الثلاثاء، 11 مارس 2014

سامسا عاشقا

سامسا عاشقا
(1ـ2)
هاروكي موراكامي                             


استيقظ ليكتشف أنه تحوَّل فأصبح جريجور سامسا.
استلقى على ظهره في السرير ناظرا إلى السقف. استغرق وقتا حتى اعتادت عيناه الضوء المنخفض. ثم بدا له السقف مألوفا، سقفا عاديا كالذي ربما يصادفه المرء أينما ذهب. لعله ذات يوم كان مطليا بالأبيض، أو ربما بلون القشدة الفاتح، لكن سنين من الغبار والتراب أحالته إلى لون اللبن الحامض. يخلو من الزخارف، ومن أي سمة مميزة. ما من معنى فيه أو رسالة. فقط يقوم بدوره الهيكلي غير طامح إلى تجاوزه.
في أحد جوانب الغرفة، عن يساره، شباك طولي، لكن ستارته أزيلت ووضعت بدلا منها ألواح سميكة ثبتت بالمسامير في إطار الشباك، وقد تُرك بين الألواح فاصل عرضي يبلغ اتساعه  نحو بوصة، ولم يكن واضحا أهو متروك عن عمد أم عن سهو، لكنه في كل حال كان يسمح بمرور أشعة شمس الصباح مشكِّلة على الأرضية صفًّا من خطوط الضوء المتوازية. ولكن لماذا كانت النافذة محصَّنة بتلك الطريقة الجهمة؟ أكانت في الأفق عاصفة مثلا أو إعصار؟ أم لمنع شخص من الدخول؟ أم لمنع شخص (ربما يكون هو نفسه؟) من الخروج؟
مستلقيا لم يزل، بدأ يدير رأسه ببطء متأملًا بقية الغرفة. لم ير فيها أثاثا، اللهم إلا السرير الذي كان مستلقيا عليه. لا تسريحة، لا مكتب، لا مقعد. ولا على الجدران لوحة، أو ساعة أو مرآة. لا مصباح ولا إضاءة. ولا أمكنه حتى أن يرى بساطا على الأرض أو فرشا من أي نوع للخشب العاري. كانت الجدران مكسوة بورق زخارفه معقدة التصميم لكنه بالغ القدم والاهتراء فكان من قبيل المستحيلات تبيُّن تصميم زخارفه تلك.
ربما كانت الغرفة ذات يوم غرفة نوم طبيعية. ولكن كل مظاهر الحياة الإنسانية الآن مُزالة لا أثر لها. لم يبق منها جميعا إلا سريره الوحيد في وسط الغرفة. وحتى هذا لم يكن فيه من السرير إلا المرتبة، فلا ملاءات عليه ولا أغطية ولا وسادة، إنما هي المرتبة وحدها، وهي أيضا شديدة القدم.
لم يكن سامسا يعرف أين هو، أو ما ينبغي له أن يفعله. كل ما كان يعرفه هو أنه الآن إنسان اسمه جريجور سامسا. وكيف عرف هذا؟ ربما همس أحد بهذا في أذنه وهو نائم؟ ولكن من كان قبل أن يصبح سامسا؟ أو ماذا كان؟
وفي اللحظة التي بدأ فيها يتأمل هذا السؤال، إذا بشيء كما لو كان عمودا من البعوض الأسود يحوم في رأسه. ومضى العمود يتكاثف ويتعاظم وهو ينتقل إلى جزء أرق في مخه، دون أن يكف في طريقه عن الطنين. قرر سامسا أن يتوقف عن التفكير. وكانت محاولة التفكير في أي شيء آخر في تلك المرحلة عبئا ثقل عليه أن يحمله.
على أية حال، كان عليه أن يتعلم كيف يحرّك جسمه. فما كان يمكن أن يبقى إلى الأبد محملقا في السقف. وكان وضعه ذلك يتركه غير مؤمّن بالمرة، بلا أدنى فرصة للنجاة من هجمة تشنها مثلا طيور مفترسة. في الخطوة الأولى جرَّب أن يحرك أصابعه. كان لديه منها عشرة، عشرة أشياء طوال ملحقة باليدين، وكلٌّ منها مزوَّد بعدد من المفاصل التي تجعل ضبط التوازن بين حركاتها مسألة بالغة التعقيد. ولزيادة الطين بلة، كان يشعر في جسمه بخدر، وكأنه غارق في سائل لزج ثقيل، فلم يستطع أن يبث القوة في أطرافه.
