السبت، 6 يوليو، 2013

اضطرابات في الجنة



عن مظاهرات تركيا واليونان
اضطرابات في الجنة
سلافوي جيجيك



في بعض كتاباته المبكرة، وصف ماركس الوضع الألماني بأنه الوضع الذي يكون فيه الحل الوحيد لمشكلات معينة هو الحل الكوني: هو الثورة العالمية. وهذا هو التعبير الدقيق عن الفارق بين الفترتين الإصلاحية والثورية: ففي الفترة الإصلاحية تبقى الثورة العالمية حلما أقصى ما يفعله ـ إن هو فعل شيئا من الأساس ـ أنه يعطي ثقلا لمساعي تغيير الأوضاع على المستويات المحلية، أما في الفترة الثورية فيصبح من الواضح أنه لن يطرأ تحسن على أي شيء إلا من خلال تغيير عالمي راديكالي. وبهذا المعنى الشكلي المحض، فإن عام 1990 كان عاما ثوريا: إذ بات واضحا فيه إن الإصلاحات الجزئية للدول الشيوعية لن تحقق المرجو، وأنه كان لا بد من قطيعة تامة لحل المشكلات القائمة، حتى ما هو بسيط منها ويومي من قبيل توفر ما يكفي من الطعام للناس.
فأين نحن اليوم من هذا الفارق؟ هل المشكلات والاحتجاجات التي شهدتها السنوات القليلة الماضية علامة على اقتراب أزمة عالمية؟ أم هي محض عقبات ثانوية يمكن التعامل معها بوسائل التدخل المحلية؟ إن ما يجذب الأنظار أكثر مما عداه في هذه الانفجارات هو أنها لا تقع فقط ـ أو حتى بالدرجة الأساسية ـ في نقاط ضعف النظام، بل في أماكن تُعدُّ إلى الآن بمثابة حالات ناجحة. نحن نعرف لماذا يحتج الناس في اليونان أو أسبانيا، ولكن لماذا توجد اضطرابات في بلاد مزدهرة ذات معدلات نمو سريعة مثل تركيا أو السويد أو البرازيل؟ قد نرى ـ إن نحن أرجعنا النظر ـ ثورة الخوميني سنة 1979 بوصفها منشأ "اضطرابات الجنة" نظرا لوقوع هذه الثورة في بلد كان على مسار التحديث الغربي السريع، والحليف المخلص للغرب في المنطقة. فلعل ثمة عوارا في فكرتنا عن الجنة.
قبل موجة الاحتجاجات الراهنة، كانت تركيا ملتهبة: إذ أن مجرد نموذج الدولة القادرة على المزج بين الاقتصاد اللبرالي المزدهر والإسلاموية السمحة، ذلك النموذج الملائم لأوربا، الذي يمثل نقيضا مرغوبا لليونان الأكثر منه "أوربية"، ذلك النموذج وقع في مستنقع أيديولوجي فمال باتجاه التدمير الذاتي الاقتصادي. صحيح أنه كانت ثمة بعض النذر هنا وهناك (من قبيل إنكار تركيا للهولوكوست الأرميني، واعتقال الصحفيين، ومشكلات الأكراد المعلقة، والدعوات إلى تركيا العظمى وريثة مجد الإمبراطورية العثمانية وباعثتها، وفرض القوانين الدينية بين الحين والآخر) ولكن كل هذه النذر لم تكن تلقى غير الإهمال باعتبارها بقعا بسيطة لا ينبغي السماح لها بتخريب الثوب الناصع.
ثم انفجرت مظاهرات ميدان تقسيم. ويعلم الجميع أن خطط تحويل حديقة متاخمة للميدان إلى مركز تجاري في وسط اسطنبول لم تكن ما قامت لأجله المظاهرات، وأنه كان ثمة اضطراب عميق يكتسب القوة. ومثل ذلك يصدق على مظاهرات البرازيل في منتصف يونيو: فالذي أثارها لم يَعْدُ زيادة طفيفة في تكلفة أسعار النقل العام، ولكن المظاهرات استمرت حتى بعد التراجع عن إجراء رفع السعر. وهنا أيضا انفجرت المظاهرات في بلد هو ـ بحسب وسائل الإعلام على الأقل ـ في حالة انفجارة اقتصادية مبهرة وعنده كل الأسباب الداعية إلى الثقة في المستقبل. وفي هذه الحالة حظيت المظاهرات فيما يبدو بتأييد الرئيسة "ديلما روسيف" التي قالت إنها مبتهجة بها.
