الجمعة، 21 يونيو 2013

الأبعد ... روبنسن كروزو وديفيد فوستر والاس في جزيرة العزلة

الأبعد
روبنسن كروزو وديفيد فوستر والاس في جزيرة العزلة
جوناثان فرانزن
هي جزيرة مقفرة، تحمل اسم مغامر من مغامري القرن الثامن عشر يحتمل أن يكون هو الذي ألهم بأولى الروايات الإنجليزية. هكذا حدثتني نفسي بأن أجنح إليها وأقرأها.
في المحيط الهادي الجنوبي، على بعد خمسمائة ميل من ساحل وسط تشيلي، تقع جزيرة بركانية مهندسة الأبعاد، ومن ثم منفرة، طولها سبعة أميال وعرضها أربعة، تقطنها الملايين من الطيور البحرية، والآلاف من الفقمات ذات الفراء، لكنها خلو من الناس، اللهم إلا في شهور الدفء إذ تفد عليها حينئذ حفنات من الصيادين بحثا عن سرطان البحر. وأنت لكي تبلغ الجزيرة ـ التي تحمل رسميا اسم "أليخاندرو سيلكيرك" Alejandro Selkirk ـ فلا بد أن تقلك من سنتياجو طائرةٌ بستة كراس تطير مرتين كل أسبوع إلى جزيرة على بعد مائة ميل جهة الشرق. ومن مهبطها يقلك مركب صغير مفتوح إلى القرية الوحيدة في الأرخبيل، فتنتظر ثمة الركوب في واحد من اللنشات التي تقوم بين الحين والآخر بتلك الرحلة البحرية التي تستغرق اثنتي عشرة ساعة، وتعود فتنتظر الجوَّ الملائمَ للرسو على الساحل الصخري، وقد يطول انتظارك هذا لعدة أيام. في ستينيات القرن العشرين، أعاد مسئولو السياحة في تشيلي تسمية الجزيرة باسم ألكسندر سيلكيرك، وهو المغامر الاسكتلندي الذي يحتمل أن تكون حكاية حياته في الأرخبيل، وحيدا من دون الناس، هي الأساس الذي قامت عليه رواية "دانيال ديفو" المعروفة بـ "روبنسن كروزو"، ولكن أهل المنطقة لا يزالون يستخدمون الاسم الأصلي: ماسافويرا  Masafuera، أو، الأبعد.
كنت في نهاية الخريف الماضي بحاجة إلى أن أكون أبعد. فعلى مدار أربعة شهور كنت غارقا في الترويج لرواية، أربعة شهور بلا توقف، كنت فيها ملتزما بجدولي دونما أدنى إخلال، شاعرا بنفسي كأنني ذلك الشكل الذي يظهر للمستخدم على الشريط الزمني في الميديا بلاير. كتل كاملة من تاريخي الشخصي كانت تموت بداخلي من فرط حديثي عنها [للجمهور أثناء تلك الجولات الترويجية]. وكلَّ صباح نفس جرعات النيكوتين والكافيين المتزايدة، وكلَّ مساء نفس الهجوم على طابور رسائلي الإلكترونية، وكلَّ ليلة نفس الشرب طلبا لنفس فقاعة اللذة المعطِّلة للمخ. وفي لحظة معينة، وقد قرأت عن ماسافويرا، بدأت أتخيل نفسي وأنا أجري هنالك وحدي مثل سيلكيرك في أعماق الجزيرة، حيث لا يعيش أحد.
في كتابه الكلاسيكي "صعود الرواية"، يربط "أيان واط" زخم الإنتاج الروائي في القرن الثامن عشر بالطلب المتزايد على المتعة المنزلية من قبل نساء تحررن من المهام المنزلية المعتادة وصار لديهن من وقت الفراغ الكثير.
تصورت أيضا أنه قد يكون جيدا وأنا هناك أن أعيد قراءة الكتاب الذي يعد بصفة عامة أول رواية في اللغة الإنجليزية. كانت "روبنسن كروزو" هي وثيقة الفردية العظمى المبكرة، قصة إنسان عادي تمكن من البقاء فيزيقيا وعمليا برغم العزلة الكاملة. ومضى هذا المشروع الروائي المرتبط بالفردية ـ مشروع البحث عن المعنى في حكاية واقعية ـ مضى إلى أن أصبح المزاج الأدبي المهيمن في هذه الثقافة على مدار القرون الثلاثة التالية. فبوسعنا أن نسمع صوت كروزو في روايات "جين إير"، و"في قبوي"، و"الرجل الخفي" [لرالف إليسن]، و"الغثيان" لسارتر. أثارتني هذه الأعمال جميعا وبقيت بالنسبة لي جديدة طول الوقت، وبقيت ذكرى للحظات من شبابي كانت تستولي عليّ فيها فأبقى جالسا بالساعات في هدوء غير شاعر بأدنى ملل. في كتابه الكلاسيكي "صعود الرواية"، يربط "أيان واط" زخم الإنتاج الروائي في القرن الثامن عشر بالطلب المتزايد على المتعة المنزلية من قبل نساء تحررن من المهام المنزلية المعتادة وصار لديهن من وقت الفراغ الكثير. وهكذا، وبطريقة مباشرة تماما، تكون الرواية الإنجليزية، بحسب ما يقول واط، قد قامت من وسط رماد الملل. والملل كان ما أعاني أنا منه. وأنت كلما لاحقت مُشَتِّتاتك، قلت فعالية أي مشتت منها، ومن ثم فقد كان لزاما عليَّ أن أزيد من جرعات عديدة، إلى أن حدث، دونما علم مني، أن صرت أراجع بريدي الإلكتروني كل عشر دقائق، وحصصي من التبغ باتت أكبر وأكبر، وكأسيْ كلِّ ليلة ترديا إلى أربعة، وحققت أستاذية عميقة في لعبة سوليتير على الكمبيوتر فلم يعد هدفي هو الفوز بمباراة بلا بثلاث متتابعات على الأقل، وذلك نوع من الميتا سوليتير الذي لا تتأتى المتعة فيه من اللعب بل من استعراض سجل الانتصارات والهزائم [وسوليتير اسمها مشتق من العزلة]. وأطول سجل لي من الانتصارات المتتالية بلغ إلى الآن ثمانية.
تدبرت توصيلة إلى ماسافويرا في قارب صغير يؤجره بعض علماء النبات المغامرين. وبعد ذلك أغرقت نفسي في عربدة استهلاكية صغيرة في متجر R.E.I. حيث تنضبط الملحمة الكروزوية في ممرات حقائب المعدات الخفيفة إلى أقصى حد، وربما أيضا في بعض رموز الحضارة في قلب البرية مثل كأس المارتيني ذي الساق غير القابلة للدوران، علاوة على حقيبة ظهر جديدة، وخيمة وسكينة، تزودت بأشياء معينة قديمة الطراز كطبق بلاستيكي ذي حافة من السيليكون قابلة للطي إلى أعلى لتصبح سلطانية وأقراص لمعادلة مذاق الماء معقمة باليود، ومنشفة من الميكروفايبر يمكن تخزينها في جيب شديد الصغر، وفلفل عضوي مجفف ومجمد، وملعقة لها أطراف شوكة غير قابلة للكسر. جمعت كذلك كميات ضخمة من المكسرات، والتونة، وألواح البروتين، فقد قيل لي إنه إذا ساء الجو، قد أبقى جانحا على ماسافويرا إلى الأبد.
عشية سفري إلى سانتيجاو، زرت كارين، أرملة الكاتب "ديفيد فوستر والاس". وفيما كنت أتهيأ لمغادرة منزلها، سألتني دونما مقدمات عما إذا كنت أرغب في اصطحاب بعض رفات ديفيد لنثره في ماسافويرا. قلت إنني أرغب في هذا، فأتت بعلبة ثقاب خشبية عتيقة على شكل كتاب ينفتح فيه درج ووضعت فيها بعض الرفات وقالت إنها سعيدة بفكرة أن يرتاح بعض من ديفيد على جزيرة نائية غير مأهولة. ولم أدرك إلا فيما بعد، وأنا أسوق مبتعدا عن منزلها، أن إعطاءها الرفات لي كان لأجلي بقدر ما هو لأجلها هي أو لأجل ديفيد. كانت تعرف، لأنني أخبرتها، بأن حالتي الراهنة، أي حالة ارتحالي عن نفسي، قد بدأت عقب وفاة ديفيد قبل عامين. كنت في ذلك الوقت قد قررت ألا أفكر في الانتحار المشين إذ يقوم به شخص أحبه، بل ألوذ بالغضب والعمل. غير أنه بعدما انتهى العمل، بات أصعب عليّ من ذي قبل أن أتجاهل أحد الأسباب المزعومة لقيام ديفيد بالانتحار، وهو أنه انتحر بدافع من الملل واليأس من رواياته القادمة. فهل كانت هناك علاقة  بين بلوغ مللي أنا حافة اليأس وبين عدم وفائي بوعد قطعته لنفسي؟ وعدي بأن أسمح لنفسي ـ بمجرد الانتهاء من كتابي ـ بأن تشعر بما هو أكبر من الحزن العابر والغضب المحتمل بسبب وفاة ديفيد؟
وهكذا، في الصباح الأخير من شهر يناير، وصلت وسط ضباب كثيف إلى نفطة في ماسافويرا تدعى "لا كوتشارا" (المِلْعَقَة)، على ارتفاع ثلاثة آلاف قدم من سطح البحر. كان معي دفتر، ومنظار، وطبعة شعبية من "روبنسن كروزو"، والكتيب الصغير الحاوي بقايا ديفيد، وحقيبة معلقة على الظهر تحتوي معدات التخييم، وخريطة للجزيرة عديمة الفائدة تماما، وغير مزود بكحول أو تبغ أو كمبيوتر. وبغض النظر عن أنني بدلا من التخييم بمفردي كنت أتبع حارس غابات شابا وبغلا وأحمل حقيبة على ظهري، وأنني اصطحبت معي ـ نزولا على إصرار العديد من الناس ـ جهاز لاسلكي ووحدة تحديد للموقع [G.P.S.] عمرها عشر سنوات، وهاتفا متصلا بالقمر الصناعي، والعديد من البطاريات الاحتياطية، فقد كنت معزولا تمام العزلة.
أول علاقة لي بـ "روبنسن كروزو" هي أن أبي قرأها لي، فهي "والبؤساء" كانتا الروايتين اللتين تعنيان له أي شيء. ومن المتعة التي كان يجدها من قراءتها لي، يبدو واضحا أنه كان يرى نفسه في كروزو مثلما كان يرى نفسه في "جان فاليجان" (الذي كان ينطق اسمه بسبب عصامية تعليمه "جين فال جين"). كان أبي ـ مثل كروزو ـ يشعر أنه منعزل عن الآخرين، وكان صارم الاعتدال في عاداته، مؤمنا بتفوق الحضارة الغربية على "همجية" الثقافات الأخرى، ويرى العالم الطبيعي مجرد شيء للاستغلال والإخضاع، وكان من عتاة المعتمدين على أنفسهم. فكان من الطبيعي أن يمثل له البقاء في جزيرة صحراوية محاطا بأكلة لحوم البشر محروما من كل المتع مثالا للمغامرة. لقد ولد أبي في بلدة قاسية أقامها أبوه وأعمامه الرواد، ونشأ على العمل في معسكرات تعبيد الطرق في مناطق المستنقعات المقفرة. وكان يحتفظ في قبو بيتنا بسانت لويس بورشة كاملة ظل يدأب على تلميع أدواتها، وفيها كان يصلح ثيابه (وكان خياطا ماهرا) ويخترع من الخشب والمعدن والجلد حلولا أكيدة لكل ما يطرأ على البيت من مشكلات في الصيانة. وكان يأخذني وأصدقاء لي للتخييم عدة مرات في السنة، فينظم بنفسه المخيم بينما أجري أنا وأصحابي في الغابة، ويعد لنفسه سريرا من بطانية قديمة خشنة يفرشها بجوار أكياس النوم التي كنا نستخدمها نحن. وأعتقد أنني ـ إلى حد ما ـ كنت مجرد ذريعة له كي يخرج للتخييم.