ومع ذلك، وبعد محاولات وإخفاقات متكررة، وبعد إغماضه وتركيزه، أمكنه أن يجعل أصابعه أكثر خضوعا لسيطرته، وقليلا قليلا بدأ يتعلم كيف يجعلها تعمل مع بعضها البعض. ومع بدء أصابعه في العمل أخذ الخدر الذي كان يغلف جسمه في الانسحاب. وحل محله ألم مضن، فكأنما ساحل  نكد أغبر انسحب عنه موج وانحسر.
مر وقت على سامسا قبل أن يدرك أن ألمه هذا جوع. فقد كانت هذه الرغبة الضارية إلى الطعام جديدة عليه، أو هو على الأقل لم يكن يتذكر أنه مرَّ بمثل هذا. كان وكأنه لم يضع في فمه لقمة منذ أسبوع. وكأنما مركز جسمه الآن قد بات غارا خاويا. صَرَّت عظامه، وتقلصت عضلاته، وتشنجت أعضاؤه.
عاجزا عن احتمال الألم أكثر من ذلك، ارتكز سامسا بمرفقيه على المرتبة، وقليلا قليلا، راح يرفع نفسه. وفي ثنايا ذلك كانت طرقعات عديدة ومقرفة تصدر عن عموده الفقري. وحدثته نفسه، يا إلهي، كم مضى عليّ وأنا مستلق هنا؟ كان جسمه يقاوم كل حركة. لكنه يكافح، مستحثا قواه، إلى أن أمكنه في النهاية أن يستوي جالسا.
وفي فزع رأى سامسا جسمه العاري. كم بدا له عليلا، بل أسوأ من العليل. فلم يكن لديه من وسائل الدفاع الذاتي أيُّ شيء. بشرة جلدية بيضاء (يتناثر عليها قدر تافه من الشعر) تظهر عبرها أوعية دموية زرقاء واهية، وبطنٌ لينةٌ بلا حماية، وقضيبٌ سخيف مستحيل التصميم، وأذرع وسيقان في غاية النحول والسقم (ومن كل اثنان لا أكثر)، وعنقٌ هزيل قابل للانكسار، ورأسٌ هائل شائه على قمته دغلٌ من الشعر المتكلس، وتبرز منه أذنان عبثيتان هما في نتوئهما أشبه بمحارتين. أكان هذا الشيء هو نفسه فعلا؟ أيمكن لجسم بهذه الغباوة، سهل التحطم إلى هذه الدرجة (فما من صَدَفَةٍ يدافع بها، وما من سلاح يهاجم به) أن يبقى في العالم؟ لماذا لم يتحول إلى سمكة؟ أو عبَّادة شمس؟ فهذه وتلك منطقيتان. أكثر منطقية على الأقل من هذا الكائن البشري جريجور سامسا.
متأهبا، أنزل ساقيه عن طرف السرير إلى أن مس بعقبيهما الأرض. وما مسها حتى جعلته البرودة غير المتوقعة يشهق، وبعد إخفاقات كثيرة جعلته يتهاوى على الأرض، أمكنه في النهاية أن يتوازن على قدميه. وقف هناك، بكثير من الرضوض والتقرحات، مستندا بإحدى يديه على ظهر السرير، وقد شقَّ عليه أن يقيم رأسه الثقيل. كانت رائحة العرق تفوح من إبطيه، وقضيبه منكمش من فرط ما بذله من جهد. وكان عليه أن يتنفس كثيرا وبعمق إلى أن تبدأ عضلاته المتوترة في الانبساط.
وما كاد يألف الوقوف، حتى كان عليه أن يتعلم المشي. وكان المشي على ساقين اثنتين يرقى إلى العذاب الحق، ففي كل حركة ألمٌ مضنٍ. ومهما تكن نظرته إلى الأمر، كان التقدم بساقيه اليمنى واليسرى كل بعد الأخرى نهجا غريبا يهزأ بكل قوانين الطبيعة، أما المسافة الرهيبة بين عينيه والأرض فقد بعثت الرعب في أوصاله. كان عليه أن يؤالف بين فخذيه وركبتيه، وكلما كان يخطو إلى الأمام خطوة، ترتعش ركبتاه، فيستند بكلتا يديه على الجدار.
لكنه علم أنه لا يمكن أن يبقى في الغرفة إلى الأبد. لأنه لو لم يعثر على الطعام، وبسرعة، فإن بطنه المتضورة ستبدأ في استهلاك لحم جسمه، وسرعان ما لن يكون له وجود.
