الاثنين، 1 يوليو، 2013

كيف ربحت ألمانيا من أزمة اليورو؟ ولماذا ستكون الأرباح عابرة؟



كيف ربحت ألمانيا من أزمة اليورو؟
ولماذا ستكون الأرباح عابرة؟

ألكسندر ريازنبيخلر ـ كيمبرلي مورجان

لا بد أن تكون المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل في مزاج يناسب الاحتفال. فالاقتصاد الألماني لم يتجاوز فقط أزمة 2008/2009 المالية بصادرات صناعية رُدَّت إليها الروح ومعدل بطالة منخفض بصورة غير مسبوقة، ولكنه فعل ذلك في الوقت الذي لا تزال فيه أغلب اقتصادات أوربا تدور مترنحة حول نفسها. وفي حين لا ترى الدول الأخرى في مستقبلها غير المصاعب الاقتصادية، ترى ألمانيا سيلا متدفقا من المهاجرين المهرة، وتكاليف منخفضة للاقتراض، وميزانية متوازنة، وسوقا إسكانيا مزدهرا. وذلك كله يصب في صالح الاقتصاد الألماني، وفي صالح ميركل المتأهبة لانتخابات سبتمبر.
يذهب الرأي الشائع إلى أن نجاح ألمانيا ما هو إلا مكافأة مستحقة لها جزاء اتباع أساليب إدارة اقتصادية صارمة. ولكن ليس من الممكن أن تكون السياسة المالية المحافظة والإصلاحات الهيكلية فقط هي التي يعزى إليها ما حققته ألمانيا من نمو وفي مقدمته نمو الصادرات، الذي يعد في واقع الأمر وإلى حد كبير نتاجا لتعديلات في علاقات العمل والتبادل التجاري، فقد عملت هذه التعديلات على تقوية الصناعات الألمانية. كما أن انتعاش الاقتصاد في ألمانيا يدين بالكثير لبنية الاتحاد النقدي الأوربي بل وللسقوط المالي والعمالي بسبب أزمة منطقة اليورو. فنقود المهاجرين والمستثمرين تتدفق على البلد من بقية بلدان أوربا، فرارا من الأوضاع الرهيبة التي ساعدت ميركل وتكنوقراطيو الاتحاد الأوربي على إيجادها من خلال تركيزهم المتشدد على التقشف والإصلاحات الهيكلية واستقرار الأسعار.
إن في اندفاع ميركل إلى التقشف رهانا ينطوي على مخاطرة. فعلى الرغم من أنه ـ في ظاهر الأمر ـ يعمل في صالح ألمانيا، إلا أنه أخفق في شفاء أوربا من الركود. في حين أن ألمانيا تستفيد من أوربا ذات الاقتصاد المعافى التي تصدر إليها أربعين في المائة من صادراتها. ولقد بدأ بالفعل مصنِّعو السيارات ـ مثل دايملر وفولكسفاجن ـ في القلق بشأن المبيعات في أوربا. ومن ثم فإن في تداعي منطقة اليورو تهديدا لمجرد وجود الاتحاد النقدي وتأثيرا سلبيا على الاقتصاد الألماني إذ يجعله معتمدا اعتمادا خطيرا على الطلب من الأسواق الناشئة. وإن من شأن مزيد من الاعتراف بهذه المخاطر وباستفادة الاقتصاد الألماني من الوضع الراهن أن يزحزح صناع القرار الألمان المتمنعين عن سياسة التقشف واللجوء بدلا من ذلك إلى سياسات تستهدف النمو في بقية أوربا.
أسطورة ومعجزة
تنحو أغلب محاولات تفسير سبب انتعاش الاقتصاد الألماني في ظل معاناة بقية اقتصادات أوربا إلى أن تشير إلى نجاح سياسة شد الحزام والسياسات التي اتبعتها الحكومة خلال العقد المنصرم، مثل إصلاحات هارتس التي أجريت في مطلع العقد الأول من القرن الحالي (وهي حزمة إجراءات متعلقة بالرفاه وسوق العمل خفضت الفوائد وسهلت على الشركات خلق وظائف أقل حماية ومؤقتة ومنخفضة الأجور في أغلب الأحوال) والتي يقال إنها قللت تكاليف العمل وشجعت المزيد من الناس عليه. في الوقت نفسه، يفترض أن المسئولية الموازنية ـ التي يخولها الدستور الألماني ـ قد ضمنت قوة الأداء الاقتصادي. وبدورهم، روَّج صناع السياسة الألمان للتقشف وللتغييرات الهيكلية في سوق العمل بوصفها نموذجا لبقية الدول الأوربية الرامية إلى تعزيز قدراتها التنافسية، وتعزيز النمو، وزيادة التشغيل.
