الثلاثاء، 11 فبراير 2014

الشعر والطموح

الشعر والطموح

دونالد هول



1
لا أجد سببا في الدنيا يجعلك تضيّع حياتك في كتابة القصائد ما لم تكن غايتك هي أن تكتب قصائد عظيمة.
أقول لنفسي، ذلك مشروع طموح، لكنه منطقي. ويبدو لي أن الشعر الأمريكي المعاصر مبتلى بتواضع الطموح، وهو للأسف تواضع أصيل، وإن صاحبه في بعض الأحيان قدر هائل من الادعاء. الأغلبية الكاسحة من القصائد الأمريكية في أي مرحلة هي دائما بطبيعة الحال قصائد رديئة أو متوسطة. (وقد يكون من خصائص زماننا أن المتوسط فيه أكثر من الرديء). ولكن إذا كان الفشل مستمرا فإن أنواعه تتباين، وسمات مجتمعنا وعاداته هي التي تحدد طبائع الإخفاقات ومناهجه. وأعتقد أن جزءا من أسباب فشلنا يرجع إلى نقص حاد في ما لدينا من طموح.

2
وأنا، وإن كنت أوصي بالطموح، لا أقول إنه سهل المنال أو باعث على السرور. "سأفشل عما قريب في أن أكون في زمرة العظماء" كذلك قال كيتس وهو في الثانية والعشرين، ولما مات بعد ثلاث سنين كان يعتقد وهو في منتهى اليأس أنه لم يحقق أي شيء، الشاعر الذي كتب "أنشودة العندليب" كان على يقين أن اسمه "مسطور في الماء". ولكنه كان مخطئا، كان مخطئا ... وأنا وإن كنت أثني على الطموح الذي كان يدفع كيتس، لا أقول إن هذا الطموح يلقى كل مرة جزاءه. فنحن لا نعرف بالمطلق ما لأعمالنا من قيمة، وكل منطق لدينا إنما يفضي بنا إلى الشك فيها، وإلى اليقين بأن قليلين للغاية من معاصرينا هم الذين سيكونون مقروئين بعد مائة عام. ونحن إذ نرغب في كتابة قصائد عظيمة، لا نشرع في تحقيق هذه الغاية إلا ونحن على يقين من أمرين: أننا فاشلون على الأرجح، وأننا لو نجحنا لن نعرف أننا نجحنا.
أقابل كل حين من هو على يقين من عظمته الشخصية. فأود لو أربت على كتفه وأغمغم مواسيا إياه بأن "الأمور سوف تتحسن! ولن تبقى طول الوقت تشعر بهذا الاكتئاب! فهوّن على نفسك وابتهج".
ولكنني لم أقل في الطموح الجامح إلا أنه معقول. ولو أن غايتنا في الحياة هي أن نبقى راضين، فلا مجال حينئذ للطموح ... ولو أن غايتنا أن نكتب الشعر، فالسبيل الوحيد إلى أن نحقق أي قدر من الجودة هو أن نحاول أن نكون أعظم ما نستطيع.

3
ولكن غاية بعض الناس فيما يبدو لا تعدو أن يتحققوا كشعراء، وأن يكتبوا وينشروا ولا مزيد. والنشر هو الإنجاز، ويعلم الجميع أن الجامعات ومقدمي المنح يعدون النشر إنجازا، ولكن القبول بهذه المساواة بين النشر والإنجاز ينمّ في الحقيقة عن تواضع، إذ النشر رخيص يسير. ونحن في هذه البلد ننشر من القصائد (في المجلات والكتب) ونتيج للشعراء إلقاء قصائدهم في المحافل، أكثر من أي وقت مضى، حتى أن الزيادة على مدار عشر سنوات بلغت العشرة أمثال.
وبعد؟ كثير من هذه القصائد في الغالب مقروء، ساحر، طريف، مؤثر، بل وفي بعض الأحيان ذكي. ولكنها في العادة وجيزة، شبيهة ببعضها البعض، تميل إلى الأمثولة، لا تعمد إلى توسيع أنفسها، لا تنشد العظيم، تربط صغائر الأمور بصغائرها. والقصائد الطموح عادة ما تستوجب الطول والإسهاب، ولست بحاجة أن أذكر في هذا المقام "حكاية كتانتربري"، أو "الملكة الجميلة" [لإدموند سبنسر]، أو "الفردوس المفقود" أو "المقدمة" [لوليم ووردذورث]. وهناك "قصيدة الزفاف" لكاتولوس،  و"ليسيداس" [لجون ميلتن] ، و"أنشودة: إشارات الخلود" [لـ ووردذورث] وجميعها ممتدة بالقدر الكافي، ناهيكم عن "الحديقة" أو "خروجا من المهد" [لـ ويتمن]. ناهيكم عن شاعر مثل ييتس الذي تقيم قصار القصائد عنده روابط، لكن أي روابط.
أنا لا أشكو من عجز فينا عن تحقيق هذه الإنجازات، إنما أشكو أننا فيما يبدو لا نتسلى حتى بالرغبة فيها.