من المهم أن لا ننظر إلى المظاهرات التركية بوصفها خروجَ مجتمعٍ مدنيٍّ علمانيٍّ في وجه نظام إسلامي متسلط تدعمه أغلبية مسلمة صامتة. فالصورة تتعقد بسبب من التوجه المناهض للرأسمالية بين المتظاهرين الذين يستشعرون بحدسهم أن أصولية السوق الحرة والإسلام الأصولي لا تستبعد إحداهما الأخرى.
إن قيام حكومة إسلاموية بخصصة الفضاء العام [أي الحديقة العامة المتاخمة لميدان تقسيم] يبين أن شكلي الأصولية يمكن أن يعملا يدا في يد: وإنها لإشارة واضحة على أن الزواج "الأبدي" بين الديمقراطية والرأسمالية مشرف على الطلاق.
من المهم أيضا أن ندرك أن التظاهرات لا تنشد أي هدف "حقيقي" محدد. فالمظاهرات ليست "بحق" مناهضة للرأسمالية العالمية، ليست "بحق" مناهضين للأصولية الدينية، ليست "بحق" مؤيدة للحريات المدنية والديمقراطية، وليست "بحق" مطالبة بأي شيء معين. فالذي يعي به أغلب من شاركوا في هذه المظاهرات هو إحساس سائل بعدم الارتياح وعدم الرضا، وهذا الإحساس هو الذي يوحد العديد من المطالب المحددة ويعززها.
ليس النضال من أجل فهم المظاهرات نضالا ذا طبيعة إبستمولوجية وحسب، في ظل محاولة الصحفيين والمنظرين شرح مضمون المظاهرات الحقيقي، وإنما هو أيضا نضال أنطولوجي ontological  لفهم ذات الشيء الجاري داخل هذه المظاهرات نفسها. هل هو نضال ضد إدارة مدينة فاسدة؟ هل هو نضال ضد حكم إسلاموي متسلط؟ أهو نضال ضد خصخصة الفضاء العام؟ السؤال مفتوح وكيفية إجابته تعتمد على نتيجة العملية السياسية الجارية.
في 2011، عندما كانت المظاهرات تندلع في أوربا والشرق الأوسط، أصر الكثيرون على أنه لا ينبغي التعامل معها بوصفها حالات في نفس الحركة العالمية المفردة. وذهبوا بدلا من ذلك إلى أن كل حالة هي استجابة لموقف معين. فالمتظاهرون في مصر كانوا يريدون ما خرجت ضده حركات احتلال في بلاد أخرى: أي "الحرية" و"الديمقراطية". حتى بين الدول الإسلامية كان ثمة اختلافات حاسمة: فالربيع العربي في مصر كان احتجاجا على نظام فاسد استبدادي موال للغرب، والثورة الخضراء التي بدأت في إيران في 2009 كانت ضد الاستبداد الإسلاموي. وإنه من السهل أن نرى كيف أن البحث عن السمات الخاصة بكل حالة احتجاجية تروق للمدافعين عن الوضع الراهن: فبهذا التفسير لا يكون ثمة تهديد للنظام العالمي القائم، إن هي إلا سلسلة مشكلات محلية متفرقة.
مظاهرات تركيا
إن الرأسمالية العالمية عملية معقدة تؤثر على الدول المختلفة تأثيرات مختلفة. والذي يوحد الاحتجاجات، بكل تنويعاتها، هو أنها ردود أفعال على أوجه مختلفة من أوجه العولمة. فالرأسمالية العالمية اليوم تنزع عموما إلى المزيد من توسيع السوق، وتطويق المجال العام تدريجيا، وتقليص الخدمات العامة (كالرعاية الصحية، والتعليم، والثقافة)، وإلى زيادة السلطة السياسية الاستبدادية. وفي هذا السياق يحتج اليونانيون على حكم رأس المال الدولي وعلى دولتهم الفاسدة العاجزة، التي تتراجع قدرتها كل يوم على توفير الخدمات الاجتماعية الأساسية. وفي هذا السياق أيضا يحتج الأتراك على تسليع الفضاء العام وعلى الاستبداد الديني، ويحتج المصريون على نظام مدعوم من القوى الغربية، ويحتج الإيرانيون على فساد الأصولية الدينية، وهكذا. وليس بين هذه المظاهرات ما يمكن اختزاله في موضوع واحد. إنما هي جميعا تتعامل مع مزيج من موضوعين على أقل تقدير: واحد اقتصادي (يتراوح ما بين الفساد إلى العجز إلى الرأسمالية نفسها) والآخر سياسي أيديولوجي (من المطالبة بالديمقراطية وحتى المطالبة بالإطاحة بديمقراطية الأحزاب المتعددة المعهودة). ومثل ذلك ينطبق على حركة احتلال. هناك من تحت وفرة (وارتباك) البيانات والأقول سمتان أساسيتان تتسم بهما الحركة: الأولى تتمثل في السخط على الرأسمالية كنظام وليس فقط على مظاهر فساد محلي، والثانية هي الوعي بأن الشكل الممأسس من الديمقراطية التمثيلية متعددة الأحزاب ليس مجهزا بما يمكنه من محاربة التغول الرأسمالي، بعبارة أخرى: لا بد من تعريف الديمقراطية تعريفا جديدا.
