الثلاثاء، 11 فبراير، 2014

آلام متزايدة


عندما نقيس بلدا في ضوء إجمالي ناتجها المحلي وحده فإننا نتجاهل سعادة شعبها. ولكن هل يمكن قياس السعادة ورغد العيش؟

آلام متزايدة
ديان كويل

هل بلغنا نهاية التقدم؟ لقد بات بريق نجم التنوير والثورة الصناعية الهادي أشد خفوتا مما كان في أي لحظة من مضت علينا على مدار المائتي عام الماضية. ومقياسنا الأساسي للتقدم ـ أي إجمالي الناتج المحلي GDP  ـ يبدو وقد انطفأ بريقه هو الآخر على نحو خاص. فاليوم يتزايد عدد من يتساءلون عما إذا كان النمو الاقتصادي ـ المقاس من خلال ارتفاع أو انخفاض إجمالي الناتج المحلي ـ ينبغي أن يكون هو الأولوية الرئيسية للحكومة. أليست التكاليف البيئية للنمو باهظة أكثر مما ينبغي؟ وهل لارتفاع إجمالي الناتج المحلي من قيمة إذا كان يصب كله في بطون الأثرياء؟ وهل إجمالي الناتج المحلي الأكثر ارتفاعا يجعلنا أكثر سعادة؟ أليست سعادتنا هي الشيء الذي يجدر بتركيز حكوماتنا أن ينصب عليه؟
كل هذه الأسئلة تنتهي في غمار شبكة تعريفات إحصائية تحجب القضايا الأعمق التي تثيرها هذه الأسئلة. من هذه الأسئلة ما هو فلسفي. فأنا، عن نفسي، لا أريد للحكومة أن تمد أصابعها في سعادتي. وأعتقد بشدة أن النمو الاقتصادي إحدى علامات التقدم، ولكن أريد له توزيعا أكثر تساويا مما كان حادثا على مدار الجيل الماضي. ومن الأسئلة ما هو أقرب في طبيعته إلى الجانب التقني: فما المحدِّدات البيئية الملزمة للنمو الاقتصادي وكيف يتسنى لنا قياسها؟ ولكنه ليس من الممكن الإجابة على أي من هذه الأسئلة من خلال تغيير تعريف إجمالي الناتج المحلي.
لقد نشأ المقياس الذي نعرفه بإجمالي الناتج المحلي GDP  (في علاقته بالمقياس الأصلي وهو إجمالي الناتج الوطني GNP)[i] على أيدي اقتصاديين في وزارة الخزانة بالمملكة المتحدة كانوا يعملون بإرشادات الاقتصادي البارز "جون مينارد كينز"، واكتمل المقياس في عام 1941. أحد أولئك الاقتصاديين، وهو ريتشارد ستون، قاد مبادرة فيما بعد الحرب لنشر "إجمالي الناتج المحلي" في الأمم المتحدة بوصفه معيارا. وفي غضون سنوات قلائل، تم عيار الحسابات الاقتصادية الوطنية وفقا لهذا المعيار وبنيت عليه وتبنته وعدلت نظمها البيروقراطية وفقا له في شتى أرجاء العالم على مدار ما بقي من سنوات القرن العشرين. واليوم يعد إجمالي الناتج المحلي علامة عالمية على الموقف الاقتصادي.
المأخذ الأساسي على إجمالي الناتج المحلي هو أنه لا يقيس ما نقدّره حقا. ففي حين يحصي هذا المقياس النشاط الاقتصادي من قبيل إنتاج السيارات أو الوجبات، فهو يستبعد التكاليف غير النقدية مثل التلوث، ويتجاهل خلل التوازن بين الحياة والعمل، و"الشر" (مثل المحامين، ومشتريات الأسلحة) وفقا لحساباته "خير". ومن منتقدي إجمالي الناتج المحلي النموذجيين "مايكل جرين" وهو اقتصادي أمريكي ومدير تنفيذي لـ "مؤسسة التقدم الاجتماعي" في واشنطن. وقد نشأت هذه المنظمة على يد "مؤشر التقدم الاجتماعي SPI " بهدف قياس السعادة في أي دولة من خلال النظر إلى المؤشرات غير الاقتصادية من قبيل ما إذا كان الشعب يحصل على الرعاية الصحية الأساسية والتعليم الأرقى. وبحسب ما قال جرين لـ "يو إس نيوز" الشهر الماضي: "هناك الكثير والكثير مما يفوت عليه [أي إجمالي الناتج المحلي]. فهو لا ينبئنا بشيء عن نوعية الحياة التي نعيشها في ضوء الأمور الحقيقية المهمة للبشر الحقيقيين".
