الأحد، 30 يونيو 2013

في حواره الأخير .. مرسي: سنة صعبة مضت، وسنوات صعبة قادمة



الحوار الأخير

مرسي: سنة صعبة مضت، وسنوات صعبة قادمة

حوار: ديفيد هيرست ـ باتريك كينجسلي

تعهد الرئيس المصري "محمد مرسي" بأن مصر لن تشهد ثورة ثانية، في الوقت الذي خطط فيه الآلاف للاحتشاد خارج قصره الرئاسي مطالبين بإسقاطه بعد عام واحد على توليه السلطة.
في حوار حصري مع الجارديان، رفض مرسي مطالب المعارضة بإجراء انتخابات رئاسية مبكرة وقال إنه لن يتسامح مع أي انحراف عن النظام الدستوري. قال إن استقالته المبكرة سوف تقوض شرعية من يخلفونه، وتمثل وصفة مضمونة لفوضى لا تنتهي.
قال مرسي "لو أننا غيَّرنا شخصا وصل إلى السلطة بانتخاب قائم على شرعية دستورية،  حسن، سيكون هناك ناس أو خصوم يعارضون الرئيس الجديد أيضا، وبعد أسبوع أو شهر سوف يطالبونه بالتنحي".
"لا مجال لأي حديث ضد هذه الشرعية الدستورية. يمكن أن يتظاهر الناس ويعبروا عن آرائهم. ولكن الأمر الحاسم في هذا كله هو تبني الدستور وإعماله. تلك هي النقطة الحرجة".
وفي ظل وقوع سبعة قتلى على الأقل ونحو ستماءة مصاب في صدامات بين حلفاء مرسي الإسلاميين ومعارضيهم العلمانيين على مدار الأيام القليلة الماضية، وفي ظل توترات متوقعة اليوم الأحد، فإن موقف التحدي الذي يتخذه مرسي يهيئ المسرح لاختبار قوة تشهده شوارع القاهرة قبالة مقره الرسمي. خاصة وقد تعهد المعارضون فور تجمعهم أنهم لن يغادروا ما لم يستقل.
كان هذا الرجل الواقع في مركز هذه العاصفة الوطنية واثقا في نفسه وفي بقاء سلطته ثقة غريبة. ولما سئل عن مدى ثقته في أن الجيش لن يضطر مطلقا إلى التقدم للسيطرة على البلد الذي بات جامحا غير خاضع للحكم، قال مرسي إنه واثق "تمام الثقة".
لكن سلوك مرسي المطمئن يناقض مناخ التوتر المحيط به في عصر ذلك السبت. لقد عقد مرسي اجتماعات متتالية مع مسئولين كبار في الدولة من بينهم رئيس الوزراء هشام قنديل ووزير الداخلية محمد ابراهيم والعديد من كبار المسئولين مثل قائد القوات المسلحة الفريق عبد الفتاح السيسي الذي بثت تصريحاته الغامضة على مدار الأيام القليلة الماضية آمالا لدى المعارضة في تدخل عسكري.
انتقل مرسي من قصر الاتحادية ـ وهو المقر الرئاسي المعهود ـ الذي بات الآن محاطا بأسوار خرسانية مؤقتة تحسبا لمظاهرات الأحد. وجعل يوم السبت مقره الجديد في قصر القبة الذي شهد ميلاد فاروق آخر ملوك مصر.
زعم مرسي أن القنوات الفضائية الخاصة بالغت في تضخيم قوة خصومه وألقى اللوم على مسئولين موالين للرئيس السابق حسني مبارك بشأن ما شهدته الأيام الماضية من أعمال عنف.
قال مرسي إن الإعلام ركز على "أحداث عنف بسيطة وجعل يعظِّم فيها وكأن البلد كله في حالة عنف". كما استبعد الطبيعة العفوية لمعارضة حكمه، مصرا على أن القتال تم بتنسيق من "الدولة العميقة وفلول النظام السابق" الذين دفعوا لبلطجية مأجورين كي يهاجموا مؤيديه من الإخوان المسلمين.
فـ "هم لديهم المال الذي حصلوا عليه من الفساد. وقد استخدموا أموال الفساد هذه لإرجاع النظام القديم وإرجاع النظام القديم إلى السلطة. هم يدفعون هذا المال الفاسد إلى البلطجية فيقع العنف".