مضى يترنح باتجاه الباب مستندا في طريقه على الجدار. بدت الرحلة كما لو كانت استغرقت ساعات، برغم أنه لم يكن يمتلك وسيلة لقياس الوقت، إلا بألمه. كانت حركته خرقاء، وإيقاعه سلحفائيا، ولم يكن بوسعه التقدم إلا معتمدا على شيء. وأفضل ما يمكن أن يصادفه في الشارع أن يتصوره الناس معاقا.
فهم مقبض الباب فجذبه، لكنه لم يستجب. دفعه فلم يستجب. ثم حركه يمينا وجذب، فانفتح الباب بصرير خافت. مدَّ رأسه من فتحة الباب ونظر. كانت الطرقة خالية، هادئة كأنها قاع المحيط، أخرج ساقه اليسرى من الباب، ودفع بنصف جسمه العلوي مخرجا إياه، وقد تشبث بيد في إطار الباب، ثم سحب ساقه اليمنى. تحرك في الطرقة ببطء، ويداه على الجدار.
في الطرقة أربعة أبواب، منها الباب الذي فتحه للتو. كلها متماثلة الخشب الداكن. فما الذي وراءها، أو من؟ ودَّ لو يفتحها جميعا ويكتشف. فلعله حينئذ يبدأ في فهم الظروف الغامضة المحيطة به، أو يكتشف على أقل تقدير مفتاحا ما للغز. لكنه مر بالأبواب بابا بعد باب حريصا ألا يصدر عنه صوت، وقد تغلبت حاجته إلى ملء بطنه على فضوله. كان عليه أن يعثر على شيء حقيقي يأكله. وكان ساعتها قد عرف أين يعثر عليه.
ليس عليك إلا أن تقتفي الرائحة، هكذا حدثته نفسه وهو يتشمم. كان ثمة شذا طعام مطبوخ، جزيئات ضئيلة تسبح إليه في الهواء. كانت المعلومات التي جمعتها في أنفه مُستقبِلات الشم قد نقلت إلى مخه، فأفرزت فيه توقعا بالغ الوضوح، وشهوة في غاية العنف، فشعر بأحشائه تتلوى ببطء، كأنما هي واقعة تحت آلة تعذيب قاسية. وامتلأ فمه باللعاب.
ولكنه لكي يصل إلى مصدر هذه الشذا كان لا بد أن ينزل سلما من سبع عشرة درجة. كان يصعب عليه أصلا أن يسير على أرض مستوية، فكان خوض غمار تلك السلالم كابوسا حقيقيا ينتظره. تشبث في سور السلم بكلتا يديه وبدأ النزول، وقد أوشكك كاحلاه الهزيلان على الانهيار من وطأة ثقل جسمه، وأوشك أن يتهاوى على الدرجات.
وما الذي كان في رأس سامسا وهو يشق طريقه نازلا السلم؟ السمكة وعبّادة الشمس في أغلب الوقت. لو كنت تحولت إلى سمكة أو عبّادة شمس، لأمكنني أن أعيش حياتي كلها في سلام، دونما كفاح في صعود سلم كهذا أو نزوله.
ولما بلغ سامسا أسفل الدرجات السبع عشرة، فرد قامته، واستجمع ما بقي لها من فضلات قوته، ومضى يتنقل باتجاه الرائحة المثيرة. عبر الصالة عالية السقف وخطا عبر باب غرفة الطعام المفتوح. كان الطعام موضوعا على مائدة بيضاوية كبيرة حولها خمسة مقاعد، ولكن لا أثر لأحد. فقط نفثات من البخار تتصاعد من أطباق التقديم. ومزهرية زجاجية فيها سوسنات كثيرة تحتل منتصف المائدة. كان ثمة أربعة أماكن وضعت فيها المناشف وأدوات المائدة وواضح أنها لم تمس بعد. بدا وكأن ناسا كانوا جالسين لتناول إفطارهم قبل دقائق معدودات، حينما وقع على غير انتظار حدثٌ مفاجئٌ جعلهم يسارعون بالخروج. فماذا جرى؟ وإلى أين ذهبوا؟ أو إلى أين سيقوا؟ تراهم يرجعون لتناول الإفطار؟
ولكن سامسا لم يكن لديه من الوقت ما يضيّعه في تأمل هذه الأسئلة. تهاوى على أقرب مقعد، وراح يختطف ما تصل إليه يداه من طعام فيحشره في فمه، غير مبال بالسكاكين والملاعق والشوك والمناشف. كان يقطع الخبز لقيمات يغمسها في المربى أو الزبدة، ويلتهم قطعة السجق المسلوقة البدينة بأكلمها، ويبلع البيض المسلوق بسرعة حتى كاد ألا يقشره، ويغرف ملء يديه من البطاطس المهروسة الساخنة، ويتناول المخلل بأصابعه. كان يمضغ كل ذلك معا، ويتبعه بجرعات من إبريق الماء يبلع بها ما يعلق في ثنايا فمه. ولم يكن للمذاق وزن. سواء لديه اللذيذ والبغيض، والمتبّل والحامض، المهم أن يمتلئ الغار الخاوي بداخله. فكان يأكل بكل تركيز وكأنه يسابق الزمن، منهمكا في الأكل إلى درجة أنه أخطأ وعضّ أصابعه وهو يلعقها، وتناثر من حوله فتات الطعام في كل موضع، وعندما وقع طبق على الأرض فتهشم لم يعره أدنى اهتمام.