غير أنه لم يكن مقصودا به قط أن يفعل هذا، ومن ثم ففشله في هذا لا ينبغي أن يدهشنا. ولكن هناك خلطا عميقا فيما يتعلق بما يقيسه إجمالي الناتج المحلي، وبما ينبغي قياسه، وبالسبب في هذا وذاك.
يقوم إجمالي الناتج المحلي على مبدأ بسيط: هو مجموع كل شيء ينتجه اقتصاد بلد ما في فترة زمنية معينة بالقيمة النقدية، من خلال جمع دخول كل شخص وشركة، وجمع إجمالي ما ينفقه كل شخص. عمليا، هذه الجوانب المنفصلة للحسابات نادرا ما تتساوى بسبب صعوبة جمع كل مجاميع الإحصاءات الهائلة. إن الحسابات الوطنية فن لا يجيده إلا القلة ممن يقدمون لنا أربع مرات في العام رقما (ارتفاع بنسبة 0.2 في المائة! ارتفاع بنسبة 0.6 في المائة) تهلل (أو لا تهلل) له الحكومات المتلهفة على أن تبين لناخبيها أن هناك ما تقدمه.
ترجع انتقادات إجمالي الناتج المحلي لسبعينيات القرن العشرين حينما أدى التضخم المرتفع والنمو الصفري (أي الكساد التضخمي stagflation) إلى انتشار الأوهام الاقتصادية. لم تبد الرأسمالية آنذاك بخير عند المقارنة مع الشيوعية. ولم يكن النمو الاقتصادي منطلقا انطلاقته المرجوة قياسا إلى أيام المستعمرات الغابرة. ولعل الأهم هو أن الحركة البيئية الناشئة بدأت حملاتها المناهضة لما يكبده النمو الاقتصادي للطبيعة من تكاليف.
يبقى الحفاظ على البيئة المستدامة مركزيا في الانتقادات المنصبة اليوم على إجمالي الناتج المحلي. فالمقياس يتجاهل الأثر المعاكس على التلوث، وانبعاثات الغازات المسببة للاحترار، وتقلص التنوع الأحيائي، واستنفاد الموارد الطبيعية. وفشله في التكيف مع حقيقة أن  الإنفاق على الشرطة والمحامين هو شر لا بد منه وليس منفعة إيجابية، أو أننا ننفق المزيد من الوقت في التنقل [بين العمل والبيت] في هذه  الأيام، أو أن البنية الأساسية للطرق والسكك الحديدية تتداعى لدينا. كما أن منتقدي إجمالي الناتج المحلي يبتهجون إذ يشيرون إلى أن تزايد إجمالي الناتج المحلي ـ بمرو الزمن ـ لم يفض إلى مزيد من السعادة التي تشير كثير من الدراسات المسحية ـ في زعمهم ـ أنها تناقصت، تناقصت كثيرا.
هذه النقطة الأخيرة تسيء تفسير طبيعة نمطين من الإحصائيات. فإجمالي الناتج المحلي بنيان اصطناعي وليس شيئا طبيعيا ومن ثم فبوسعه أن يرتفع بلا حدود. و"السعادة" حالة ذهنية دأب علماء النفس على قياسها وفقا لمقياس من صفر أو واحد إلى ثلاثة أو من واحد إلى عشرة. ولكن مثلما ساهم "نمو" إجمالي الناتج المحلي في إنتاج بشر أطول أعمارا وقامات، فقد ساهم في جعلنا أكثر سعادة، والأدلة وافرة على أن الأثرياء أسعد دائما من الفقراء. وبهذا المعنى تكون ثمة علاقة تناسب إيجابية.
ويبقى أن التركيز على السعادة، أو "علم النفس الإيجابي"، كالتركيز على الحفاظ على البيئة المستدامة، يثير بعض الأسئلة المهمة حول الغرض من السياسة الاقتصادية. واستكشافا لهذه الأسئلة، ينبغي لنا الرجوع إلى أصول إجمالي الناتج المحلي، فنرى الداعي إلى النصح به في المقام الأول.