أخي توم، الذي لا يقل عن أبي عتوا في الاعتماد على النفس، أصبح رحالة حقيقيا بعد التحاقه بالكلية. ولأنني كنت أحاول أن أحاكي توم في كل شيء، كنت أصغي إلى حكايته عن طلعته المنفردة لمدة عشرة أيام في كولورادو ووايومينج وأتوق إلى أن أصبح رحالة مثله. سنحت لي أول فرصة في الصيف الذي بلغت فيه السادسة عشرة، عندما أقنعت أبوي أن يسمحا لي بالالتحاق بكورس مدرسي يحمل اسم "التخييم في الغرب". انضممت أنا وصديقي ويدمان لملء حافلة من المراهقين والمشرفين على مدار أسبوعين لـ "دراسة" سلسلة جبال روكي. كنت أصطحب معي حقيبة قديمة حمراء لتومي من ماركة جيري، ودفترا ـ مطابقا للدفاتر التي كان يستعملها توم ـ لأدون فيه ملاحظاتي على مجال الدراسة الذي اخترته بعشوائية متعلقا بالنباتات المنفرشة.
في اليوم الثاني من رحلتنا في برية ساوتوث بـ إيداهو، دعونا أنفسنا إلى قضاء أربع وعشرين ساعة. أخذني المشرف ومضى بي حتى تركني في غابة صنوبر متناثرة الأشجار، وحيدا، وبسرعة بالغة، وبرغم أن النهار كان مشرقا وغير مخيف، كنت أرتعش في خيمتي من الرعب. الظاهر أنني لم أكن أحتاج لكي أشعر بخواء الحياة ورعب الوجود إلا بضع ساعات من الحرمان من الصحبة البشرية. وعرفت في اليوم التالي أن ويدمان ـ ومع أنه أكبر مني بثمانية شهور ـ ثقلت عليه الوحدة، فعاد إلى حيث أصبح المخيم الرئيسي في مرمى بصره. أما ما جعلني أكمل إلى النهاية، بل وأشعرني بأنني قادر على البقاء لأكثر من يوم، فهو الكتابة:
الخميس 3 يوليو. في مساء هذا اليوم أبدأ هذا الدفتر. ولئن قرأ أحد هذا فأنا واثق أنه سوف يغفر لي إفراطي في استخدام "أنا". أنا لا يمكن أن تتوقف. أنا الذي أكتب هذا. وفيما كنت راجعا بعد العشاء إلى النار التي أضرمتها أمام خيمتي، مرت عليَّ لحظةٌ شعرت فيها أن فنجاني الألومنيوم صاحب لي، جالس على الصخرة، يتأملني... كانت لدي ذبابة معينة (أنا على الأقل أعتقد أنها نفس الذبابة) ظلت تطن حول رأسي لفترة طويلة وجميلة من عصر اليوم. بعد وقت، توقفت عن التفكير في أنها حشرة مزعجة مثيرة للضيق، ودونما وعي بت أفكر في أنها عدو، ولكنني بالفعل مغرم به، مغرم بأن يلاعب أحدنا الآخر. وفي مساء اليوم أيضا (وهذا كان نشاطي الرئيسي) جلست بالخارج على صخرة محاولا أن أصوغ في سوناتا أهداف حياتي المختلفة حسبما رأيتها في أوقات مختلفة (كنت أبحث عن 3 مما يشبه وجهات النظر). وأنا الآن بالطبع أرى أنه لا يمكنني أن أقوم بهذا في قالب نثري فلقد كان الأمر بالغ التفاهة حقا. ومع ذلك، أصبحت أثناء قيامي بهذا، على قناعة بأن الحياة وقت ضائع، أو شيء شبيه بهذا. كنت في غاية الحزن والكدر وأنا أرى كل فكرة قوامها اليأس. ولكنني رحت أنظر إلى بعض النباتات المنفرشة، وكتبت عنها قليلا، وهدأت، وتبين لي أن حزني غير نابع من غياب الهدف وإنما من حقيقة أنني لا أعرف من أكون ولماذا أنا كائن ومن أنني لا أبدي لأبوي مدى ما أكن لهما من حب. كنت أقترب من النقطة الثالثة، ولكن الفكرة التي خطرت لي جاءت بعيدة بعض الشيء. أدركت أن سبب ما سبق هو أن الوقت (أي الحياة) أقصر مما يلزم. وهذا صحيح بالطبع، ولكنه ليس السبب في حزني. وبغتة يبهتني الاكتشاف: إنني أفتقد أسرتي.
ما كدت أصل إلى تشخيص حنيني حتى  أمكنني علاجه بكتابة رسائل. ظللت في ما بقي من الرحلة أكتب في يومياتي كل يوم وأجد أنني أبتعد عن ويدمان وأنجذب إلى رفيقاتي في المخيم، وقبل ذلك لم أكن ناجحا قط من الناحية الاجتماعية. والذي كان غائبا هو إحساس ما يقع في منتصف الطريق بيني والآخرين، إحساس بالطمأنينة على هويتي، إحساس يتحقق في العزلة بمجرد وضع أولى الكلمات الشخصية على الورق.
ظللت لسنوات بعد ذلك أتوق إلى المزيد من الترحال، ولكنه توق لم يقو على دفعي إلى تنفيذ ذلك. لقد تبين أن الذات التي كنت أكتشفها بالكتابة هي في نهاية المطاف مطابقة لذات توم. ظللت محتفظا بحقيبته الجيري القديمة، برغم أنها لم تكن حقيبة نافعة، وظللت أحيي أحلامي بالبرية بشرائي أدوات تخييم غير مهمة، ومن ذلك زجاجة صابون ضخمة من صابون د. برونر بالنعناع كان توم يمتدح فضائلها بين الحين والآخر. وذات مرة وأنا راجع بالحافلة إلى الكلية في سنة تخرجي، اصطحبت الزجاجة معي فانفجرت في المحطة، وأغرقت ثيابي وكتبي. وحينما حاولت غسل الحقيبة في حمام السكن الجامعي، تهرأ نسيجها بين يدي.
وبينما يقترب المركب منها، لم يبد على ماسافويرا الترحاب. كانت الخريطة الوحيدة التي أحملها للجزيرة هي مجرد ورقة بحجم مظروف صغير طبعتها من جوجول إيرث، ورأيت على الفور أن تفاؤلي جعلني أسيء تفسير خطوطها. فما بدا لي أنه تلال منحدرة كان صدوعا، وما بدا لي سفوحا هينة الانحدار، تكشف عن تلال شديدة الانحدار. ثمة نحو عشرة من أكواخ صيادي سرطان البحر تتجمع أسفل حالق هائل تنتصب عن جانبيه الاثنين عتبات الجزيرة بارتفاع خمسة وثلاين ألف قدم حتى تصل إلى الذروة في غيمة غنية وليدة. المحيط الذي بدا هادئا طوال الرحلة بدرجة معقولة كان يتحرك في دوامات ضخمة في فجوة بين الصخور أسفل الأكواخ، ولكي نصل إلى الساحل كان عليّ أنا وعلماء النبات أن نقفز من القارب إلى زورق لصيادي سرطان البحر اقترب حتى مائة قدم من الساحل. هنالك أوقف الصياد محركه، وتشبثنا في حبل متصل بعوامة وأخذنا نشد أنفسنا خروجا من الماء. وفيما كنا نقترب من الصخور، كان الزورق يميل مضطربا من جانب إلى جانب، والماء يفيض بداخله، والمراكبي يناضل كي يبقينا مرتبطين بالحبل الذي سوف يخرجنا. كانت على الساحل كميات مبهرة من الذباب، ويكفي أنه يطلق على الجزيرة اسم "جزيرة الذباب". تتنافس أجهزة كاسيت في إصدار موسيقى أمريكية شمالية أو أمريكية جنوبية من داخل الأكواخ المفتوحة تتعالى على الحالق الهائل القاهر والمحيط بارد الجبروت. وإضافة إلى هذه الأجواء  القاتمة كان ثمة غابة أشجار هائلة وميتة حال لونها مع العمر حتى صار كلون العظام العملاقة من وراء الأكواخ.
كان رفيقي في الرحلة الى داخل الجزيرة هو الحارس الشاب "دانيلو" وبغله ذو الوجه الجامد. وفي ضوء درجة انحدار الجزيرة، لم يكن يمكن حتى أن أتظاهر بالإحباط لأنني لن أحمل متاعي على ظهري. كان دانيلو يعلق بندقية على ظهره على أمل أن يقتل بها أحد التيوس المستوطنة التي نجت من جهود بذلتها بعثة بيئية هولندية للقضاء عليها أخيرا. تحت غيوم الصباح الرمادية التي سرعان ما تحولت إلى ضباب، مضينا نجتاز طرقا لا نهاية لتعرجاتها في وهد مخضوضر بنبتة الماكويس التي استزرعت في المكان لتستخدم في إصلاح شراك صيد سرطان البحر. كان ثمة كميات محبطة من روث البغل القديم على الطريق، ولم يكن شيء يتحرك من كل ما رأينا غير الطيور: عصافير صغيرة رمادية الخصور والكثير من صقور خوان فرناندث، والاثنان من أنواع الطيور البرية الخمسة في الجزيرة. والجزيرة أيضا هي الموطن الوحيد المعروف لنوعين مثيرين من طيور الماء، ولواحد من أندر أنواع الطيور المغردة في العالم المعروف بـ راياديتو rayadito ماسافويرا، والذي كنت أرجو أن أراه. والحق أنني حتى وقت مغادرتي لتشيلي لم أكن أتصور إلا نشاطا واحدا يمكنني التيقن من أنه لن يصيبني بالملل وهو مشاهدة الطيور. الاعتقاد الغالب اليوم هو أن عدد السكان الراياديتو، التي يعيش أغلبها في منطقة مرتفعة من الجزيرة يطلق عليها اسم "لوس إنوسنتيس"، لا يتجاوز الخمسمائة. وقليل جدا من الناس هم الذين تمكنوا من رؤية أحدها.
بسرعة فاقت توقعاتي، وصلت أنا ودانيلو إلى "لا كوتشارا، ورأينا عبر الضباب ملامح غائمة لـ كوخ صغير refugio، هو كوخ الحارس. كنا قد صعدنا ثلاثة آلاف قدم في أكثر بقليل من ساعتين. وكنت قد سمعت من قبل عن وجود كوخ في لاكوتشارا، ولكنني لم أتخيل أكثر من كوخ بدائي فلم أتوقع المشكلة التي سوف يتسبب لي فيها. كان ذا سقف مائل مربوط إلى الأرض بالحبال، وكان بداخله موقد بالغاز وسريران صغيران لكل منهما حشية من المطاط، وكيس نوم ربما لا يكون مثيرا بالقدر الكافي ولكنه قابل للاستخدام، وخزانة معبأة بالباستا والمعلبات، فالظاهر أنني كان يمكن أن أقتصر فيما أصطحبه معي على أقراص اليود لئلا ينقصني شيء هنا. كان مجرد وجود الكوخ يجعل مشروع عزلتي المصطنع أصلا يبدو أشد اصطناعا، فقررت أن أتعامل وكأنه غير موجود.
أنزل دانيلو حقيبتي من على ظهر البغل وقادني في الضباب عبر طريق يفضي إلى جدول صغير فيه من الماء ما يشكل بركة صغيرة. سألته إن كان من الممكن السير من هنا إلى "لوس إنوسنتيس" فأشار إلى أعلى التل قائلا "نعم، مسيرة ثلاث ساعات بمحاذاة الكوردونات cordones ". فكرت أن أسأله إن كان بوسعنا الذهاب فورا إلى هناك بحيث يتسنى لي أن أقيم خيمتي على مقربة من طيور الراياديتوس، ولكن دانيلو بدا متلهفا على الرجوع إلى الساحل. رحل ببغله وبندقيته، وأنا حملت نفسي على القيام ببعض من مهامي الكروزوية.
كان أول تلك المهام أن أقوم بجلب بعض المياه وتنقيتها للشرب. حاملا مضخة تنقية وقربة من القماش، سرت على ما تصورت أنه الدرب المفضي إلى البركة التي كنت أعلم أنها تقع في مسافة لا تزيد مطلقا عن مائتي قدم من الكوخ، وسرعان ما ضعت في الضباب. ولما وصلت أخيرا إلى موقع البركة بعدما جربت دروبا مختلفة، انكسرت أنبوبة مضختي، التي اشتريتها قبل عشرين عاما متصورا أنها ستنفعني يوم أجد نفسي وحيدا في البرية، فحدث أن تصدعت منذ ذلك الحين أجزاؤها البلاستيكية. ملأت القربة بمياه عكرة بعض الشيء، وعلى الرغم من قراري، دخلت الكوخ، وصببت الماء في إناء كبير مضيفا إليه بعض أقراص اليود. واستغرقت هذه المهمة البسيطة مني نحو الساعة.
