصطدمت بعنف في المصباح الكهربائي. أفلت دكتور شفوهرر معصم تشيخوف، وقال "خلاص". وأغلق غطاء ساعته معيدا إياها إلى جيب صدريته.
على الفور جففت أولجا عينيها وبدأت تتمالك نفسها. شكرت الطبيب على مجيئه. فسألها إن كانت بحاجة إلى أي مساعدة منه، ربما بعض من مستحضر اللودونوم، أو قطرات قليلة من الفالريان. هزَّت رأسها. وإن كان لها عنده طلب واحد، قبل أن يخطر السلطات ويصل الخبر إلى الجرائد، قبل أن يؤخذ منها تشيخوف، فهي تريد أن تبقى بصحبته وحدها لبعض الوقت. فهل يمكن أن يساعدها الطبيب على ذلك؟ هل يمكن أن يمسك، لفترة بسيطة طبعا، خبر ما وقع؟
تحسس دكتور شفوهرر شاربه بظاهر إصبعه، ولم لا؟ ففي نهاية الأمر من الذي قد يتأثر سلبا إن تأخر إعلان الخبر ساعات؟ التفصيلة الوحيدة التي بقيت هي تحرير شهادة وفاة، وهذ يمكن استيفاؤها لاحقا في مكتبه في الصباح، بعدما ينام بضع ساعات. أطرق دكتور شفوهرر موافقا واستعد للخروج. غمغم بكلمتي عزاء، فأومأت أولجا برأسها. قال دكتور شفوهرر "شرف لي" وتناول حقيبته وغادر الغرفة، والتاريخ أيضا.
في تلك اللحظة اندفعت السدادة من زجاجة الشمبانيا وانسابت الرغوة حتى بلغت المنضدة. مضت أولجا إلى سرير تشيخوف، فجلست على مقعد مخصص في الأساس لإراحة القدمين، أمسكت يده، ومضت بين الحين والآخر تربت على وجهه. كتبت تقول "ولم يكن ثمة أصوات بشرية، ولا أصوات الحياة اليومية. لم يكن ثمة غير الجمال والسلام وجلال الموت".
بقيت مع تشيخوف حتى طلوع النهار وانطلاق الطيور تغرد في الحديقة من تحتهما. ثم علا صوت مناضد وكراس تتحرك في الأسفل. ولم يمض وقت طويل حتى وصلت الأصوات إليها، طرقةً على باب الجناح. لا بد أنها تصورت بالطبع أن يكون الطارق مسؤولا ما، خبيرا طبيا مثلا أو شخصا من الشرطة عنده أسئلة يريد أن يطرحها أو استمارات يريدها أن تملأها، أو ربما هو دكتور شفوهرر وقد عاد مصطحبا الحانوتي ليساعد في تكفين تشيخوف وإعادة جثمانه إلى روسيا.
وبدلا من أولئك جميعا، كان الشاب الأشقر الذي جلب الشمبانيا قبل بضع ساعات، لكن بنطال زيه الموحد كان في هذه المرة مكويا مسنون الكسرة وكل زر من أزرار سترته الخضراء الباهتة منضبط في عروته. بدا شخصا آخر تماما، لا لأنه كان في غاية الانتباه وحسب، بل لأن خديه الممتلئين كانا حليقين أملسين تماما، وشعره مصفف، ولهفته على العمل  بادية على محياه.كان يمسك مزهرية من البورسلين تشرئب منها ثلاث وردات صفر طوال السيقان. قدم المزهرية لأولجا بدقة رقيقة من كعب حذائه. فتراجعت خطوة متيحة له الدخول. قال إنه قادم لجمع الكئوس ودلو الثلج والصينية. يريد أيضا أن يقول إنه نظرا للحرارة الفائقة فسوف يتم تقديم الإفطار في الحديقة هذا الصباح. قال إنه يتمنى لو لم يكن الجو مزعجا إلى هذا الحد، واعتذر عن هذا.
