الثلاثاء، 24 ديسمبر 2013

علينا أن نحرق هذه الرسائل (4)

علينا أن نحرق هذه الرسائل
(4)





إيتالو كالفينو

في هذه المجموعة الأخيرة من رسائله، كالفينو في الخمسينيات من عمره، يجادل، ويجامل، وفي إحدى الحالات يهاجم، ثلاثة من معاصريه المرموقين: بيير باولو بازوليني، وجور فيدال، وكلاوديو ماجريس. كان بازوليني قد كتب عن "مدن لامرئية" وكالفينو يجادله في مسألة الاهتمام "الأحداث الجارية". ويثني على مقالة كتبها جور فيدال عن أعماله في "نيويورك رفيو أوف بوكس". وفي رسالة حادة إلى ماجريس، يعارض بشدة مقالة في رفض الإجهاض كتبها ماجريس، ويعلن تعليق صداقتهما (التي استؤنفت لاحقا)
***
إلى بيير باولو بازولني
باريس ـ 7/2/73
عزيزي بيير باولو
أمس فقط قرأت رسالتك البديعة وإنني سعيد أنه لم يزل بوسع  قراءة الكتب أن تثير الدهشة، دهشة حوار كهذا، خطاب كخطابك المليء بالتعامل المباشر مع النص وبالذكاء المتدفق، والبعيد عن كل الآليات المتوقعة في الخطاب النقدي. وسعيد أن يكون كتابي أتاح فرصة لتأملاتك البارعة الدقيقة الجديدة التي بسطتها: ومن خلالها جميعا أرى كتابي من زوايا جديدة تشجعني فعلا أن أبحث عن سبل جديدة لتطوير النقاش معك. فوق ذلك كله تخيّم الصورة الاستثنائية للمستقبل الكوني الممتد بأكمله وقد ضاع منه العقل، وأصبحت فيه المعرفة ذكرى. وانظر، هذه فكرة أفلاطونية ومرتبطة بالأفلاطونية التي تشير إليها لاحقا. أنت أول ناقد يبرز هذا المكوِّن الأفلاطوني في شغلي، وهو مكوِّن يبدو لي مركزيا. ثم إنك تنتقل، محقّا، إلى أن تفسر، على نحو فيه صدى من الكتاب نفسه، كيف أن مادة الأحلام واقعية.
وكلمة سريعة أقولها عن "تباعد أحدنا عن الآخر" خلال السنوات العشر الأخيرة.  ما تعنيه هو أنك أنت الذي ابتعدت فأوغلت في البعد: ليس فقط فيما يتعلق بالسينما، وهي الأبعد قاطبة عن الإيقاعات الذهنية لدودة الكتب التي أصبحت إياها في تلك الأثناء، ولكن أيضا بسبب تحول استخدامك للكلمات لتقوم بنقل الحاضر المأزوم كأنك تصوره على الشاشات الكبيرة: وتلك حالة من التدخل في الحاضر استبعدتها أنا منذ البداية. كل هذا من ناحية واحدة، في حين أن نوعية الخطاب التي تضع فيها أفضل ما في نفسك إنما تتألف من الأحكام بالغة الصغر المقدمة بمنتهى الدقة اعتمادا على تحليلات صغيرة دقيقة لكلمات وأشخاص (وتلك موهبة لم تفتقدها، بحسب ما يتبين بجلاء من مداخلاتك المصقولة ببراعة) وهذه نوعية الخطاب التي لا يمكن لغيرها أن يحدث تأثيرات غير مباشرة، بعد جولات وجولات، وبعد سنين وسنين، شأنها شأن الخطاب الشعري.