رفض مرسي أن يسمي الدول التي تتدخل في شئون مصر وإن أكد أن ثمة تدخلا، ولما سئل عما إذا كان يقصد المملكة العربية السعودية أو الإمارات العربية المتحدة قال مرسي "لا، أنا أتكلم في العموم. كل ثورة لها أعداؤها  وهناك من يحاولون إعاقة مسار الشعب المصري نحو الديمقراطية. أنا لا أقول إن هذا مقبول، ولكننا نراه في كل مكان".
اعترف مرسي للمرة الأولى في وسيلة إعلام ناطقة بالإنجليزية بأنه نادم على إصدار الإعلان الدستوري الذي منح به نفسه سلطات واسعة وهي الخطوة التي اعتبرتها المعارضة خطوة دكتاتورية، والتي سرعان ما تراجع عنها. كانت هذه هي اللحظة المحورية في أولى سنواته الرئاسية، والتي نثرت بذور المعارضة واسعة النطاق لإدارته.
قال مرسي عن هذه اللحظة إنها "ساهمت في نوع من سوء الفهم في المجتمع". وتبرأ  من واحدة من أكثر الفقرات إثارة للخلاف في الدستور الإسلامي الجديد التي تضخ في التشريع المصري قدرا كبيرا من المواد الدينية قائلا "لم أكن أنا الذي غير هذه المادة. أنا لم أتدخل قط في عمل اللجنة الدستورية. على الإطلاق".
أضاف الرئيس أنه سوف يقوم شخصيا، بمجرد انتخاب أعضاء المجلس البرلماني الشاغر حاليا في مصر، بتسليمهم تعديلات دستورية في أول جلسة يعقدونها.
ولكن ندم مرسي لم يتجاوز هذا الحد. فوسط مزاعم المعارضة بأن العجز عن التوصل إلى توافق قد أفضى إلى ما تشهده مصر حاليا من استقطاب، ألقى مرسي اللوم فيما يتعلق بهذا المأزق على رجال السياسة العلمانيين لرفضهم المشاركة في العملية السياسية. وأنكر أن تكون حكومته حافلة بقدر أكبر مما ينبغي من الإسلاميين. ومضى يعدد مقترحات كثيرة زعم أنه تقدم بها لإشراك غير الإسلاميين في الحكم، مع دفاعه في الوقت نفسه عن حق الرئيس المنتخب في دعم حلفائه. فـ "هذا هو مفهوم الديمقراطية الحقيقية" حسب ما قال.
أنكر مرسي أن يكون عرض على القيادي والسياسي العلماني محمد البرادعي أي منصب، لكنه أشار إلى منير فخري عبد النور وجودة عبد الخالق وإلى أنهما وزيران من المعارضة تركا مجلسه الوزاري بملء إرادتهما. "هذا هو الحال. نعرض المناصب على الناس فيرفضونها". وقال مرسي إن الدعوة إلى الحوار لم تزل مفتوحة حتى الآن مع أعضاء المعارضة برغم أن المعارضة تقول إن هذه النوعية من الاجتماعات مضيعة للوقت لأن مرسي لا يلقي بالا لوجهة نظرهم.
تعرض مرسي لانتقادات بسبب خيانته أحد أهم أهداف ثورة 2011 التي أطاحت بمبارك: وهو إصلاح جهاز الأمن. فمرسي منذ توليه السلطة يتجنب توجيه النقد للشرطة، حتى في مواجهة ادعاءات بالإفراط في إساءة استعمال السلطة. وفي يناير الماضي، وبعد موت ما يربو على أربعين شخصا في معارك مع قوات الأمن في بورسعيد، أثنى مرسي على الشرطة، ومنحها المزيد من السلطات.
وبسؤاله عن رفضه المتكرر توجيه النقد لحالات بعينها أساءت فيها الشرطة استخدام سلطاتها، قال مرسي إن هذا الثناء كان ثناء عاما، فـ "حينما أقول إنني أؤيد الشرطة أو الجيش، إنما أتكلم عن الجيش بصفة عامة وعن الشرطة بصفة عامة. وبصفة عامة هاتان المؤسستان مؤسستان جيدتان. وعليه إذا كانت هناك خروقات أو جرائم محددة، أو انتهاكات يقوم بها أفراد بعينهم، حسن، يأخذ القانون مجراه".