غير أن موارد الانتعاش الاقتصادي الألماني ونجاحه المستمر لم تكن بالدرجة الأساسية إصلاحات في سوق العمل أو السياسة المالية المحافظة وإنما التعديلات التي أدخلت طوال عقد كامل على علاقات العمل والتبادل التجاري إلى جانب المكان الذي تحظى به ألمانيا في الاتحاد النقدي. وقبل وقت طويل من إصلاحات هارتس كانت الشركات الصناعية الألمانية قد شرعت ـ في مواجهة التنافس العالمي المتزايد ـ في فرض قيود على الأجور وتعديل وقت العمل مع ضمان الأمن الوظيفي للعمال المهرة. وفي ظل موافقة على مضض  من قبل النقابات العمالية، استحدثت الشركات سلسلة أدوات مرنة أتاحت لها تعديل ساعات العمل بما يلبي احتياجاتها الاقتصادية بدلا من المساس بحماية العمال. ولقد ضمنت الشركات الأمن الوظيفي بفعالية في مقابل تسهيلات عمالية. وبات بوسعها الآن أن تحمي استثمارها في العمال المهرة (من خلال تقليل مؤقت في الأجور والساعات على سبيل المثال) بدلا  من أن تضطر إلى تسريح العمال عندما يتناقص الإنتاج. هذه الابتكارات أدت إلى زيادة الإنتاجية وتقليل التكلفة، وأتاحت للشركات مجالا للمناورة خلال الأزمة الأخيرة، وبصفة عامة، للصناعات الألمانية التي ردت إليها الروح وعادة مرة أخرى مثار إعجاب في شتى أرجاء العالم.
بالإضافة إلى أن ألمانيا استطاعت أن تستغل مكانها داخل الاتحاد النقدي لتعزيز صادراتها.  وفي ضوء وجود مؤسساتها التفاوضية الجماعية ذات التنسيق الرفيع فيما بينها، فإن لألمانيا ميزة واضحة على غيرها من الدول الأوربية في تخفيض الأجور على مستوى صناعات كاملة.  وهذا الشكل من أشكال تخفيض القيمة الداخلي ـ وهو مكافئ لتخفيض قيمة العملة بناء على تحجيم الأجور ـ كان وقودا لطفرة تصديرية إذ جعل قدرة الاقتصاد الألماني التنافسية أكبر من غيره من دول منطقة اليورو. كما وجدت الصادرات الألمانية مزيدا من الدعم في اليورو الضعيف نسبيا بالمقارنة مع ما يمكن أن يكون عليه في الأوقات الاقتصادية الأفضل ـ أو بالمقارنة مع ما كان المارك الألماني القوي ليكون عليه. ومما نعمت به الصادرات الألمانية أيضا ذلك البنك المركزي الأوربي الذي هندسته ألمانيا، نظرا لتركيزه الشديد على التضخم المنخفض واستقرار السعر.
هذه التعديلات في قوانين العمل والتبادل التجاري مجتمعة  مع مكان ألمانيا في منطقة اليورو، بجانب تزايد الطلب على السلع عالية الجودة من الاقتصاديات الناشئة مثل الصين، أعانت ألمانيا على تعزيز التصدير والتشغيل فيها. وبرغم تراجع محدود في الصادرات العام الماضي، استطاعت شركات التصدير أن تحافظ على إجمالي قدرتها التنافسية بحسب ما تقطع به دراسة أجراها المنتدى الاقتصادي العالمي مؤخرا.
