الأحد، 10 يونيو 2012

أحد عشر يوما




أحد عشر يوما
دونالد هول
كانت جين تريد أن نشتري مياتا، ولم تكن المياتا سيارة معروفة بجودة أدائها في الجليد. لذلك ستكون الـ "أكورد" الجديدة جاهزة يوم الاثنين العاشر [من هذا الشهر]. حجزنا كلتا سيارتينا باسم جين، وهكذا تستطيع في شهر عيد ميلادها أن تذهب إلى السجل في المدينة فتسجل كلتيهما، ولكنني لا أظن أن على جين أن تهدر طاقتها في الذهاب إلى كونكورد لتوقيع الأوراق. وقد سمحت لي الموظفة بتعليق مسألة تحديد الملكية إلى أن يحين موعد استلام السيارة يوم الاثنين. في صباح يوم الاثنين أصرت جين أن نستلم كلتا السيارتين معا، وأن توقع هي بوصفها المالكة.
كان شكلها يرثى له حينما انطلقنا. كان ذلك هو يوم الإجازة الأسبوعي للبائعة التي اتفقت معها، والتي كانت تعرف بحالة جين الصحية. كانت سيارتنا الجديدة جاهزة، خضراء داكنة تفوح برائحة الجلد، وكان البائع الذي تولى تخليص أوراقنا بديلا، شابا من الذين يعملون عادة في قسم الخدمة. تبادلنا المفاتيح، وقدم الورق لجين بوصفها المالكة، وكانت جين مهتزة، شاحبة، ضعيفة، صامتة أغلب الوقت، ترتدي شعرها المستعار. كان الشاب يوجه أسئلته لي، لا لها، متحاشيا طول الوقت أن ينظر في عينيها. بدا أخرق، أو ربما متحرجا، في حضرة الموت، كحالنا جميعا إلى أن نكتسب الخبرة المباشرة. احتاجت جين خمس دقائق كاملة من التركيز لكي توقع باسمها. قالت ونحن في طريقنا إلى سيارتنا الجديدة "لم يعتبرني موجودة أصلا".
في الصباح التالي سقنا سيارتنا الجديدة في رحلتنا المألوفة إلى مركز "دارتموث هتشكوك" الطبي لسحب عينة الدم في التاسعة صباحا ثم الاستشارة في العاشرة. أردت أن أحضر لجين مقعدا متحركا من مدخل المستشفى، لكنها قالت إنها تريد أن تمشي، فهي بحاجة إلى استرداد قوتها من جديد. اتجهت هي إلى البهو بينما ذهبت أركن السيارة، ثم أمسكت بذراعي ونحن ذاهبان إلى معمل الدم، واستقللنا السلم المتحرك صاعدين إلى عيادة الدم والأورام. جلسنا على المقاعد البلاستيكية الخضراء في المقدمة، ولكن جين كانت تتوجع، وكانت ساعة من الانتظار في تلك المقاعد شيئا يفوق الاحتمال. وجدت سريرا غير مستعمل في غرفة الحقن، ونعست جين بينما لبثت أنا جالسا بجوارها. نزلت لتناول فطيرة وقهوة في مطعم المستشفى. تسكعت قليلا؛ فقد كنت قلقا لأنه لا ينبغي أن تفوتني زيارة د. "ليثا ميلز" طبيبة جين. جاءت ممرضة لتسجل مؤشرات جين الحيوية. توقفت ديان ـ مساعدة  ليثا ـ من أجل دردشة تمهيدية قبل انتهاء التحليلي المعملي لدمها. حكيت لها عن الألم الذي تشعر به جين، والإجهاد الشديد، والضعف المتزايد. ذهبت ديان وبقينا، لوقت أطول من المعتاد، أظن ذلك لأنهم في المعمل فحصوا العينات مرتين. ثم قالت لنا ممرضة إن د. ليثا تريد أن ترانا في غرفة الاستشارة. لم يكن ذلك معتادا، لكنني لم أتوصل إلى سبب لمثل تلك الخصوصية. جلست أنا وجين على مقعدين صغيرين بجانب مكتب الطبيبة في الغرفة الضيقة. دخلت ليثا وجلست بجانب الجدار البعيد، وكانت ديان واقفة وراءنا مستندة إلى الباب المغلق. أخذت ليثا شهيقا، ونظرت نحونا مباشرة، ونطقت الكلمات التي بقينا نتخيلها خمسة عشر شهرا، أسوأ الكلمات. "عندي أخبار سيئة. اللوكيميا رجعت. ليس هناك ما نفعله".
طأطأت جين وانساب دمعها. تناولت علبة مناديل. قالت ليثا إن بوسعنا أن ندخل جين المستشفى فورا، حيث لا يوجد إلا علاج قليل غايته فقط أن يؤخر ... اهتز رأس جين بالرفض، وكدأبنا أبدا، كنا متفقين. دمدمت بكلمات عن العلاجات الجديدة. قالت ليثا "لا جديد تقريبا". هي كانت تبكي. سألتها عن الوقت المتبقي، سؤالا ما كان له أن يلقى إجابة قاطعة. قالت "يمكن شهر. تقريبا". جينا سألت ليثا سؤالا واحدا "ممكن أموت في البيت؟" ليثا قالت إنها لا تعرف لم قد يكون هناك ما يمنع.
لعلنا بقينا في غرفة الاستشارة تلك عشر دقائق. لم يكن ثمة المزيد من الكلام. نظرت إلى جين وهي تحاول أن تستجمع شتات نفسها، وأن تهدئ روحها، وأن تنفض عن رأسها كل شيء. (جين ماتت خلال أحد عشر يوما لا خلال الـ "يمكن شهر، تقريبا"). أحضرت ديان مقعدا متحركا. جلست جين ودفعت المقعد تاركين العيادة وراءنا، سالكين طريقنا المعتاد باتجاه السلم المتحرك، والردهة، مارين بجيوش من المرضى والعاملين. لا بد أن أي شخص رآنا قد عرف أية أخبار سمعناها. تركت جين عند باب المستشفى في رعاية مرافق، وذهبت فأحضرت سيارتنا الجديدة التي تفوح برائحة الجلد، وأدخلت جين إليها. وضعت علبة المناديل بيننا وسقنا إلى البيت. كنت أبكي، وعينا جين كانتا غير مبتلتين.