ولأنني كنت في الكوخ، قلت أغير ثيابي بالمرة، وكانت قد تشبعت بللا بسبب الندى والضباب أثناء الصعود، وحاولت أن أجفف داخل حذائي مستخدما المخزون الهائل من ورق الحمام الذي أحضرته معي. اكتشفت أن جهاز تحديد المواقع ـ وهو الجهاز الوحيد الذي لم يكن معي بطاريات احتياطية له ـ كان مفتوحا ويستهلك الطاقة طول النهار، فأثار ذلك في نفسي قلقا رحت أهدؤه بتنظيف الكوخ مما فيه من طين وماء مستعينا على ذلك بكميات أخرى من ورق الحمام. وأخيرا مضيت إلى رأس صخري أستكشفه كموقع للمخيم بعيدا عن محيط الكوخ المليء بروث البغل. حام صقر أعلى رأسي تماما، وصاح طائر سينكلودز بوقاحة من أعلى صخرة. بعد كثير من التنقل وحساب المزايا والعيوب، استقر بي المقام في تجويف يوفر بعض الحماية من الريح ويمنع رؤية الكوخ، وثمة جلست أتناول الجبن والسالامي.
كنت وحيدا منذ أربع ساعات. أقمت خيمتي، رابطا إطارها إلى الصخور، مدخرا أثقل ما استطعت حمله منها لتثبيت القوائم، وأعددت قهوة على موقدي الذي يعمل بغاز البوتان. وعدت إلى الكوخ أواصل العمل في مشروع تجفيف حذائي، متوقفا كل بضع دقائق لأفتح الشبابيك وأطرد الذباب الذي ظل يجد سبيله إلى الدخول. بدا أنني لست أقدر على فطام نفسي عن استخدام أدوات الكوخ من فطامها عن المشتتات الحديثة التي كان يفترض أنني جئت إلى هذا المكان هاربا منها. ملأت قربة أخرى بالماء واستعنت بإناء ضخم وموقد يعمل بغاز البروبين على تسخين ماء للاستحمام، وكان الرجوع بعد الاستحمام لتجفيف جسمي بالمنشفة فائقة الامتصاص وارتداء ثيابي أكثر متعة بالقطع من الاستحمام وسط مزيج من التراب والضباب. ولما كنت بالفعل قد أفرطت في التنازل، فقد مضيت فيه، وحملت إحدى المرتبتين واصطحبتها حتى وضعتها في خيمتي على الصخرة. "ولكن هذا كل ما في الأمر" قلت لنفسي بصوت مسموع "هذا آخر التنازلات".
باستثناء طنين الذباب وصيحات طيور السينكلودز بين الحين والآخر، كان الصمت يخيم تماما على خيمتي. في بعض الأحيان كان الضباب يرتفع قليلا فإذا بوسعي أن أرى السفوح الصخرية والوديان المليئة بالسرخسيات قبل أن يدنو السقف سيرته الأولى. أخرجت دفتري ورحت أخربش ما فعلته في الساعات السبع السابقة:
أحضرت الماء، تناولت الغداء، أقمت الخيمة، استحممت. ولكنني لما فكرت في كتابتي بتلك الطريقة الاعترافية مستخدما صوت الـ "أنا" وجدتني أكثر استغراقا في ذاتي مما ينبغي. فالظاهر أنني على مدار الخمسة وثلاثين عاما الماضية، اعتدت على تسريدnarrativizing  نفسي ومعايشة الحياة معايشة القصة حتى لم يعد بوسعي الآن أن أستعمل اليوميات إلا في حل مشكلة أو استكشاف الذات. وحتى في الخامسة عشرة من عمري في إيداهو لم أكن أكتب من داخل يأسي، بل إنني لم أكتب إلا لمّا تعاليت عليه، والآن، استفحل الأمر، فلم يبق من شأن لقصص لديّ إلا المحكية منها ـ المنتقاة المصفاة ـ بأثر رجعي.
وأنا كلما أخرج باحثا عن سلالة جديدة من الطيور، إنما أكون باحثا عن أصالة مفقودة، عن بقايا عالم بات يجتاحه البشر اجتياحا ولكنه لم يزل جميلا في لامبالاته بنا، مجرد وقوع العين على طائر نادر مصمم  بطريقة ما على حياته، متمسك بطعامه وتناسله، يمثل دوما بهجة من غير هذا العالم.
كنت أخطط لليوم التالي أن أحاول فيه رؤية طائر الراياديتو. فمجرد معرفتي بأن الطائر موجود في الجزيرة هو الذي جعل الجزيرة مثيرة في عيني. وأنا كلما أخرج باحثا عن سلالة جديدة من الطيور، إنما أكون باحثا عن أصالة مفقودة، عن بقايا عالم بات يجتاحه البشر اجتياحا ولكنه لم يزل جميلا في لامبالاته بنا، مجرد وقوع العين على طائر نادر مصمم  بطريقة ما على حياته، متمسك بطعامه وتناسله، يمثل دوما بهجة من غير هذا العالم. قررت أن أستيقظ في فجر اليوم التالي وأخصص اليوم كله لو لزم ذلك للعثور على طريق "لوس إنوسنتيس" والرجوع من هناك. مبتهجا بما ينتظرني من سعي لا يعوزه التحدي، أعددت لنفسي سلطانية من الحساء، بعدها، وعلى الرغم من أن ضوء النهار لم يكن تبدد بعد، أغلقت على نفسي خيمتي. وعلى المرتبة المريحة للغاية، وفي كيس النوم الذي أمتلكه منذ كنت في الثانوي، وبكشاف مثبت حول رأسي، مضيت أقرأ روبنسن كروزو. وللمرة الأولى طوال ذلك اليوم، شعرت بالسعادة.
كان "جان جاك روسو" من أعظم وأوائل عشاق روبنسن كروزو حتى أنه طالب في "إيميلي" باتخاذها نصا أساسيا لتعليم الأطفال. ولكنه ـ بأثر من تراث التهذيب الفرنسي [للأعمال الأدبية بحذف بعض عباراتها أو مفرداتها] ـ لم يكن يفكر في النص في مجمله، بل في القسم الأوسط الطويل الذي يروي فيه روبنسن كيف استطاع أن يبقى على قيد الحياة على مدار ربع قرن في جزيرة صحراوية. ولن ينازع إلا القليل من القراء في أن هذه القسم من الرواية هو أقوى ما فيها، يليه القسم المزدحم الفقير إلى التوهج الذي يسرد مغامرات روبنسن قبل الجزيرة وبعدها (استعباده من قبل قرصان تركي، مواجهته هجمات الذئاب العمالقة). يرجع جزء من جاذبية قصة البقاء على الجزيرة إلى التفاصيل الدقيقة التي يسردها روبنسن: "القبعات الثلاثة، والقلنسوة، وفردتا الحذاءين غير المتطابقتين" التي لم يبق غيرها من الملاحين الغرقى، مجموعة التروس التي استخلصها من حطام السفينة، الماعز البرية التي تسكن الجزيرة، تفاصيل إعادة اختراعه للأثاث والزوارق والفخار والخبز. ولكن ما يبث الحيوية حقا في هذه المغامرات الخالية من المغامرة، وما يشحنها بالتوتر المدهش، هو وقوعها في متناول خيال القارئ العادي. أنا شخصيا لا أعرف مطلقا ما الذي يمكن أن أفعله لو أن تركيا استعبدني أو هاجمتني الذئاب، لعل الخوف يغلبني فلا أفعل شيئا مما يفعله روبنسن. ومن هنا تكون القراءة عن حلول عملية لمشكلات الجوع والعراء والمرض والعزلة بمثابة دعوة لي من القصة كي أتخيل ما الذي يمكن أن أفعله "أنا" لو جنحت بي سفينة، وأن أزن ما لديَّ من قدرة وسعة حيلة ومهارة قياسا إلى ما لديه هو. (وأنا واثق أن ذلك ما كان يفعله أبي أيضا). تبقى الجزيرة ـ إلى أن تنكسر عزلتها بمجيء أكلة لحوم البشر الغازين ـ لنا وحدنا، لروبنسن وقارئه، ويبقى مقامنا فيها مريحا للغاية. ففي سرد حافل بالعمل، تفصّل الصفحات مهام روبنسن اليومية ومشاعره، وذلك ما سوف يأتي الناقد "فرانكو موريتي"  Franco Moretti ليسخر منه باعتباره "حشوا". ولكن موريتي يعود فيلاحظ أن الإسهاب الدرامي في هذا النوع من "الحشو" هو على وجه التحديد ابتكار ديفو العظيم، فهذه القصص التي لا تحكي غير ما هو عادي للغاية أصبحت جزءا من نسيج القص الواقعي، عند أوستن وفلوبير، كما عند [الأمريكي جون] أبدايك و[الأمريكي ريموند] كارفر.
يمثل تأطير حشو ديفو، وتأويله إلى حد ما، عنصرين من عناصر الأشكال السردية الكبرى التي سبقته، مثل الروايات الهللينية القديمة التي تروي ضمن ما تروي حكايات سفن تحطمت ورجال استعبدهم رجال، والسير الذاتية الروحية الكاثوليكية والبروتستنتية، ورومانسات romances عصر النهضة والعصور الوسطى، وروايات البيكاريسك picaresques الأسبانية [التي تتبع مغامرات بطل متشرد بأسلوب ساخر في الغالب ـ من ويكيبديا]. كما تتبع رواية ديفو تقاليد الحكايات القائمة على التشهير أو التي تزعم قيامها على حياة شخصيات عامة معروفة مثل "ألكسندر سيلكيرك" في حالة كروزو. بل لقد ذهب الذاهبون إلى أن ديفو كان يريد من روايته أن تكون دعاية طوباوية في تمجيد الحريات الدينية والفرص الاقتصادية السانحة في مستعمرات إنجلترا في العالم الجديد.
تبين لنا روبنسن كروزو صعوبة، وربما عبثية الكلام عن "ظهور الرواية" وتحديد عمل ديفو هذا بوصفه الفرد الأول في هذه السلالة الجديدة. فـ "دون كيخوتة" في نهاية المطاف كانت منشورة قبل قرن كامل، وهي رواية بوضوح. ثم لماذا لا تكون الرومانسات رويات أيضا وهي الأخرى كانت تنشر وتقرأ على نطاق واسع في القرن السابع عشر خاصة أن أغلب اللغات الأوربية لا ترى فارقا بين كلمتي رومانس وكلمة نوفيل [أي رواية]؟ لقد كان أوائل الروائيين الإنجليز كثيرا ما يؤكدون على أن أعمالهم ليست "مجرد رومانسات"، ولكن كثيرا من كتاب الرومانسات كانوا يقولون ذلك أيضا. ومع ذلك، لم تأت أوائل القرن التاسع عشر إلا وقد جمعت نماذج السلالة الرائدة في مجموعات حاكمة أعدها [الروائي الاسكتلندي] "وولتر سكوت" وغيره، ولم يكن الإنجليز يعلمون بوضوح ما الذي يعنونه بـ "الروايات"، لكنهم كانوا يقومون من خلال الترجمة بتصدير أعداد ضخمة منها على أية حال إلى الدول الأخرى. وبذلك صار ثمة نوع أدبي جديد موجود في موضع لم يكن فيه نوع من قبل. فما الرواية بالضبط، وما الذي جعل هذا النوع الأدبي يظهر عندما ظهر؟
يظل أكثر السجلات  إقناعا هو السجل السياسي الاقتصادي الذي جاء به "إيان واط" قبل خمسين سنة. إذ يتصادف أن يكون محل ميلاد الرواية في قالبها الحديث هو أكثر بلاد أوربا هيمنة على المجال الاقتصادي، وأكثرها تعقيدا في الوقت نفسه، وتحليل واط لهذه المصادفة عنيف لكنه مفحم، يربط فيه بين تعظيم الفرد المغامر واتساع نطاق البورجوازية المتعلمة الشغوف بالقراءة عن نفسها، واحتدام الحراك الاجتماعي (واجتذابه الكتّاب لاستغلال ما يصاحبه من مخاوف) والتخصص في العمل (بما أنتجه من مجتمع ذي اختلافات مثيرة) وتحلل النظام الاجتماعي القديم إلى مجموعة من الأفراد المنعزلة، وبالطبع ظهر في الطبقة الوسطى الجديدة المطمئنة ازدياد دراماتيكي في وقت الفراغ الصالح للقراءة. في الوقت نفسه، كانت انجلترا تتعلمن بسرعة، بعدما وضع اللاهوت البروتستنتي أسس اقتصاد جديد بتخيله نظاما اجتماعيا قائما على الفرد المعتمد على نفسه المستقل بعلاقة مباشرة مع الرب، ولم يحل العام 1700، إلا وقد ازدهر الاقتصاد البريطاني، وبدأ السطوع يتوارى عن حقيقة أن الفرد بحاجة إلى الرب من الأساس. وإن يكن صحيحا ـ كما بوسع أي قارئ طفل نافد الصبر أن يخبرك ـ أن صفحات كثيرة من روبنسن كروزو مخصصة لرحلة البطل الروحية. فروبنسن يجد الرب على الجزيرة، ويرجع إليه مرارا في لحظات الأزمات طالبا النجاة شاكرا له أن يهديه سبلها. ولكنه بمجرد أن تنقشع الأزمة يعود إلى ذاته العملية ناسيا الرب، وفي نهاية الكتاب يبدو أن الفضل الأكبر في نجاته يرجع إلى مهارته وبراعته أكثر مما يرجع إلى العناية الإلهية. وإن قراءة تذبذب روبنسن ونسيانه تمثل رؤية لسيرة ذاتية روحية في ثنايا قص واقعي.