ولما أكل كفايته واضطجع يلتقط أنفاسه، لم يكن قد بقي أمامه من الطعام أي شيء تقريبا، وباتت المائدة في حالة يرثى لها، فكأن سربا من الغربان المتناحرة دخل من الشباك المفتوح فحط عليها والتهمها ثم طار خارجا. الشيء الوحيد الذي لم يمس هو مزهرية السوسن، ولو لم يكن الطعام كفاه، فلعله كان ليأكلها.
جلس طويلا وهو يشعر بالدوار، ويداه على المائدة، يحملق في السوسن بعينين نصف مغمضتين، يتنفس بعمق وببطء، بينما الطعام الذي التهمه يمضي في طريقه داخل جهازه الهضمي، من المريء  إلى الأمعاء. بينما راح إحساس الشبع يتملكه مثل مَدٍّ يعلو. تناول إبريقا معدنيا وصبَّ قهوة في فنجان أبيض من السيراميك، وأحيا العبق القوي فيه ذكرى ما، لم تنكشف له على الفور، بل وصلته على مراحل. بدت ذكرى إحساس غريب، كأنه يجمع الحاضر من المستقبل، وكأن الزمن انشقّ بطريقة ما إلى شقين فصار ما كان وما هو كائن يدوران في دائرة مغلقة، كل يتبع الآخر. أضاف بكرمٍ القشدةَ إلى القهوة وقلَّبها بإصبعه، وشرب. كان في القهوة، وإن بردت، بقايا من الدفء، فكان يستمهلها في فمه ثم يتركها تتقاطر ببطء إلى حلقه، وقد وجد أنها تهدئه بعض الشيء.
بغتة شعر بالبرد. وكانت عضة الجوع من قبل تطغى على  أحاسيسه الأخرى، والآن وقد شبع، راحت قشعريرة الصباح على جلده تجعله يرتعش. كانت النار انطفأت، ولم يبد أن التدفئة تعمل، وكان فوق ذلك كله عاريا تماما، حتى قدماه كانتا حافيتين.
عرف أنه لا يد أن يعثر على ما يرتديه، فبحاله ذلك كان يشعر ببرد قارس. ثم إن افتقاره إلى الملابس كان ليمثل مشكلة إن ظهر أحد. قد يطرق أحد الباب. أو ربما يرجع الذين كانوا هنا موشكين على الجلوس لتناول الإفطار. ومن يدري أي رد فعل يمكن أن يصدر عنهم إن رأوه على هذه الحال؟
فهم ذلك كله. لم يحدسه، مثلا، أو يدركه بأية طريقة عقليا، ولكنه عرفه، عرفه نقيا وبسيطا. لم تكن لسامسا دراية بمصدر هذه المعرفة. فلعلها كانت ترتبط بدوامة الذكريات الجارية في ذهنه.
قام واتجه إلى الصالة. كانت مشيته لم تزل خرقاء، لكنه بات الآن قادرا على الأقل أن يقف ويسير على ساقيه دونما تشبث في شيء. رأى في الصالة مشجبا من الحديد المشغول عُلِّقَ فيه العديد من العكاكيز فتناول واحدا أسود مصنوعا من خشب البلوط يستعين به على التنقل وقد بثَّ مقبضه القوي في نفسه الارتياح والشجاعة. صار لديه الآن سلاح يرد به العدوان إن حدث وهاجمته الطيور. مضى إلى الشباك ونظر من فاصل بين الستائر المثقَّبة.
