الثلاثاء، 4 مارس 2014

امتياز القاعدة

امتياز القاعدة
بن هوبارد


كانت الرسالة تحمل نبرة رئيس تنفيذي في شركة يحل نزاعا بين اثنين من الفئة الوسطى من المدراء. ففي لغة رسمية، قام أيمن الظواهري، زعيم القاعدة، بتوجيه إحدى الجماعات التابعة في سوريا إلى الانسحاب إلى العراق وترك العمليات في سوريا لجماعة أخرى.
وجاء الرد صريحا. إذ أعلن أبو بكر البغدادي، زعيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) أن المقاتلين باقون في سوريا "طالما بقي فينا شريان ينبض أو عين تطرف".
كانت المرة الأولى في تاريخ أشهر تنظيم إرهابي في العالم التي تشهد خروج إحدى الجماعات التابعة على القيادة الدولية، فأثار الخبر موجات من الصدمة عبر المنتديات الإلكترونية التي يتلاقى فيها الجهاديون. لقد مرقت داعش، لا جدال.
تلك اللحظة من يونيو الماضي كانت لحظة حاسمة في تخلخل مركزية القاعدة وأيديولوجيتها منذ الحادي عشر من سبتمبر. فمع تراجع سلطة الجماعة التي أنشأها أسامة بن لادن، تولى طيف من عشرات الجماعات المنتشرة في أفريقيا والشرق الأوسط الطليعةَ الجهاديةَ العنيفةَ، فهاجمت المصالح الغربية في الجزائر وليبيا، وقامت بتدريب التفجيريين في اليمن، واستولت على أراض في سوريا والعراق، وقامت بتسليح الأفراد في كينيا.
ولم يعد ما يربط هذه الجماعات بالتنظيم المركزي ـ فيما يرى الخبراء ـ إلا أيديولوجية فضفاضة يمكن لأي مجموعة أن تتبناها وتطبقها حيثما تراها مناسبة مع احتفاظها بغلالة العلامة التجارية الشهيرة. وعليه وباختصار فإن القاعدة اليوم رؤية ـ لا كيان ـ يحرك طيفا متنوعا من الجماعات المسلحة.
ولقد قال وليم مكانتس الباحث في شئون الإسلام الجهادي في معهد بروكنجز إن "القاعدة اليوم أقرب إلى الطاقم الجاهز للاستخدام. هي أيديولوجية متنقلة محشوة برموزها وطرقها في حشد الناس وتوفير الأموال من أجل القضية. ولم يعد أحد مرغما على الانضمام إلى التنظيم لكي يستفيد من تلك المزايا".
ولقد جعل هذا من الصعب على صناع السياسات ومحللي الإرهاب أن يعرّفوا ما الذي يقصدونه بـ "القاعدة" وأن يقيّموا حجم تهديداتها. فضلا عن أن الاختلاف على تعريفات القاعدة أثار الجدالات في واشنطن حول مرتكبي هجوم 2012 على المقر الدبلوماسي الأمريكي في بنغازي بليبيا، لا سيما بشأن جماعة بنغازي المسلحة المعروفة بجماعة أنصار الشريعة . فبرغم أن الجهات الاستخبارية ووزارة الخارجية لا تعتبر هذا الجماعة تابعة للقاعدة، يذهب بعض منتقدي الرئيس أوباما الجمهوريين إلى أن رؤيتها الدينية المعادية للغرب تجعلها من جملة الجماعات التابعة.
منذ الحادي عشر من سبتمبر، نجحت العمليات الأمريكية المناهضة للإرهاب ـ من أوجه كثيرة ـ في إعاقة تنظيم القاعدة الأصلي الذي أسسه أسامة بن لادن من فلول المجاهدين الذين حاربوا السوفييت في أفغانستان منذ ثمانينيات القرن الماضي. فنجحت هجمات الطائرات آلية القيادة في تصفية قيادات كبرى، ونجحت وسائل المراقبة في إعاقة الاتصال مع الجماعات التابعة، وأزاح قتل أسامة بن لادن شخصية قيادية صاحبة كاريزما.
كان نظام منح الامتياز أساسيا للحفاظ على بقاء الجماعة وإن كان يعني في أغلب الحالات أن تترك الجماعات التابعة كل وأدواتها وتركيزها على النضالات المحلية أكثر من مهاجمة الغرب.
ولقد قال جريجوري جونسن مؤلف كتاب "الملاذ الأخير" وهو كتاب عن القاعدة في اليمن "إنه لم يعد هناك في حقيقة الأمر قاعدة واحدة. فلقد اصطبغت بالصبغة المحلية حيثما هي، وإن لم تقم أية جماعة فعليا بنبذ الجهاد الدولي".
ويبين لنا الصراع السوري ـ وهو أكبر جاذب للجهاديين الدوليين في الوقت الراهن ـ كم هو صعب في واقع الأمر أن نعين سمات الجماعات المسلحة وخصائصها.