قد يكون الجانب الأكثر إثارة للاهتمام في أصل الرواية هو الذي يتمثل في تطور إجابات الثقافة الإنجليزية للأسئلة المتعلقة بمحاكاة الواقع: هل ينبغي القبول بصدق قصة غريبة لأنها غريبة، أم أن غرابتها ينبغي أن تعد دليلا على زيفها؟ لا تزال مخاوف هذا السؤال معنا إلى اليوم (وتشهد على هذا فضيحة "مذكرات" جيمس فراي[i]) وكانت فاعلة ولا شك سنة 1719 حينما أصدر ديفو الجزء الأشهر من روبنسن كروزو" والذي تبحث في كل موضع منه فلا تجد اسما لكاتبه. كان الكتاب معرَّفا على النحو التالي "حياة روبنسن كروزو ومغامراته الغريبة العجيبة كما كتبها هو نفسه" فاعتبر كثير من القراء أن الكتاب عمل واقعي. وتشكك عدد لا بأس به في صدق الكتاب فوجد ديفو نفسه مرغما على الدفاع عن صدق كتابه حينما أصدر الجزء الثالث والأخير في السنة التالية. مقابلا بين قصته والرومانسات التي "تُخترع فيها القصص". أصر ديفو على أن قصته "وإن تكن رمزية، فهي تاريخية أيضا" وأكد أن هناك "رجلا على قيد الحياة، ومشهورا أيضا، وأن وقائع حياته هي الموضوع الدقيق لهذه الأجزاء الثلاثة".
في ضوء ما نعرفه عن حياة ديفو الحقيقية، نعرف أنه ـ مثل كروزو ـ كان يعاني مشكلات ناجمة عن اتباعه سبل المخاطرة في عمله، كأن يربي حيوانات سنانير الزباد civet cats طلبا لعطرها، وكان على معرفة وثيقة بالعزلة من تجاربه في سجن المدينين بعد تعرضه للإفلاس مرتين، ويشهد على ذلك تأكيده في موضع من كتابه أن "الحياة بوجه عام ما هي أو ما ينبغي لها أن تكون إلا عزلة كونية"، ومن ثم لا يكون من الإجحاف أن نخلص إلى أن الرجل "الشهير" هو ديفو نفسه. (ويبهتنا أن نرى تلك الـ أُو oe في نهاية كروزو وديفو). نحن الآن نفهم أن الرواية هي رسم لتجربة كاتبها في حالة من الحلم اليقظان، وإن لنا أن نرى انعطافة حاسمة إلى هذا الفهم في تأكيد ديفو الأولي على نوع أقل صرامة من الصدق التاريخي، هو الصدق الروائي.
في مقالتها "صعود الواقع القصصي/الخيالي The Rise of Fictionality " تتناول الناقدة "كاثرين جالاجر" مفارقة مثيرة للفضول تتعلق بهذا النوع من الصدق: لم يكن القرن الثامن عشر فقط اللحظة التي تخلي فيها الكتّاب ابتداء من دانيال ديفو (بطريقة أو بأخرى) عن الزعم بأن حكاياتهم ليست خيالية، بل إنها أيضا كانت اللحظة التي بدأوا فيها يكدحون لكي لا تبدو حكاياتهم خيالية، أي أنها اللحظة التي تعاظمت فيها محاكاة الواقع. تقوم رؤية جالاجر للمفارقة على جانب آخر من جوانب الحداثة، هو ضرورة المخاطرة. فعندما أصبح العمل الاقتصادي يعتمد على الاستثمار، بات على المستثمر أن يوازن بين أكثر من ناتج مستقبلي محتمل، كما أنه عندما يتوقف الزواج عن أن يتم وفقا لترتيبات يصبح من الحتمي المضاربة بناء على مزايا المرشحين المحتملين. والرواية ـ بحسب ما كانت عليه في القرن الثامن عشر ـ كانت توفر لقرائها ملعبا فيه مجال للمضاربة لكنه في الوقت نفسه يخلو من المخاطرة. وفي الوقت الذي كانت تروج فيه لواقعها القصصي/الخيالي، أعطتكم أبطالا كانوا نموذجيين بما يكفي لترونهم نسخا محتملة من أنفسكم ولكن فيها من الخصائص المحددة ما لا يجعل منها إياكم. ومن هنا لا يكون أعظم ابتكارات القرن الثامن عشر الأدبية هو مجرد نوع أدبي، بل موقف من النوع الأدبي. وإن حالتنا الذهنية اليوم إذ نتناول رواية ـ أعني معرفتنا بأنه عمل من نسج الخيال، وامتناعنا الإرادي عن تصديقها ـ لهي نصف جوهر الرواية.
في الثقافات ما قبل الحديثة، كانت القصص تتلى للتعليم أو للتنوير أو للإثارة، في حين كانت الأنواع الأدبية الأكثر جدية كالشعر والدراما تتطلب درجة معينة من المعرفة التقنية. أما الرواية فكانت في متناول يد كل من في متناول يده قلم وورق، وكان نوع المتعة الذي تمنحه الرواية فريدا في حداثته.
لقد أكد عدد من الدراسات الأدبية الحديثة على الفكرة القديمة القائلة بأن الملحمة مظهر أساسي في جميع الثقافات ومن جملتها ثقافاتنا الشفهية. ويبدو أن القص ـ سواء كان حكاية أم خرافة ـ هو بالدرجة الأساسية شيء للأطفال. في الثقافات ما قبل الحديثة، كانت القصص تتلى للتعليم أو للتنوير أو للإثارة، في حين كانت الأنواع الأدبية الأكثر جدية كالشعر والدراما تتطلب درجة معينة من المعرفة التقنية. أما الرواية فكانت في متناول يد كل من في متناول يده قلم وورق، وكان نوع المتعة الذي تمنحه الرواية فريدا في حداثته. وأصبح تلقي قصة مؤلفة هدفها المحض هو المتعة نشاطا يليق بالراشدين أن ينغمسوا فيها بحرية (وبإحساس بالذنب في بعض الأحيان). هذا التحول التاريخي باتجاه القراءة طلبا للمتعة بلغ من العمق أننا لم نعد اليوم ندركه تقريبا. والحق أنه في حين تكاثرت الرواية فأنتجت أنواعا فرعية مثل الأفلام والمسلسلات وألعاب الفديو جيم ـ التي تروج أغلبها لواقعها الخيالي، وتقدم جميعها شخصيات تتسم بكونها نموذجية ومتميزة في آن واحد ـ يبقى من المبالغة القول بأن ما يميز ثقافتنا عن الثقافات السابقة جميعا هو تشبعها بالتسلية. لقد استطاعت الرواية ـ بازدواج طبيعتها كشيء وكموقف من الشيء ـ أن تتمكن من تحويل موقفنا إلى حد أن أصبح الشيء نفسه معرضا لخطر انتفاء الحاجة إليه.
على الجزيرة الشقيقة لماسافويرا ـ وتدعى في الأصل ماساتييرا أو الأقرب إلى اليابسة، والتي يطلق عليها اليوم روبنسن كروزو ـ رأيت الأضرار التي تسبب فيها ثلاثي من نباتات اليابسة هي الماكويس maquis  والمورتيلا murtilla  والتوت البري التي تجتاح تلالا عن بكرة أبيها. وأكثر ما لاح لي فيه وجهُ الشر هو التوت البري القادر أن يطغى حتى على شجر سامق من شجر الجزيرة الأصلي، والذي يتكاثر جزئيا عن طريق إطلاقه قذائف كثيفة أشبه بكوابل ألياف بصرية شائكة. ثمة سلالتان من سلالات نباتات الجزيرة الأصلية انقرضتا فعلا، وسلالات أخرى سوف تلحق بها ما لم يدركها مشروع إنقاذ هائل. وفيما كنت أسير على جزيرة روبنسن كنت أرى سرخسيات الجزيرة الأصلية الرقيقة ولم يبق لها من مكان إلا على هوامش التوت البري، بدأت أرى الرواية كائنا تحوّر على أرض جزيرة إنجلترا حتى صار غازيا فتاكا استشرى من بلد إلى بلد حتى غزا الكوكب كله.
يشير هنري فيلدنج في "جون أندروز" إلى شخصياته بوصفها "سلالات"، بوصف الواحد منها أكبر من فرد، وأقل من كون. ولكن مع قيام الرواية بتحويل البيئة الثقافية، أفسحت السلالات البشرية المجال لحشد كوني من الأفراد التي أبرز سماتها هي كونها مصدرا للمتعة. كان ذلك خطر  ثقافة أحادية أدركه ديفيد [فوستر والاس] وشرع يقاومه في عمله الملحمي "النكتة اللانهائية". وطريقته في المقاومة في تلك الرواية ـ الحواشي، والاستطرادات، واللاخطية، والروابط المتداخلة ـ استبقت الغازي الفتاك بل المفرط في أنانيته والذي يقوم الآن بتشريد الرواية ونسلها. كان التوت البري على جزيرة روبنسن كروزو شبيها بالرواية الغازية، نعم، لكنه لم يبد لي أقل شبها بالإنترنت، وما هي غير غازٍ توتي بري بدلا من أن يرسم الذات في حكاية، يرسمها في العالم. بدلا من الأخبار، هناك أخباري أنا. بدلا من مباراة مفردة في كرة القدم، هناك شذرات من خمس عشرة مباراة مختلفة في إحصائية خرافية مشخصنة. بدلا من "الأب الروحي" هناك "حيلة قطتي الظريفة". وإذا الفرد أصابه السعار، وإذا كل رجل عادي صار نجما مثل "تشارلي شين". لقد أصبحت الذات مع روبنسن كروزو جزيرة، واليوم فيما يبدو صارت الجزيرة هي العالم.
أيقظني في الليل ارتطام جدران خيمتي بكيس نومي، وعلمت أن ريحا قوية تهب. وضعت السدادات في أذني وبقيت مع ذلك أسمع صوت الضربات التي ازدادت قوة على قوة. ولما طلع النهار أخيرا، وجدت خيمتي وقد انفك بعضها، وتدلى من سقفها شريط طولي. بددت الريح الغمامات من تحتي فتجلي لي المحيط، قريبا بصورة مذهلة، والفجر يشرق أحمر على مياهه الرصاصية.
محفزا في نفسي كل كفاءة ممكنة للسعي وراء طائر نادر، تناولت إفطارا سريعا، وعبأت حقيبتي باللاسلكي والهاتف المتصل بالقمر الصناعي وما يكفي من الطعام ليومين، وفي الدقيقة الأخيرة، ولأن الريح كانت شديدة القوة، أنزلت خيمتي وأثقلت أركانها الأربعة بصخور ضخمة حتى لا تطيِّرها الريح وأنا بعيد. كان الوقت ضيقا ـ والصباحات في ماسافويرا أصفى من الأصائل ـ لكنني توقفت لدى الكوخ لأحدد إحداثياته على جهاز تحديد المواقع قبل أن أسرع صاعدا التل.