لا يعدو إجمالي الناتج المحلي أن يكون الأخير بين عدد من سبل قياس الاقتصاد التي ترجع إلى أواخر القرن السابع عشر عندما بدأ "الاقتصاد" ـ بحسب فهمنا الراهن له ـ يتحول إلى فكرة ذات معنى. ولقد كان الدافع الدائم إلى الاهتمام بقياسه هو مصالح الدولة. في أيام "وليم بيتي" ـ رائد المحاسبة الوطنية الذي أنتج أول نسخة من إجمالي الناتج المحلي لـ إنجلترا وويلز سنة 1665، كان الدافع هو تقييم قدرة البلد على دفع الضرائب تمويلا للحروب الباهظة مع هولندا وفرنسا.
كانت الضرائب والتجارة هما المنفعتان الأساسيتان الكامنتان وراء قياس النمو طوال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ولكن مفهوم "الاقتصاد" تغير بمرور الزمن تغير ملحوظا. فقد أصر "آدم سميث" في "ثروة الأمم" (الصادر 1766) على سبيل المثال على أن تزايد السلع المصنعة والغذائية أوجد ثروة حقيقية موّلت بدورها خدمات ليست لها قيمة متأصلة فيها. وبقي مفهومه عن الإنتاج "المادي" هو أساس الإحصائيات الاقتصادية في الكتلة السوفييتية حتى 1989.
أما في الغرب، فقد كان الكساد الكبير وراء اهتمام الحكومة بمقياس جمعي لاقتصاد الأمة، حينما كان السؤال الأساسي هو: ما مبلغ الموجود من القدرات الخاملة؟ كم عدد المصانع التي أغلق أبوابها، وكم يبلغ ما يمكن أن تنتجه في حال استئنافها للعمل؟ في المملكة المتحدة كانت الريادة لـ "كولين كلارك" بوصفه إخصائي الإحصاء في المجلس الوطني الاقتصادي الاستشاري سنة 1930، وكان "سيمون كونيتس" من رواد الاقتصاديين في هذا المجال.
كانت لكونيتس أفكار صارمة في كيفية تعريف الاقتصاد. كان يفكر أن المغزى من قياس الاقتصاد الوطني هو فهم مبلغ الموجود من الأشياء الجيدة في الحياة مما يمكن للأفراد أن يستهلكوه، سواء الآن أو من خلال مدخراتهم المستقبلية. وما مبلغ جودة أداء الاقتصاد في خدمة رفاهية الأفراد وسعادتهم؟
تبين من أول تقرير لكونيتس (تم تسليمه للكونجرس في يناير 1934) أن حجم اقتصاد أمريكا انقسم بمقدار النصف بين 1929 و1932. وحتى في تلك الأوقات الكاسدة، كان الاهتمام عظيما بإنعاش النمو الاقتصادي لدرجة أن أصبح التقرير من الإصدارات الأكثر مبيعا. وأشار الرئيس روزفلت إلى أرقام كونيتس أثناء إعلانه برنامج الإنعاش الجديد سنة 1933، وقام بتحديثها قبل إرساله ملحق الميزانية إلى الكونجرس سنة 1938. لقد أدى امتلاك إحصاءات بالدخل الوطني تشمل الاقتصاد كله إلى إحداث فارق هائل في نطاق السياسات الموضوعة. ومن قبل كان الرئيس هوفر قد دبَّر أموره من خلال صورة اقتصادية ناقصة رسمت من خلال الإحصائيات الصناعية، من قبيل مؤشرات أسعار الأسهم وحمولات سيارات الشحن. كانت هذه المعلومات بمثابة نداء للعمل لا بمثابة الأرقام الإلزامية التي تبين انقسام الناتج الاقتصادي الوطني في زهاء سنوات قلائل.
غير أن كونيتس رأى أن مهمته المحددة هي أن يعمل على قياس الحجم الإجمالي الذي ينتجه الاقتصاد بأن يجمع إنتاج الصناعات المختلفة وحجم ما يستهلكه الأفراد مما يحدث شيئا من المنفعة. ولتحقيق هذه الغاية كان يريد أن يطرح من الناتج الوطني جميع النفقات المتعلقة بالتسلح وأنشطة التمويل والمضاربة، والنفقات الهائلة المتعلقة بالنقل والسكن. فهذه النفقات فيما يرى "لا تمثل صافي الخدمات المقدمة للأفراد الذين تتشكل منهم الأمة، ولكنها، من وجهة نظرهم [أي الأفراد] شر لا بد منه، شر يستوجبه العيش".