كان كلبنا جاسي في انتظارنا عندما رجعنا، قابلنا بتحية حماسية، لكنه سرعان ما انتهى إلى الوجوم. ساعدت جين على الاستلقاء في سريرها. على جدار غرفتنا لوحة كانافاه اشتغلتها [الروائية] أليس ماتيسن، مكتوب فيها "ولكنك ستعيشين". (عندما قالت أليس هذه الجملة على الهاتف قالت لها جين "اشتغليها لي بالكانفاه، ممكن؟" واشتغلتها أليس). وقعت عيني عليها فشعرت بالمرارة. قلت "سأنزل لوحة أليس". قالت جين في هدوء "لا، لا،  بل تتركها".
ما كادت جين تستقر في السرير حتى نزعت سلك الهاتف. لم أكن أحتمل فكرة أن يتصل أحد ليسأل عن أحوالنا. كنت أنتظر إلى الليل فأجري اتصالاتي. رميت أدوية جين. استلقيت بجوارها، واحتضنا أحدنا الآخر. بين الحين والحين كنت أبكي، ولكن جين لم تبك. بقيت تفكر، وتفكر. قالت لي إنها لا تخاف العقاب حين تموت. لم أجد جوابا. قالت "ولكن سيظل أحدنا يحب الآخر في الفردوس!". وهي تحتضر لم تكن تقطع بوجود حياة أخرى مثلما قطعت بذلك في قصيدتها "ملاحظات من الجانب الآخر".
تلك الأمسية لا تبرح ذاكرتي، تبقى لا نهائية، لا زمنية، كما لو أنها كانت حلما رأيته صباح اليوم.
قالت "وبركنز، ماذا سيحصل لبركنز؟" قالت ذلك وأطلقت بكاء خاطفا. كانت تحب أن تطلق عليّ بركنز. قلت لها إن ابنيّ وأحفادنا سيبقون على حبهم وحنانهم، وإن أصحابنا سوف يراعونني، وإنني سأبقى في بيتنا مع حيواناتنا. جاءت مع البريد مجلة على غلافها صورة لنا معا، وفيها الحوار الذي أجري معنا قبل سنتين في فرجنيا حينما تسلمت جائزة من "اتحاد برامج الكتّاب والكتابة"  AWP (كانوا قد كرموني إثر جراحة لاستئصال السرطان كان من المتوقع بعدها أن أموت). قمنا من السرير بعد الظهر لنشاهد فيلما أخيرا، وكان من الملائم تماما أنه أسوأ فيلم اقترفته السينما. كان مخرجنا الحبيب "ميل بروكس" قد ضل ضلالا لعينا في فيلم هو "الحياة تقرف".
في الأيام القليلة التالية ركزت وجودي معها ـ للنظر إليها، ولمسها ـ وفي الوقت نفسه كنت أحاول ما استطعت ألا أبقى ملتصقا بها، فقد كنت أعرف (من قصائدها ومن مجرد الفهم البسيط) أن إظهاري ألمي لن يزيدها هي إلا ألما على ألم. حينما كانت لا تزال في كامل وعيها انهارت من الحزن في موقفين. مرة قالت "الموت لا شيء، لكن ... الفراق" وانهارت في البكاء. ومرة ثانية، أظن في صباح الجمعة، كنت أتكلم عن أشياء فعلناها معا. تكلمت عن رحلاتنا، وأسفارنا إلى انجلترا وإيطاليا، والشهور التي قضيناها في الهند. تكلمت عن أشياء أهم ـ عن نزهات صيفية على البحيرة، والبنج بونج، وقراءة هنري جيمس، وسواقة السيارى إلى كونكتيكت ونحن نسمع أشرطة لتي إس إليوت وجيفري هيل. تكلمت عن عشرين عاما من كتابة الشعر معا. ثم تكلمت عن ممارستنا الحب على هذا السرير، فالتوى وجهها وانفجرت تقول "لا مزيد من الحب. لا مزيد من الحب".
قالت لي جين أشياء كانت تخطط أن تقولها لي حينما تأتي هذه اللحظة. كانت تريد تسليم أرشيفها لجامعة نيو هامشر، التي سبق وسلمتها أرشيفي أنا أيضا. تكلمنا فيما يمكن أن نفعله في الأيام التالية: سنختار قصائد للكتاب الذي سيصدر بعد وفاتها ضاما قصائد جديدة ومختارات من قصائدها القديمة، ونكتب معا نعيها، ونخطط لجنازتها. قالت لي أين أجد في غرفة مكتبها القصائد التي أكملتها منذ كتابها "الثابت". أنزلتها من الطابق الأعلى، هي ونسخ من قصائد منشورة في كتبها كنت قد جمعتها من قبل، وذلك لنبدأ العمل من الغد على كتاب يصدر بعد وفاتها.
في وقت متأخر من المساء، جاءت المعالجة المتخصصة "لندا لوكاس" لمساعدة جين على الرجوع إلى استخدام يديها. قابلتها عند الباب وصرفتها وأنا أبكي. غدا سوف تحضر "كارول كولبيرن" لتنظيف البيت وسوف أنقل إليها الخبر، هي وجين كانتا تحبان إحداهما الأخرى كثيرا ـ لكن اليوم ليس مناسبا لأي إعلانات لا داعي لها. كان الوقت هو وقت الاستغراق في التفكير والنطق بالقليل. أكلت سندوتش عندما استولى عليّ جوع لا مجال له. وبعد صمت طويل وعميق سمعت جين تقول "ما فعلناه هو الصواب. لو تكرر الأمر لفعلت نفس الشيء".
