السبت، 23 فبراير، 2013

الربيع العربي في مرحلته الثالثة



الربيع العربي في مرحلته الثالثة
الإسلاميون يحكمون العالم العربي، فهل لاحظ أوباماما هذا؟
باول بيرمان
ليس صحيحا إذن أن جماعة الإخوان المسلمين في مصر تنطق باسم المجتمع كله. ولا الأيديولوجية الإسلامية ـ التي تتوسل بالخرافة وتعلي من شأن الطاعة ـ تعبر عن "الشارع" المصري. ولا الإخوان يملكون القوة اللازمة لتغيير مسار التاريخ وتوجيهه أنى يشاءون. ذلك أن الأزمة التي اندلعت في مصر في ديسمبر الماضي وما أعقبه من شهور بشأن الدستور المقدم من جماعة الإخوان المسلمين، وكذلك أعمال الشغب والمظاهرات وأعمال القتل لم تبلغ نهايتها بعد. بل إن الشرطة نفسها تتظاهر.
ولا هو صحيح أن ثمة بديلا أفضل قد ظهر على يد نسخة جماعة الإخوان التي يقال كل حين إنها الأكثر اعتدالا والتي تتمثل في حزب النهضة برئاسة رشيد الغنوشي في تونس. بل إننا نرى ـ على العكس من ذلك ـ أن المعتدلين يشرفون على العنف الذي يمارسه الإسلاميون الراديكاليون، تسليما بالحقيقة التي تصح في حال تونس مثلما في حال أي مكان آخر وهي أن المعتدلين من الإسلاميين والمتطرفين منهم في حالة تحالف هادئ، ولو لسبب واحد هو أن الزعماء المعتدلين مرغمون على تهدئة قواعدهم ذات النزعات الراديكالية. ولقد بات واضحا الآن أن كثيرا من التونسيين نالوا كفايتهم، فلقد أدى اغتيال أحد الزعمات اليسارية ذات الشعبية في مطلع فبراير إلى أن تصبح جنازته مظاهرات شعبية بلغت حدا تتقزم بالمقارنة إليه حتى المظاهرات في مصر. ويتبين أن الأزمة السياسية في تونس ـ مثلما في مصر ـ غير يسيرة الحل.
ولا هو صحيح أن الإسلاميين الراديكاليين ـ إن هم حصلوا على فرصة الحكم منفردين ـ قادرون على نشر معتقداتهم في بقية المجتمع. بل العكس. ليس في مالي على أية حال. فلقد قام الجيش الفرنسي بغزو شمال مالي في يناير ليمنع الجهاديين من نشر إمارتهم المجنونة في عموم منطقة الساحل، وعلى الرغم من أن فرنسا هي الحاكم المستعمر السابق وعلى الرغم من وجود علامات استفهمام كثيرة تحيط وجود الفرنسيين في أفريقيا، على الرغم من كل ذلك، ذهب فرانسوا أولاند إلى تمبكتو ليتباهى بانتصارات جيشه العسكرية، فإذا بحشود من الماليين تستقبله وقد بدا عليها السرور، وكانت صيحتهم هي "تحيا فرنسا Vive la France!" وهي صيحة واضح تماما أنها ليست صيحة "الله أكبر"، فهل يمكن أن يكون هذا دلالة إلا على مقت الماليين للمتعصبين قُطَّاع الأيدي؟
ما الصحيح إذن؟ يبدو أن الحالة القائمة في المنطقة تلو الأخرى هي أننا نرى الثورة الإقليمية الشاسعة التي اعتدنا تسميتها بالربيع العربي (لولا أن الربيع مستمر منذ سنتين، وأن الثورات ليست جميعها عربية، ومالي خير شاهد على أن الثورات تستشري) وقد دخلت مرحلتها الثالثة. لقد كانت الأصول اللبرالية القديمة التي ترجع إلى أيام "سلمية سلمية" في عام 2011 ـ أيام مجد الفيسبوك ـ هي المرحلة الأولى، أو الذروة الطوباوية. ثم أعقبتها انتصارات الإسلاميين التي وسمت المرحلة الثانية. وكانت للمرحلة الثانية سيماء الاستمرارية أو أن ذلك هو الذي قيل لنا، ولو لسبب واحد هو أن الإسلاموية Islamism ـ بحسب تقديرات مدرسة معينة من مدارس الفكر الغربي يتصادف أنها لا تتفق وذائقتنا نحن ـ فكرة متأصلة أو بعبارة أخرى هي مسألة محتومة.