4
حيثما كان شكسبير يستخدم "الطموح" في ماكبث نستخدم نحن "المغالاة في الطموح"، وميلتن كان يستخدم "الطموح" واصفا شراهة الشيطان الطائشة، يصف بالكلمة خطيئة مميتة كـ "الكبر". وأنا الآن حينما أصف ميلتُن بـ "الطموح"، إنما أستخدم الكلمة المعاصرة وقد أينعت ونفضت عنها عتمتها. هذا التحسن الذي طرأ على الكلمة يعكس استثمار الرأسمالية في الحراك الاجتماعي. ففي العصور الأشد هيراركية كان طلب المجد ربما يقتضي تغييرا ثوريا للمجتمع، أو اغتيالا، في حين تحتفي البروتستنتية والرأسمالية بالرغبة في الصعود.
يعترف ميلتن وشكسبير ـ شأن هوميروس ـ بالرغبة في كتابة كلمات تبقى أبد الدهر: وذلك قدر كاف من الطموح، متفق مع أول تعريفات الطموح في قاموس أوكسفورد الذي ينص على أنه "التوق إلى المجد"، الذي يلائم الشعراء ملاءمته للمقاتلين، ورجال البلاط ملاءمته للمعماريين، والدبلوماسيين، وأعضاء البرلمان، والملوك. والرغبة لا تستوجب الكدح بالضرورة. فالكدح لم يدخل تعريف الطموح إلا مع ملتن الذي كان مستعدا أن "ينبذ المسرات، ويكدح النهارات" طلبا للشهرة وهي "المهماز الذي يُبقي أنبل العقول مضطربة لا تستقر".
لو أن مفردة "الطموح" هانت، فكلمة "الشهرة" تدهورت إلى حد الابتذال. فالشهرة بالنسبة لنا لا تعني إلا جوني كارسون ومجلة بيبول. وكانت تعني عند كيتس وميلتن مثلما عند هكتور وجلجامش شيئا أشبه ما يكون بحبٍّ عالميٍّ باقٍ لعمل تم أو أغنية غنيت.
وفكرة الشهرة أكثر كلاسيكية من المسيحية، والشاعر لا ينشدها وحسب بل يدرسها. ومن كان ليعرف ببسالة أخيل لولا لسان هوميروس؟ لكن في تسعينيات القرن العشرين، أي بعد قرون من الطباعة الرخيصة، واتساع عدد العارفين بمجرد القراءة والكتابة، وتراجع عدد المتعلمين الأكفاء، بعد فقدان التاريخ والحس التاريخي، بعد أن أصبح التليفزيون أمًّا لنا جميعا ـ نشهد انحدار الشهرة حتى بتنا اليوم نستخدمها مثلما يستخدمها آندي وورهول، بوصفها مجرد الانتشار الكمي للصور .. باتت لدينا ثقافة تغص بالمشاهير بأنهم مشاهير.