انقضى اليوم القاسي. أعددت عشاء لنفسي. جين كانت جائعة، فبلعت أي شيء، برغم أن تناول الطعام كان في حد ذاته ينطوي على مفارقة. تجهزت مبكرا للنوم، قبل السادسة والنصف كنت اطمأننت عليها في سريرها، وفتحت لها النور وخرجت لأجلس في مقعدي بغرفة المعيشة. كنت كلَّ بضع دقائق أذهب إلى غرفة النوم لأطمئن أنها تتنفس. لم أشأ أن أتصل بأي أحد قبل أن أخبر ابني وابنتي، ولم أكن اريد أن أخبرهما قبل أن ينام أطفالهما. رحت أقرأ رسائل كنت أمليتها في اليوم السابق وأضفت تعليقات. أمليت بضع رسائل لأنسخها في اليوم التالي، فأنا أكتب للذين لن أكلمهم في الهاتف. ثم تناولت الهاتف ونقلت الخبر لابنيّ أندرو وفيليبا: "جين سوف تموت". غير أنني بدلت، بنوع من الإنكار: فبدلا من "يمك شهر تقريبا" قلت "يمكن شهر شهرين". كان قلقهما قد هدأ بعدما قامت جين بزرع نخاع في سياتل، وها هو القلق يتصاعد من جديد إلى حزن. (عندما علم الأحفاد بالأمر في اليوم التالي أرادوا أن نأخذ جين إلى سياتل، فقد أصبحت "سياتل" بالنسبة لهم مكان الخلاص). أخبرت "جويس بيسيروف" المسكينة. وتركت رسالة لأليس ماتيسن طالبا أن تتصل بي. سمعت أليس رسالتي، وأقلقها صوتي، فاتصلت بجويس لتعرف الخبر. قلت لـ "كارولين فينكلشتين". وبدأ الجميع يخططون للقاء الوداع. لم أستطع الوصول لشقيق جين وأسرتها التي لم يكن لديها مجيب آلي. اتصلت بهم في السادسة والنصف من صباح اليوم التالي فقاموا بالحجز ليعودوها في مرضها.
عندما استيقظت جين بدأنا العمل على كتابها. كان ذهنها يقظا وتركيزها عاليا. شربت القليل وأكلت الأقل، كانت لا تزال قادرة أن تتكلم. أرسلت فاكسا أرشد فيه ليثا بخريطة إلى البيت، فقد كان المفترض أن تقوم بزيارة منزلية. لساعتين أو ثلاثة، مضيت أنا وجين نعمل في "وإلا". ذلك هو العنوان الذي اقترحتُه للكتاب. كان عنوان قصيدة كتبتها جين حينما كان ينبغي أن أموت. كانت هناك قصائد جديدة أكثر مما كانت تتذكر، من بينها قصيدة صغيرة جميلة لم أكن رأيتها قط. "في دار المسنين"، قصيدة عن أمي لما بلغت التسعين. صار للقصيدة وقع آخر منذ وفاتها في الربيع السابق. قالت "لم أتصور أن ترقى هذه الضئيلة إلى أي شيء". عندما ألقيتها عليها غيرت رأيها. اقترحت ترتيبا لقصائدها الجديدة، تكون "سعادة" الأولى وتكون الأخيرة هي "القراءة لأبي بصوت مرتفع". من بين القصائد العشرين الجديدة، كانت هناك أربع عشرة قصيدة لم تنشر في المجلات، وكان أغلب هذه قد تم تنقيجه ومراجعته في فترة العمل القصيرة التي نالتها في مايو ويونيو من العام السابق. سألتها عن المجلة التي تحب أن أرسلها إليها. فطلبت مني أن أعرضها على "أليس كوين" في ذي نيويوركر التي كانت تكن إعجابا قديما بشعرها، ولـ "بيتر ديفيسن" في "ذي أطلنطيك"، وإلى جوزيف باريسي في بويتري، و"ليام ركتور" الذي خلفنا محررا شعريا لمجلة هارفرد. في اليوم التالي أرسلت بالفاكس أربع عشرة قصيدة إلى أليس كوين مع رسالة توضح الظروف.
اتفقنا على ترتيب القصائد الجديدة. ثم إننا كنا سنطبع مختارت من كتبها الأربعة السابقة. تذكرت القصائد التي كانت جين تكرهها، وقرأت عليها عناوين القصائد التي اقترحت إدراجها.
أحيانا عندما كنت أقرأ عليها عنوان قصيدة تقول، لا، هذه لا، فكنت أقرأ عليها القصيدة نفسها وأناقشها. فإن أصرت أتوقف عن النقاش، لكن دفاعي عن بضع قصائد أقنعها بالإبقاء عليها. كنت أريدها أن تدرج من كتابها الأول قصيدة "أقفاص"، وهي قصيدة غرامية من فترة زواجنا الأولى، لكنها أصرت؛ فذلك كما قالت "حب كلاب".  لما انتهينا من القصائد التي اخترتها، عرجنا على القصائد التي استبعدتها. ومن الأخيرة استرددنا قصيدة أو اثنتين. كانت ثماني سنوات تفصل "غرفة إلى غرفة" عن التالي له "مركب الساعات الهادئة" الذي كان أول كتاب لها من دار جرايوولف. ابتداء من هذا الكتاب الثاني بات من الصعب استبعاد القصائد. استبعدنا بعضا لأنها كانت قصيرة، وبعضا لأن فيها شبها بقصائد تالية جاءت أفضل. خلال تلك السنوات الثماني كانت جين قد أكملت دراستها لكيتس، وأكملت تدريبها في مجال الترجمة بترجمة "آنا أخماتوفا". لما انتهينا من اختيار قصائد "مركب"، بدأنا في الاختيار من "دعوا المساء يأتي"، وفي منتصف العمل على هذا الكتاب بلغ الإجهاد من جين أقصاه. وكان علينا أن نتوقف.