لم تكن فكرة الدخل الوطني عند كونيتس تشير إلى النتاج أو النشاط الاقتصادي (أي إجمالي الناتج المحلي) بل إلى ما يمكن أن يوصف بـ "الرفاهية الاقتصادية" مقياسا للسعادة. ولقد قال في عام 1934 إنه "من النادر للغاية أن يتسنى استنتاج رفاهية أمة من خلال قياس دخلها الوطني".  وهذا هو نفس النقد الموجه لإجمالي الناتج المحلي من منتقديه اليوم حيث يشيرون إلى أنه خير لنا أن يكون هناك مقياس يخصم أشياء من قبيل التكاليف البيئية أو تكاليف مقاومة الجريمة أو خوض الحروب.
غير أن الجدال حول ما إذا كان ينبغي أن نقيس السعادة أم النشاط الاقتصادي قد انتهى بخسارة كونيتس. فلقد أسبغت الحرب العالمية الثانية أهمية على قياس النشاط الاقتصادي. حيث أرادت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة معرفة مبلغ المواد الحربية التي يمكن لاقتصاديهما إنتاجها، وكمّ التضحيات التي سوف يتكبدها الاقتصاد المدني، فبدت الرفاهية أو السعادة (حسبما بات يشار إليها حاليا في الأدبيات الاقتصادية ترفا يليق بزمن السلم.
إن التعريف المعياري العالمي لإجمالي الناتج المحلي يجسّد افتراضات محددة فيما يتعلق بما يبقى داخل المقياس وما يبقى خارجه. وهو من ثم يتضمن الاستهلاك الحكومي، فيما يتماشى مع نظرية الاقتصاد الكلي  لكينز التي ترى الإنفاق الحكومي شكلا من إشكال الاستهلاك الجماعي. ولكنه يحذف العمل غير المأجور في البيت، أو الاعتناء بأفراد الأسرة. فالمقصود من إجمالي الناتج المحلي ـ في نهاية المطاف ـ هو قياس الأنشطة السوقية، والعمل المنزلي ـ بحكم التعريف ـ ليس جزءا من السوق، ولكن الأنشطة الحكومية أيضا ليس لها سعر سوقي ولكنها مع ذلك غير مستبعدة من المقياس.
هناك افتراض آخر يتعلق بكيفية قياس التمويل. لقد تضمنت إحصائيات ما بعد الحرب من الجوانب التمويلية ما كان يقدم خدمة واضحة ذات سعر سوقي مثل رسوم الاستشارات والإدارة، لكنها استبعدت نشاط التبادل التجاري. (وكان آدم سميث ليستبعد القطاع التمويلي كله). وبفضل التجاوز البطيء للحدود، بات المزيد والمزيد من الأنشطة التمويلية يتم تضمينه مع نمو القطاع. والنتيجة هي أن أضخم إسهام في إجمالي الناتج المحلي للملكة المتحدة من القطاع المالي إنما حدث في الربع الأخير من عام 2008 وهو أمر عبثي ولا شك.
لقد ازداد قياس إجمالي الناتج المحلي تعقيدا بمثل ما ازداد تعقيد الاقتصاد نفسه. وبات من السهل نسبيا حساب عدد الزيادة في السيارات أو أجهزة الكومبيوتر المصنوعة والمباعة كل عام. وفي عصر التجميع الكبير، بات ازدياد الأعداد مقياسا جيدا للنمو الاقتصادي. ولكن ما الحال في ظل "الاقتصاد الجديد"، حيث تتزايد جودة المنتجات وقوتها ازديادا دراماتيكيا؟ هل ينبغي لإجمالي الناتج المحلي أن يحسب عدد أجهزة الكمبيوتر المباعة، أم ينبغي له أن يعترف بتزايد سرعتها وسعتها التخزينية وما فيها من واي فاي وكاميرات، وما طرأ عليها من خفة في الوزن؟ لقد دخلت على إحصائيات إجمالي الناتج المحلي اليوم تعديلات معقدة كثيرة لحساب الجودة والتحسينات. هذه التعديلات التي توصف بـ "الذوقية"  hedonic تنطبق على نطاق من السلع الإلكترونية، ولكن يبقى ثمة الكثير من السلع الأخرى غير مدرج في إجمالي الناتج المحلي، فهو لا يتناول مثلا ازدياد فعالية المسكِّنات، وتوفير المصابيح الكهربائية الموفرة للطاقة، وذكاء الأنسجة "الذكية"، أو تكاثر اختيارات المستهلك التي ازدادت بصورة كبيرة.