كان البيت يطل على شارع غير بالغ الضخامة، لا يمر فيه الكثيرون. لكنه لاحظ أن كل مارٍّ فيه كان مرتديا كامل الثياب. وكانت الثياب من مختلف الألوان والأشكال. وثياب النساء تختلف عن ثياب الرجال. والجميع يضعون أقدامهم في أحذية من جلود قوية، وقليل منهم يتخايل بأحذية لامعة براقة، وصل إلى أذنيه وقعُ كعوبها على البازلت. كان كثير من الرجال والنساء يلبس القبعات، ولا يبدو عليهم أنهم يتوقفون كثيرا أو قليلا عند مشيهم على ساقين أو تغطيتهم أعضاءهم الجنسية. قارن سامسا صورته المنعكسة على مرآة طولية في الصالة بأشكال السائرين بالخارج. كان الرجل الذي طالعه في المرآة كائنا بائسا بادي الضعف والهشاشة، ملطخ البطن بسوائل من طعامه، وفتات الخبز عالق في شعر عانته كأنه نتف القطن. أزال بيده القذارة.
عاد يحدث نفسه أن نعم، لا بد أن أجد ما أغطي به جسمي.
عاود النظر إلى الشارع باحثا هذه المرة عن الطيور. لكنه لم يرى طيورا هناك.
يتألف طابق البيت الأرضي من طرقة وصالة وغرفة طعام ومطبخ. وبحسب ما يبدو له، لم يكن في أي من هذه شيء شبيه أي شبه بالثياب. مما يعني أن الخلع والارتداء حتما يجريان في مكان آخر. ربما في إحدى غرف الطابق الثاني.
عاد سامسا إلى السلم وبدأ يرتقيه. واندهش لما اكتشف أن الصعود أسهل بكثير من النزول، فقد سهل عليه وهو متشبث بسور السلم أن يرتقي الدرجات السبع عشرة بسرعة أكبر بكثير وبغير ألم مفرط أو خوف، متوقفا مرات عديدة في طريقه (وإن لم تطل أية مرة منها) ليلتقط أنفاسه.
يمكن القول إن الحظ كان حليفه، فلم يكن أي من أبواب غرف الطابق الثاني مغلقا بالمفتاح. كل ما كان عليه القيام به هو أن يدير المقبض وبدفع الباب فتنفتح له الأبواب واحدا بعد الآخر. هي إجمالا أربع غرف، وباستثناء الغرفة المرعبة ذات الأرضية العارية التي استيقظ فيها، فالغرف جميعا مؤثثة بطريقة مريحة، ففي كلٍّ منها سرير مفروش فرشا نظيفا، وتسريحة، ومكتب، ومصباح مثبت إما في السقف أو في جدار، وسجادة على الأرض أو بساط ذو زخارف معقدة. والكتب مصفوفة بانتظام على رفوفها والجدران مزينة بلوحات مناظر طبيعية في إطارات جميلة. وفي كل غرفة مزهرية زجاجية ممتلئة بزهور يانعة. وما من شباك في أي غرفة مسدود بألواح مثبتة بالمسامير، بل تغطيها جميعا ستائر ينصبّ نور الشمس عبر ثقوبها انصباب رحمة علوية. ويظهر من جميع الأسرَّة أن هناك من نام فيها مؤخرا، فقد رأى سامسا آثار الرؤوس على الوسائد.
عثر سامسا على مئزر نوم يناسب قياسه في خزانة الغرفة الكبرى، بدا له شيئا يمكنه التعامل معه، أما بقية الثياب فلم يتصور ما الذي يمكن أن يفعله فيها، كيف يمكنه أن يرتديها، فقد كانت، ببساطة، بالغة التعقيد، فيها على سبيل المثال الكثير للغاية من الأزرار، علاوة على أنه لم يستطع أن يميّز وجهها من قفاها، أو أعلاها من أدناها. ما الذي ينبغي أن يكون في الخارج وماذا بالداخل؟ أما مئزر النوم في المقابل فكان بسيطا عمليا خاليا إلى حد كبير من الزخارف، وقماشه خفيف ناعم مريح على جلده، ولونه أزرق داكن. ثم إنه عثر على شبشب يليق معه.
وضع المئزر على جسمه العاري وبعد كثير من التجارب نجح في ربط حزامه حول خصره، ثم نظر إلى نفسه في المرآة وقد بات الآن مستورا في مئزر وشبشب، وكان ذلك ولا شك خيرا له من التجول عاريا. من المؤكد أن ما لبسه لم يوفر له ما كان يلزمه من الدفء، ولكنه كان كافيا للحيلولة دون البرد ما بقي في مكان مغلق. والأهم على الإطلاق أنه لم يعد متخوفا من أن يبدو جلده الطري مكشوفا للطيور الكواسر.