كانت سيارات محلات الزهور قد بدأت تتوقف في مدخل البيت. وصل الزنبق، والتيوليب، والورد، وصلت باقات صغيرة مجففة، وباقات طازجة وحية. كنت قد أرسلت الخبر بالفاكس إلى صديق في مومباي، فوصلت زهور من أصدقاء في الهند. في يوميات جين أنها عندما كانت تتدرب على العمل في رعاية الفقراء سنة 1981 أجابت بضع أسئلة طرحها عليها معلمها. من ذلك: ماذا تريدين أن تفعلي في أيامك الأخيرة وقد عرفت أنك مقبلة على الموت؟ في عام 1981، كتبت تقول إنها سوف تريد أن تجد من حولها زهورا، لكن الواقع كان نقيض ذلك. كانت الزهور التصاقا أكيد بعالم توشك أن تتركه. فلم تنظر إليها. ولما أدخلت بعضها إلى غرفة النوم، طلبت مني إخراجها. وسرعان ما امتلأ المطبخ وغرفة الطعام بمدن من الورد والبتلات والبراعم. لم تكن تنظر إلى الزهور ولا تسمح لي بتشغيل اسطواناتها المفضلة. هذه الأشياء  كانت تقيدها بما كان لزاما عليها أن تنقطع عنه. في "القراءة لأبي بصوت مرتفع" حكت كيف أن أباها، وهو يحتضر، طلب منها أن تطفئ كونشرتو لشوبان.
جاءت ليثا، في ذلك اليوم أو التالي له. وفي كل وقت كان يأتي أحد الأعزاء، فأترك غرفة النوم لكي ينفرد بها  زوارها. لم تكن تحتمل الزيارات الطويلة. كان النوم يغلبها، وكنت أستلقي بجوارها أو أكتفي بالجلوس. وكنت أجهز ترتيبات الوداع بالهاتف. في يوم الخميس، استحمت بمساعدة من جين، وتناولت القليل من الطعام، بدت أشد إرهاقا من أن تعمل على "وإلا". قلت "لا داعي لأن نحاول العمل اليوم. فلننتظر إلى أن تزدادي قوة" (لماذا كنت أظن أنها ستزداد قوة؟) قالت "لا. سننتهي منه الآن. سننتهي حالا". وكان عندها حق. انتهينا منه في وقتها، وقد بدأ جسدها يهجرها. كانت تأكل القليل، ولا اللوكيميا تعترض طريق الأوكسيجين إلى مخها. مشت مع ذلك إلى الحمام فاستحمت، لكن أطرافها النحيلة ازدادت نحولا. وفي يوم الخميس المقدس[i] انتهينا من اختيار القصائد واتفقنا على أن أعرض المخطوطة على أليس ماتيسن Alice Mattison  وجويس بيسيروف Joyce Peseroff لإجازتها. ولكن ماذا لو اختلفتا معنا فيما استبعدناه أنا وجين من قصائد جين؟ اقترحت أن يكون لكل من الصديقتين حق إضافة قصيدة واحدة تكون جين استبعدتها، وراقت لجين الفكرة التي تجعل من صديقتيها الحميمتين جزءا من عملية الاختيار. وخطرت لي فكرة أبعد: كنا نحن الاثنين نعلم أن "الزوجة المريضة" لم تكتمل، وأنها لو عاشت فسوف تقوم بتنقيحها. سألتها "إذا وجدت طريقة لنشرها كقصيدة غير مكتملة، مع الإشارة إلى أنها غير مكتملة، فهل أفعل هذا؟". وبعد تفكير عصيب قالت نعم. وحينما كتبت الـ "تعقيب" على كتابها الصادر بعد وفاتها، وجدت الموضع الذي أتكلم فيه عن "الزوجة المريضة" وأنشرها، وبذلك كانت كلمات جين هي نهاية الكتاب.
عندما كانت جين تنام، كنت أضع مسودة النعي، معتمدا في العمل على سيرة ذاتية لها. وكانت مساعدتي تكتبه على الكمبيوتر، وفي يوم الجمعة أنهيت أنا وجين العمل عليه. كانت جين تريد أن تتأكد من ذكر حصولها على زمالة مؤسسة ججنهم. ومثلما يفعل كتاب المقالات أوردت إشارة ججنهم في نهاية فقرة، لتكون ذروتها، لكنني كنت نسيت أساليب الصحف. فحينما احتاجت نيويورك تايمز أن تقتطع سطرا، كانت النتيجة عدم الإشارة إلى زمالة ججنهم. لم يكن إعلان جين أميرة لشعراء نيوهامشر يعني لها الشيء الكثير، ولكن هذه اللافتة كان لها معناها عند الصحف. أشرت إلى جين في بداية النعي بوصفها هذا. وكانت النتيجة أن انتشر النعي بين صحف الشرق جميعا ـ ثم على فترات متقطعة بين صحف بقية البلاد ـ بعنوان يقول "وفاة أميرة شعراء نيوهامشر. في اليوم التالي، والتالي، مضينا ننقح النعي. ولما سلمته لي في نهاية الأمر وقد انتهت منه تماما قالت لي "ألم يكن ظريفا أن نعمل معا؟"
عملنا معا على التخطيط لجنازتها. اهتمامنا بتفاصيل موتها شغلنا للحظة عن موتها. اختارت من كتاب الترانيم أربع ترنيمات تحبها. اختارت للتلاوةِ المزمورَ رقم 139 "إن أخذتُ جناحي الصباح، وسكنتُ في أقاصي البحر، فهناك أيضا تهديني يدك، وتمسكني يمينك".  قررنا أن نطلب من أليس لينج أن تغني إحدى الترانيم بدون موسيقى مصاحبة. وأن أطلب من ليام ركتور أن تلقي "دعوا المساء يأتي" و"وإلا". سألت جين عما تريد أن نلبسه لها في التابوت. قالت إنها لم تفكر في ذلك، وسألتني إن كان لدي اقتراح. وكان لدي اقتراح: "الفستان الهندي الأبيض". كان فستانا حريريا اشترته من بونديتشيري في سبتمبر 1993، وكان من منتجات معتزل [الشاعر والقائد الروحي الهندي] سري أوروبندو. كانت جين مرتدية ذلك الفستان في صورة التقطت لها في "ألله أباد" عندما تناولنا الإفطار في حديقة أحد الأثرياء,. وكانت لبسته أيضا في البلازا، في نوفمبر من العام التالي، في العشاء المقام احتفالا بتسليم الجائزة الوطنية للكتاب. قالت "أوه، هذا جيد. نعم". لم أقل لها متى خطرت لي لأول مرة فكرة ارتدائها ذلك الفستان، كان ذلك قبل عام، وقد رأيت أمي في تابوتها، فمرت بي صورة حلمية لجين في تابوتها وهي مرتدية الفستان الهندي الأبيض.