5
الطموح الحقيقي في الشاعر ينشد الشهرة بالمعنى القديم، ينشد الإتيان بكلمات تعيش إلى الأبد. وحتى لو أن التسري بالطموح يكشف عن غرور وحشي، فدعوني أحاجج بأن البديل لن يعدو الغرور الهزيل الذي يهدر نفسه في منافسات صغيرة، ويقيس نجاحه بكم النشر، وبالشهادات على الأغلفة، وبالمنجزات الصغيرة: بالحصول على قلب أفضل شعراء الورشة، بالنشر في دار أنثينم [المتخصصة في كتب اليافعين]، بالفوز ببولتزر أو نوبل ... بينما الهدف الأعظم هو أن تكون في مثل جودة دانتي.
ودعوني أقدم فرضية بمراحل الشاعر التطورية.
في الثانية عشر، على سبيل المثال، يبتلى الشاعر الأمريكي الناشئ بالطموح العام. (كان روبرت فروست [في تلك السنت] يريد أن يكون راميا في لعبة كرة القاعدة وسيناتور في الكونجرس. وقال أوليفر فيندل هولمز إنه لم يكن ثمة ما هو أكثر شيوعا من الرغبة في البروز، فقد تكون الرغبة منتشرة لكنها جوهرية على أقل تقدير). وفي السادسة عشرة يقرأ ويتمن وهوميروس ويريد أن يكون خالدا. ثم إذا بالشاعر نفسه في الرابعة والعشرين يرغب للأسف في مجرد أن ينشر في "نيويوركر" ...
هناك مرحلة مبكرة تكون فيها القصيدة أهم من الشاعر، فللمرء أن يراها مرحلة انتقالية من الغرور الأدنى إلى الغرور الأعلى. في مرحلة الغرور الأدني، يبقي الشاعر على بيت رديئة أو كلمة دنيئة لأن: هذا فعلا ما حدث، هي هكذا. في هذه المرحلة تكون أنا الكاتب الهشة مقدَّمةً على الفن. ولا بد أن يتطور الشاعر، أن يكبر على هذه السخافة، إلى مرحلة تتبدل فيها القصيدة فتكون غاية نفسها، تكون فنا أجمل، لا مطية لمشاعر صانعها، بل يكون الفن الجميل هو الهدف. ثم تعيش القصيدة على مسافة ما من مشاعر خالقها اليومية البسيطة، فيمكن أن تكون لها شخصيتها الخاصة في ذلك المكان الغامض الذي تتخذ الأصوات فيها أشكالا وصورا. لقد تحررت القصيدة من نفعيتها العابرة، من استعمالها، من تذيلها للأنا، وبوسعها الآن أن تحلق في السماء وتغدو نجمة في هواء الليل.
ولكن للأسف ... يتذوق الشاعر الشهرة بطرف لسانه، ويسمع من الثناء أوله ... وفي بعض الأحيان ينسى الشاعر الذي مر بتلك المرحلة التطورية واجبه تجاه فن الشعر فإذا به من جديد خادم غروره الهزيل....
لا يتعلم المرء شيئا لمرة فتنتفي حاجته إلى أن يتعلمه من جديد. والشاعر غير محدود الطموح في السادسة عشرة هزيله في الرابعة والعشرين قد يعود غير محدود الطموح في الخامسة والثلاثين ثم يتراجع في الخمسين. لكن لو أن الجميع مرضى بالاهتمام، فربما يجدر بالجميع نشدان اللامبالاة.
وهناك مرحلة أبعد محتملة: عندما يصبح الشاعر أداة أو وكيلا للفن، فالقصيدة التي تحررت من أنا الشاعر قد تتسرى باحتمال العظمة. وهذه العظمة قد تنقل نفسها، في مفارقة مألوفة، بزاوية مائة وثمانين درجة لتقول الحق. وفقط حينما تبتعد القصيدة تمام البعد عن الأنا الهزيلة، فقط حينما يخدم بنيانُها الداخلي أغراضَها اللذيذة لا سواها، ربما حينئذ تكشف وتجلو وتضيء. وقال ييتس والإمالة من عندي إن "بوسع الإنسان أن يجسّد الحقيقة ولا يستطيع أن يعرفها". والتجسيد هو الفن والفنية.
كان ييتس لم يبلغ الخمسين بعد حينما كتب أنه ينشد "صورة بيانية لا كتابا". كثير من الشعراء المسنين يخلِّفون الكتاب وراءهم بحثا عن الرسم التخطيطي، ولا يكتبون من الشعر أكثر مما كتب مايكل روبرتس وهو يخط على الرمل أشكالا هندسية. الالتفات إلى الحكمة، إلى جمع العالم كله في كتاب، غالبا ما يفضي إلى هجران الشعر بوصفه تفاهة. وبرغم أن أولئك الأنبياء قد يجدون مسرتهم في التجليات المجردة، لا يمكننا نحن أن نقتفي أثرهم إلى المعرفة، أولئك الذين اقتفوا آثار تجسداتهم المبكرة ...  لقد عرفت روح ييتس اشتهاء الخفي ـ وهي غواية الكثيرين ـ إلا أن الرجل بقي كيانا مؤلفا من عناصر عديدة، وبرغم أنه سغى إلى الرؤية ووجدها، واصل تأليف الكتاب.