يعد طائر راياديتو المستوطن في جزيرة ماسافويرا من أبناء عمومة طائر الراياديتو شوكي الذيل الذي سبق أن رأيته في غابات كثيرة في تشيلي قبل أن آتي إلى هنا، وأدهشني بضآلته البالغة، لكن راياديتو ماسافويرا أكبر قليلا وريشه أعرض. فكيف تحط هذه الطيور الصغيرة على بعد خمسمائة ميل من البر بأعداد كافية للتناسل (والتطور بالتبعية)؟ هذا ما سوف يبقى مجهولا. تحتاج سلالات ماسافويرا إلى غابات سرخسية أصلية خالية من الدخلاء، ويبدو أن سكان هذه الغابات ـ ولم تكن كبيرة الأعداد أصلا ـ تتناقص عددا، لأنها تجعل أعشاشها ـ إذ تقيمها على أرض الغابة ـ عرضة لغزوات الجرذان والقطط المعتدية. (ولكي يتم تخليص ماسافويرا من القوارض لا بد أولا من الإمساك بكل ما فيها من صقور وتأمينها تماما، ثم استخدام طائرات الهليوكوبتر في تغطية الجزيرة كلها بالطُعم المسمم، وهي عملية تتكلف إجمالا خمسة ملايين دولار). ولقد قيل لي إن رؤية الراياديتو ليست صعبة في الجزيرة، موطنه الأصلي، إنما الصعوبة تكمن في الوصول إلى هذا الموطن الأصلي.
كانت مرتفعات الجزيرة لا تزال سادرة في الغيوم، ولكني كنت أرجو أن تبددها الرياح عما قريب. توصلت، بالاعتماد على خريطتي، إلى أنني ينبغي أن أصعد قرابة ثلاثمائة وستين قدما لكي ألتف على أخدودين عميقين يقطعان الطريق جنوبا باتجاه لوس إنوسنتيس. أبهجتني حقيقة أن صافي الارتفاع من المسيرة كلها سوف يكون صفرا[ii]، ولكنني ما كدت أترك الكوخ ورائي حتى لفتني الغيوم من جديد. وتقلصت الرؤية إلى بضع مئات الأقدام، وبدأت أتوقف كل عشر دقائق لأحدد موقعي إلكترونيا، شأن هانزل وهو يترك الفتات وراءه في الغابة. لوهلة كنت أقتفي آثار روث البغل، ولكن الأرض سرعان ما أصبحت صخرية ليس فيها غير ندوب من مسارات الماعز، فما كان بوسعي الاطمئنان إلى أنني لم أزل على الدرب.
عند ارتفاع مائة وستة وثلاثين قدما، اتجهت جنوبا، ومضيت أشق طريقي وسط سرخسيات كثيفة متدلية، حتى أعاق طريقي مصرفٌ drainage كان ينبغي أن يكون في ذلك الوقت قد أصبح تحتي. عدت أفحص الخريطة، لكن ظلال جوجل إيرث لم تكن قلت غموضا عن آخر مرة رجعت فيها إليها. حاولت أن أشق ـ حرفيا ـ طريقا لنفسي حول هذا الأخدود العميق، ولكن الغطاء السرخسي كان يخفي من تحته صخورا زلقة وحفرا عميقة، وكان المنحدر ـ بقدر ما استطعت أن أرى في الضباب ـ يوشك أن يكون عموديا، وعليه فقد استدرت مناضلا في طريق الرجوع إلى المسار الذي كنت عليه، موجها نفسي باستخدام جهاز تحديد المواقع وبعد ساعة من خروجي كنت مبللا تماما، ولم أبتعد عن النقطة التي بدأت منها إلا قرابة ثلاثمائة قدم.
متحققا من الخريطة التي كانت قد ابتلت بللا كبيرا، تذكرت الكلمة الغريبة التي نطق بها دانيلو: الـ كوردونز، لا بد أنها تعني المدقات القممية. لقد كان من المفترض أن أقتفي هذه المدقات! عدت أصعد من جديد، فلا أتوقف إلا لألقي بعض الفتات الإلكتروني، إلى أن بلغت هوائيا إذاعيا يعمل بالطاقة الشمسية، لعله تابع لشبكة محلية. كانت الرياح قد اشتدت، وباتت تدفع الغيوم إلى الجانب الخلفي من الجزيرة الذي كنت أعرف أنه يتألف من أجراف شاهقة تطل على مستعمرة لعجول البحر تحتها بثلاثة آلاف قدم. لم يكن بوسعي أن أراها، ولكن مجرد فكرة وجودها كان يصيبني بالدوار، فأنا شديد الخوف من الأجراف.
كانت المدقات إلى الجنوب من الهوائي لحسن الحظ  مستوية تقريبا فلم يكن من العسير عليّ أن أواصل طريقي عليها برغم الرياح الشديدة والرؤية شبه المنعدمة. أحرزت تقدما طيبا على مدار نصف ساعة، وأنا منتش أني استنتجت الطريق الصحيح إلى لوس إنوسينتيس من الحد الأدنى من المعلومات. غير أن المدق بدأ أخيرا ينشعب، واضعا إياي أمام اختيارت بين مسارات مرتفعة وأخرى منخفضة. كانت الخريطة تشير بوضوح إلى أنني ينبغي أن أكون على ارتفاع ثلاثة آلاف ومائتي قدم لا ثلاثة آلاف وثمانمائة. ولكنني لما اتبعت المدقات المنخفضة في محاولة لتقليل ارتفاعي، وصلت إلى طرق مسدودة وشديدة الانحدار بصورة تثير الغثيان. عدت إلى المدق الأعلى الذي كان يمتاز باتجاهه مباشرة إلى الجنوب صوب لوس إنوسنتيس، وانشرح صدري لما بدأ المسار في الانخفاض.
بحلول ذلك الوقت كان الجو قد ساء فعلا، والضباب تحول إلى مطر يهطل أفقيا، والرياح تعصف بسرعة تتجاوز أربعين ميلا في الساعة. وفيما أنا ماض في طريقي على المدق، وجدته وقد بدأ يضيق على نحو منذر بالخطر، إلى أن انسد الطريق تماما بنتوء صغير. كان بوسعي أن أتبين أن المدق يستمر في الهبوط في الجانب الآخر من النتوء، وإن يكن شديد الانحدار. ولكن كيف أدور حول النتوء؟ لو زحفت في الجانب الذي يواجه الريح لخاطرت بأن تنتزعني هبة ريح وتعصف بي. وفي الجانب المقابل، كان ثمة، حسب ما أعرف، مسقط بارتفاع ثلاثة آلاف قدم، ولكن الريح في ذلك الجانب على الأقل سوف تدفعني باتجاه الصخور، بدلا من أن تدفعني عنها.
بحذائي المليء بالمطر، مضيت في ذلك الجانب من المدق، متحققا من كل مستقر لقدم، أو موضع ليد، قبل أن أستقر إليه. وفيما أزحف إلى الأمام، كنت أرى القليل أمامي، فيتبين لي قليلا قليلا أن المدق من بعد النتوء مسدود مرة أخرى، فليس ثمة إلا فضاء أسود في كلا الجانبين. برغم أنني كنت مصرا على رؤية الراياديتو، مرت عليّ لحظة خفت فيها من أن أخطو أية خطوة أخرى، وبات بوسعي فجأة أن أرى نفسي: معانقا صخرة زلقة، تحت وابل من المطر ورياح هوجاء، وما من يقين أنني أصلا في الاتجاه  الصحيح. وإذا بجملة بالغة الوضوح تتردد كأنما منغومة في أذني: هذا الذي تفعله شديد الخطورة. وتذكرت صديقي الراحل.
وفهمت الفارق بين بؤسه الجامح وكآبتي المروضة، وهو أنني كنت أقدر أن أهرب من ذاتي إلى بهجة الطيور، وهو لم يكن يقدر.
كتب ديفيد عن الطقس مثلما كتب عنه أي شخص وضع حروفا على ورق، وكان يحب كلابه أكثر مما يحب أي شيء أو أي شخص سواها، ولكن الطبيعة في حد ذاتها لم تكن تثير اهتمامه، ولم يكن يكترث بالطيور بصفة خاصة. حدث مرة ونحن نسوق على مقربة من شستينسن بيتش في كاليفورنيا، أن أوقفته لأريه بالمنظار "الكروان طويل المنقار" وهو نوع من الطيور أعتبر روعته مسألة واضحة وضوح الشمس. فوضع المنظار على عينيه ثانيتين ثم رده إليّ في سأم سافر. وقال بنبرته الفريدة ضحلة التهذب "أيوة، جميل". وفي الصيف السابق على وفاته، كنت جالسا معه في فناء بيته وهو يدخن، ولم أكن قادرا أن أرفع عيني عن العصافير الطنانة حول بيته، وكنت حزينا لأنه قادر على هذا، وفيما كان في قيلولته المشبعة بالعقاقير كنت أنا أدرس طيور الإكوادور تأهبا لرحلة قادمة، وفهمت الفارق بين بؤسه الجامح وكآبتي المروضة، وهو أنني كنت أقدر أن أهرب من ذاتي إلى بهجة الطيور، وهو لم يكن يقدر.
كان مريضا، نعم، وبمعنى من المعاني كانت قصة صداقتي له هي ببساطة قصة وقوعي في هوى مريض عقليا. وحدث أن قتل المكتئب نفسه بطريقة قصد منها إلحاق أكبر قدر ممكن من الألم بمن يحبونه أشد الحب، فلم يبق لمن يحبونه أولئك إلا الغضب والإحساس بالخيانة. خيانة ليس سببها فشل استثمارنا في الحب، بل سببها أن طريقة انتحاره سلبت منا شخصا كنا نعرفه ووضعته في أسطورة سرت بين الناس. فإذا بمن لم يقرأوا له حرفا من قبل، أو من لم يسمعوا باسمه أصلا، يقرأون خطبة كلية كنيون المنشورة في وول ستريت جورنال، ويأسفون على وفاة شخص رقيق وعظيم. وإذا بمؤسسة أدبية لم تسمح لكتاب من كتبه أن يصل إلى قائمة قصيرة لجائزة وطنية تتوحد على إعلانه هو نفسه كنزا وطنيا. ولقد كان بالطبع كنزا وطنيا، ولأنه كان كاتبا، فقد كان انتماؤه إلى قرائه لا يقل بأية حال عن انتمائه لي أنا. ولكنكم لو عرفتم أن شخصيته الحقة كانت أشد تعقيدا وارتيابا مما كان يعتقد عنه، ولو علمتم أيضا أنه كان أرق وأطرف وأسخف وأعوز وأكثر معاناة وألما في حربه مع شياطينه وأشد ضياعا وأكثر شفافية وطفولية في أكاذيبه وتناقضاته من ذلك الفنان/القديس البصير الرحيم الذي خلقوه منه، كان لا يزال من الصعب أن أشعر بالجرح بسبب جزء منه آثر تملق الغرباء على حب من كانوا أقرب إليه ممن عداهم.
الذين لم يعرفوا ديفيد إلا لماما هم أرجح من يمكنهم الكلام عنه بوصفه قديسا. وما يجعل من هذا أمرا شديد الغرابة هو غياب الحب العادي عن أعماله القصصية غيابا يكاد يكون تاما. فلا وجود في علم والاس القصصي لعلاقات الحب الحميمي التي تمثل للغالبية الكاسحة منا مصدرا أساسيا من مصادر المعنى. ولكن ما نجده بدلا من ذلك لا يعدو أشخاصا يكتمون عمن يحبونهم مشاعر قهر لا لين فيها، وشخصيات تبدو محبة أو تثبت لأنفسها أن ما تشعر بأنه الحب ليس في حقيقته إلا حبا للذات متقنعا بقناع لطيف، أو شخصيات تحس ـ على أقصى تقدير ـ بحب روحاني أو مجردٍ تجاه شخص منفر بطبيعته، وتذكروا الزوجة ذات الجمجمة السائلة المتقاطرة في "النكتة اللانهائية"، والمجنون في الحوارات الأخيرة مع الأشرار. يمتلئ عالم ديفيد القصصي بالمنافقين والمخادعين والمنعزلين عاطفيا، وبرغم ذلك بقي أولئك الذين ما عرفوه إلا بنظرة أو من خلال اتصال رسمي يأخذون بالظاهر فيما يتعلق بحكمته الأخلاقية ورقته المفرطة مع الآخرين ـ التي كان يبذل جهدا رهيبا لكي يتحلى بها.