بل ويبدو أن ميركل لم تزل تخفي في كمها بعض الأوراق الرابحة. أولى هذه الأوراق تتمثل في الطفرة غير المقصودة أو المتوقعة في سوق الإسكان والتي تسببت فيها أزمة الائتمان الراهنة في أوربا. فحتى الآن، لم يزل سوق الإسكان غير مثير للاهتمام بصفة خاصة لدى المستثمرين، وأسعار المساكن شهدت ركودا طوال العقود القليلة الماضية. لكن أزمة الائتمان حفزت الاستثمار في العقارات داخل ألمانيا، باعتبار ذلك ملاذا استثماريا آمنا في أوقات القلق الاقتصادي وانخفاض معدلات الفائدة. وقد يكون العمال الألمان أكثر نزوعا إلى شراء المنازل وهم الذين حافظوا على وظائفهم أثناء الأزمة بل وحصلوا على زيادة بسيطة في الأجور. وتقدر منظمة التنمية والتعاون الاقتصادي أن أسعار المنازل في ألمانيا قد ارتفعت بنسبة 5.4 في المائة خلال عام 2011، وبنسبة تفوق ذلك في المدن الكبرى. ولقد انتقل هذا الميل إلى الاقتصاد الحقيقي، بزيادة ملموسة في نشاط البناء خلال السنوات الأخيرة (4.4 في المائة في 2011 و4.2 في المائة في 2012).
ثاني أوراق ميركل الرابحة هي أن مكانة ألمانيا بوصفها الملاذ الاستثماري الآمن عززت من مقدرتها على اقتراض المال بمعدلات فائدة بالغة الانخفاض (بل هي معدلات سلبية في بعض الحالات) أثناء أزمة الائتمان.
إن المستثمرين ـ في معرض بحثهم عن استثمارات آمنة ـ يتوافدون على ألمانيا. وبحسب معهد كايل للاقتصاد العالمي ـ وهو من مراكز البحث الألمانية المهمة ـ فإن سوق السندات وفر للحكومة الفدرالية قرابة ثمانين بليون يورو في ما بين 2009 و2013 (مقارنة مع معدلات الفائدة في مرحلة ما قبل الأزمة) وهي الآن ـ مجتمعة مع عوائد الضرائب ـ تساهم بشكل كبير في اتزان الميزانية الألمانية واستقرار الدين العام.
علاوة على ذلك، بعد عجز استمر على مدار عقد كامل في العمالة الماهرة في قطاع التصنيع بألمانيا وشيخوخة في المجتمع منذرة بتهديد دولة الرفاه، أحدثت أزمة الائتمان تدفقا للمهاجرين المهرة من الدول المأزومة، وتلك ثالث أوراق ميركل الرابحة. وارتفاع الهجرة بهذه الطريقة مسألة لا تبعث إلا على الدهشة في ضوء سمعة ألمانيا كبلد ليس استثنائيا في ترحيبه بالمهاجرين (ولنا أن نتذكر مقولة ميركل شديدة الإيجاز في عام 2010 حينما قالت إن التعددية الثقافية "فشلت فشلا ذريعا"). يقدر مكتب الإحصاء الفدرالي الألماني أن صافي عدد المهاجرين إلى ألمانيا في 2012 بلغ ثلاثمائة وسبعين ألف، وهو رقم  غير مسبوق منذ عقدين. وبعد ثمانية أعوام من التناقص، عاد السكان يتزايدون.
المخاطرة
باختصار، تتمتع ألمانيا في الوقت الراهن بأفضل عالم يمكن أن تعيش فيه: فلديها قطاع تصنيع تنافسي، وبطالة منخفضة، والحد الأدني من تكاليف الاقتراض في الأسواق المالية، وميزانية منضبطة في حدود الظاهر، وطفرة في سوق الإسكان، وقوة عمل ماهرة ومتنامية، بينما تعاني أغلب الاقتصاديات المتقدمة من تراجع التنافسية ومعدلات البطالة المرتفعة (كما في فرنسا) وتكاليف عالية على الاقتراض (كما في أطراف منطقة اليورو) وعجز في الميزانية (كما في فرنسا وأسبانيا) وسوق عمل لا يستطيع أن يصالح ما بين المهارات والاحتياجات (كما في الولايات المتحدة) وتداعيات فقاعة إسكانية (كما في أيرلندة وأسبانيا). وفي ظل وصول معدلات التأييد الشعبي إلى عنان السماء، فإن التوقعات تبدو مواتية لميركل في الانتخابات القادمة، على الرغم من تقريع الكتاب من مختلف ألوان الطيف السياسي (وكثير منهم مواطنون أوربيون) لبرنامجها التقشفي الذي أدام نجاح ألمانيا وإن بصورة خطرة.