حتى الرئيس الأمريكي باراك أوباما بدا متورطا في هذا النمط من التفكير لو أننا استندنا في حكمنا هذا إلى خطابه من القاهرة في عام 2009 وحده والذي حضره بعض أعضاء جماعة الإخوان المسلمين. فلقد أفاض أوباما في الحديث عن العلاقة بين "الإسلام والغرب" وكأن تلك العلاقة هي صلب المسألة، ووجد لزاما عليه أن ينتقد الفرنسيين ضمنيا على خلفية قانون حظر الحجاب، وبدا بصفة عامة متقبلا مسلمات التقسيمات الجيوسياسية التي تتبناها الرؤية العالمية الإسلامية: فكرة أن الإسلام في صراع  مع أعداء غربيين، فكرة اضطهاد الغرب للمسلمين بوصفها مسألة مركزية في هذا الصراع، وما إلى ذلك.
ودخلنا على أية حال مرحلة الربيع العربي الثالثة، وهذه المرحلة تضيف إلى سلسلة الاحتجاجات والثورات الشعبية حروبا ضد الإسلاميين من كل نوع ـ ضد تيار الإسلاميين الرئيسي في مصر، وضد المعتدلين في تونس، وضد المتطرفين في مالي. ها هي الشعوب راغبة في الإطاحة بالإسلاميين! أو لنقل إن فئات لا بأس بها من الشعوب تريد ذلك على أية حال. وها هي الأحداث وقد تجاوزت الخبراء. وتبين أن الإسلاموية ـ في نسختها الرئيسية أو المعتدلة ـ أقل ديمقراطية مما شيع عنها.
وتبين أن الإسلاموية ليست الإسلام. وإلا فمن يكون أولئك المحتشدون في البلد تلو البلد جاهرين باحتجاجاتهم؟ هي حشود من المسلمين، وإسلامهم صالح صلاحية إسلام غيرهم، أو أنه ـ إن كانت الأصالة هي المعيار ـ الأكثر صلاحية لأنه الأكثر ارتباطا بالتراث. ومن هذه الحشود ما هو ليس في صراع من أي نوع مع الغرب، اللهم إلا من منطلق أن الغرب متواطئ مع الإسلامويين. ومن ثم يتبين أن المرحلة الثالثة مرحلة نضال غير الإسلامويين ضد الإسلامويين الذين لا يزالون محتلين للقمة في دول مختلفة، وإن لم يبد في الأفق أي نصر على المدى البعيد.