6
من القراءة نعثر على مُثُل الطموح.
ومن قراءاتنا ننشئ في أنفسنا فكرة الفن. وعندما نعتبر القصيدة أهم من أنفسنا، فليس ذلك لأن لدينا الثقة في قدرتنا على كتابتها، بل إيمانا منا بالشعر. إننا ننظر بصفة يومية إلى الأنصاب العظيمة التي أنجزها القدامى ونشتهي إن نضيف إليها ونزيدها، أن نكتب قصائد إكراما لقصائد. تصبح القصائد القديمة التي نستمر في قراءتها ونحبها هي المعيار الذي نحاول الارتقاء إليه. هذه القصائد التي نفسح لها أنفسنا هي ناقد أعمالنا. هذه القصائد القديمة تصبح ملهمتنا، ودافعنا إلى الغناء، ومانعنا عن المقارنة.
لذلك لا غنى للشعراء في كل زمان عن قراءة الأعمال العظيمة ومعاودة قراءتها. بعض المحظوظين من الشعراء يكسبون لقمة عيشهم من البقاء في معية أعظم قصائد اللغة داخل الفصول الدراسية. لكن كثيرا من الشعراء الآن للأسف لا يقومون بتدريس شيء غير الكتابة الإبداعية، ولا يقرأون شيئا عدا كلام العيال ... (وسأرجع إلى هذا)
صحيح أيضا أن كثيرا من الشعراء الناشئين يفتقرون إلى احترام التعلم. وما أغرب أن يكون الكبار قراء للكتب. ... لقد ترك كيتس الدراسة وهو في الخامسة عشرة أو نحو ذلك، لكنه ترجم الإنيادة درسًا لها واشتغل على دانتي بالإيطالية وكان يجلس كل يوم عند قدمي سبنسر وشكسبير وميلتن. (كيتس كان يذاكر الشعراء القدامى كل يوم، بدلا من التركيز على نيل درجة الماجستير") و"بِن جونسن" كان متعلما وفي سكره كان يتعالى على جهل شكسبير النسبي باللغات القديمة، في حين أن شكسبير تعلم من اللغة والأدب في مدرسة ستراتفورد الابتدائية أكثر مما تعلمناه نحن في عشرين عاما من الدراسة. ويتمان كان يقرأ ويعلم نفسه في حماس،  إليوت وباوند واصلا الدراسة بعد قيود الدراسة النظامية.
في المقابل، نلعب نحن بالتسجيلات طول الليل ونكب قصائد يعوزها الطموح. حتى الموهوبون من الشعراء الشبان ـ المشبَّعين بالشعراء الصينيين القدماء، والغارقين في الصوفية ـ لا يعرفون شيئا عن "الجنائزية" لـ بيشب كينج. في حين أن تراكيب لغة المرء وأصواتها، وتراكيب لغة أسلاف المرء قبل أربعمائة عام وأصواتها، تعطيه أكثر مما تعطيه تراجم كل كلاسيكيات العالم.
أما التعب على قراءة العظيم من قصائد لغة أخرى ـ بهذه اللغة ـ فهذا أمر آخر. نحن جيل الشعراء الأول غير الدارس للاتينية، غير القارئ دانتي بالإيطالية. ومن هنا هزال تراكيبنا الفقيرة إلى الطموح ومعاجمنا المحدودة.
عندما نقرأ القصائد العظيمة يتسنى لنا أيضا أن نستذكر حيوات الشعراء. وكم ننتفع عند البحث عن القدوة والمثال، بقراءة سير ورسائل الشعراء ممن نحب أعمالهم. رسائل كيتس، وما أدراكم ما رسائل كيتس.