ولا بد من وقت طويل وجهد كبير لإقناع ميركل بوجود تصدعات في الأساس الاقتصادي لألمانيا وبحتمية تحريك البلد بعيدا عن السياسة المالية المحافظة. ولكن النموذج التصديري المعتمد بقوة على طلب الاقتصادات الناشئة وضعف الطلب المحلي واستفحال انهيار منطقة اليورو يمكن أن تجهز على الاتحاد النقدي و"المعجزة" الألمانية. ولكن الفكر الاقتصادي الرئيسي لا يزال يحتفي بفكرة أن السياسات التقشفية ساهمت في نجاح الاقتصاد الألماني في مرحلة ما بعد الحرب. وفي ضوء ضعف شعبية الخطة غير الواضحة لإنهاء التقشف التي يتبناها منافس ميركل من الحزب الديمقراطي الاشتراكي "بير شتاينبروك" فليس من المرجح أن تغير ميركل برنامجها التقشفي  قبل الانتخابات، سواء على الصعيد المحلي أو الخارجي. وليست أمام شتاينبروك غير فرصة ضئيلة للفوز في ضوء أخطائه السياسية العديدة وعجزه عن توصيل بديله المنتمي إلى يسار الوسط إلى أوربا وألمانيا.
ولكن التحول عن السياسات التقشفية أمر لا غنى عنه للمساعدة في إنعاش منطقة اليورو وتحقيق نمو مستدام في القارة. ولسوف يوفر هذا مزيدا من الوقت لقادة أوربا للتركيز على مشكلات منطقة اليورو الأكثر عمقا ومن بينها تحديات الاستمرار في التقريب بين نماذج مختلفة للغاية من الرأسمالية ومستويات متفاوتة من التنافسية. إن الإصلاحات المؤسساتية الكبرى على مستوى الاتحاد الأوربي (ومن بينها تحريك الاندماج الاقتصادي إما إلى الأمام أو إلى الوراء) سوف تستوجب مساومات شاقة. وإن الدول ذات الاقتصاد الراكد بحاجة إلى العثور على مسارها الخاص نحو زيادة التنافسية. وكل هذه الخطوات بحاجة إلى وقت، ويا له من سلعة نادرة في ضوء الظروف القاتمة التي تواجه الدول المأزومة ائتمانيا. ولكن مثل هذا التحول في السياسة من شأنه أن يساعد على استقرار القارة المأزومة ويشي بالتزام ألمانيا بإصلاح مشكلات القارة النظامية بدلا من أن تشق طريقها وسطها.
إن الطريق أمام ميركل غير ثابت. وبرغم أن ألمانيا قد تبدو بمعزل عما يجري في بقية منطقة اليورو، إلا أن النظرة الأكثر تمعنا لتكشف عن هشاشة هذا المارد التصديري.  وعلى ميركل أن تتحرى الحذر. فلو أنها تريد إبقاء المعجزة الألمانية على قيد الحياة، فعليها أن تساعد على إحياء بقية أوربا. وسوف يكون على ميركل أن تسمح بتقليل التقشف في منطقة اليورو وأن تسمح بسياسات تؤدي إلى المزيد من الإنفاق داخليا وخارجيا. إن تباطؤ الاقتصاد الألماني في الربعين السنويين الأخيرين وتنبؤات النمو المتشائمة ينبغي أن تكون نواقيس خطر ترغم ميركل على تبني هذه التغييرات. وإلا فقد تلحق ألمانيا عما قريب بمرضى القارة العجوز.


ألكسندر ريازنبيخلر باحث دكتوراه في العلوم السياسية بجامعة جورج واشنطن
كيمبرلي مورجان أستاذ بمعهد العلوم السياسية والشئون الدولية بجامعة جورج واشنطن.
نشر المقال في فورين أفيرز