وبرغم ذلك، يبقى الأمر المثير للفضول في أدب ديفيد، هو مدى ما يحظى به من اعتراف، ومدى ارتياح قرائه إليه بل وحبهم له حينما يقرأونه، إلى حد أن يجنح كل واحد أو واحدة منا إلى جزيرته الوجودية الخاصة. وأعتقد أنه من الصواب تقريبا القول بأن أكثر قرائه حساسية هم الذين يعرفون بآثار عزلته الاجتماعية والروحية من قبيل الإدمان أو الوسواس القهري أو الاكتئاب ـ التي كنا نتلقاها شاكرين مع كل رسالة ترد إلينا من الجزيرة النائية المسماة ديفيد. لقد كان والاس، على مستوى المضمون، يعطينا أسوأ ما في نفسه، إذ يطرح ـ بتوتر ناجم عن مراقبة للذات جديرة بالمقارنة مع كافكا وكيركيجارد ودوستويفسكي ـ أقصى تجليات نرجسيته، ومقته للنساء، ووساوسه، وشكه في نفسه، ونزعه الصفة الإنسانية عن الأخلاق واللاهوت، وشكه في احتمال وجود الحب، ووقوعه في شراك الوعي الذاتي المتجلي في الهوامش وهوامش الهوامش. وعلى مستوى الشكل والنية، كانت هذه الأرشفة والفهرسة لليأس من ألوهته الأصيلة الخاصة تصل إلى القارئ وكأنها هبة من ألوهة أصيلة: كنا نستشعر الحب في حقيقة فنه، ونحبه هو من أجل ذلك.
كانت بيني أنا وديفيد صداقة لا تخلو من مقارنة ومقابلة ومنافسة (أخوية). وقبل سنوات قليلة من وفاته، وقّع لي نسختين من الطبعة الفاخرة من أحدث كتابين له. على صفحة العنوان في أحدهما، وجدت خط يده المميز، وفي صفحة عنوان الأخرى وجدت رسما لانتصاب هائل، حتى أنه يتجاوز الصفحة نفسها مع سهم صغير إلى ملحوظة نصها "كمال المدى". ومرة سمعته يتكلم في حماس في حضور شابة كان يواعدها واصفا صديقة شخص آخر بأنها "أمثولة المرأة" بالنسبة له. فتأخر رد فعل الفتاة تأخرا رائعا ثم قالت "ماذا؟"، وإذ ذاك قال ديفيد الذي كانت ثروته اللغوية لا تقل عن أي شخص في النصف الغربي من الكرة الأرضية بعد أن أخذ نفسا عميقا وزفره "تصوري أنني أدرك بغتة أنني لم أعرف قط ما معنى أمثولة".
كان لطيفا كأنه طفل، وقادرا أن يتبادل الحب بنقاء طفل. ولو كان الحب ـ رغم ذلك ـ مستبعدا من أعماله، فذلك لأنه لم يشعر يوما أنه يستحق الحب. كان طول عمره سجين جزيرة ذاته. وما كان يبدو من على البعد تضاريس رقيقة لم يكن في الحقيقة إلا تضاريس وعرة. وكان فيه في بعض الأحيان شيء من الجنون، وفي بعض الأحيان كان يصبح هو والجنون شيئا واحدا، ولكنه منذ أن كبر تماما، لم تمر عليه لحظة كان خاليا فيها تمام الخلو من الجنون. ما رآه من "الهو" أثناء محاولته الهروب من سجنه في الجزيرة ـ عبر المخدرات والكحول فلا يجد إلا أن السجن ازداد عليه بقوة الإدمان ـ يبدو أنه لم يتوقف قط عن النيل من إيمانه بجدارته بالحب. وحتى بعدما أصبح نظيفا من المخدرات، وبعد عقود من محاولته الانتحار في مراهقته، وحتى بعد إقامته حياة لنفسه ببطء وبطولية، ظل يشعر أنه لا يستحق. وذلك الإحساس كان يتمازج مع فكرة الانتحار تمازجا وصل إلى حد عدم إمكانية التمييز بينهما، وكانت فكرة الانتحار هي المخرج اليقيني من سجنه، أكثر يقينية من الإدمان، ومن الكتابة، وأكثر يقينية طبعا من الحب.
كان بوسعنا أن نرى أن ديفيد أخطأ لما رأى نفسه غير جدير بالحب. كم هو سهل الحب، وكم هو طبيعي، حينما يكون المرء بخير! وكم هو عسير ورهيب، حينما لا يكون المرء بخير! ومع ذلك فإن من الدروس التي نتعلمها من أعمال ديفيد هو أن الفارق بين أن تكون بخير وألا تكون بخير هو مجرد فارق في الدرجة لا في النوع.
نحن غير البعداء ـ مرضيًّا ـ عن نطاق الاستغراق في الذات، نحن المقيمين في النطاق المرئي القادرين على تخيل إحساس الوجود فيما فوق البنفسجي العارفين أننا هناك لن نكون أنفسنا، كان بوسعنا أن نرى أن ديفيد أخطأ لما رأى نفسه غير جدير بالحب، كان بوسعنا أن نستشعر ألم إحساسه ذلك. كم هو سهل الحب، وكم هو طبيعي، حينما يكون المرء بخير! وكم هو عسير ورهيب، وكم هو مُركّب قاهر من الأنانية وإيهام الذات حينما لا يكون المرء بخير! ومع ذلك فإن من الدروس التي نتعلمها من أعمال ديفيد (بالنسبة لي كصديق له) هو أن الفارق بين أن تكون بخير وألا تكون بخير هو مجرد فارق في الدرجة لا في النوع. وبرغم أن ديفيد كان يسخر من أنواع إدماني بالغة الوداعة، ويحلو له أن يقول لي إنه ليس بوسعي حتى أن أتصور كم أنا بسيط، وإنه لا يزال بوسعي أن أستخلص المزيد والمزيد من هذه الإدمانات ومما يصاحبها من السرية، والأنانة[iii] والعزلة المفرطة والشهوات الحيوانية الطاحنة، إلى أن أبلغ مثل أقاصيه. بوسعي أن أتخيل الدروب الذهنية التي يصبح بها الانتحار وكأنه خلاصة رواء الوعي الذي ما لأحد أن يسلبك إياه. بوسعي أن أتفهم الاحتياج إلى أن يكون لك ما ليس لغيرك من الناس، والاحتياج إلى سر، والاحتياج إلى إقرار نرجسي أخير بسمو الذات، بوسعي أن أتفهم ذلك ذلك المزيج من الشهوانية وكره الذات والتشوف إلى نصر أخير جليل، بوسعي أن أتفهم عناء التواصل ولو لمرة أخيرة مع عالم ينكر عليك الاستمتاع بلذة الانغماس في ذاتك: نعم، قد ألحق بديفيد.
أعترف أنه من الصعب تفهم ما يظهر في مراحل معينة من وفاته من غضب طفولي ودوافع انتحارية مؤجلة، لكنني قادر ـ حتى هنا ـ على تبين منطق والاسايٍّ مرآوي مشوه، وتبين نوع مشوه من التوق إلى الصدق والتماسك الفكريين. فلكي يكون والاس جديرا بحكم الإعدام الذي أصدره بحق نفسه، كان لا بد لتنفيذ الإعدام أن يُلحق بشخص ما أذى عميقا. فلكي يثبت بصورة نهائية وقاطعة أنه لم يكن جديرا بالحب، كان لزاما عليه أن يخون من أحبوه أكثر من غيرهم أخسَّ خيانة ممكنة، بأن ينتحر في بيته ويجعلهم أول الشاهدين على فعله. ومثل ذلك يصدق على انتحاره بوصفه نقلة مهنية كانت بمثابة حسبة من حسابات التوق إلى إثارة الإعجاب التي كان يكرهها في نفسه وينكرها (ما أظن أنه استطاع إنكارها) أو ينكر وعيه بقيامه بها، ثم إذا به (إن تمكن أحد من إثباتها عليه) يجفل ويعترف بها ساخرا فيقول: أيوة، أوكيه، أنا أفعل هذا. إنني أتخيل جانبا في شخصية ديفيد كان يدافع عن السير في مسار "كيرت كوبيان"[iv]، أتخيل ذلك الجانب من شخصيته إذ يتكلم بصوت الشيطان المنطقي المغوي في رواية " رسائل سكروتيب "[v] وكان من كتب ديفيد المفضلة، أتخيله إذ يوضح بذلك الصوت أن موته على يدي نفسه قد يشبع لديه أيضا ما كان يكرهه في نفسه من جوع إلى دفعة مهنية، لأن من شأنه أن يمثل استسلاما لجانب من نفسه كان الجانب الأفضل المحصن يعتبره شرا، فيزيد بذلك من تأكيد عدالة حكم الإعدام.
لا أقصد من هذا إلى القول بأنه قضى شهوره وأسابيعه الأخيرة في حوار فكري نشط مع نفسه على غرار ما في "رسائل سكروتيب" أو "كبير المفتشين"[vi]. لقد كان في أيامه الأخيرة مريضا للغاية، حتى أن كل فكرة كانت تخطر له في صحوه مهما تكن طبيعتها، كانت على الفور تساق سوقا إلى حيثيات إثبات عدم جدارته [بالحب] التي كانت سببا دائما في ألمه وخوفه. ومع ذلك كان من أحب المجازات إليه ـ كما يتضح جليا في قصته Good Old Neon ـ وبحثه عن جورج كانتور Georg Cantor ـ مجاز قابلية أي لحظة مفردة من الزمن للانقسام المطلق.
ومع أنه ظل يعاني باستمرار في آخر صيف له، كانت هناك مساحة كبيرة في الفواصل القائمة بين أفكاره المتماثلة في إيلامها له، وكان بوسعه في هذه المساحة أن ينعم بفكرة الانتحار فيتقدم بالحدث ويراه، ويعيش مع تصورات لخططه العملية (التي أنجز منها أربعا على أقل تقدير) لتنفيذ هذا الانتحار. وأنت عندما تقرر القيام بشيء بالغ الرداءة فإن اعتزامك إياه ومنطقته له تنبعان في وقت واحد كاملتي الصياغة، وكل مدمن موشك على السقوط من جديد قادر أن ينبئك بهذا. وبرغم أن تأمل الانتحار نفسه كان مؤلما، أصبح ـ على رأي إحدى قصص ديفيد ـ بمثابة هدية من نفسه إلى نفسه.
حكايات الجماهير في الإعلاء من شأن ديفيد، والتي تتخذ من انتحاره دليلا على أن "هذا العالم لم يكن مخلوقا يوما لجميل مثلك" (مثلما غنى دون مكليلان Don McLean لفان جوخ)، هذه الحكايات تقتضي وجودا لشخص موحد اسمه ديفيد، جميل واستثنائي الموهبة، حدث له بعد أن أقلع عن نارديل المضاد للاكتئاب ـ الذي ظل يتعاطاه عشرين عاما ـ أن استسلم لاكتئاب كبير وبالتالي لم يكن نفسه عندما أقدم على الانتحار. سأتجاوز عن مسألة التشخيص (إذ من المحتمل ببساطة أنه لم يكن مكتئبا) ومسألة الكيفية التي استطاع بها شخص جميل مثله أن يتحصل على هذا الكم المدهش من المعلومات الدقيقة عن أفكار الرجال الأشرار. ولكننا لو أخذنا في الاعتبار غرامه بسكروتيب وميله الواضح إلى مخادعة نفسه والآخرين (وهو ميل كان يهدأ في سنوات شفائه وإن لم ينته تماما) بوسعي أن أتخيل حكاية الغموض والتناقض أقرب إلى روحه وعمله. ومن واقع حكاياته لي، أقول إنه لم يكف يوما عن الحياة في خوف من الرجوع إلى عنبر المرضى النفسيين الذي ساقته إليه محاولة انتحاره المبكرة. ولعل غواية الانتحار ـ بما تمثله من انتصار كبير أخير ـ انطمرت، ولكنها لم تختف اختفاء مطلقا. يقينا، كانت لدى ديفيد أسباب "وجيهة" للإقلاع عن نارديل ـ منها خوفه من أن تؤدي الآثار البدنية لطول تعاطيه إلى تقصير الحياة الجيدة التي استطاع أن يحققها لنفسه، وخشيته من أن تتداخل تأثيراته السيكولوجية مع أفضل ما في حياته (عمله وعلاقاته) وكانت لديه أيضا أسباب أقل وجاهة منبعها الأنا: رغبة نزاعة إلى الكمال في أن يكون أقل اعتمادا على هذه المادة، مقت نرجسي لروئيته نفسه مريضا نفسيا دائما. ما يصعب عليَّ الاعتقاد به هو أنه لم تكن لديه أسباب بالغة التفاهة أيضا. فلقد كان يرفرف من تحت ذكائه الأخلاقي الجميل وضعفه الإنساني المحبب وعيُ المدمن القديم، والذات السرية، التي استطاعت بعد سنين من قمعها بنارديل أن تلمح فرصة للتحرر والمضي في طريقها الانتحاري.