ولكن مرسي متهم حتى بتجاهل ادعاءات بقسوة قوات الأمن في ظل الأنظمة السابقة. فبعد انتخابه، قام بتكليف لجنة لتقصي الحقائق فيما يتعلق بالانتهاكات العسكرية والشرطية أثناء ثورة 2011، دون أن يتم إعلان هذه النتائج، وحينما تم تسريب بعض محتويات هذه النتائج في الجارديات في ابريل، آثر مرسي أن يثني على الجيش والشرطة وقام بترقية ثلاثة جنرالات.
وقبل أيام قليلة عاد فقال "إنني أدعم المؤسسة. أنا لا أدعم الأفراد، وبالطبع، عدد من ارتكبوا الخروقات ضئيل للغاية مقارنة بالمؤسسات".
بدا أن مرسي يسير على حبل رفيع، ففي لحظة يلوم مؤسسات الدولة العنيدة على إخفاقات إدارته، وفي اللحظة التالية يعانق هذه المؤسسات، في محاولة ربما لتفادي تفاقم الوضع.
خلال الحوار الذي دام نحو ساعة، ألمح مرسي إلى أن  تصلب مسئولي الدولة من عهد مبارك هو الذي يعوق إصلاح مؤسسات في الدولة مثل وزارة الداخلية. وأشار إلى عناد "الدولة العميقة وتأثيرها على إدارة البلد ورغبة بعض المنتمين إلى النظام القديم في خلق الفساد" قائلا إن من أسوأ ما اكتشفه في سنته الأولى هو مدى الفساد في الدولة.
وفي الوقت الذي تكلم فيه مرسي عن إحباطه من "الدولة العميقة" في مصر، ظل يؤكد على إيمانه بقيادة الجيش وبالسيسي على وجه الخصوص. واعترف أنه لم يكن على معرفة مسبقة بتصرحيات السيسي التي بدا فيها أنه يمهل الساسة المدنيين أسبوعا لحل ما بينهم من خلافات.
قال مرسي "إننا نتكلم معا طول الوقت. ولا يمكن أن نفرض حظرا على كل كلمة ينطق بها مسئول في هذا البلد". ونظر إلى المتحدثين باسمه للمرة الأولى خلال الحوار ثم قال إن الجيش احترق بسبب تدخله سابقا في السلطة وقال "إنهم الآن مشغولون  بشئون الجيش نفسه".
أكد مرسي على شرعيته الديمقراطية. وفي حين يقر له خصومه بأن انتخابه كان انتخابا حرا ونزيها، يذهب كثير منهم إلى أنه لا يحافظ على القيم الديمقراطية الكبرى التي تقوم عليها أي ديمقراطية ناجحة. ومن بين كثير من المآخذ الأخرى، يدينه منتقدوه في تعيينه طلعت عبد الله نائبا عاما زاعمين أن الأخير يقيم قضايا سياسية ضد الناشطين والإعلاميين ممن ينتقدون الرئيس من أمثال علاء عبد الفتاح الذي برز في المجال العام أثناء ثورة 2011، وباسم يوسف أحد الساخرين البارزين في مصر. ولكن مرسي رفض هذا الرأي وذهب إلى أن عبد الله يعمل باستقلالية تامة عن مرسي.
وقال إن "القضايا التي تتكلمان عنها رفعها إما مواطنون عاديون أو محامون، والنيابة تعاملت معها. والنيابة والنظام القضائي مستقلان تمام الاستقلال".
وأضاف "لو أراد أحد أن يقول إنني أتدخل في عمل النائب العام،  فعليه أن يقدم الدليل على هذا، المثال على هذا".
وفي حين يطمئن خصومه إلى أن هذه السنة هي الأخيرة له، تنبأ مرسي بثقة بأنه سوف يكمل مدته.
"لقد كانت سنة صعبة، سنة بالغة الصعوبة. وأعتقد أن السنين القادمة ستكون أيضا صعبة. ولكنني أرجو أن أفعل طول الوقت أقصى ما في طاقتي لتلبية احتياجات الشعب والمجتمع".
وتبقى المشكلة أن مصر منقسة انقساما مريرا على ما إذا كان ينبغي السماح له بهذا من عدمه.
الحوار بالإنجليزية في الجارديان