في وقت لاحق من ذلك اليوم، ولأن جين كانت قد تكلمت بإعجاب عن عملنا معا، أحضرت لها قصيدة لي مرة أخرى، وكانت آخر مرة أفعل فيها ذلك. كنت ألقي عليها القصيدة في عصر ذلك اليوم، فتبدو على وجهها أمارات التركيز. كنت أتساءل كثيرا، وكان لي كل الحق في التساؤل. أطرقتْ، وفكرتْ، ثم هزت رأسها مرتين، وقالت "هناك شيء ناقص. هناك شيء لم تقله". وكان معها حق. بعد أربعة شهور أو خمسة، اكتشفت وأنا أتبع توجيهاتها ما كان ناقصا فأضفته لتكتمل القصيدة. في تلك الأثناء، كان المخطِّط الذي بداخلي لا يزال بحاجة إلى التخطيط. في لحظة قلت "أعرف ما سوف أفعل! عندما يموت جاسي، سوف أحرق جثمانه، وأضع رفاته عند مقبرتك". وبمثل السرعة التي تكلمت بها، قالت هي بحماس إن "هذا سوف ينفع زهور النرجس بلا شك". ثم إنها انحرفت بحوارنا الغريب ذلك وقالت بعدما ضحكت "بيركنز، فيم سوف تفكر لاحقا؟". وكانت لدي توجهاتي. ففي الخريف التالي قمت أنا وأليس جودمان وجيفري هيل بزراعة عشرات البصيلات المأخوذة من حديقة جين المسماة بـ "مزرعة الزهرة البيضاء"، في القطعة المخصصة لمقبرتينا.
بعد قيلولة قصيرة جلست أنا وهي نتكلم. أبدتْ مرة أخرى تخوفها مما سوف يحدث لي. أما أنا فلم أكن في ذلك الحين منشغلا بمصيري، إذ كان لدي ما بقي من حياتي لأنشغل فيه بهذا المصير. كنت أشغل نفسي بالموت الراهن لأصرف نفسي عن الانشغال بالموت القادم. قلنا لأحدنا الآخر إننا نحب أحدنا الآخر. كنت بين الحين والآخر أنفجر باكيا، لكنني لم أطلب منها أن تبقى لي. انتهينا من كتابها ومن نعيها، خططنا لجنازتها، واخترنا ما سوف ترتديه في التابوت. قررنا أن نتبع تقليد ساعات الزيارة، حيث يأتي الأصدقاء والجيران في عشية الجنازة ليروا الجثمان في تابوته في دار الجنازات. اتفقنا على أن يكون تابوتها مغلقا في الجنازة في كنيسة ساوث دانبري كرستيان. فقد كان بقاء التابوت مفتوحا سيحزن أعزاء علينا.
خلال الإجازة الأسبوعية والأسبوع التالي ظل الأهل والأصدقاء يتوافدون. كتبت ملاحظة لكي أتصل بـ "جوزيف باريسي" في مجلة بويتري. كنا قد كتبنا في نعي جين أنها حصلت قبل سنتين على جائزة من المجلة لكننا لم نستطع أن نتذكر اسم هذه الجائزة. تناقشت مع جين في تركتها ـ الكثير جدا لأخيها وأهلها، الكثير جدا لابني وابنتي، والبقية لي. كانت تركة صغيرة، حساب تقاعد شخصي، وبعض الصناديق المشتركة، كل ما جمعته من نشرها في المجلات ومشاركاتها في القراءات الشعرية. قرأ جيف وايت ـ مستشارنا المالي لقرابة عشرين عاما ـ وصية جين واكتشف فيها غلطة فنية. حينما كتبت أنا وجين وصيتينا، افترضنا أن جين ستيعش أكثر من زوجها الشيخ ولم نول إلا اهتماما عابرا لاحتمال أن تموت هي أولا. في صياغة وصية جين، كان ثمة ما يجعل جزءا من التركة خاضعا للضرائب من ولاية نيوهامشر، وهو ما يمكن تفاديه. عمل جيف بسرعة مع محامينا وتم تغيير وصية جين، ووصلت المسودة في عصر يوم الجمعة. في صباح السبت يفتح فرع بنك ليك سونابي لأربع ساعات. يقع البنك على مقربة من متجر كيرسارجي الصغير، حيث كنا نذهب للتزود بالوقود وشراء اللبن منزوع الدسم. ذهبت إلى البنك لأقابل المديرة وأبحث معها إمكانية توثيق الوصية الجديدة. وحتى هذه المديرة، التي لم يكن بيني وبينها أكثر من تبادل هزات الرءوس، كانت تعرف بما يجري. قالت إن بوسعي أن أحضر جين في أي وقت وإنها ستأتي بالشهود من المتجر المجاور. رجعت إلى البيت فارتدت جين شعرها المستعار للمرة الأخيرة، وألبستها شبشبا وثيرا ومعطفا شتائيا فوق سترتها. استندت على ذراعي لتنزل سلم المطبخ، واستقلت المقعد المتحرك إلى السيارة. أدخلتها السيارة الجديدة، ووضعت المقعد المتحرك في حقيبة السيارة، وسقت بها تلك الأميال القليلة. خارج البنك أنزلت المقعد المتحرك ووضعته بجانب السيارة بينما كانت المديرة تبحث عن شهود. دفعت جين إلى المكتب. جاءت امرأتان كنا نعرفهما منذ سنين، ونتبادل المزاح معهما ونحن نشتري الموز، فوقفتا كل على أحد جانبي المقعد. احتاجت جين دقائق لكي توقع باسمها. كانت الغرفة الصغيرة صامتة، ممتلئة بالأسى، والنساء الثلاث تشاهدن رابعتهن تكتب اسمها. لم يبد على أي منهن ضيق أو خوف. تذكرت الشاب في وكالة هوندا، يوم الاثنين السابق فقط، ذلك الذي لم يقدر أن ينظر في وجه جين.