وليس مجرد أن الرأسمالية العالمية هي السبب الأساسي لهذه الاحتجاجات يكون معنى ذلك أن الحل هو الإطاحة المباشرة بالرأسمالية. ولا يكون المجدي هو السعي إلى البديل البرجماتي وهو أن نتعامل مع المشكلات منفردة في انتظار التحول الراديكالي. ذلك يتجاهل حقيقة أن الرأسمالية العالمية غير متسقة بطبيعتها: فالسوق الحرة تسير يدا في يد مع دعم الولايات المتحدة لمزارعيها، والوعظ بالديمقراطية يسير يدا في يد مع دعم العربية السعودية. ذلك التضارب يفتح المجال للتدخل السياسي فحيثما يجد النظام الرأسمالي نفسه مرغما على خرق قوانينه، تكون ثمة فرصة للإصرار على أنه يتبع هذه القوانين. والمطالبة بالاتساق في مواضع منتقاة استراتيجيا لا يستطيع فيها النظام أن يتكبد الاتساق تمثل ضغطا على النظام كله. ويكمن فن السياسة في تقديم مطالب معينة، تتحلى بالواقعية البالغة، لكنها في الوقت نفسه تضرب لب الأيديولوجية المهيمنة وتفضي إلى المزيد من التغيير الراديكالي. مثل هذه المطالب، التي تتسم بالمرونة والشرعية، هي مستحيلة أيضا. اقتراح أوباما بنظام رعاية صحية شامل كان من بين هذه الحالات، ومن هنا كانت شدة عنف ردود الأفعال عليه.
إن الحركة السياسية تبدأ بفكرة، بغاية للنضال، ولكن الفكرة تتعرض مع الوقت لتحول عميق ـ ولست أعني فقط التعديلات التكتيكية، بل إعادة تعريف جوهرية ـ لأن الفكرة نفسها تصبح جزءا من العملية، تصبح تم الإفراط في تحديده.[i] لنقل إن ثورة تبدأ بالمطالبة بالعدل تأتي على صورة المطالبة مثلا بإلغاء قانون معين. لا يكاد الناس ينخرطون فيها، حتى يدركوا أنه سوف يلزم تحقيق ما هو أكثر بكثير من تلبية طلبهم المبدئي تحقيقا لعدالة حقيقية. والمشكلة تتمثل في تحديد دقيق لما يتكون منه هذا الـ "أكثر بكثير". الرؤية اللبرالية البرجماتية تذهب إلى أن من الممكن حل المشكلات تدريجيا، واحدة فواحدة: "الناس تموت الآن في رواندا، فلننس النضال ضد الإمبريالية، ولنوقف المذبحة"، أو "نحن بحاجة إلى محاربة الفقر والعنصرية هنا والآن، لا أن ننتظر انهيار النظام الرأسمالي العالمي". ولقد ذهب جون كابوتو John Caputo  هذا المذهب في كتابه "بعد موت الرب" الصادر عام 2007:
"سأكون سعيدا سعادة مثلى لو أن ساسة الولايات المتحدة في أقصى اليسار استطاعوا إصلاح النظام من خلال توفير نظام رعاية صحية شامل، وإعادة توزيع الثروة بمزيد من الفعالية والعدالة في ظل قانون معدل للعائدات الداخلية، وفرض حدود فعالة على تمويل الحملات الانتخابية، ومنح حق الاقتراع للجميع، ومعاملة العمال المهاجرين معاملة آدمية، وتفعيل سياسة خارجية قائمة على التعدد تعمل على اندماج  الولايات المتحدة في المجتمع الدولي إلى آخر ذلك، بعبارة أخرى، التدخل في الرأسمالية باستخدام وسيلة الإصلاح الجاد الشامل ... ولو حدث بعد ذلك أن جاء بادو Badiou  وجيجيك يشكوان من وحش اسمه الرأسمالية لا يزال مستوليا علينا، فسوف أجد نفسي ميالا إلى تحية هذا الوحش بالتثاؤب".