7
هناك في كل المجتمعات قالب تتشكل على أساسه المؤسسات، وسواء كانت هذه المؤسسات تقدم منتجات أم أنشطة فهي تراعي القالب. في العصور الوسطى كانت الكنيسة هي التي تقدم النموذج، فإذا بالجمعيات السرية تنصب فيها كرادلتها. واليوم باتت الشركات الصناعية الأمريكية هي التي تقدم القالب، فإذا الجامعات تنمذج أنفسها على غرار جنرال موتورز. إن الشركات موجودة لخلق أو اكتشاف رغبات المستهلك وإشباعها إشباعا مؤقتا ومحرضا له على تكرار الاستهلاك. سي بي إس تقدم البرامج مثلما تقدم جيليت الشفرات التي تستعمل لمرة واحدة، والجامعات للأسف تحول حاملي الشهادات إلى منتجات للاستعمال مرة واحدة، وكبار الناشرين في مدينة نيويورك (وأغلبهم محض ملحقات قليلة الأرباح لشركات كبرى متخصصة في الصابون أو البيرة أو الفوط الورقية) يقدمون روائع للاستعمال مرة واحدة.
لقد اخترعت الولايات المتحدة نمط الاستهلاك السريع الهائل فبرعنا فيه أشد ما تكون البراعة. فنحن لسنا مشهورين بتصنيع فيراري ورولزرويس، بل مشهورون بالسيارة الشعبية والنموذج تي والنموذج آيه [من نماذج سيارات فورد]، مشهورون بالـ "نقل" مثلما نقول، بتحويل المجرد إلى نفعي، بسيارتين في كل جراج. ولا عيب في الجودة على الإطلاق، لكنها غير ديمقراطية: ولو أننا أصررنا على تصنيع رولزرويس لذهب أغلبنا إلى العمل سيرا على القدمين. الديمقراطية تقتضي قطع غيار، وكذلك العامل في خط الإنتاج، وقد تكون لتوماس جيفرسن أفكار، لكن نبينا يبقى هو "دي توكفيل". أو انظروا إلى المطبخ الأمريكي: إنه لم يضف صلصة إلى الطبق العالمي، لكن صناعة الأطعمة السريعة  الأمريكية تجتاح العالم.
ولذلك، لا تحوز قصائدنا ـ بسحرها وشعبيتها ـ مكانة "ليسيداس" فمن شأن ذلك أن يكون نخبويا غير أمريكي. بل نكتب وننشر الماكقصيدة McPoem التي "قدمنا منها عشرة بلايين" [وهذا فيما يبدو شعار مكدونالدز] ـ فتكون إسهامنا في تاريخ الأدب كما أن النموذج تي هو إسهامنا في تاريخ يبدأ من القدمين الحافيتين مرورا بالفيل والعربة ذات الإطارين وصولا إلى مركبات الفضاء. توقف في أي لحظة من نهار أو ليل، واركن في أي محطة، وستجد الماكقصيدة في انتظارك على الرف، ملفوفة ومحفوظة، عادية لا يميزها شيء، ومضمونة ـ هي الماكقصيدة الجيدة النمطية المنتشرة في كل بلدة صغيرة من الساحل إلى الساحل، خاضعة للقاسم المشترك الأدنى من التحكم في الجودة.
وكل عام يحصل رونالد مكدونالد [وهو بهلوان مكدونالدز الدعائي] على جائزة بولتزر.
لإنتاج المكقصيدة، يتحتم على المؤسسات أن تقوم بتفعيل أنماط، ومؤسسات داخل مؤسسات، كلها خاضعة لنفس السيطرة المجيدة من الحتمية الاقتصادية اللاواعية، كلها خاضعة لقالب الاستهلاك وصيغته.
المكقصيدة هي نتاح الورش الإبداعية في جامعة الهمبرجر.