غير أن تقريرا صادرا في عام 1998 عن بنك الاحتياطي الفيدرالي قالها: "إن إجمالي الناتج المحلي مقياس مصمم للإنتاج الكثيف. هو حساب بسيط لعدد الوحدات المنتّجة. وهو يعجز عن قياس الفوائد غير الملموسة ... ولم يرد على لسان أحد أن الكم هو نكهة الحياة".
لكل هذه الأسباب ـ أي إقصاء بعض لا كل الأنشطة غير المأجورة، تغير التعريفات، حذف الابتكار والتنوع ـ لا يبقى ثمة شك في أن إجمال الناتج المحلي مقياس معيب للنشاط الاقتصادي. لكن ليست هذه الانتكاسات هي ما يفكر فيه منتقدو هذا المقياس في العادة. إنما هم يدعون إلى مقياس للتغير في الرفاهية أو السعادة، وليس مجرد مقياس للنمو الاقتصادي. والوضوح بشأن هذا الفارق مهم عند العمل على ما ينبغي قياسه في المستقبل.
لقد خسر كونيتس في ثلاثينيات القرن الماضي مشاجرة قياس الرفاهية الاجتماعية أم النشاط الاقتصادي. والآن حان الوقت لوضع هذين المفهومين في الميزان مرة أخرى، وليس أقل أسباب ذلك هو أن كثيرا من منتقدي إجمالي الناتج المحلي يخطِّئونه لعدم قياسه السعادة. فتلك لم تكن مهمته مطلقا. غير أننا وإن عرفنا ذلك طول الوقت، داب الاقتصاديون على استخدام إجمالي الناتج المحلي كما لو كان اختزالا للسعادة، وبرغم أن ذلك يبدو معقولا، إلا أن هناك أسبابا وجيهةً للظن بأن الفجوة بين الرفاهية الاجتماعية والنشاط الاقتصادي ـ بحسب ما يقيسه إجمالي الناتج المحلي ـ آخذة في الاتساع.
في حين لا يبدأ إجمالي الناتج المحلي في قياس ما تحقق السعادة من مكتسبات ناجمة عن الابتكار والأدوية الحديثة والهواتف الذكية، وغسالات الأطباق، والأنسجة سهلة التنظيف، هناك أدلة كثيرة على أن الناس تقدِّر كثيرا اتساع نطاق الاختيار حتى إذا كان ذلك في نطاق المنتجات التافهة مثل نكهات حبوب الإفطار، أو عناوين الكتب المنشورة، وهذا أقل تفاهة بالطبع. والابتكار هو السبب الذي يجعل النمو الاقتصادي أساسيا للتقدم: فالنمو الاقتصادي هو نفسه ابتكار. ولكن نمو إجمالي الناتج المحلي ـ حسب ما يوضح المنتقدون دائما ـ يخطئ في تقدير السعادة بعدم التفاته إلى العواقب البيئية، أو تزايد التفاوت في الدخول، وبحسبانه الشر خيرا، فالكارثة الطبيعية على سبيل المثال حافز لنمو إجمالي الناتج المحلي نظرا لما تستلزمه من أعمال إعادة الإعمار، أما خسائر الأنفس والأصول فلا يتم حسابها.
هل من المنطق إذن "تعديل" إجمالي الناتج المحلي بحيث يعترف بهذا النطاق من المحذوفات الإيجابية والسلبية على السواء؟ بالنسبة لي يبدو الطريق ضبابيا تماما. فلسوف تكون ثمة شجارات لا أول لها ولا آخر على ما ينبغي تضمينه وما ينبغي إقصاؤه، وعلى الوزن الذي ينبغي تقديره لمختلف العناصر في تعريف إجمالي الناتج المحلي الجديد. فكيف تقيس الزيادة في الهواتف الذكية، أو الزيادة في نظافة الهواء، في مقابل النقص في الحياة البرية؟
والأهم من ذلك أننا بحاجة إلى التفرقة بين مفهومي النشاط الاقتصادي والسعادة، والسياسة المباشرة المتعلقة بالسعادة. هناك خيار، يمارسه مكتب الإحصاء في المملكة المتحدة ONS الآن، ويتمثل في قياس السعادة مباشرة من خلال مسح سنوي. غير أنه النتائج لم تتغير كثيرا فيما يبدو منذ أن بدأ مكتب الإحصاء في جمع البيانات منذ 2012، وليس واضحا بعد ما السياسات التي ينبغي الأخذ بها لتحسين نتائج الدراسات المسحية. تشير الدراسات حتى الآن إلى أن الجنس والصداقة والانتماء إلى مجتمع ذي عقيدة ترتبط إيجابيا بالسعادة، بينما ترتبط المشاوير الطويلة [بين العمل والبيت] والبطالة وسوء الصحة الذهنية ارتباطا سلبيا. أما وقد قلنا ذلك، فهل نحن بحاجة إلى دراسة مسحية سنوية لتعرف الحكومة أن عليها أن تقلل من نسبة البطالة، أو تقوم بتمويل خدمات الصحة الذهنية بصورة متساوية؟ ثم إنه من الصعب تخيل سياسة توضع لزيادة ممارسة الجنس.