هذه الازدواجية تبدت في السنة التالية لتوقفه عن تعاطي نارديل. كان يتخذ فيما يتعلق برعايته الصحية قرارات غريبة تبدو منطوية على هزيمة لذاته، كما عمد إلى قدر غير قليل من المخادعة لمعالجيه النفسيين (الذين لا يملك الواحد إلا الإشفاق عليهم لتصديهم لمثل هذه الحالة المعقدة العبقرية)، إلى أن خلق في النهاية حياة سرية كاملة مكرسة للانتحار. على مدار ذلك العام، كان ديفيد الذي عرفته جيدا، وأحببته في تطرف، يناضل ببسالة لإقامة أساس لعمله وحياته أشد أمنا، مقاتلا في سبيل ذلك، واصلا إلى مستويات فجائعية من القلق والألم، أما ديفيد الذي عرفته بصورة أقل، وإن أكن عرفته بصورة تكفيني كي أكرهه وكي لا أثق فيه، فكان يخطط بصورة ممنهجة لتدمير نفسه وللانتقام ممن أحبوه.
ولما تبدد أمله في الكتابة القصصية، بعد سنين من النضال مع روايته الجديدة، لم يبق ثمة من مخرج أمامه إلا الموت. ولو أن السأم هو الأرض التي تتبرعم فيها بذور الإدمان، ولو أن الانتحار والإدمان يتماثلان ظاهراتيا وغائيا، فلا ضير من القول بأن ديفيد مات بفعل السأم
وليس بعيدا عن الموضوع أنه عجز عن مواصلة عمله بعدما قرر الإقلاع عن نارديل، وسئم من حيله القديمة وعز عليه الإحساس بقدر كاف من الإثارة للمضي في روايته الجديدة والتقدم فيها. لقد كان يحب الكتابة، كتابة "النكتة اللانهائية" على وجه التحديد، ولقد كان في منتهى الصراحة، في نقاشاتنا الكثيرة حول الغرض من الروايات، وحول اعتقاده بأن القص هو الحل، بل هو أفضل حل لمشكلة العزلة الوجودية. كان القص مخرجه من الجزيرة، مخرجه الناجع لفترة طويلة، وطالما بقي قادرا على أن يصب حبه ومشاعره في إعداد رسائل وحدته، وطالما بقيت تلك الرسائل تصل عاجلة وطازجة وصادقة إلى اليابسة، فقد كان يحقق لنفسه مستوى من السعادة والأمل. ولما تبدد أمله في الكتابة القصصية، بعد سنين من النضال مع روايته الجديدة، لم يبق ثمة من مخرج أمامه إلا الموت. ولو أن السأم هو الأرض التي تتبرعم فيها بذور الإدمان ولو أن الانتحار والإدمان يتماثلان ظاهراتيا [فينومينولوجيا] وغائيا، فلا ضير من القول بأن ديفيد مات بفعل السأم. في قصة مبكرة له بعنوان "هنا وهناك"، بطل شاب يسعى إلى الكمال، وله شقيق يدعوه إلى  النظر في "كم سيكون الكمال مملا" فيقول لنا بروس
أقدّر طبعا معرفة ليونارد الهائلة بما يعنيه أن يكون المرء مملا، وهي معرفة بذل في تحصيلها الجهد الكبير، ولكنني أوضح أنه بما أن كون المرء مملا  يعد من قبيل النقصان، فمن البديهي أن يكون من المحال على شخص كامل أن يكون مملا.
نكتة ظريفة، ولكن في المنطق الكامن وراءها عنتا شديدا. إنه منطق "كل شيء وأكثر" وتلك العبارة عنوان قصة أخرى لديفيد، وكل شيء وأكثر هو ما كان يريده من قصصه ولها. وكان ذلك يتحقق له قبل "النكتة اللانهائية". ولكن محاولة الإضافة إلى ما هو كل شيء فعلا هي مخاطرة بعدم الحصول على أي شيء: مخاطرة بأن تصبح مملا بالنسبة لنفسك.
من طرائف روبنسن كروزو أنه لم يشعر قط، على مدار ثمانية وعشرين عاما في جزيرة يأسه، بالملل. نعم يتكلم عن أعماله الشاقة الأولى ويعترف لاحقا أن البحث في الجزيرة عن أكلة لحوم البشر "أتعب قلبه"، ويأسف لعدم امتلاكه أي غليون يدخن به بعض التبغ الذي وجده على الجزيرة، ويصف سنته الأولى بصحبة "جمعة" بوصفها "أبهج سنة من حياتي التي عشتها في هذا المكان". ولكن التوق المعاصر إلى المثيرات غائب بالمطلق. (لعل أكثر تفاصيل الرواية إدهاشا أن روبنسن يصنع "ثلاث دنان ضخمة من الروم أو المشروبات الروحية" فتدوم معه ربع قرن، ولو كنت مكانه لأجهزت عليها في ثلاثة أشهر لمجرد أن أنتهي منها وحسب). وعلى الرغم من أنه لا يكف مطلقا عن الحلم بالهروب، إلا أنه سرعان ما يجد "نوعا سريا من البهجة" في ملكيته المطلقة للجزيرة:
إنني أطل من علٍ على العالم فأراه شيئا نائيا، لا علاقة ثم تربطني به، لا أنتظر منه شيئا، وليست لي بصدق رغبة فيه، باختصار، لم أجد أية علاقة لي به، ولا أحببت أن تكون لي به علاقة، ويخطر لي أننا كما لو كنا ننظر إليه من بعد زواله.
ينجو روبنسن من عزلته ويحتملها لأنه محظوظ، وهو يسالم وضعه لأنه عادي ولأن جزيرته من صخر. أما ديفيد فقد كان استثنائيا، وجزيرته كانت افتراضية، فلم يبق لديه من شيء في نهاية المطاف يعتمد في بقائه عليه إلا ذاته المثيرة، ومشكلة إقامة المرء عالمه الافتراضي مماثلة لمشكلة تصور أنفسنا في عالم الإنترنت: حيث لا نهاية للفضاءات الافتراضية التي نبحث فيها عن المثيرات، لكن لانهائيتها، وتواصل مثيراتها دونما إشباع، ليسا سوى سجن.
كانت النقطة المثيرة للدوار التي قررت الرجوع من عندها تحت المطر لا تبعد عن لاكوتشارا أكثر من ميل، ولكن الرجوع استغرق ساعتين. لم يعد المطر الآن أفقيا وحسب، بل وغزيرا، فكنت أعاني صعوبة حقيقية لكي أبقى منتصبا وسط الرياح. وأنظر في جهاز تحديد المواقع فأجد رسالة تنبئني أن "البطارية ضعيفة"، ولكنني مضطر لتركه مفتوحا، إذ الرؤية كانت ضعيفة للغاية إلى حد أنني لم أكن قادرا أن أسير في خط مستقيم. وحتى حينما أوضح الجهاز أن الكوخ على بعد مائة وخمسين قدما، كان علي أن أتقدم أكثر قبل أن أتبين سطحه.
رميت حقيبتي المبلولة في الكوخ وهرعت إلى خيمتي فوجدتها في بركة. تمكنت من استخراج الحشية وإعادتها إلى الكوخ، ثم رجعت فحللت الخيمة وصببت منها الماء وجمعتها كلها بين ذراعي، محاولا الإبقاء على ما بداخلها شبه جاف، وسارعت بها عبر المطر الأفقي، إلى الكوخ الذي كان منطقة كوارث قوامها الثياب والأدوات المنقوعة في الماء. أمضيت قرابة الساعتين في مشاريع تجفيف، أعقبتهما ساعة من التفتيش في الرأس الصخري كله، دونما جدوى، عن قطعة من الخيمة، لا غنى عنها، يبدو أنها ضاعت مني في لهوجتي. وبغتة توقف المطر وانجاب السحاب وصفا الجو وإذا بي أدرك على حين غرة أنني في أكثر بقعة رأيتها من الأرض جمالا ودراماتيكية.
في وقت متأخر من عصر ذلك اليوم، كانت الريح تهب بجنون فوق المحيط الأزرق، وذلك كان هو الوقت. بدت لاكوتشارا معلقة في الهواء أكثر منها متصلة بالأرض. كان ثمة إحساس بقرب اللانهائية، إذ تبث الشمس من وسط السفوح من الظلال الخضراء والصفراء أكثر مما كنت أتصور له وجودا في الطيف المرئي، إحساس بقرب اللانهائية من الألوان، والسماء بالغة الشسوع إلى حد أنني ما كنت لأندهش لو رأيت اليابسة في الأفق الشرقي. ومن لدى القمة الجبلية أقبلت بقايا بيضاء من السحب تتقلب، عابرة بي إلى حيث تتلاشى وتتبدد. وكانت الريح تهب حينما بدأت أبكي، لأنني كنت أعرف أن الوقت قد حان دون أن أهيئ له نفسي، بل لقد أمكنني أن أنسى. مضيت إلى الكوخ فأحضرت الصندوق الصغير الحاوي رفات ديفيد، أو الكتيب، إن أنا استخدمت المصطلح الذي استخدمه بطرافة في وصف كتابه القصير عن اللانهائية الحسابية، رجعت به إلى الرأس الصخري، جاعلا الريح في ظهري.
قلت لنفسي إن هذا أفضل، وإن الوقت قد حان للقبول بالمحدودية والنقصان ولبقاء طيور بعينها غير مرئية إلى الأبد، وإن هذه المقدرة على القبول هي الهبة التي أوتيتها أنا دون صديقي الحبيب الراحل.
كنت أفعل الكثير من الأشياء المختلفة في كل لحظة. حتى وأنا أبكي، كنت أستعرض الأرض بعيني باحثا عن الجزء الناقص من الخيمة، وأخرج الكاميرا من جيبي محاولا اقتناص جمال الضوء والأفق السماوي، مطالبا نفسي بأن أفعل هذا كله في الوقت الذي ينبغي فيه أن أكون خالصا للحزن، قائلا لنفسي لا بأس في أنني فشلت في محاولتي لرؤية الراياديتو في زيارتي الوحيدة فيما يبدو للجزيرة  ـ قلت لنفسي إن هذا أفضل، وإن الوقت قد حان للقبول بالمحدودية والنقصان ولبقاء طيور بعينها غير مرئية إلى الأبد، وإن هذه المقدرة على القبول هي الهبة التي أوتيتها أنا دون صديقي الحبيب الراحل.
عند طرف الرأس الصخري، وجدت صخرتين متماثلتين تصلحان مذبحا من نوع ما. لقد رأى ديفيد أن يترك من أحبوه ويهب نفسه لعالم الرواية وقرائها، وكنت على وشك أن أتمنى له السعادة في هذا العالم. فتحت صندوق الرفات ورميت به في الريح. استقر بعض العظام الرامادية على المنحدر تحت قدمي، ولكن الرفات نفسه علق في الريح وتلاشى في قبة السماء الزرقاء ماضيا عبر المحيط. استدرت راجعا، صاعدا التل، إلى الكوخ، حيث ينبغي أن أقضي الليلة وقد فقدت خيمتي. شعرت أنني انتهيت من الغضب، الذي ببساطة تبدد، وأنني انتهيت أيضا من الجزيرة.