في البيت من جديد، استعدت موضعي بجوار السرير. كان الأصدقاء يريدون أن يتكلموا مع جين، لكنها كانت منهكة  إلى حد أن تعجز عن رفع سماعة الهاتف أو رفع صوتها. أرسل إلينا جيف وايت طردا بمكبر صوت، فلما وصل إلينا كانت جين قد توقفت عن الكلام. أظن أنها بدأت تجد صعوبة في الكلام لأول مرة في عصر يوم السبت. كانت تعجزها كلمة، وتبحث مهما تبحث، فلا تجدها. مرة قالت، بوضوح ومباشرة، "هناك شيء مهم أريد أن أقوله لك" وانتظرت. قالت "أريد ..." وبقيت مستلقية تحملق إلى أعلى، في حالة قصوى من التركيز، بحثا عن كلمة "أريد ... أريد ..." إلى  أن تفوهت في نهاية الأمر بكلمة كأنما انفجرت من فيها: "سبانخ"، ثم نفضت رأسها في اشمئزاز بالغ. لم تكن السبانخ ما أرادته. سألتها "شيء تأكلينه؟". هزة من الرأس. "عطشانة؟". خلاص، لن أعرف أبدا ما ذلك الشيء، المهم، الذي كانت تريد أن تقوله لي.
لأن عجزها عن العثور على الكلمة الصحيحة كان يضايقها، كانت تؤثر أغلب الوقت ألا تتكلم. حاولت أن أجتنب توجيه أسئلة تقتضي منها الإجابة. ولما كنت أحتاج طول الوقت أن أقول لها "أحبك" فقد تعلمت أن أعقب بقولي "وأعرف أنك تحبينني". كان المجهود الذي تبذله لكي تتكلم، والعجز عن أن تتكلم، يضايقانها أكثر من الألم نفسه.
كانت لا تزال تشعر بوجع في العظام، وباضطراب الأعصاب، وربما بآلام أخرى، ولكنني كنت نلت خبرة على مدار خمسة عشر شهر في قياس درجة تألمها. فعلى مقياس للألم يتدرج من واحد إلى عشرة، لم يكن ألمها يصل إلا إلى ثلاثة. ظلت تبتلع المورفين طالما بقيت قادرة على البلع. وبعد ذلك بدأ حقن المورفين لها من خلال حقنة غرست في وركها الأيسر. فكلما كانت تئن من الألم كنت أفتح المحلول.
يوم السبت جاءت ابنتي فيليبا وزوجها جيري ليودعاها، وكان بوسع جين أن تتكلم قليلا. بدا أن الحزن أوهن فيليبا وأعجزها عن الكلام: ثم إنه لم يكن هناك ما يقال. لم نكن نتلقى أكثر من: شدوا حيلكم. هناك علاج. كانت جين تستلقي شاحبة، صامتة، منتهية، يتبدد لحمها، وتبرز في وجهها عظامه القوية. بدت شبيهة بأمها بولي التي زارتها فيليبا في مستشفى نيو لندن قبل وفاتها بشهرين. ظلت فيليبا وجيري وجين جالسين ينظرون إلى بعضهم البعض. أمسكت فيليبا يد جين. تكلموا قليلا عن الحفيدين، أليسن وأبيجيل، اللذين بقيا مع جليسة أطفال. لم يكن من الممكن تعريض الطفلين لتجربة رهيبة كتلك.
وافق الأحد يوم الفصح. مرت أليس لينج وزوجها وهما في الطريق إلى الكنيسة. صلينا وقامت أليس بمناولتنا جميعا بخبز كانت هي من خبزته بنفسها. كانت آخر مناولة لجين، فعندما عادت أليس مرة أخرى في نهاية الأسبوع كانت جين قد عجزت عن البلع. يوم الاثنين كان ذكرى زواجنا الثالثة والعشرين. طلبت مني جين أن أنظر إلى السلم الخلفي، المؤدي إلى غرفة العمل، وأن أبحث هناك عن صندوق من "ل. ل. بين". كانت قد طلبت لي بالهاتف حزاما مجدولا، لكنها أعطتهم مقاسي الذي كان قبل خمسة عشر عاما، حين كان خصري أكبر بست بوصات. بهدوء، تحت سقيفة العدة، استخدمت مسمارا في إحداث ثقب جديد في الحزام. أريتها الفستان الصيفي الأرجواني الذي طلبته لها من تكساس، ثم أرجعته إلى علبته. قالت إنه جميل. وصلت الزهور. وظهرت في السقيفة الأمامية أطباق خزفية. والهاتف رن. وابني أندرو ترك عمله في بوسطن وساق سيارته ليزورنا آخر النهار. ويوم الخميس سافر هو وأسرته بالطائرة إلى تكساس لحضور لقاء مرتب له منذ فترة طويلة للم شمل أسرة نتالي. كنا نتكلم كل يوم وهو مسافر، وكان مستعدا للرجوع إلينا في أي لحظة أحتاجه فيها. كان المفروض أن يرجع مع أسرته يوم الاثنين الرابع والعشرين. سجلت ملاحظة في دفتر مواعيدي بأنه لا ينبغي أن ندفنها قبل يوم الثلاثاء الخامس والعشرين على الأقل، وكنت أعرف أنه ينبغي أن نتجنب يوم الخميس السابع والعشرين لأنه عيد ميلاد أبيجيل الثالث. ربما الثلاثاء أو الأربعاء للجنازة، كنت أخطط، وأنا ناظر في عينيها الحيتين.
