السبت، 13 أبريل، 2013

ألمانيا لن تقود أوربا إلا كما تتزاوج القنافذ



في حوار مع دير شبيجل، يتحدث المستشار الألماني السابق "جرهارد شوردر"، البالغ من العمر ثمانية وستين عاما، عن مدى صعوبة قبول المواطنين للانتشار العسكري الخارجي، وعن دور ألمانيا القيادي، وعن مبررات الحرب

ألمانيا لن تقود أوربا إلا كما تتزاوج القنافذ

حوار: كرستين هوفمن ـ رالف نويكرتش


شبيجل: على مدار العشرين عاما الماضية، شارك الجنود الألمان في أكثر من عشرين مهمة أجنبية. هل يعني هذا أننا أصبحنا بلدا طبيعيا؟
شرودر: يمكن النظر إلى الأمر بهذه الطريقة، برغم أنني لن أستخدم مصطلح الطبيعي في هذا السياق. نحن بلد ذو سيادة منذ الوحدة، وبعد فترة تعلم صعبة، بتنا نتصرف أيضا على هذا النحو.

ـ كيف خضت أنت فترة التعلم هذه؟
ـ عندما هاجم الأمريكيون العراق في عام 1991 بعد قيام صدام حسين، كنت أعارض بشدة تدخل الألمان. وكنت ـ شأن الأغلبية الساحقة من المواطنين ـ على قناعة بأنه لا ينبغي لألمانيا ـ في ضوء تاريخها على مدار القرن الدموي المنصرم ـ أن تتورط في حملات عسكرية.

ـ هل كانت لديك علاوة على ذلك أسباب شخصية؟ فأبوك مات في الحرب، وجيلك عاني الفترة المباشرة فيما بعد الحرب.
ـ ليست للأمر علاقة كبيرة بأبي الذي لم أقابله قط. ولكن الأمر ببساطة هو أنه كان ثمة توافق في الجمهورية الفدرالية القديمة على أنه لا ينبغي لألمانيا أن تشارك في حرب أخرى، إلا دفاعا عن البلد نفسه.

ـ وما الذي جعلك تغير رأيك؟
ـ أنني أدركت أنه لا يمكن لبلد ذي سيادة أن يختفي وراء ماضيه على المدى البعيد. كنا لم نعد مقسمين، ولم نعد نمثل حالة خاصة. وكان المجتمع الدولي ينتظر منا أكثر من أن نساعد بالمال وحده كما كنا نفعل لوقت طويل قبل ذلك.

ـ هل أنت مندهش من السرعة التي حدث بها التغير في القناعات السياسية؟
ـ حسن، لم يحدث ذلك التغير بين عشية وضحاها، بل على نحو تدريجي. فلقد فعَّلت المحكمة الدستورية الفدرالية قواعد لمرحلة التعلم تلك. بدأ الأمر بقرار نشر حاملة الطائرات أفاكس AWACS  في البوسنة وامتد عبر قرارات أخرى. وبات واضحا أنه لم يعد في السياق القانوني من مجال للإشارة إلى التاريخ الألماني.

ـ واحد من أوائل قراراتك في السياسة الخارجية كمستشار لألمانيا كان قرار المشاركة في حرب كوسوفو.
ـ في ذلك الوقت، كان الحزب الديمقراطي الاشتراكي ـ SPD وهو في يسار الوسط ـ لا يزال يفرق بين إجراءات حفظ السلام التي كانت تعد جيدة، وإجراءات خلق السلام التي كان يرفضها الكثيرون. كان واضحا أننا بوصفنا الحزب الحاكم لن نمضي قدما على طريق اتخاذ هذا القرار. ولكن ما كان يجري أمام أعيننا في البلقان كان تهديدا بإبادة جماعية. وكان على حزبي أن يعترف بالواقع ويتصرف بناء عليه.

ـ حظيت مهمة كوسوفو بموافقة حكومتك الائتلافية المكونة من عناصر تنتمي إلى حزبي الخضر والديمقراطي الاشتراكي. هل كان ذلك ضروريا لتحقيق التوافق؟
ـ كان مساعدا، بلا شك. كما يرجع الفضل أيضا إلى (وزير الخارجية وزعيم حزب الخضر آنذاك) يوشكا فيشر. لقد أتاحت لنا موافقة حزبي الخضر والديمقراطي الاشتراكي أن نواجه الواقع. كان بالفعل فتحا جديدا على المستوى الاجتماعي.

ـ ولكن الأمور تغيرت في السنوات القليلة التالية. فقد حدث أنك أرغمت ائتلافك على الموافقة على حرب أفغانستان بتصويت على الثقة.
ـ الولايات المتحدة كانت قد هوجمت على أرضها في الحادي عشر من سبتمبر من عام 2001 مما يعني تطبيق المادة الخامسة من معاهدة حلف الناتو. وكان هناك كذلك قرار صادر بالإجماع عن مجلس الأمن في الأمم المتحدة. رفض ذلك الأمر كان يعني عزلنا تماما. كان سيشير إلى نقيض الوضع الطبيعي لدولة. وكنت أريد أن أبين أن حكومتي الائتلافية قادرة على تحقيق أغلبية للموافقة على اتخاذ هذا القرار.

ـ هل لا تزال تعتقد أنها كانت مهمة سليمة؟
ـ أعتقد أنها مبررة. ولا أزال أعتقد إلى اليوم أنها كذلك.

ـ لماذا تتردد في القول بأنها كانت الخطوة الصحيحة؟
ـ لم يكن القرار مبررا فقط في وقته، بل وكان القرار الصحيح. كانت أفغانستان مرتعا للإرهابيين الذين نفذوا الهجمة الوحشية، يأمنون إليها ويتدربون فيها. ولذلك لزم التدخل. واليوم بعد مضي أكثر من عشر سنوات يمكننا أن نقرر إنهاء المهمة رغبة منا في نقل المسئولية إلى الأفغان. لا بد من النظر إلى القرارات دائما في سياقها.

ـ وكيف تراه اليوم؟
ـ سنحتاج وقتا طويلا، قد يصل إلى عقود، قبل أن نقرر إن كانت المهمة بمجملها ـ والتي استغرقت ما يربو على عشر سنوات ـ هي الخطوة الصحيحة. ولكن شيئا واحدا يبقى واضحا من الآن. لو كانت ألمانيا اتخذت قرارا مختلفا، لكنا الآن معزولين تماما، ولكنا خاطرنا بالعلاقات الألمانية الأمريكية.

ـ لكن ذلك لم يمنعك من رفض المشاركة في حرب العراق.
ـ ذلك كان وضعا مختلفا. لم نكن على قناعة بأن الحرب منطقية. وكنا متأكدين أنه لا وجود لأسلحة الدمار الشامل، ونخشى أن تتعرض المنطقة كلها للاضطرابات على المدى البعيد. علاوة على أنه لم تكن ثمة من مهمة للناتو، ولا كان هناك تشريع من مجلس الأمن في الأمم المتحدة.

ـ وكذلك كان حال كوسوفو أيضا
ـ هذا صحيح. فلقد اعترض الروس، لأسباب مفهومة تاريخيا. ولذلك كانت المهمة إشكالية من الناحية الشرعية. ولكننا شعرنا أنها مهمة ضرورية.

ـ حججك دائما تفتقر إلى الجانب العاطفي. تشير طول الوقت إلى القوانين ونصوص المعاهدات وما تستوجبه من التزامات. غيرك يستخدم حججا أخلاقيا لتبرير مواقفهم التي اتخذوها في ذلك الوقت. حتى أن يوشكا فيشر أشار إلى [معسكر التعذيب النازي الشهير] أوشفيتز في معرض الجدل حول كوسوفو.
ـ أفهم لجوءه إلى تلك الحجة لأنه كان يواجه مشقة بالغة في إقناع حزبه بالموافقة على المشاركة في التدخل. ومع ذلك أنا لا أشاركه الدفع بهذه الحجة، لأنها تقحم الهولوكوست ـ وهي حالة متفردة ـ في هذه المسألة. ومع ذلك، صحيح أنه كان ثمة مبرر أخلاقي. كان ثمة طرد قسري وتهديد بإبادة جماعية في وسط أوربا.

ـ ذكرت أيضا مدارس البنات من جملة أسباب مهمة أفغانستان. هل نحتاج في ألمانيا إلى عنصر أخلاقي لتبرير الحرب لأن الأسباب ذات الصبغة السياسية الواقعية غير كافية؟
ـ حسن، مجرد استدعاء معاهدة الناتو كان ليبدو شديد التجريد. كان علينا أن ندفع بأن الهدف هو إيقاف أنشطة الإرهابيين والقاهرين. وليس عيبا في الألمان أن يطالبوا بتبرير أخلاقي للتدخل العسكري. وأنا سعيد أن زمان ذهاب الألمان للحرب بدافع من الحماسة قد ولى، وذلك ما كان عليه الحال في عام 1914.

ـ ولكن مدارس البنات لم تكن جزءا من المسألة الأفغانية على الإطلاق.
ـ ولم يزعم أحد أيضا أنها السبب الوحيد. كانت المسألة تتعلق بتحرير شعب من قبضة نظام طالبان غير الإنساني، ومحاربة الإرهاب، وإحلال الاستقرار في البلد. زرت في ذلك الوقت مدرستي بنات. وكنت أعرف أن أولئك الفتيات لم تسنح لهن الفرصة إلا بسبب التدخل الدولي. وكان لذلك تأثير كبير عليّ. وذلك ما جعلنا نتشبث في سلاحنا عندما بدأت الصعوبات تظهر.

ـ أعيد إغلاق كثير من تلك المدارس لاحقا. وهذا يضع خطا تحت استخدام الحجج الأخلاقية.
ـ ولكن الحجة لا تبطل لمجرد استحالة تحقيق جميع الأهداف.

ـ هل يكون الساسة أكثر من مواطنين حينما يتعلق الأمر بالعزم على الاشتراك في حملة عسكرية؟
ـ الساسة أيضا لا يسهلون الأمور على أنفسهم. فلقد كانت تلك أصعب القرارات بالنسبة لي خلال فترة مستشاريتي. ولكن هناك فارق بين ما يحسه الناس ويرجون أن يتحقق، وما لا بد أن يتحقق. أسهل كثيرا أن تدافع عن البقاء بعيدا عن أمر ما، من أن تدافع عن المشاركة فيه.

ـ هل كان المزاج الشعبي العام هو الذي جعلك لا تشير مطلقا إلى مهمة أفغانستان بالحرب؟
ـ يقينا أنه لعب دورا.

ـ قبل ثلاث سنوات، كان وزير الدفاع الألماني آنذاك "كارل ثيودور زو جوتنبرج" أول من يستخدم مفردة "الحرب".
ـ لو كان ذلك إسهامه التاريخي، فليس أمامنا إلا القبول به.

ـ ساندت حرب أفغانستان منطلقا من الولاء للناتو. ثم قلت لا للرئيس الأمريكي السابق "جورج دبليو بوش" فيما يتعلق بحرب العراق. هل تلك هي اللحظة التي نضجت فيها السياسة الخارجية الألمانية؟
ـ نعم، بمعنى من المعاني. بقول نعم لحربي كوسوفو وأفغانستان، صرنا نحن الألمان شركاء على قدم المساواة مع غيرنا في المجتمع الدولي. صرنا شريكا عليه أن يفي بالتزاماته، وله حقوق كذلك. ومن تلك الحقوق الحق في قول لا حين لا نكون مقتنعين بمنطقية التدخل العسكري. ولكن سياستي لم تكن تعدم تماما السوابق التاريخية. فحينما ابتكر المستشار "فيلي براندت" سياسته المعروفة بالـ أوشتوبوليتيك[i] Ostpolitik ، كانت هناك نقاشات كثيفة مع الولايات المتحدة التي لم تكن مقتعنة بأن تلك السياسة هي المثلى. ولكنه لم يتراجع. كانت السياسة الخارجية الألمانية ـ في القضايا الأساسية ـ تصاغ في بون في ذلك الوقت، وكذلك كان الحال في ظل مستشارية "هلموت شميدت" و"هلموت كول". أي أنها كانت تصاغ في برلين لا في واشنطن. وذلك ما فعلته أنا لاحقا.

ـ مذل هذه الكلمات قد تقال في حق قرار الحكومة الحالية فيما يتعلق بليبيا، فالحكومة الألمانية ـ خلافا لجميع الحلفاء الأوربيين ـ امتنعت عن التصويت في مجلس الأمن قبل عامين.
ـ أعتقد أنه كان قرارا سياديا من جانب الحكومة الألمانية. ولم أعلق عليه لأنني لم أعرف ما القرار الذي كنت لأتخذه أنا.

ـ هل تستصوب الامتناع عن التصويت؟
ـ يمكنني أن أفهم مدى صعوبة اتخاذ قرار بالتدخل العسكري. وقرار مجلس الأمن ـ وأقولها بكثير من الدبلوماسية ـ تم تفسيره بغاية العنف.

ـ تكلمت عن الولاء للتحالفات والاعتبارات الإنسانية كأسباب شرعية للتدخل العسكري. فلم لا تكون مصالح الأمن الألمانية من جملة هذه الأسباب أيضا؟
ـ أي المصالح بالضبط؟

ـ زميلك في الحزب الديمقراطي الاشتراكي الراحل مؤخرا، وزير الدفاع السابق "بيتر شتروك" قال ذات مرة إن "أمن جمهورية ألمانيا الفدرالية أيضا يتم الدفاع عنه في هندو كوش [في أفغانستان]؟
ـ تلك كانت محاولة لخلق سبب إضافي. وأفضل ألا أزيد عن هذا، احتراما مني لبيتر شتورك.

ـ هل ينبغي أن يتدخل الغرب في سوريا؟
 ـ بغض النظر عن أن مجلس الأمن لن يوافق على هذا، لا يوجد من يعرف طبيعة القوات التي يمكن أن تكون لها اليد العليا في حال تدخل الغرب. ومن هذا المنطلق، أوافق على موقف الحكومة الألمانية المتحفظ.

ـ في الماضي، كانت ألمانيا تنزع إلى الاختباء وراء الآخرين، حتى داخل أوربا. الآن ينادي وزير الخارجية البولندي رادوسلاف سيكورسكي بالزعامة الألمانية. هل نحن مستعدون لهذه الخطوة؟
ـ ألمانيا الآن، بما لها من قوة اقتصادية وأهمية سياسية، مهيأة لتولي زمام القيادة داخل الاتحاد الأوربي. ومع ذلك، فقد أدركت منذ فترة مستشاريتي أن ألمانيا لا يمكن أن تقود أوربا إلا باتباع الطريقة التي تتزاوج بها القنافذ.

ـ وكيف تتزاوج القنافذ؟
ـ بمنتهى الحذر. الدول الأخرى تتوقع القيادة من ألمانيا، لكنها لا تتوقع الغطرسة. وتعبيرات من قبيل أن "أوربا تتكلم الألمانية" لن يكون لها نفع.

ـ ذلك كان من زعيم الحزب المسيحي الديمقراطي المحافظ. فكيف يبدو لك أداء المستشارة؟
ـ السيدة ميركل تتأخر كثيرا في اتخاذ القرارات اللازمة لتقديم المساعدة وإظهار التضامن. ومن المؤكد أن هذا التأخر جعل تكلفة إنقاذ اليورو أعلى. لكنها لا ترفض قيام ألمانيا بدور قيادي. هي فقط تمارس هذا الدور على نحو محدود. وأعتقد أن هذا أمر لا بأس به.

نشر الحوار في الأول من ابريل الجاري، مترجما إلى الإنجليزية بقلم كرشتوفر سلطان
ونشرت الترجمة في جريدة عمان اليوم


[i] تشير"نوي أوشتوبوليتيك" Neue Ostpolitik أو أوشتوبوليتيك Ostpolitik  اختصارا، إلى تطبيع العلاقات بين جمهورية ألمانيا الفدرالية FRG (أو ألمانيا الغربية) وشرق أوربا، وبالتحديد جمهورية ألمانيا الديمقراطية (ألمانيا الشرقية)، وبدأت هذه السياسة في عام 1969 بتأثير من "إيجون باهر" الذي اقترح في خطبة له سنة 1963 "التغيير عبر التقارب"، وكان أول من نفذ هذه السياسة هو المستشار "فيلي براندت".