8
لكن قبل أن نتطرق إلى الورش وبرامجها التدريبية للشعراء الصغار، تعالوا نلق نظرة على النماذج التي يقدمها أبطال الشعر في الراهن الأمريكي. فالجامعات لا تخترع الأنماط لكنها توفر سبل الإنتاج الكثيف لنموذج يتم إنتاجه من قبل غيرها.
سؤال: لو أنك تقوم بتصنيع مكإنسان أو سيارة اسمها موستانج فإذا الجميع بغتة يريدون شراءها، كيف سيكون رد فعلك؟ الإجابة: تضيف ورديات، تدفع مقابلا لأوقات عمل إضافية، وتعمل على توسيع المصنع لإشباع السوق بالمنتج ... تنتجه بأسرع ما تستطيع، دون أن تؤرق أحلامك أفكار التحكم في الجودة.
عندما كان روبرت لويل شابا كان يكتب ببطء وتعب وبمنتهى البراعة. وفي تسجيل رائع له في مكتبة الكونجرس وقبل أن يلقي قصيدته المبكرة عن "السقوط في النوم على الإنيادة"، يحكي لويل كيف بدأت القصيدة حينما كان يحاول ترجمة فرجيل فلم يفلح إلا في ترجمة ثمانين بيتا في ستة أشهر، وهو ما بدا له أمرا محبطا. ومرت سنوات خمس بين كتابه الفائز ببولتزر "قلعة اللورد ويري" الذي كان بمثابة الإعلان الأول عن عبقريته، والكتاب مهضوم الحق السابق عليه "طواحين كافاناج". ثم مرت ثماني سنوات أخريات قبل ابتكاره المفاجئ لـ "دراسات حياتية". ثم كان "ميت الاتحاد" مليئا بالبقع، و"قرب المحيط" أكثر امتلاء بالبقع، وبدأ العفن.
والآن أوضح: لا ينبغي إعدام أحد لأنه فقد موهبته، وبخاصة من كان ـ مثل روبرت لويل ـ عانى فطالت عليه المعاناة واشتدت. لكن بوسع المرء، في تصوري، أن يشعر بالضيق عندما ينهار الكيف ويعلو الكم: فقد نشر لويل ست كتب شعرية رديئة في تلك السنوات الثمانية الكارثية الأخيرة من حياته.
(وأقول "الكتب الرديئة" وأنا مستعد أن أموت فداء هذا الرأي، ولكن دعوني أبادر إلى الاعتراف بأن كلا من هذه الكتب البشعة ـ ميتة المجازات، مسطحة الإيقاع، نرجسية التأمل في الذات ـ قد لقي احتفاء من كبار نقاد الصفحة الأولى في التايمز ونيويورك رفيو أوف بوكس بوصفه أعظم انبثاقات العظمة الشعرية العظمى، وبوصفه منجزا ما أعظم عظمته ... ولكن السخط مضيعة للوقت. والذائقة دائما حمقاء.)
بصعوبة وتركيز كتب جون بيريمان مجموعته الصعبة المركزة "عشيقة برادستريت"، ثم عكف عكوفا على "77 أغنية حلم"، ولكنه للأسف بعد نجاح هذا المنتج، فتح خط الإنتاج فكتب "الدمية حلمها راحتها"، و"308 أغنية حلم أخرى" ـ في ارتجالات سريعة وتقليد للذات، وذلك يمثل الهوية الحقيقية لـ "الصوت" الشهير الغالب على بيريمان ولويل. والآن يراكم شيخنا الراهن "روبرت بين وورِن" كتابا شعريا طويلا كل عام تقريبا مكررا نفسه بدلا من أن يعيد كتابة كل قصيدة إلى أن يصيب فيها ـ بسرعة، بسرعة، بسرعة ـ وتحتفي قبيلة النشر بهذه المنتجات السنتمنتالية البالية السقيمة من منتجات ثقافتنا الصناعية.
غير أن استجابة الشعراء للشهرة لا تأتي إفراطا في الإنتاج طول الوقت، فإليزابيث بيشب لم تفعل هذا قط، وتي إس إليوت كتب مسرحيات رديئة في أواخر حياته ولكنه لم يصب الماء على مرق قصائده، ولا فعلها [وليم كارلوس] وليمز ولا [إزرا] باوند. ما من شك في أن الجيمع يكتبون أعمالا أدنى، لكن سيول القصائد الرديئة لم تفض من أولئك الشعراء في أواخر العمر بعدما اشتهروا وازداد طلب السوق على منتجاتهم.
فما كان من ورش الهمبرجر ـ وانتبهوا لهذا ـ إلا أن أنتجت بدائل رخيصة ورديئة لإليوت ووليمز وستيفنس وباوند، وكل من يخطر لكم ...