في المقابل، حضورك من أجل الإدلاء بدلوك في "الأحداث الجارية" بحسب ما ترد في الجرائد، وباستخدام مقياس الجرائد لتحديد الموضوع، المرتبط بالرأي العام ارتباطا مباشرا، ذلك الحضور يعطي المرء ولا شك إحساسا أكيدا بأنه على قيد الحياة، ولكنها حياة عالم التأثر، لا عالم التفكير البطيء والتأمل المتروي. وإذن فطريقتك في الاختيار على أساس موضوعي هي التي فرقت بيننا، لا طريقتي أنا، التي ليس لها وجود أصلا. لقد عرفت بسرعة أنه ما من مكان لي داخل الواقع فبقيت على الأطراف، متذمرا ربما، ولكن ملتزما الصمت، مثلما تقول أنت نفسك، وحتى إن تكلمت في أية حال فلا يكون ثمة من هو مهيأ للاستماع إليّ والرد عليّ. أين رأيت في أي سلوك من سلوكياتي "التزاما مبدئيا بقضية الطلبة"؟ أما عن "الانفتاح  على الحركة الطليعية" فسوف أصمت عنها، أنا دائم الترحاب بالتغيير في المناخ الذهني للأدب الإيطالي، لو كان ثمة أية بادرة عليه، وعلى الرغم من عدم اقتناعي بهذه الطائفة أو تلك من المنظومات الجمالية، إلا أن بي اهتماما دائما بما يمكن أن يسفر عنه التفاعل مع المنظومات الجمالية الأخرى. ولكن تحفظاتي وتحسسي من السياسات الجديدة أقوى من دوافعي إلى معارضة السياسات القديمة، وعليه فلم يبق لي موقف أتمسك به منذ أن استبعدت المواقف واحدا تلو الآخر، وذلك ساق في طريقه فضولي إلى معرفة الناس، والتطورات الجارية، والمواقف المميزة. وفي ظل عدم امتلاكي أي كفاءة أو مؤهلات للتعبير عن أحكامي، طبيعي تماما أن ألزم الصمت، على المستويين العام والخاص، ولست أستقوي على ذلك بمثل ما أستقوي بالفشل الذي تصادفه تدخلاتك وتدخلات غيرك، التدخلات التي لم أستشعر أية إمكانية لأن أرتبط بها. ما تقوله عن صورتي التي بدأت تصفرّ وتشحب يتماثل بالضبط مع نواياي. بما أن الموتى لم يعودوا في مكان لا يخصهم فيه الكثير، فلا بد أنهم يشعرون بمزيج من الضغينة والارتياح، وهو ما لا يختلف في شيء عن حالتي الذهنية. وليس من المصادفة في شيء أني ذهبت لأعيش في مدينة كبيرة لا أعرف فيها أحدا ولا يعرف أحد أني موجود فيها. وبهذه الطريقة حققت لنفسي نوعا من الوجود هو على أقل تقدير أحد أنواع كثيرة من الوجود طالما حلمت بها: أقضي اثنتي عشرة ساعة من اليوم في القراءة، في أغلب أيام العام.
[...] أشكرك مجددا واقبل أحرّ الأمنيات من صديقك القديم
إيتالو كالفينو
***
إلى جور فيدال ـ روما
سان ريمو ـ 20 يونيو 1974
عزيزي جور فيدال
بدأت هذه الرسالة مرات عديدة وتوقفت مرات عديدة. كنت أبحث عن أعذار: كأن أعثر على عنوانك، كأن أعرف أولا هل أنت في روما أم في نيويورك. حاولت أن أكتب لك بالإنجليزية، لكن الأشياء التي كنت أفكر فيها بالإيطالية لم تبد صحيحة عند ترجمتها إلى الإنجليزية، والأشياء التي كنت أفكر فيها بالإنجليزية لم تكن تبدو صحيحا إذ أعيد صياغتها بالإيطالية. المشكلة أنك كتبت عني مقالا نقديا هو في عفوية ومودة رسالة، وأنا الآن أود أن أكتب لك رسالة دقيقة الأفكار تحليليةً كأنها مقالة لأنقل إليك مدى سعادتي بقراءتي للمقالة.
سعيد، ليس فقط بأن ألقى هذه القراءة الحماسية الذكية الودود، وليس فقط بأن تكون هذه القراءة بقلمك أنت، أي بقلم كاتب طالما اجتذبتني سخريته اللاذعة ومقدرته على تحويل الواقع وانتماؤه الدقيق إلى زماننا، ولكني سعيد أيضا بالطريقة التي كُتبت بها مقالتك، والتي تثير إعجابي لسببين.