عندما رن جرس الباب، كان سامسا نائما في غرفة البيت الكبرى (وفي أكبر أسرَّته)، ينعم بالدفء تحت لحاف من الريش يلفه لفا فكأنه نائم بداخل بيضة. استيقظ من حلم، لم يستطع أن يتذكر تفاصيله، لكنه كان يشعر بالبهجة والسرور. وأخذت أصداء رنين الجرس تتردد في البيت ساحبة إياه مرة أخرى إلى برودة الواقع.
انتزع نفسه من السرير، وأحكم حزام المئزر، لبس الشبشب الأزرق الداكن، وتناول العكاز، وأخذ يتمايل نازلا الدرجات وقد استند بإحدى يديه على السور، وكان أسرع وأيسر من المرة الأولى، ولكن خطر الوقوع كان لا يزال قائما، ولم يكن هو ليتخفف من تحسبه واحتراسه، فأبقى عينيه على قدميه، وتلمَّس خطاه وهو ينزل الدرجات واحدة بعد واحدة، بينما الجرس يواصل الرنين. ومهما يكن الشخص الذي يضع إصبعه على الزر لا بد أن يكون أكثر الناس عنادا وأقلهم صبرا.
اقترب سامسا من الباب والعكاز في يده اليسرى. حرّك مقبض الباب يمينا وجذبه فانفتح الباب.
كانت امرأة دقيقة الحجم واقفة بالخارج. بل دقيقة الحجم للغاية، حتى أن وصولها إلى زر الجرس أمر عجيب، لكنه حينما أمعن النظر أدرك أن الأمر لا يتعلق بدقة حجمها، بل بظهرها بالذات، فقد كان منحنيا إلى الأمام انحناءة دائمة، وهو ما يجعلها تبدو أصغر حجما، برغم أن قوامها في واقع الأمر طبيعي الأبعاد. كانت قد عقدت شريطا مطاطيا لتحول دون انسدال شعرها على وجهها، وكان شعرها شديد الغزارة كستنائيا داكنا. كانت ترتدي سترة قديمة من صوف التويد على جيبة واسعة بعض الشيء وطويلة تصل إلى كاحليها، وتلف حول عنقها وشاحا قطنيا مخططا، ولم تكن ترتدي قبعة، أما حذاؤها فكان من النوع المائل إلى الاستطالة المزود بالأربطة. وكان يبدو عليها أنها في مطلع العشرينيات، فلم يزل فيها سمتٌ بناتي ما. عيناها واسعتان، وأنفها دقيق، وشفتاها منحرفتان قليلا إلى أحد الجنبين، كأنهما هلال هزيل. ولها حاجبان داكنان يمتدان فوق عينيها خطا مستقيما بعرض جبهتها فيضفيان عليها منظرا مريبا.
قالت المرأة وقد رفعت رأسها تنظر إليه "أهذا منزل آل سامسا؟" ثم لوت جسمها كلها تماما كما تلتوي الأرض أثناء زلزال عنيف.
أحس بالروع لأول وهلة ولكنه تمالك نفسه. قال "نعم". فبما أنه جريجور سامسا، لا بد أن يكون هذا هو منزل آل سامسا. ولا ضير  على أية حال من قول نعم.
ولكن الإجابة لم تبد مرضية للمرأة. فقد عبس وجهها. ربما لأنها استشعرت في نبرة صوته بعض الارتباك.
احتدّ صوتها وهي تقول "هذا منزل آل سامسا، فعلا؟" فكأنها بواب عمارة متمرس يسحق زائرا وضيعا.
قال سامسا "أنا جريجور سامسا" بأهدأ نبرة استطاع تحقيقها، فذلك الأمر على الأقل كان متأكدا منه.
قالت "أرجو أن تكون محقا" ومدت يدها إلى حقيبة قماشية بين قدميها. كانت حقيبة سوداء وبدت شديدة الثقل، بالية في مواضع منها، وقد تنقلت بلا شك بين سلسلة من الملاك. "لنبدأ إذن".
                                                                                                                  يتبع

نشر هذا الجزء من القصة اليوم في شرفات والبقية الأسبوع القادم. القصة نشرت كاملة بالإنجليزية في أكتوبر 2013 في ذي نيويوركر وقد ترجمت من اليابانية إلى الإنجليزية بقلم: تيد جوزين.