بدت المرأة مشوشة. وفيما كان يتكلم، أخذت تدير عينيها عنه أو تنظر إلى شيء ما على السجادة وقد عقدت ذراعيها على صدرها وقبضت بكل يد على مرفق أحد ذراعيها. في الوقت نفسه، وفيما هو ممسك مزهريته، منتظرا أي إشارة، رصدت عينا الشاب تفاصيل الغرفة. كان نور الشمس الساطع يفيض من الشبابيك المفتوحة. كانت الغرفة منظمة، مرتبة كأنما لم يمسس أحد شيئا فيها، فلا ثياب مرمية على الكراسي، ولا أحذية هنا، أو جوارب هناك، لا طقم أسنان، ولا كورسيه، ولا حقائب سفر مفتوحة. باختصار، لم يكن ثمة فوضى، ليس سوى قطع الأثاث الفندقي الثقال. ثم، بسبب استمرار المرأة في طأطأة رأسها، طأطأ هو الآخر رأسه، فرأى على الفور سدادة زجاجة الشمبانيا جنب حذائه الأيمن. لم تكن المرأة تراها، فقد كانت عيناها في مكان آخر. أراد الشاب أن ينحني ويلتقط السدادة، لكنه كان لا يزال يحمل الورد ويخشى أن يبدو متطفلا بأن يلفت مزيدا من الانتباه إلى نفسه. بصعوبة ترك السدادة في مكانها ورفع عينيه. كان كل شيء في مكانه إلا زجاجة الشمبانيا المفتوحة نصف الفارغة، الواقفة بجانب كأسين من الكرستال على منضدة صغيرة. ألقى نظرة أخرى، فرأى عبر الباب المفتوح أن الكأس الثالث، في غرفة النوم، على المنضدة الجانبية. لكن شخصا ما لم يزل في السرير! لم يستطع أن يرى وجهه، ولكن الجسد المغطى بالملاءة كان ساكنا أتمَّ السكون. رآه، والتفت عنه. ثم استولى عليه، لسبب لم يفهمه، إحساس بعدم الارتياح. تنحنح ونقل ثقل جسمه إلى ساقه الأخرى، ولم ترفع المرأة رأسها أو تكسر الصمت، شعر الشاب بالحرارة ترتفع في وجنتيه. خطر له، دونما مقدمات تقريبا من التفكير، أنه قد يقترح بديلا لتناول الإفطار في الحديقة. سعل رغبة منه في لفت انتباه المرأة، لكنها لم تنظر إليه. قال إن بوسع النزلاء الأجانب المميزين إن شاؤوا أن يتناولوا الإفطار في غرفهم هذا الصباح. قال الشاب (الذي لم يحفظ التاريخ اسمه، ولعله هو نفسه هلك في الحرب العالمية/الكبيرة) إنه سيكون من دواعي سروره أن يصعد بصينية الطعام. وأضاف وهو ينظر مرة أخرى في تشكك باتجاه غرفة النوم، أو بالصينيتين.
صمت وتحسس بإصبعه ما بين ياقة سترته ورقبته. كان ثمة ما لا يفهمه. بل إنه لم يكن على يقين أن المرأة سمعت كلامه. لم يدر ما الذي ينبغي أن يفعله الآن، وهو لم يزل يمسك المزهرية فملأ شذا الزهور أنفه وأحدث في روحه ـ لا يعرف كيف ـ وخزة ندم. كانت المرأة طوال الوقت الذي بقي فيه داخل الغرفة شاردة بوضوح، وكأنها طوال الوقت الذي وقف فيه يتكلم، وينقّل ثقل جسمه بين ساقيه، ويحمل زهوره، كانت في مكان آخر، بعيد حتى عن بادنفيلر. لكنها الآن رجعت إلى نفسها، وارتسم على وجهها تعبير آخر. رفعت عينيها، ونظرت إليه، ثم هزت رأسها. بدا أنها تناضل لتفهم أي شيء على وجه الأرض يفعله هذا الشاب بوقفته الآن في الغرفة حاملا بين يديه مزهرية فيها ثلاث زهرات صفراء. زهور؟ هي لم تطلب الزهور.
مضت لحظة، قامت إلى حقيبتها فاغترفت منها بضع عملات، وسحبت كذلك بضع ورقات نقدية. مسَّ الشاب شفتيه بلسانه، وقد ظهرت في الأفق نفحة ضخمة ثانية، ولكن مقابل ماذا؟ ما الذي تريده أن يفعله؟ ذلك نوع من النزلاء لم يسبق أن خدم له مثيلا من قبل. تنحنح مرة أخرى. قالت المرأة، لا أريد إفطارا. ليس الآن، مهما حدث. لم يكن الإفطار أهم ما في هذا الصباح. طلبت شيئا آخر. طلبت منه أن يخرج من الفندق ويأتيها بحانوتي. هل فهمها؟ هِرْ تشيخوف مات، فاهم. كومبرينيه فو؟[i] أيها الشاب؟ أنطون تشيخوف مات. قالت، الآن اسمعني بانتباه. كانت تريده أن ينزل ويعرف من أحد في الاستقبال أين يمكن أن يعثر على أرقى حانوتي في المدينة. حانوتي ثقة، يكدح في عمله، ومشهودٌ له فيه، حانوتي، باختصار، يليق بفنان عظيم. ودسّت النقود في يده. قل لهم تحت إنني طلبت منك بالتحديد أن تقوم لي بهذا التكليف. أتسمعني؟ أتفهم ما أقوله لك؟
تماسك الشاب كي يستوعب ما تقوله. قرر ألا ينظر من جديد باتجاه الغرفة الأخرى. كان قد استشعر أن ثمة شيئا غير مضبوط. بات يعي أن قلبه يدق بعنف تحت سترته، واستشعر العرق يتفصد من جبينه. لم يدر إلى أين يوجِّه عينيه. وأراد أن يضع المزهرية في أي مكان.