جلس آندرو مع جين قرابة نصف ساعة كامل، هما الاثنان وحدهما، تكلما قليلا، وكانت جين تتنقل بين النوم والإفاقة. التقطت شيئا من سلال الطعام التي كان يحضرها الجيران، وتناولت أنا وآندرو العشاء وكل منا واضع طبقه على ركبتيه بجوار السرير. لما أكملت طعامي تذكرت حقنة الأنسولين التي عادة ما آخذها قبل العشاء وقلت هذا. كانت عينا جين مغمضتين حينما قال لي آندرو "عليك أن تأخذ بالك من نفسك". فتحت جين عينيها، ورفعت إبهامها. قال لي آندرو لاحقا إنه بعد أن غادرنا مشى قرابة ساعة بجانب البحيرة قبل أن يركب عربته إلى البيت. وفي البيت كتب لجين رسالة على الكمبيوتر، أرسلها بالفاكس في الصباح التالي. طلبت جين مني أن أقرأها عليها مرات كثيرة.



ليام ركتور وتري سوينسن جاءا في صباح الثلاثاء من سمرفيل، بعد أن انقضى نحو عامين على حفل زفافهما الذي أقيم في حديقتنا الخلفية. جاءا معهما بكلبهما الصغير، كنيون. اجتمعنا في غرفة النوم، وتيري سألت جين إن كانت لديها أية أفكار بالنسبة لغلاف "وإلا" الذي ستقوم هي بتصميمه. بصعوبة قالت جين إنها تعرف اللوحة التي تريدها، لكنها لا تذكر اسمها ولا اسم الرسام أو حتى عنوان الكتاب الذي رأتها فيه. قالت لنا فقط إن الكتاب في غرفة المعيشة. أحضرت المقعد المتحرك، فقد كانت عاجزة تماما عن المشي، وذهبنا إلى غرفة المعيشة. دفعت مقعدها في الممر إلى غرفة المعيشة لآخر مرة. أشارت إلى كتاب "الحديقة الانطباعية" الذي كان على الأرض بجوار رف الكتب، في مكانه منذ أن أفرغت الصناديق التي رجعنا بها من سياتل. كان شخص ما ـ لا أتذكر من هو ـ قد أرسل لها ذلك الكتاب في الكرسماس. تذكرت جين وهي تتصفحه جالسة على ذلك المقعد الوثير في سياتل قائلة إنها خلاص عثرت على لوحة غلاف كتابها القادم. مضيت أتصفح لها الكتاب ببطء، واضعا إياه على مقربة من عينيها، إلى أن مدت يدها فأوقفت يدي. كانت قد عثرت على لوحة " Le jardin potager, Yerres " لـ جوستاف كيليبوتي Gustave Caillebotte  ولما رأتها تذكرت. وهكذا ساهمت جين في تصميم غلاف كتابها "وإلا". عندما رجعت تري إلى البيت ومعها "الحديقة الانطباعية" بدأت تعمل في جنون راجية أن تنتهي من تصميم أولي للغلاف تراه جين قبل أن تموت. وكان ذلك التصميم الأولي مع تري حينما حضرت الجنازة بعد ثمانية ايام.
عندما خرج ليام وتري، ركنا السيارة ومشيا قليلا قرب البحيرة نحو ساعة، مثلما فعل آندرو بالضبط في اليوم السابق. في العصر جاءت فيليبا، وبصحبتها رويل شقيق جين وزوجته "دون" وابنتهما "بري" الذين استقبلتهم في مطار مانشستر. دخلت غرفة النوم للحظة قبل أن تترك جين مع أهلها. تكلمت جين بأريحية للحظات. سيقيم أهلها في شقة الأم بولي القديمة، التي كانت لا تزال مستأجرة، ولم يمض إلا ثلاثة أشهر على موت بولي، حيث لم يستطع أحد إخلاءها. كان لدون وبري حجز للرجوع خلال الأسبوع، أما رويل فبقي لإخلاء شقة أمه.
كان الأربعاء عصيبا، كانت جين واعية ولكن تدهورها كان حادا. نزفت القسطرة الموضوعة في خصرها على السرير. أجريت مكالمة هاتفية وجاءت ممرضة فأخرجت الأنبوب ووضعت ضمادة على الفتحة. كان الزوار يجيئون ويذهبون. والأصدقاء يتصلون. تلك الليلة وصباح الخميس كانا أصعب الأوقات. كنت أستيقظ باستمرار في الظلام لأسمع جين وهي تناضل للخروج من السرير. كانت تحاول وهي في غاية العجز أن تصل إلى مقعد المرحاض المجاور لسريرها. كل مرة صحوت فيها كنت أنزع عنها ثوب نومها وأوصلها إلى مقعد المرحاض، كانت تلف ذراعيها حول رقبتي حين أحضنها وأرفعها، وكل مرة كانت تغمغم قائلة "ماما، ماما". كنت أجففها، وأغير لها ثوب نومها بثوب نظيف، وأضع ملاءات جافة بدلا من المبتلة. في السادسة كانت نائمة ونهضت أنا فأطعمت جاسي وآدا. حينما رجعت كانت قد تركت سريرها وجلست في مقعد في الجهة الأخرى من الغرفة. ارتعبت، فهي لم تكن تقوى على القيام، أو النهوض بدون مساعدة، غير أنها عبرت غرفة النوم، وكان يمكن أن تقع فينكسر لها ضلع، وتتسبب لنفسها في مزيد من الألم. في ذعر مفاجئ قررت أنني لن أستطيع أن أتدبر أمرها وحدي، كان لا بد أن تذهب إلى المستشفى. اتصلت بـ "ليثا" في بيتها، فقالت لي إنها سوف تتولى تدبير الغرفة، وإن عليَّ أنا أن أتصل بالإسعاف. جهزت قائمة سريعة بما ينبغي اصطحابه. في ذعري، لم أفكر إلا في سقوط جين وانكسار ضلعها. أفاقت، واستردت وعيها، قلت لها إنني اتصلت بالإسعاف وإن ليثا ترتب لها الآن سريرا في هتشكوك. وللمرة الأولى منذ أيام رأيت وجهها تغمره الدموع. قالت في حزن "هل نحن مضطرون؟" تراجعت على الفور. "لا، لا" واتصلت بليثا فاعتذرت لها، وهي ألغت الحجز في هدوء. كانت تلك هي المرة الوحيدة التي فقدت فيها أعصابي خلال تلك الأيام الأخيرة.