فآلاف من المقاتلين الأجانب في داعش ـ وإن جاهرت برفض توجيهات الظواهري ـ قد استولوا على منطقة في العراق وسوريا حيث يسعون إلى تأسيس دولة إسلامية. ولقد أثار تسرعها في السيطرة على الموارد وفرض القوانين الإسلامية رد فعل سلبيا من جماعات أخرى، وأدى التقاتل بين الجانبين إلى مصرع  ما يزيد على ألف وأربعمائة شخص خلال الأسابيع الأخيرة.
جماعة القاعدة الأخرى في سوريا، وهي جبهة النصرة، تبقى موالية للظواهري، ولكنها تحتفظ كذلك بعلاقات طيبة مع الحركة الثورية الأوسع التي تتبنى الهدف الأمريكي المتمثل في التخلص من الرئيس بشار الأسد.
وفيما وراء تبعيتها المفتوحة للقاعدة، لا يوجد ما يفصل جبهة النصرة عن غيرها من الفصائل الإسلامية المقاتلة في سوريا. بل إن من بين هذه الفصائل، أعني أحرار الشام من لديه في قيادته أعضاء من تنظيم القاعدة. وفي حين قد ينزعج كثير من الأمريكيين (والسوريين) بسبب رؤية هذه الجماعات لمستقبل سوريا، إلا أنها لم تهاجم أهدافا غربية.  ولقد قال كلينت واطس عميل المباحث الفيدرالية الأمريكية السابق الذي يعمل حاليا مع معهد بحوث السياسة الخارجية في فيلادلفيا إن "هناك الكثير من الجماعات المسلحة الداعمة للمعتقدات الإسلامية أو السلفية أو الجهادية، ولكنها ليست جميعا معنية بالولايات المتحدة، فهل تسمونها القاعدة؟"
ويذهب هو وغيره من المحللين إلى إن إطلاق علامة القاعدة التجارية على جميع الجماعات يؤتي أثرا عكسيا ويرون من المنطقي أن نفرق بين جماعات ذات تركيز محلي وأخرى تركيزها الأساسي ينصب على مهاجمة الغرب.
في سياق هذه النظرية تكون أكثر الجماعات إثارة للقلق هي القاعدة في شبه الجزيرة العربية التي يتزعمها زميل لأسامة بن لادن في اليمن والتي دأبت على مهاجمة الولايات المتحدة. قال واطس إن هذا يجعلها تمثل تهديدا أكبر بكثير من الجماعات التي تستوحي أفكار القاعدة في قتالها ضد حكوماتها في شمال أفريقيا، أو بوكو حرام التي تمارس إرهابا طائفيا في شمال نيجريا.
يذهب آخرون إلى أنه حتى الجماعات المحلية ترى أنها سوف تنضم إلى النضال الدولي وقتما تستطيع. ولقد كان الكثيرون يفترضون أن جماعة الشباب التابعة للقاعدة في الصومال جماعة محلية إلى أن قام مسلحون بالهجوم على مركز ويستجيت التجاري في نيروبي. وجماعة مختار بلمختار الجهادية الجزائرية الغامضة بدت ذات تركيز منصب على التهريب عبر الصحراء إلى أن أغارت جماعته على حقل غاز طبيعي بحثا عن أجانب للقبض عليهم وقتلهم.
ولقد قال بروس هوفمان مدير الدراسات الأمنية بجامعة جورجتاون إنه "لم يسبق لتهديد من تهديدات القاعدة أن بقي على محليته. إذ ينتهي المطاف بهذه التهديدات إلى أن تعبر الحدود فتصبح لها عمليات وهجمات إقليمية، ثم إنها تكون ذات طابع دولي بالقطع في ما يتعلق بالتمويل والتجنيد".
حتى الجماعات غير المرتبطة مباشرة بالقاعدة يمكن أن تنتهز الفرص لمهاجمة أهداف أمريكية، كما في هجمة بنغازي في 2012 التي أسفرت عن مصرع السفير كرستوفر ستيفنس. في تلك الحالة، ربما كان التركيز الأمريكي المنصب على القاعدة  قد ساهم في فشل التنبؤ بالأخطار المختمرة  على مقربة.
لكن في حين أن بوسع مقاومة الإرهاب أن تكون فعالة في إيقاف تهديدات معينة، فإن حرمان الجماعات المسلحة من البيئات المضطربة التي تزدهر في أجوائها  أمر أصعب بكثير.
ولقد قال رامزي مارديني زميل المجلس الأطلنطي "إن ما ترونه في الشرق الأوسط يمثل مشكلة تسلح في مناطق لا تخضع لحكم. هذه هي المشكلة الحقيقية، وليس تبعية هذه الجماعة أو تلك للقاعدة أو عدم تبعيتها، المشكلة ليست في التبعية، بل في كيفية التخلص من هذه الجماعات في تلك المناطق".
كاتب المقال مراسل نيويورك تايمز في بيروت.
نيويورك تايمز