قالت المرأة، من فضلك افعل هذا من أجلي. سأتذكرك بامتنان. قل لهم تحت إني مصرة. قل لهم هذا. لكن لا تلفت أي انتباه بغير لزوم، لا إلى لنفسك ولا إلى الوضع برمته. فقط قل إن الأمر ضروري، وإنني أطلبه ـ وذلك كل ما في الأمر. أنت سامع؟
أومِئ إذا كنت تفهم. وأهمُّ شيء، لا تلفت الانتباه. كل ما عدا هذا، أي شيء آخر، الاضطراب والفوضى، كل هذا سيحين وقته. الأسوأ مضى بالفعل. هل يفهم أحدنا الآخر جيدا؟
شحب وجه الشاب. تجمد في وقفته، قابضا على المزهرية. أمكنه أن يرنو إلى الأرض.
بعد الحصول على إذن بمغادرة الفندق، كان عليه أن يتحرك بهدوء وبثبات، ودونما عجلة غير لائقة، إلى محل الحانوتي. كان عليه أن يتصرف بالضبط وكأنه في مهمة شديدة الأهمية، لا أكثر. قالت، كما لو كان في مهمة شديدة الأهمية. وليتخيل، إن أعانه ذلك على ضبط حركته، أنه يتحرك على رصيف مزدحم، حاملا بين ذراعيه مزهرية من البورسلين عليه أن يوصلها بزهورها إلى رجل مهم. (كانت تتكلم بهدوء، وبما يشبه الثقة، كأنما تكلم صديقا أو قريبا). بوسعه حتى أن يقول لنفسه إن الرجل الذي يتجه إليه ينتظر مجيئه، ولعله ينتظر على أحر من الجمر وصوله بالزهور. ومع ذلك، لا ينبغي للشاب أن يجري من فرط الإثارة أو يتراخى في مشيته. وليتذكر المزهرية التي يفترض أنه يحملها! عليه أن يسير في نشاط، مراعيا أن يكون تصرفه في كل موقف التصرف المحترم بقدر الإمكان. عليه أن يظل سائرا إلى أن يبلغ بيت الحانوتي ويقف أمام بابه. عليه حينئذ أن يرفع المقبض النحاسي ويتركه يسقط، مرة، واثنتين، وثلاث مرات. وفي غضون دقيقة سوف يرد الحانوتي.
سيكون هذا الحانوتي في الأربعينيات، ولا شك، أو ربما في مطلع الخمسينيات، أصلع، متين البنيان، على أرنبة أنفه نظارة إطارها من الحديد الصلب. سيكون متواضعا، بسيطا، رجلا لا يطرح من الأسئلة إلا الضروري المباشر. ومئزر. ربما يكون مرتديا مئزرا. ربما تكون معه فوطة داكنة يمسح فيها يديه وهو ينصت إلى ما يقال له. ستكون على ثيابه آثار باهتة من الفورمالدايد. لكن لا بأس، ولا ينبغي للشاب أن يقلق. هو الآن تقريبا رجل راشد ولا ينبغي أن يخاف أو يضطرب من مثل هذا. سيسمع الحانوتي كل ما لديه. كان رجلا متحفظا ومنضبطا، أي الحانوتي، قادرا أن يطمئن الناس ويهدئ من روعهم في هذا الموقف، لا أن يزيدهم توترا. رجلا خبر الموت منذ عهد بعيد مهما تعددت أقنعته وأشكاله، فلم تبق لدى الموت مفاجأة يفاجئه بها، أو سر يكتمه عنه. ذلك هو الرجل المطلوبة خدامته في ذلك الصباح.
يتناول الحانوتي مزهرية الورد. لا يبدو عليه طالما يتكلم الشاب أنه شرد إلا لوهلة، ولا يبدو عليه أنه سمع أي شيء خارج عن المألوف. ثم لا يكاد الشاب يذكر اسم المتوفى، حتى يرتفع حاجبا الحانوتي قليلا. تقول تشيخوف؟ أمهلني دقيقة، وآتي معك.
قالت أولجا للشاب، هل تفهم ما أقول؟ دعك من الكؤوس. لا تنشغل بها. انس الكئوس الكرستالية وما شابهها. دع الغرفة كما هي. كل شيء جاهز الآن. نحن جاهزان. فهل تذهب؟
ولكن الشاب في تلك اللحظة كان لا يزال يفكر في السدادة القريبة من إصبع قدمه، فلكي يتناولها عليه أن ينحني، والمزهرية لم تزل في يده. سيفعل هذا. سينحني. دون أن ينظر إلى أسفل، يمد يده فيتناولها، ويطبق أصابعه عليها.



ريموند كارفر (1938 ـ 1988) كاتب أمريكي.






*يعرف أكثر من واحد من أصدقائي، أنني عند ترجمة بعض المواضيع أجد أنني كما لو كنت أترجم لقارئ معين، مسمَّى، أراعيه في كل جملة، وأتحسب لرأيه في كل جملة، هذه المرة كان محمد عبد النبي، ربما لأن أحد كتبه يحمل اسم أنطون تشيخوف، ربما لأن به ولعا قديما بكارفر وهو الذي عرفني به، ربما لأنني بترجمة كارفر أصلا أعتدي على دوره في الري. مهما يكن السب، هذه الترجمة مهداة إليه، أرجو أن يحبها.
[i]  Comprenez-vous? هل تفهم؟ بالفرنسية في الأصل؟