لم تغادر جين سريرها مرة أخرى، ولا حاولت. مرة كان في زيارتنا صديق فأخذت السيارة لمدة عشرين دقيقة لأشتري حليبا أو عصيرا ولما رجعت عرفت أن جين ظنت بسبب غيابي أنني مت. لم أتركها مرة أخرى، إلا لأتبول أو أعد ساندوتش، وكنت قبل أن أغادرها أعلمها بما أنا ذاهب للقيام به. أعتقد أنها كانت تفهم، في البداية راح الكلام، ثم الإبصار (توقفت تماما عن أن تطلب نظارتها) ولكن السمع استمر حتى قرب النهاية. في وقت متأخر من عصر يوم الخميس، وصلت أليس وإدوارد ماتيسن، وأمضت أليس بعض الوقت وحدها مع جين. قضيا الليل في مكان ما على مقربة من البيت وعادت أليس في صباح يوم الجمعة. عندما رجعت، كانت جين تستحم في سريها بالإسفنجة، فساعدت أليس في إجلاسها أثناء ذلك. قالت أليس "ليست ظريفة هذه الحكاية، صح؟ فقالت جين "لا". كلمة واحدة. بعد أن غادرت أليس، جاءت كارولين فينكلشتين، قادمة بسيارتها من كيب. عرفت جين بوجودها. في طريق العودة اعتقلت كارولين بسبب السرعة الزائدة. عند الظهر استعددت للابتعاد عن جين لمدة دقيقة، قلت لها بصوت مرتفع وواضح "انا ذاهب لأضع هذه الرسائل في صندوق البريد". قالت في نبرة ثابتة كأنما لا مجال للكلام "أوكيه". تلك، الكلمة، كانت آخر ما قالته جين.
عصر الجمعة وصل فاكس من أليس كوين في مجلة "ذي نيويوركر": قبلوا أربعا من القصائد الجديدة. لم ترد جين، أعتقد أنها سمعتني. حينما جاء البريد، قرأت عليها رسائل من أصدقاء. بيل مويرز أرسل إليها طردا كتب لها فيه بخط يده أجزاء من "لغة الحياة" على صورة لجين بمساحة صفحة. أمسكتها أمامها. يداها الآن بارزتان من تحت الغطاء، باقيتان مقبوضتين عن مستوى أذنيها. قبل سنوات كثيرة قدمت جيويا تمبينيلي لجين تمثالا صينيا صغيرا لإلهة إغريقية كانت يداها مقبوضتين ومرفوعتين إلى المستوى الذي لا بد كانت فيه ذات يوم حربة أو سواها. قالت جيويا إنها لما رأت تلك الإلهة فكرت في جين، وها هي يدا جين الآن مقبوضتان مثل تلك الإلهة الإغريقية.
اختل إيقاع تنفس جين، وبدأ يسير وفق نظام تشين ستوكس Cheyne-Stokes. صارت تأخذ ثلاثة أنفاس قصيرة، تليها وقفة، ثم نفس عميق، تنفسها يخضع لجذع المخ الباقي. في مساء ذلك اليوم جاءت ليثا من مركز هيتشكوك بعد أسبوع عمل طويل. قاست نبض جين، ودردشت قليلا. لم يكن بيدها أن تفعل شيئا لجين، ولكن وجودها في حد ذاته كان باعثا على الارتياح، قالت إن جين عرفت بوجودها.
بعدما بدأ التنفس يتخذ نظام تشين ستروكس، عرفنا أن الوقت لن يكون طويلا. قبل أيام قليلة كانت جين قد قالت "بيركنز، كن معي وأنا أموت". جلست بجوارها، وحدي معها، أراقب إيقاع صدرها. وبين الحين والآخر، كنت أمس قبضتيها المرفوعتين. كان في يديها ووجهها شحوب، وبياض، وبرودة. لقد كان وجهها الكبير دائما قوي العظام ـ ذقنها، وجنتاها، أنفها ـ لكن الآن وقد تبدد الكثير من لحمها، نتأت عظامها كأنها خطوط تجريدية ترسم قسماتها مبالغة في تحديدها. بدت عيناها البنيتان الواسعتان أوسع مما كانا من قبل، لم تكن ترمش. ونادرا ماكانت إحدى قبضتيها تتحرك باتجاه وجهها، فلما تحركت مرة إلى أعلى، حككت لها أنفها ـ على سبيل الاحتياط. في عتمة الساعة الثامنة، ملت عليها لأقبلها مرة أخرى، قبلة خفيفة عابرة، فاندهشت أنها حركت شفتيها وزحزهتهما لتبادلني قبلتي. لا أظن أنها كانت حركة لا إرادية.
نمت طول الليل نوما متقطعا، كنت أنام لعشرين دقيقة، نومة خاطفة، أفيق بعدها فأتأكد إن كانت لا تزال تتنفس، ثلاثة أنفاس قصيرة، ثم وقفة، ثم نفس عميق. في الصباح استيقظت ولبست جنبها. ثم تبدل تنفس جين مرة أخرى، من نظام تشين ستوكس، إلا سلسلة من اللهاثات المتلاحقة. تذكرت جلستي جنب جدتي كيت حينما ماتت عن سبعة وتسعين عاما، تذكرت حينما بدأ اللهاث المتلاحق. رأيت حركة جين، وأنفاسها المتلاحقة، ولم أزحزح عيني عنها قط. توقفت الحركة. لا نبض، لا تنفس. بإبهامي أسبلت جفنيها على العينين البنيتين. 

نشر على حلقتين في مايو 2012 في ملحق شرفات الثقافي الذي يصدر مع جريدة عمان 



[i] هو اليوم السابق على الجمعة الطيبة، وقد وافق في عام 1995 ـ الذي شهد وفاة جين كنيون ـ الثالث عشر من ابريل.