                                                             9
أوصى هوراس الشعراء، عندما كتب "فن الشعر"، بأن يستبقوا قصائدهم في بيوتهم عشر سنين، لا يطلقونها، ولا ينشرونها إلا إذا استبقوها في البيوت عشر سنين، وفي ذلك الوقت يفترض أن تفقد القصائد قدرتها على التأثير في الشعراء، وفي ذلك الوقت يفترض بهم أن يكونوا وصلوا بها إلى وضعها الصائب. وهي نصيحة منطقية في تصوري، لكنها صعبة التنفيذ. عندما كتب بوب "مقال في النقد" بعد ألف وسبعمائة سنة من هوراس، اقتطع من وقت الانتظار نصفه مقترحا أن يستبقي الشعراء قصائدهم خمس سنين قبل النشر. واشتكى "هنري آدمز" [(1838 ـ 1918)] من التعجل، وكانت شكواه في عام 1912، وقد يذهب البعض، وقد مرت الآن سبعون سنة، إلى القول بتعجل التعجل. وفي وقتنا هذا سوف أكون ممتنا ـ والشعر المنشور سوف يكون أفضل ـ لو استبقى الشعراء قصائدهم في بيوتهم ثمانية عشر شهرا.
لقد أصبحت القصائد كالقهوة سريعة التحضير أو مزيج حساء البصل. لقد قارن أحد نقادنا البارزين دويان لويل الأخير بهوراس، برغم أن من بين قصائد الكتاب ما كان مؤرخا بسنة صدوره نفسها. وكل من يعمل محررا في مجلة يتلقى قصائد مكتوبة في نفس تاريخ خاتم البريد. عندما يطبع شاعر أو يبعث قصيدة كتبها لتوه (أو حتى يعرضها على صديق أو زوج) فهو يقتطع من القصيدة احتمالية نموها وتغيرها؛ وأحسب أن الشاعر يرغب في قمع إمكانية النمو والتغيير برغم أنه بطبيعة الحال لن يعترف بهذه الرغبة.
لو أن روبرت لويل، وجون بيريمان، وروبرت بين ينشرون بدون مراجعة أو نقد ذاتي، فكيف لنا أن نتوقع من شاعر في الرابعة والعشرين أن يستبقي قصيدته بدون نشر ثمانية عشر شهرا أو خمس سنين؟ في ظل الاقتداء بهؤلاء المشاهير، كيف لنا أن نلوم شاعرا تباهى بنشره أربعمائة قصيدة في السنوات الخمس الأخيرة؟ أو ناشرا يروج لديوان فيتفاخر بأن الشاعر أصدر اثني عشر ديوانا في عشر سنوات؟ أو مدرسا في ورشة يقابل صديقا له عند تقاطع فيحك بظاهر أنامله صوف بدلته وهو يقول إنه على مدار العامين المنصرمين حقق معدل قصيدتين في الأسبوع؟


نشرت هذه المقالة في مجلة ناراتيف وفي أكثر من موقع أمريكي، ونشرت ترجمتها اليوم في شرفات، والبقية الأسبوع القادم وللمزيد من دونالد هول يمكن أن تقرأ هنا طرفا من سيرته مع زوجته الشاعرة جين كينيون




ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق