الثلاثاء، 9 أبريل، 2013

على بعد قضمة من الموت


كل وجبة كان يمكن أن تكون الأخيرة، ولكن "مارجوت فولك"، المرأة التي كانت تتذوق طعام أدولف هتلر، عاشت حتى حكت قصتها. المرأة التي على مدار أكثر من عامين كانت مرغمة على تذوق وجبات الزعيم النازي، والبالغة من العمر خمسة وتسعين عاما، تحكي لدير شبيجل أونلاين حياتها مع الخوف الدائم

على بعد قضمة من الموت

فابيين هيرست



كان يمكن جدا أن يأتي الموت في صورة شيئ في بساطة بعض الهليون، المقشر المقدم مع صلصة لذيذة على الطريقة الألمانية التقليدية، ومع زبدة حقيقية، وما أندرها في زمن الحرب. في ذلك الوقت، وبينما بقية الشعب الألماني يناضل للحصول على مجرد فنجان قهوة، أو يضطر اضطرارا إلى تخفيف السمن الصناعي بالدقيق قبل فرده على الخبز، كان بوسع "مارجوت فولك" أن تنعم بمذاق طبق من الخضراوات، لولا الخوف من الموت. كانت فولك إحدى خمس عشرة امرأة مرغمات على تذوق طعام الزعيم النازي أدولف هتلر طوال سنتين ونصف سنة أثناء الحرب العالمية الثانية.
كانت السكرتيرة ذات الأربع والعشرين سنة قد هربت من شقة أبويها التي تعرضت للقصف في برلين في شتاء عام 1941، وسافرت إلى بيت أصهارها في قرية جروس بارتش في شرق بروسيا، والتي تقع الآن في بولندا وتحمل اسم باركتس. كانت قرية جميلة وادعة، وكانت تعيش فيها في بيت ذي حديقة كبيرة. لكن على بعد ثلاثة كيلومترات فقط، كان الموقع الذي وقع عليه اختيار هتلر ليكون مقرا للجبهة الشرقية .. عرين الذئب.
ذات الرداء الأحمر
تقول فولك "كان عمدة العش الصغير نازيا عجوزا، ولم أكد أصل حتى ظهرت على الباب قوات الوحدة الوقائيةSS  وقال أحدهم ’تفضلي معنا’".
تجلس فولك في نفس الشقة التي ولدت فيها قبل خمسة وتسعين عاما في منطقة شمارجندورف ببرلين، تتناول بحذر فتات كعكة بشوكة فضية، وتقول "لذيذة". تعلمت فولك من جديد أن تستطيب الطعام، ولكن ذلك لم يحدث بسهولة.
اصطحبها سفاحو هتلر، هي وغيرها من الشابات، إلى ثكنات قريبة ن كراوندورف، حيث كان الطهاة يطبخون طعام عرين الذئب في مبنى من طابقين. كان مسئولو تقديم الطعام يملأون الصواني بالخضراوات، والصلصات، وأطباق المكرونة، والفواكه، ويضعونها على مائدة خشبية في غرفة كبيرة هي التي ينبغي أن يجري فيها تذوق الطعام. تقول فولك "لم يكن هناك لحم قط، لأن هتلر كان نباتيا. والطعام كان طيبا، طيبا للغاية، لكننا لم نكن نستمتع به".
في شرك عرين الذئب
كانت هناك شائعات بأن الحلفاء يخططون لقتل هتلر بالسم. وبعد أن تؤكد النساء أن الطعام آمن، كان أفراد من قوات الوحدة الوقائية يأخذونه في صناديق إلى المقر. في الثامنة من صباح كل يوم، كانت قوات الوحدة الوقائية تنتزع فولك من نومها بصياحهم من تحت شباكها "مارجوت، اصحي". لم تكن من حاجة إليها إلا في حال وجود هتلر في عرين الذئب ولو أنها لم تره مطلقا رأي العين.
وهكذا فإن شابة رفضت الانضمام إلى عصبة فتيات هتلر ـ وهي النسخة البناتية من "شباب هتلر" ـ وضاع أبوها لرفضه الانضمام إلى الجزب النازي، تحولت إلى إحدى معاونات هتلر. وهكذا صارت هذه الفتاة تضحي بحياتها كل يوم من أجل رجل لا تشعر نحوه بغير الاحتقار.
ولم يكن الرحيل خيارا مطروحا من الأساس. فقنابل الحلفاء دمرت شقتها في شمارجندورف. وزوجها كارل كان في الحرب، ولم تكن منذ سنتين قد سمعت عنه أي خبر، فكانت تحتسبه ميتا منذ وقت طويل. تتساءل "إلى أين كان بوسعي أن أذهب ؟". على الأقل، كان لديها في جروس بارتش، حماتها، وسرير.
وجاء العشرون من يوليو سنة 1944. ووجه بعض الجنود الدعوة إلى نساء لحضور عرض لفيلم في خيمة مقامة على مقربة من المقر، عندما انفجرت قنبلة الكولونيل كلاوس فون شتاوفنبرج. فـ "انتزعنا الانفجار من على الأرائك الخشبية" ثم صاح شخص أن "هتلر مات". ولكن محاولة الاغتيال فشلت" تقول فولك "وخرج منها ببعض الرضوض والكدمات".
بعد ذلك قام النازيون بتشديد الإجراءات الأمنية حول عرين الذئب، ولم يعد مسموحا للمتذوقات أن يعشن في بيوتهن. فتم تسكينهن جميعا في مدرسة قريبة. "وبتنا في حراسات دائمة كأننا حيوانات في قفص".
الفرار إلى برلين
وذات ليلة صعد ضابط من قوات الوحدة الوقائية على سلم خشبي، ودخل من الشباك إلى غرفتها، واغتصبها. تقول إنها لزمت الصمت أثناء اغتصاب "الخنزير العجوز" لها، مضيفة أنها لم تشعر بقلة الحيلة مثلما شعرت بها وقتها. "وفي الصباح كان السلم لم يزل مطروحا أمام المبنى". تتكلم بهدوء، وتقول إن من المهم لها أن تؤخذ قصتها مأخذ الجد.
حينما كان الجيش السوفييتي على بعد كيلومترات قليلة من الوصول إلى عرين الذئب، جاء ضابط برتبة ملازم إليها وقال لها "اذهبي، اخرجي من هذا المكان". ووضعها في قطار متجه إلى برلين فأنقذ حياتها. ورأته مرة ثانية بعد الحرب فقال لها إن كل متذوقات الطعام قتلن برصاص الجنود السوفييت.
نجت مرة أخرى عندما أخذها طبيب في برلين بعد فرارها من عرين الذئب. وعندما طرق جنود من قوات الوحدة الوقائية بابه يسألون عن وجود هاربين كذب عليهم فذهبوا.
غير أنها في طريق عودتها إلى شمارجندورف وقعت بين أيدي الجيش السوفييتي. وعلى مدار أسبوعين ظلوا يغتصبونها بلا توقف، متسببين لها في إصابات منعتها إلى الأبد من الإنجاب. تتوقف عند هذه الذكرى المؤلمة، وتقول ذات الخمسة والتسعين عاما في همس "كنت في منتهى اليأس. لم تعد بي أية رغبة في الحياة".
حيلة للبقاء
لم يحدث إلا بعدما التقت بزوجها كارل سنة 1946 أن شعرت مرة أخرى ببصيص من الأمل. كانت سنوات الحرب والأسر قد تركت علاماتها عليه، فظلت تمرضه حتى استرد صحته، وقضيا معا أربعا وثلاثين سنة في سعادة.