أولا: يشعر المرء أنك كتبت تلك المقالة للذة الكتابة مراوحا بين الثناء الدافئ في النقد والتحفظات بنبرة شديدة الإخلاص، وبتيار دائم من الحرية والطرافة، وهذا الإحساس بالتلذذ يصل إلى القارئ بلا أدنى مقاومة.
ثانيا: طالما ظننت أن الاستشهاد بمقتطفات من كتبي أمر صعب، فكل منها مختلف عن الآخر، وكذلك الخروج بخطاب عام، أو تعريف كلي، أو حتى مجرد إطار مميز للكاتب لا ينكسر. والآن تأتي أنت ـ وعلى الرغم من تصديك لجميع أعمالي بالطريقة التي ينبغي التصدي لها بها، وهي على وجه التحديد طريقة غير ممنهجة ـ لتتحرك مثل شخص في نزهة فيتوقف هنا، ثم يمضي إلى هناك بدون أن يتلفت حوله، وثمة يتجول وقد انتبه عرضا إلى شيء ما ـ تستطيع أنت أن تقيم إحساسا عاما بكل شيء كتبته، يوشك أن يكون فلسفة ـ "الكل والكثير" إلخه ـ وإنني أسعد كثيرا حينما يتمكن شخص من العثور على فلسفة في منتجات عقلي الموغل في عدم التفلسف.
"النتيجة التي يخلص إليها مقالك تحتوي على جملة تبدو لي مهمة على نحو مطلق. لا أجرؤ أن أتساءل عما إذا كانت تصدق عند تطبيقها على شخصي، لكنها تصدق مثلا أدبيا لكل واحد فينا: أعني أن الغاية التي على كل واحد فينا أن يبتغي تحقيقها هي أن يكون "الكاتب والقارئ واحدا. ولكي نشمل خطابك وخطابي معا في دائرة كاملة، سنقول إن هذا الواحد هو الكل.
كنت أتوق إلى أن أنقل إليك هذه النظرات العامة التي أوحت بها مقالتك إليّ. ولعلي في مناسبة أخرى أرد عليك ردا أكثر تحليلية، نقطة بعد نقطة. في اللحظة التي وددت فيها أن أقول هذا: تلاحظ أنت أنني بالفعل في عام 1958 كنت مشغولا بتدمير البيئة، وهذا الاعتراف يسعدني لأنه يأتي منك وأنت الذي طالما تقدمت صفوف المدافعين عن البيئة. وفي هذا الموضوع أيضا، وهو "غطس في العقارات"، الذي سوف أرسله إليك بالإيطالية. وهناك ترجمة له (بقلم دي إس كرينروس) في أنطولوجيا طبعت شعبيا بعنوان ست نوفيلات حديثة من إيطاليا" الصادرة سنة 1964 عن بيرمابوك بتحرير دبليو آروسميث.
إنني أكتب إليك من سان ريمو، من البيت الذي تجري فيه أحداث تلك النوفيلا ـ قبل عشرين عاما ـ ومنذ ذلك الحين لم تتغير الأمور إلا كمًّا، بعبارة أخرى، لم يزل بيتنا محاطا بدغل رهيب من الخراسانة التي تعزز وجودها أكثر فأكثر، ولا تزال أسرتنا مرغمة كل حين على التعامل مع مقاول ما، ولكن التعامل هذه المرة يهدف بيع البيت إلى الأبد.
ولكنني هنا عابر لا أكثر، بهذه الريفييرا لا تمثل بالنسبة لي إلا الماضي، والتي لم أعد أتعرف عليها. أنا الآن أقضي فصول الصيف مع زوجتي وابنتي في غابة صنوبر بـ توسكان ماريما على بعد ساعتين من روما. عندي بيت صغير (ويا للأسف!)  في ضيعة ولكن الخضرة تلقى هناك احتراما لا تلقاه في مكان آخر. عنواني هو: بينيتا دي روكامارين كاستليوني ديلا بيسايا. لو جئت لزيارتي، أرجو أن يتسنى لي التعبير عن شكري شخصيا لا عبر البريد.