المشكلة هنا ليست في استنتاج كابوتو: إذا أمكن تحقيق كل ذلك من داخل الرأسمالية فلم لا نبقي على الرأسمالية؟ إنما تكمن المشكلة في الفرضية الأساسية القائلة بإمكانية تحقيق كل ذلك من داخل الرأسمالية العالمية في شكلها الراهن. ماذا لو أن مواطن الخلال التي أشار إليها كابوتو ليست مشكلات طارئة ولكنها ضرورات بنيوية؟ ماذا  لو أن حلم كابوتو إنما هو حلم بنظام رأسمالي عالمي  خال من أعراضه، خال من نقاطه الأساسية التي تقوم عليها "حقيقته المكبوتة"؟
تقوم الاحتجاجات والثورات التي نشهدها اليوم على مزيج من المطالب المتداخلة، وفي هذا سر قوتها: فهي تناضل من أجل ديمقراطية (برلمانية، "طبيعية") ضد أنظمة استبدادية، ضد العنصرية لا سيما عند استهدافها للمهاجرين واللاجئين، ضد الفساد في السياسة والاقتصاد (والتلويث الصناعي للبيئة إلخه)، من أجل دولة الرفاه ضد اللبرالية الجديدة، ومن أجل أشكال جديدة من الديمقراطية تتجاوز شعائر ديمقراطية الأحزاب المتعددة. وهي أيضا تسائل النظام الرأسمالي العالمي  القائم وتحاول أن تبقي على حياة فكرة المجتمع فيما وراء الرأسمالية. وهنا شركان لا بد من اجتنابهما: الراديكالية الزائفة ("ما يهم حقا هو القضاء على الرأسمالية البرلمانية اللبرالية، وكل النضالات الأخرى ثانوية") وكذلك التدرجية الزائفة ("علينا في الوقت الراهن أن نناضل ضد الدكتاتورية العسكرية  والديمقراطية الأساسية، وكل أحلام الاشتراكية ينبغي تنحيتها الآن جانبا"). وهنا لا عار في تذكر التفرقة الماوية بين العداوات الأساسية والثانوية، بين ما له أهمية في النهاية وما هو مسيطر الآن. فهناك مواقف يكون الإصرار فيها على العداوة الأساسية مضيعة لفرصة توجيه ضربة قوية في النضال.
وحدها السياسات التي تراعي تعقد الإفراط في التحديد هي التي تستحق أن يقال لها استراتيجية. نحن عندما ننخرط في نضال معين، يكون السؤال المحوري هو: كيف لانخراطنا فيه أو انفصالنا عنه أن يؤثر على النضالات؟ القاعدة العامة هي أنه عندما يبدأ نضال ضد نظام قمعي نصف ديمقراطي، كالحال في الشرق الأوسط سنة 2011، يسهل حشد جموع ضخمة تحمل الشعارات ـ المطالبة بالديمقراطية المناهضة للفساد إلخه. ولكننا سرعان ما نصبح في مواجهة خيارات أشد صعوبة. حينما تنجح الثورة في تحقيق هدفها المبدئي، ندرك أن ما يزعجنا بحق (افتقارنا إلى الحرية، أو الإذلال، والفساد، والمستقبل الموحش) مستمر خلف قناع جديد، ونكون مرغمين على إدراك أن الهدف نفسه كان ينطوي على عوار. قد يعني هذا الانتهاء إلى رؤية الديمقراطية بوصفها هي نفسها شكلا من أشكال اللاحرية، أو أننا لا بد أن نطالب بما هو أكثر من مجرد الديمقراطية السياسية: بل لا بد من إضفاء الطابع الديمقراطي على الحياة الاقتصادية الاجتماعية هي أيضا. اختصارا، إن ما اعتبرناه في أول الأمر فشلا يطبق تطبيقا كاملا مبدأ نبيلا (هو مبدأ الحرية الديمقراطية) إنما هو في واقع الأمر فشل أصيل في المبدأ نفسه. هذا الإدراك ـ أي إدراكنا أن الفشل قد يكون أصيلا في المبدأ الذي نناضل من أجله ـ هو بمثابة خطوة هائلة في مسار التعليم السياسي.