تبتسم فولك حين تتذكر زوجها. فهي بعد كل هذه التجارب لا تشعر بالمرارة. بل العكس في واقع الأمر. هي ترتدي سترة زرقاء وعقدا ذا حبات خشبية. وتستخدم مساحيق التجميل أيضا أو تقوم ـ على حد تعبيرها ـ بـ"طلاء" نفسها. تقول إنها برغم الماضي تحاول دائما أن تكون سعيدة. تقول "لم أفقد حس الدعابة، وإن يكن صار أكثر تهكما".
قررت ألا تأخذ الأمر بأكثر مما ينبغي من الجدية، و"تلك كانت حيلتي دائما من أجل البقاء".
ولكن فولك ظلت لوقت طويل لا تريد حتى أن تفكر فيما جرى في جروس بارتش، ناهيكم عن أن تتناقش فيه. ولكن التجربة ظلت تلح عليها في أحلامها. ولم يحدث إلا في هذا الشتاء، حينما قام صحفي بزيارتها بمناسبة عيد ميلادها الخامس والتسعين وبدأ يطرح أسئلته عليها، فحكت عما تعتبرها أسوأ سنوات عمرها. في تلك اللحظة قررت بغتة أن تكسر الصمت. تقول " وجدتني ببساطة راغبة في أن أحكي ما جرى هناك، وأن أقول إن هتلر كان شخصا بغيضا إلى أبعد الحدود. كان خنزيرا".

عن دير شبيجل في 4 ابريل 2012