تلك التطورات برمتها قمينة بأن تجعلنا نتساءل عن بضعة جوانب في السياسى الأمريكية. لقد أقامت الولايات المتحدة ـ في السنوات التالية للحرب العالمية الثانية ـ جميع أنواع المؤسسات الدولية مواكبة منها للظروف الجديدة، سواء العسكري منها أو سواه.  ولكن ها نحن الآن وقد مضى أكثر من عقد على هجمات الحادي عشر من سبتمبر، وليس لدينا من مستوى للتنسيق العسكري بين الحلفاء المناهضين للإرهاب إلا الذي جعل فرنسا ترى من اللازم بالنسبة لها ـ بطريقة أو بأخرى ـ أن تذهب إلى مالي منفردة. وبصورة طبيعية، وبعد فترة أيضا، قدمت الولايات المتحدة نزرا قليلا من المساعدة. وتشير التعليقات في الصحافة الفرنسية بوضوح لا لبس فيه إلى أن فرنسا تشعر بقليل من الحزن يعكر صفو لحظة النصر العسكري ـ بما فيها من افتخار بالمنجزات المحققة ـ  بسبب إحساسها بتخلي القوى العسكرية الأخرى في الاتحاد الأوربي عنها، كما تشعر بالتأكيد بالأذى بسبب ما قدمته الولايات المتحدة من دعم فاتر. فلقد كان رد فعل البيت الأبيض على الغزو الفرنسي بحسب تقديرات صحيفة لو نوفيل أوبزرفاتور ـ وهي الصحيفة الودود للغاية تجاه الرئيس أوباما ـ "يتاخم الإهانة". ولقد حاول وزير الخارجية الأمريكي كيري أن يتحلى بالود يوم الخميس الماضي بتهنئته الفرنسيين على نصرهم العسكري، فلم تأت كلمات الوزير إلا لتزيد من عمق الإهانة الأمر الذي دفع صحيفة لوموند ـ وهي الأخرى من الصحف الدافئة للغاية والمتعاطفة تماما مع أوباما ـ إلى أن تمضي إلى حد أن تنقل انتقادات أحد أعضاء الكونجرس الجمهوريين وكأنها توافقه آراءه. وليس الفرنسيون في موقفهم هذا من السياسات الأمريكية منفردين بالمرة.
ولقد نشر أحد أنصار حقوق الإنسان السافرين في مصر يدعى بهي الدين حسن رسالة مفتوحة إلى الرئيس أوباما في الأهرام ويكلي قبل نحو أسبوعين مذكرا إياه بجانب إيجابي من خطبته في القاهرة: أي بالوعد الذي قطعه الرئيس الأمريكي على نفسه بأن يقف في صف شعوب المنطقة. ولكن البيت الأبيض بدلا من أن يقف بجانب الشعوب ـ وحسب ما جاء في الرسالة المفتوحة ـ إذ به يصدر بيانات تميل إلى دعم الحكم الجديد في مصر تماما كما كان الحال في السابق حينما كانت الولايات المتحدة تدعم حكم حسني مبارك. فهل هذه الرسالة المفتوحة منصفة تجاه أوباما؟ أمثالنا من المراقبين عن بعد لا يمكن أن يفصلوا في هذا. ولكن الرسالة بما فيها كفيلة بأن تصدمنا على أية حال بوصفها رسالة مألوفة، بوصفها صورة مرآوية للشكاوى المؤلمة التي ترد من الثوار السوريين الذين يقاتلون البعث من جانب، ويرجون أن يصدّوا الإسلاميين في الجانب الآخر، وهم في أمس الحاجة إلى مساعدة منا، ولكنهم لا يحصلون عليها، وكل هذه الشكاوى ما هي إلا صورة مرآوية لما كنا نراه سابقا في عام 2009  من الإيرانيين الذين كانوا سيقدرون بضع إشارات قليلة من أمريكا تدعمهم في احتجاجهم على  الحكم الإسلاموي.
لكن كان بوسع كبار المفكرين الأمريكيين في 2009 أن يذهبوا ـ على الأقل ـ إلى أن الحكم الإسلاموي في إيران لم يكن موشكا على التداعي فلم يكن من ثم من معنى لمناصرة المحتجين. ولكن في هذه الأسابيع المبكرة من عام 2013، حيث لا يوجد من لا يزال يزعم بأن للإسلاموية حقا بديهيا في المنطقة كلها، فلا بد لهمهمات وشكاوى وصرخات الخيانة التي تصدر عن  أصدقائنا ورفاقنا اللبراليين وحلفائنا المقربين أن تطعننا في قلوبنا.

نشر الموضوع أصلا في نيو ريببليك في 22 فبراير 2013 ونشرت الترجمة صباح اليوم في جريدة عمان