الجمعة، 5 يوليو، 2013

حكام مصر الزاهدون



حكام مصر الزاهدون
وليم دوبسون ـ طارق مسعود
عن مجلة سليت 



بالنسبة للحشود الهائلة التي اجتمعت في ميدان التحرير على مدار الأيام القليلة الماضية، كان إعلان الجيش إلغاء الدستور الجديد وخلع "محمد مرسي" أول رئيس منتخب ديمقراطيا لمصر بمثابة ثورة ثانية، وتكرارا للإطاحة بالدكتاتور حسني مبارك قبل ثلاث سنوات. أما بالنسبة للحشود المؤيدة لمرسي في ميدان أصغر بكثير من التحرير يقع في ضاحية بشمال القاهرة، فقد كانت الخطوة انقلابا. وهذه فيما يبدو هي الرؤية التي يتبناها أغلب المعلقين الغربيين الذين تتلاءم أفعال الجيش مع تصورهم الضيق لمصر بوصفها دولة عسكرية طالما توالى على حكمها الجنرالات الذين يعتبرون صعود حاكم مدني منتخب خطرا على سلطاتهم ومزاياهم.
ولكن هذه النظرة شبه معكوسة بالضبط للوضع. فالرئيس مرسي وحلفاؤه في جماعة الإخوان المسلمين لم يمثلوا يوما تهديدا لمصالح الجيش. بل على العكس، لقد أثبتوا على مدار العامين الماضيين عزيمة ملفتة للنظر على استعدادهم للتكيف مع أصحاب الزي الموحد في مصر. فالدستور الذي لعنه الكثيرون ومرره حلفاء مرسي في ديسمبر، لم يكتف بالتراجع عن التقدم الذي سبق تحقيقه فيما يتعلق بحقوق المرأة، ولم يكتف بتسريب إذعانات مقززة للقانون الإسلامي، بل لقد ضمن للجيش مكانة في قمة هيراركية الدولة السياسية. فالمادة 146 منه تمنح الجيش حق الفيتو على قرارات الرئيس بإعلان الحرب. والمادة 195 تضمن أن يكون وزير الدفاع جنرالا ... جنرالات مصر لم يريدوا إلغاء هذا الدستور، بل إنهم أشد المعجبين به. ومن الصعب إذن أن نرى المكاسب العسكرية في الإطاحة بالرئيس ـ اللهم إلا المسئولية المباشرة عن بلد كان اقتصاده المترنح وحشوده العنيدة مصدر صداع لهم على مدار ثمانية عشر شهرا تولوا فيها المسئولية بين الإطاحة بمبارك وانتخاب مرسي.
إن الجنرالات لم يريدوا الإطاحة بمرسي إلا بقدر ما أرادوا الإطاحة بمبارك قبل قرابة ثلاثة سنوات. إنما هم يريدون الاستمتاع بوضعهم المميز، بما في ذلك مساعدة عسكرية أمريكية تتجاوز بليون دولار سنويا وأنصبة منتقاة من الاقتصاد المصري. وإن إطاحتهم بمرسي مخاطرة بكل هذه الأشياء. فقد ألمح الرئيس أوباما فعلا إلى أن تعطيل الجنرالات للديمقراطية قد يؤدي إلى سحب المعونة العسكرية الأمريكية، برغم أنه ليس من المرجح أن يفعل هذا. والشباب الذين دفعوا الشعب المصري إلى الشوارع وأرغموا الجيش على التدخل لاستعادة النظام، هم نفس الشباب الذين في نوفمبر 2011، أثناء الحكم العسكري المباشر والعابر، كانوا يخرجون إلى الشوارع هاتفين "يسقط يسقط حكم العسكر". وليس مهما مدى تهليل المصريين لهم اليوم، فالجنرالات يعرفون أنها مسألة وقت قبل أن ينقلب الثوريون عليهم من جديد.
ثم إن هناك أعداء الجيش الجدد ـ حماعة الإخوان المسلمين ـ الذين تمثل لهم المناورة الأخيرة واحدة من أكثر الحوادث درامية فيما يربو على 1400 سنة من التاريخ الإسلامي. يخشى الجنرالات أن الإخوان المسلمين لن يتنحوا بغير قليل من القتال، وذلك ما دفعهم يوم الأربعاء إلى اعتقال وقائي لقادة الجماعة الأساسيين وإغلاق محطتهم التليفزيونية. وليس معروفا بعد ما إذا كانت هذه التكتيكات ستعمل على تحييد الإخوان أم تأجيج غضب قواعدهم (التي يتحدث أعضاؤها فعلا عن الشهادة والتضحية بأنفسهم فداء للديمقراطية). باختصار، من الصعب أن نرى أن هذا الموقف الراهن يمنح وزير الدفاع عبد الفتاح السيسي وزملاءه الضباط أي شيء إلا المتاعب.
إذن، إذا لم يكن الجيش هو الذي فاز اليوم، فمن فاز؟ من المستحيل القطع بإجابة. برغم أن المصريين لا يزالون يحتفلون، إلا أنهم ليسوا أقرب إلى الديمقراطية مما كانوا عليه قبل ثلاث سنوات. وبرغم أنه ليس من المحتمل أن مصر  سوف تفتقد  مرسي الفقير إلى الخيال والمرونة، إلا أن الإطاحة به برغم صندوق الانتخاب لن تمر بلا ثمن. وإن يكن من الصعب أن نحدد من المنتصر هنا، فمن السهل نسبيا إن نحدد الخاسرين: إنهم المعروفون بشباب التحرير. فبرغم أن الساسة المصريين يتكلمون عن الميدان كما لو كان موردا متجددا ـ أي بوصفه أداة الشعب لتغيير الحكم كلما فاض الكيل بالناس من قادتهم ـ إلا أن الواقع هو أن كل احتجاج جديد ينال من قدرة الناس على الصبر. فالأغلبية الكاسحة من سكان مصر البالغ عددهم 81 مليون نسمة لم تنزل يوما إلى التحرير ولا تبالي بالإخوان، إنما هم ببساطة يريدون عودة الأمن والنظام والكهرباء المنتظمة. وفي غضون ستة أشهر، عندما يرجع الشباب مرة أخرى إلى الشوارع للاحتاج على بعض انتهاكات الجنرالات الحتمية، فيرسل الجيش الدبابات والهراوات، فمن المحتمل أن يهز المصريون أكتفاهم، بل ولعلهم يهللون من الفرح.