إيتالو كالفينو
***
إلى كلاوديو ماجريس ـ تريستي
[باريس، 3-8 فبراير 1975]
عزيزي البروفيسير ماجريس
شعرت ببالغ الإحباط إذ قرأت مقالتك Gli sbagliati  ["الضالون" The Deluded]. آلمني كثيرا لا أنك كتبتها وحسب، بل أنك تفكر بهذه الطريقة.
ليس للإتيان بطفل إلى العالم من معنى ما لم يكن هذا الطفل مرغوبا فيه رغبة واعية حرة من أبويه. فإذا لم يكن هذا، فالإتيان به أمر حيواني وسلوك إجرامي. إنما يصبح الإنسان إنسانا لا من خلال تلاق اعتباطي بين شروط بيولوجية معينة، بل من خلال فعل الإرادة والمحبة من جانب الآخرين. فإذا لم يكن هذا هو الحال، فالإنسانية ـ كما هو حالها الآن إلى حد كبير ـ عش أرانب. ولكنها لم تعد عشا يمثل أرضا للحرية، بل قفصا أو بطارية مصطنعةالظروف، مصطنعة الإضاءة، كيميائية التغذية.
هذان الاثنان فقط، الرجل والمرأة، المقتنعان تمام الاقتناع بأن لديهما القدرة المعنوية والمادية لا على إنشاء الطفل وحسب، بل وعلى الترحيب به ومنحه الحب، هؤلاء الاثنان هما اللذان لهما الحق في الإنجاب. فإذا لم يكن الحال كذلك، فعليهما في المقام الأول أن يبذلا كل ما في وسعهما تجنبا لحدوث الحمل، فإن حدث الحمل (في ضوء أن هامش الخطأ يبقى مرتفعا)، فلا يكون الإجهاض حينئذ ضرورة مؤسفة، بل قرارا أخلاقيا يجب اتخاذه بملء حرية الإرادة. ولا أفهم كيف أنك تربط الإجهاض بفكرة الاستغراق في المتعة أو الحياة الجيدة. الإجهاض شيء رهيب [...]
في الإجهاض، الشخص الذي يتعرض للذبح، جسديا وروحيا، هو المرأة. وكل رجل على قدر من الضمير لا بد أن يمثل له الإجهاض محنة أخلاقية تترك أثرها عليه، ولكن قدر المرأة هنا بلا أدنى شك هو أن تتعرض لإجحاف رهيب لا يضاهيه ما يتعرض له الرجل، فعل كل ذكر أن يعض لسانه ثلاثا قبل أن يتفوه بمثل هذا الكلام الرديء. وفي ذات اللحظة التي نحاول فيها أن نقلل من همجية الموقف الذي لا شك في بشاعته بالنسبة للمرأة، إذا بمفكر يستخدم سلطته ليحمل المرأة على البقاء في الجحيم. دعني أقل لك شيئا، أنت بالفعل شخص غير مسئول، وهذا أقل ما يقال. ولن أسخر من "الإجراءات الصحية الوقائية" كثيرا، فمن المؤكد أنك لن تتعرض لعملية جراحية يكحت فيها رحمك. ولكنني أود لو أرى وجهك وهم يرغمونك على إجراء جراحة وسط القذارة وبدون إمكانيات المستشفى وفي ظل آلام السجن. أما قولك بـ "كمال الحياة" فأقل ما يوصف به هو الغباء. ليس مدهشا لي أن يقول بازوليني مثل هذا. ولكنني كنت أحسب أنك تعرف ما ثمن وما مسئولية الإتيان بشخص ليعيش في هذا العالم.
أنا آسف أن يكون خلاف راديكالي في الرأي حول قضايا أخلاقية أساسية كهذه سببا في إنهاء صداقتنا.

"انتهى ما لدينا من الرسائل"