كان معي في القارب الراجع إلى جزيرة روبنسن كروزو ألف ومائتان من سرطانات البحر، وجديان مسلوخان، وصياد عجوز صاح بي بعدما رفع المرساة بأن البحر مضطرب. قلت، أيوة، مضطرب قليلا. صاح بجدية "ليس قليلا، بل كثيرا" [بالأسبانية في الأصل No poco! Mucho!]. كان أفراد طاقم المركب يتناقشون حول الجديين المسلوخين، وأدركت أننا بدلا من التوجه مباشرة إلى روبنسن كروزو، سنتجه إلى الجنوب بزاوية خمس وأربعين درجة لنجتنب الانقلاب. ترنحت نازلا إلى حجيرة ضئية منتنة أسفل مقدمة المركب وألقيت نفسي على السرير وثمة ـ بعد ساعة أو اثنتين من التشبث بقوائم السرير اجتنابا للطيران في الهواء، محاولا أن أفكر في شيء، أي شيء بعيد عن دوار البحر، متعرقا دافعا بعرقي (مثلما تبين لي لاحقا) اللصقة المانعة لدوار البحر التي كنت لصقتها وراء أذني، مصغيا للماء إذ يتدفق ضاربا بدن المركب ـ تقيأت في كيس. بعد  عشر ساعات، عندما غامرت وصعدت إلى سطح المركب، كنت أتوقع أن يكون الميناء في مرمى البصر، ولكن القبطان كان قد قام بالكثير من الدوران فكنا لا نزال على بعد خمس ساعات. لم يكن بوسعي أن أواجه فكرة الرجوع إلى الحجيرة، وكنت لا أزال أشعر بقدر من الغثيان يمنعني من النظر إلى طيور البحر، وهكذا وقفت قرابة خمس ساعات لا أفعل شيئا أكثر من التفكير في تغيير ميعاد رحلتي ـ الذي كنت حددته في الأسبوع التالي لأتيح لنفسي المجال للتأخير ـ والرجوع مبكرا إلى البيت.
لم أكن قد شعرت بمثل هذا الحنين إلى الوطن ربما منذ آخر مرت خرجت فيها وحيدا للتخييم. فكرت أنه في غضون ثلاثة أيام سوف تذهب امرأة كاليفورنيا التي أعيش معها لمشاهدة مباراة في دوري سوبر باول لكرة القدم الأمريكية مع أصحاب لنا، ولما تصورت نفسي جالسا جنبها على الكنبة نشرب المارتيني ونشجع آرون رودجرز ظهير فريق جرين باي، ونجم كاليفورنيا، انتابني شعور طاغ بالرغبة في الفرار من الجزر. كنت قبل مغادرة ماسافويرا قد رأيت بالفعل سلالتين من الطيور البرية المستوطنة، وبدا التفكير في قضاء أسبوع آخر هناك دونما فرصة في رؤية شيء جديد، أمرا يبعث على ملل لحد الاختناق، بدا بمثابة تمرين على الحرمان من حالة الانشغال التي كنت أروم الفرار منها، والتي بت في ذلك الوقت أقدر ما فيها من بهجة.
 رجعت إلى روبنسن، فجندت موظف الفندق رامون لمحاولة الحصول على تذكرة لي في أي من رحلتي اليوم التالي. تبين أن كلتا الرحلتين مكتملتان، ولكن بينما كنت أتناول الغداء دخلت إلى الفندق مسئولة محلية في إحدى شركتي الطيران، فألح عليها رامون أن تسمح لي بالطيران في الرحلة الثالثة المخصصة للشحن فقط. رفضت المسئولة. ولكن رامون سألها: ماذا عن مقعد مساعد الطيار؟ ألا يمكن أن يجلس على مقعد مساعد الطيار؟ قالت المسئولة، لا، فمقعد مساعد الطيار سيكون مشغولا أيضا بصناديق سرطان البحر.
وهكذا، ودونما إرادة مني، أو ربما بسبب عزوفي عن الأمر، وجدت نفسي أمر فعلا بتجربة الجنوح على الجزيرة. مضيت آكل في كل وجبة نفس الخبز التشيلي الأبيض الرديء، ونفس السمك الهلامي الذي يقدمونه بدون صلصة أو توابل في كل غداء أو عشاء. استلقيت في غرفتي وانتهيت من روبنسن كروزو، وكتبت بطاقات بريدية أرد بها على كومة البريد التي كنت أحضرتها معي. وجربت ذهنيا الانغماس في الأسبانية التشيلية التي يحذف الناطقون بها حروف الـ S. توفرت لي فرصة أفضل لمشاهدة طائر خوان فرناندث فايركراون، وهو طائر طنان رائع وضخم له لون القرفة ومهدد بشدة بالانقراض بسبب النباتات والحيوانات الغازية. سرت في الجبال على أرض عشبية كان يقام فيها في تلك الأثناء المهرجان  السنوي لوسْم الماشية، ورأيت الرجال على خيولهم يسوقون قطيع القرية إلى الحظيرة. كان المنظر مذهلا ـ تلال شاهقة، قمم بركانية، محيط مكلل بالزبد ـ لولا أن التلال كانت منحولة العشب في بعض المواضع. والقطيع المكون من أكثر من مائة رأس، كان فيه ما لا يقل عن تسعين حيوانا يعاني سوء التغذية، والغالبية العظمى بلغت من النحول حد أن وقوفها على سيقانها نفسه بدا أمرا جديرا بلفت النظر. لقد كان هذا القطيع موردا تاريخيا للبروتين، وكان أهل القرية لا يزالون يستمتعون بطقس المطاردة والوسم، لكن ألم يكن بوسعهم أن يروا أي محاكاة بائسة انتهى إليها طقسهم؟
في ظل ثلاثة أيام بحاجة إلى ما يملؤها، وركبتين أبلاهما نزول التل، لم يبق أمامي من خيار إلا أن أشرع في قراءة رواية "صمويل ريتشاردصن" الأولى  باميلا" التي كنت أحضرتها معي لسبب أساسي هو أنها أقصر كثيرا من "كلاريسا". كل ما كنت أعرفه عن باميلا هو أن هنري فيلند سخر منها في "شاميلا" [Shamela وshame تعني العار] أولى مغامراته في كتابة الرواية. لم أكن أعرف أن شاميلا كانت مجرد واحد من أعمال كثيرة صدرت كرد فعل على باميلا، وأن باميلا ربما كانت في حقيقة الأمر أهم خبر في لندن سنة 1741. ولكنني ما كدت أبدأ في قراءتها حتى عرفت السبب: الرواية قوية ومشحونة بالجنس والصراعات الطبقية، وتسرد تفاصيل حالات سيكولوجية متطرفة على نحو غير مسبوق. باميلا أندروز ليست "كل شيء وأكثر". هي ببساطة باميلا متميزة، خادمة جميلة تتعرض فضيلتها لهجوم بارع ومستمر من ابن مخدومها الراحل. والحكاية تروى من خلال رسائل تبعثها باميلا إلى أبويها، وحينما يتبين لها أن رسائلها تقع في يد مستر ب الذي سيقوم بغوايتها لاحقا تستمر في كتابة الرسائل برغم معرفتها أن مستر ب هو الذي سوف يقرؤها. كان لا بد لورع باميلا وما تمر به من حالات هستيرية أن يثير حفيظة نوع معين من القراء (ولقد كان من بين الكتب التي صدرت ردا على نشر الرواية كتاب سخر من عنوان ريتشاردصن الفرعي وهو "جزاء الفضيلة" فجعله "فضح البراءة المزعومة")، ولكن من وراء فضيلتها الزاعقة ومكائد مستر ب الداعرة تكمن قصة حب بديعة. القوة الواقعية التي تكمن في هذه القصة هي التي جعلت الكتاب يثير كل تلك الضجة. لقد كان ديفو هو الذي استولى على هذه المنطقة للفردية الراديكالية، فبقيت موضوعا مثمرا للروائيين حتى عهد بيكيت ووالاس، ولكن ريتشاردصن كان أول من جعل الخيال يصل إلى قلوب وأذهان الأفراد الغارقة عزلتهم في حب شخص آخر.
في منتصف روبنسن كروزو بالضبط، وقد مضت على روبنسن في وحدته خمسة عشر عاما، يكتشف موطئ قدم بشريا على الشطء فيصيبه الجنون حرفيا "خوفا من الإنسان". وبعدما يخلص إلى أن موطئ القدم لا يخصه هو ولا يخص الشيطان، بل يخص دخيلا ما من أكلة لحوم البشر، يحيل جزيرته الفردوسية إلى حصن، ولسنوات عديدة لا يكاد يفكر في شيء عدا نفسه ومقاومة الغزاة الموهومين. ويتأمل المفارقة:
أنا الذي لم يأس على شيء سوى أنني فيما بدا لي نُفيت عن المجتمع البشري وصرت وحيدا، يحاصرني المحيط اللانهائي، منبتًّا عن الإنسانية، محكوما عليَّ بما أسميه الحياة الصامتة ... أمثلي يرتعد هكذا لمحض ترقبه أن يرى إنسانا، ويكون متأهبا للغوص في الأرض خوفا من محض شبح، أو لمحض ظهور صامت لإنسان وضع قدمه على الجزيرة؟
لم يكن ديفو أدق في أي موضع آخر منه في هذا الموضع إذ يتخيل رد فعل روبنسن على انكسار عزلته. لقد منحنا أول بورتريه واقعي لشخص راديكالي الانعزال، ثم إنه ـ ربما بقهر من الحقيقة الروائية ـ يرينا كم هي مجنونة ومريضة تلك الفردية الراديكالية. ومهما يكن حذرنا في الدفاع عن ذواتنا، فكل ما يلزم هو موطئ قدم شخص آخر حتى نتذكر الأخطار المثيرة اللانهائية الكامنة في حياة قائمة على العلاقات. حتى الـ فيسبوك، الذي يقضي مستخدموه مجتمعين بلايين الساعات في تجديد تصوراتهم عن أنفسهم، يحتوي بابا  أونطولوجيا للخروج، ففي قائمة تحديد طبيعة العلاقة ثمة اختيار نصه أن "الأمر معقد". قد يكون هذا تعبيرا ملطفا لعبارة أخرى هي "في طريقي للخروج من العلاقة"، ولكنه أيضا وصف مناسب لجميع الخيارات الأخرى. وطالما لدينا كل تلك التعقيدات، كيف نجرؤ على الإحساس بالملل؟


نشر النص أصلا هنا ونشر على أجزاء في الأعداد الأخيرة من شرفات.

أرجو أن تغفروا لي ارتباكات لغوية اضطررت إليها في مواضع غير قليلة من الترجمة





[i]  في عام 2006 تعرض الكاتب الأمريكي جيمس فراي لفضيحة حينما كشف موقع على الإنترنت أن بعض الأحداث التي أوردها في سيرته الذاتية هو إما مختلق أو مبالغ فيه. وأشار الموقع تحديدا إلى وقائع لها علاقة بالإدمان والتعرض للسجن.
[ii] عند تسلق جبل ارتفاعه خمسة آلاف قدم قد يضطر المتسلق إلى النزول أحيانا ثم مواصلة الصعود، ثم النزول، فالصعود، للالتفاف على هذه المنطقة صعبة التسلق أو تلك،  وعند حساب "صافي الارتفاع المتحقق" يتم خصم المسافات التي نزلها، ومن ثم فقد لا يكون صافي الارتفاع خمسة آلاف قدم، بل ربما أقل، وربما صفر. مستعينا بويكيبديا

[iii]  الأنانة سوليبسيزم Solipsism  وهي مشتقتة من كلمتين لاتينيتين هما  سولوس solus أي وحيد وإبسي ipse أي نفس. والسوليبسية أو الـ سوليبسيزم تذهب إلى أن عقل كل واحد هو الشيء الوحيد مؤكد الوجود، وأن معرفة أي شيء خارج عقل المرء هي معرفة غير يقينيه، وأنه من ثم لا سبيل إلى معرفة العالم الخارجي والعقول الأخرى، بل إنها تذهب إلى عدم وجود العالم الخارجي والعقول الأخرى، ويكبديا

[iv] الموسيقي الأمريكي الشهير الذي أدمن وانتحر بطلقة في رأسه في بيته
[v]  The Screwtape Letters  رواية للكاتب "سي إس لويس" تتكون من إحدى وثلاثين رسالة يبعثها الشيطان الخبير سسكروتيب لابن أخته وورموود قليل الخبرة المكلف بقيادة إنسان إلى "أبينا الذي في باطن الأرض" لكي لا ينتهي به المطاف إلى "العدو".

[vi]  هذه نادرة يرويها إيفان لأليوشا في "الأخوة كارامازوف" عن نزول يسوع إلى الأرض في زمن محاكم التفتيش وقيامه ببعض معجزاته المعروفة وتصديق الناس له، ولكن كبير المفتشين يأمر مع ذلك باعتقاله، ويجري حوارا معه في الزنزانة!