مظاهرات اليونان
إن ممثلي الأيديولوجية الحاكمة يحركون ترسانتهم كاملة ليمنعونا من الوصول إلى هذه النتيجة الراديكالية. فيقولون لنا إن الحرية الديمقراطية تثمر مسئولياتها، وتتحقق بثمن، وإنه لم يحن بعد أوان توقع الكثير من الديمقراطية. ويقولون إننا ـ في مجتمع حر ـ لا بد أن نسلك مسلك الرأسماليين فنستثمر في حيواتنا: فإن فشلنا في تقديم التضحيات اللازمة، أو إذا نكصنا قبل اكتمال الطريق، فلا ينبغي أن نلوم إلا أنفسنا. في مشهد سياسي أكثر مباشرة، اتبعت الولايات المتحدة في سياستها الخارجية استراتيحية السيطرة على الأضرار بإعادة توجيه الانتفاضات الشعبية إلى قوالب رأسمالية برلمانية مقبولة: كان ذلك دأبها في جنوب أفريقيا فيما بعد الأبارتيد، وفي الفلبين بعد سقوط ماركوس، وفي إندونسيا بعد سوهارتو إلخه. وها هنا تبدأ السياسة: والسؤال هو كيف يكون السبيل إلى التقدم بمجرد أن تنتهي موجة التغيير المثيرة الأولى، كيف السبيل إلى الخطوة الثانية بدون الاستسلام لغواية "التوتاليتارية"، كيف السبيل إلى تجاوز مانديلا بدون التحول إلى موجابي؟
ما الذي يمكن أن يعنيه هذا في حالة ملموسة؟ تعالوا نقارن بين بلدين متجاورتين، هما اليونان وتركيا. للوهلة الأولى، قد تبدو البلدان مختلفتين تمام الاختلاف، فاليونان واقعة في شرك سياسات التقشف التخريبية، وتركيا تحظى بطفرة اقتصادية وتتحول إلى قوة عظمى إقليمية. لكن ماذا لو أن كل تركيا تولّد يونانها وتحتويه بوصفه جزيرتها الشقية البائسة؟ كما قال بريخت في مراثي هوليود:
قامت قرية هوليود
على فكرة أهل تلك المناطق عن الجنة.
وفي تلك المناطق
توصل الناس إلى أن الرب وقد أراد جنة وجحيما
لم يضطر إلى خلق مؤسستين
بل واحدة فقط: هي الجنة
لكنها فقيرة إلى الرخاء والنجاح
كالجحيم.
في ذلك وصف جيد لـ "القرية الكونية" القائمة اليوم: وليس عليكم إلا أن تطبقوه على قطر أو دبي، ملاعب للأثرياء تعتمد على أحوال ما أشبهها بأحوال العبودية يعيشها العمال المهاجرون. وإن نظرة أكثر تمعنا لتكشف عن تشابهات كامنة بين تركيا واليونان: الخصخصة، تضييق الفضاء العام، تفكيك الخدمات العامة، صعود السياسات السلطوية. إن المظاهرات اليونانية والتركية ـ في مستوى أولي منها ـ جزء من نضال واحد. وإن المسار الصادق يتمثل في التنسيق بين النضالين، ورفض الإغواءات "الوطنية"، وإدارة الظهر للعداوة التاريخية بين البلدين للوصول إلى أرضية مشتركة للتضامن. وقد يكون مستقبل الاحتجاجين معتمدا على هذا.

نشر المقال إلكترونيا في لندن رفيو أوف بوكس في الثامن والعشرين من يونيو 2013


[i] في تقيمه لـ "مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي" ، كتب ماركس (وهو أقرب ما يكون من المزاج التطوري) أن الإنسانية لا تفرض على نفسها من المعهام إلا ما يمكن حله. ماذا لو قلبنا هذا العبارة رأسا على عقب واعتبرناها قاعدة مفادها أن الإنسانية تفرض على نفسها مهاما لا يمكنها حلها، فتستهل بذلك عملية لا يمكن التنبؤ بها في مسار يتم فيه إعادة تعريف المهمة ذاتها؟