إن كثيرا من الأشياء التي نقدِّرها مشهورة بصعوبة قياسها قياسا نقديا ومن ثم تجميعها. فلم المحاولة؟ إن منظمات من قبيل مؤشر الحياة الأفضل، والمكتب الأسترالي للإحصائيات، تعمل على وضع مؤشرات للسعادة، من بينها مؤشرات اقتصادية مثل الدخل والوظيفة، ولكن من بينها أيضا جودة البيئة الطبيعية والحضرية والتوازن بين الحياة والعمل، والصحة، والانتماء إلى مجتمع، والحصول على التعليم. وهذه المؤشرات أبعد ما تكون عن الكمال لكنها قد تصبح في نهاية المطاف وبمرور الزمن في مثل أهمية نمو إجمالي الناتج المحلي لصناع السياسات. كما أنها تكشف أيضا عن الخيارات الصعبة أو المفاضلات العصيبة التي تنشأ من حقيقة أنه ليس من الممكن أن نحظى بكل شيء.
وأهم المفاضلات واجبة القياس التي ينبغي نقلها إلى الناس هو المفاضلة بين الراهن والمستقبل أو بعبارة أخرى: الاستدامة. وما من تعديل على إجمالي الناتج المحلي يمكنه قنص هذا العامل الحاسم لأنه يقيس النشاط في فترة زمنية محددة (فهو "سريان"). في المقابل، يعتمد تقييم الاستدامة على استنفاد الأصول أو مراكمتها. ولقد احتاجت الإحصائيات أن تفعل ذلك (فيما يتعلق بالأصول البيئية والمادية مثل الجسور والمساكن) وبرغم إدراجها في الحسابات الحالية إلا أنها لم تتصدر الأخبار يوما بحيث يتسنى لها أن توجه سياسة الحكومة.
إن من شأن هذا اللون من القياس أن ينبئنا بما إذا كنا نستمتع بثمار النمو الاقتصادي (إجمالي الناتج المحلي الأكثر ارتفاعا) من خلال من خلال إتياننا على رأس مال الغد. ولو ثبت أن كل الابتكار والإبداع الموضوعين في كبسولة قياس النمو إنما هما غير مستدامين، فلعلنا نكون اليوم ناظرين إلى نهاية التقدم. ولكننا لا نعرف الإجابة بعد، وليس سبيلنا إلى معرفتها هو تغيير إجمالي الناتج المحلي أو النيل منه.



كاتبة المقال مستشارة سابقة لوزارة الخزانة في المملكة المتحدة. تدير حاليا مؤسسة "اقتصاديات التنوير" الاستشارية. يصدر لها هذا الشهر كتاب "إجمالي الناتج المحلي: تاريخ وجيز ومحب".

نشر هذا المقال أصلا في مجلة أيون ونشرت الترجمة اليوم ضمن صفحات جريدة عمان الاقتصادية




[i] كل من إجمالي الناتج المحلي GDP وإجمالي الناتج الوطني GNP  مقياسان للناتج والدخل الذي يحققه اقتصاد بلد ما. والفارق الأساسي بينهما ـ بحسب مواقع الإنترنت الاقتصادية ـ هو أن إجمالي الناتج الوطني يأخذ في الاعتبار صافي الدخل من خارج البلاد، بينما إجمالي الناتج المحلي لا يعني إلا بما يدور داخل حدود بلد ما وعلى أراضيها من ممارسات اقتصادية سواء لأبنائها أو لأجانب مقيمين فيها بغض النظر عن مواطنيها خارج حدودها