الثلاثاء، 16 أكتوبر، 2012

ضفادع مو يان



ضفادع

مو يان

 

 أعترف أنني ـ وإن لم أعلن ذلك في وقتها ـ كنت أعارض زواج عمتي. وكان أبي وإخوتي وزوجاتهم يوافقونني الرأي. لأنه ببساطة لم يكن من وجهة نظرنا مناسبا. لقد كنا منذ صغرنا نتطلع إلى أن نرى "عمتو" وقد عثرت على زوج. وكانت علاقتها بـ "وانج زياتو" قد رفعت رأس العائلة في السماء، لكنها انتهت ورأس العائلة في الوحل. وبعده جاء "يانج لين"، وفي حين أن لين لم يكن الأمثل بالنسبة لها، إلا أنه كان في نهاية المطاف موظفا، أي مرشحا مقبولا ولا بأس به للزواج. اللعنة، لقد كان بوسعها أن تتزوج "كين هي" ـ الذي كان مفتونا بها ـ فتكون معه في حال أحسن من حالها مع  "هاو داشو"... كنا في ذلك الوقت نفترض أنها سوف تنتهي عانسا عجوزا، بل لقد كنا وضعنا خططا على ذلك الأساس، فتناقشنا فيمن سوف يرعاها حينما تهرم، ولكنها فجأة، وبدون أية مؤشرات مسبقة، تزوجت "داو هاشو".  في ذلك الوقت، كنت أنا و"الأسد الصغير" نعيش في بكين، وسمعنا الخبر، فلم نصدق آذاننا. وما كاد الواقع المستحيل يتأكد حتى حل علينا الغم.

بعد سنين، أصبحت "عمتو" نجمة في برنامج تليفزيوني عنوانه "ابن القمر" كان يفترض به أن يتناول حياة النحات "هاو داشو" ولكن الكاميرا كانت طول الوقت تتابعها هي في كلامها وإيماءاتها إذ ترحب بالصحفيين في فناء بيت هاو وتقودهم في جولة داخل ورشته ومخزنه الذي يحتفظ فيه بأشكاله الطينية، بينما جلس هو في هدوء داخل ورشته وعيناه محملقتان، وقد خلا وجهه من أي تعبير، كأنه حصان هرم حالم. ووقتها تساءلت إن كان كبار الفنانين يصبحون جميعا خيولا هرمة حالمة بمجرد أن يحققوا الشهرة؟ كان اسم "هاو داشاو" يتردد في أذني، برغم أنني لم أكن التقيت به إلا مرات قليلة. فبعد أن شاهدته ليلة أن أقام "زيانكوان" ابن أختي عشاء للاحتفال بقبوله طيارا، مضت سنوات قبل أن أراه من جديد، وهذه المرة من خلال التليفزيون. شاب شعر رأسه ولحيته، ولكن بشرته بقيت متوردة كما كانت، وبقي هو هادئا رزينا، بقي ذلك الشخص شبه  الترانسندنتالي. ومن ذلك البرنامج فقط عرفنا لماذا تزوجت عمتو من "هاو داشو".

أشعلت عمتو سيجارة، وأخذت نفسا عميقا، وبدأت تتكلم، والحزن يتسلل إلى صوتها. قالت "الزواج صنع في الجنة. ولست أرمي من هذا أن أروج لقضية المثالية بينكم يا شباب، فقد كنت أنا نفسي في زمن ما مادية متعصبة، ولكن في حالة الزواج بالذات، عليكم أن تؤمنوا بالقسمة والنصيب. مثله تماما" وأشارت إلى هاو داشو. "هل تتصورون أن يكون قد حلم في يوم من الأيام بأن أكون أنا زوجة له؟"

قالت "سنة 1997، عندما بلغت الستين، طلب مني رؤسائي أن أتقاعد، شئت هذا أم أبيته. وكنت بالفعل قد تجاوزت سن التقاعد بخمس سنوات، وما كان لأي شيء أقوله أن يمثل فارقا. تعرفون مدير المستشفى، الوغد هوانج جون ناكر الجميل، ابن هوانج باي من قرية هيزي. من في تصوركم الذي شد هذا الخراء ـ الذي يسمونه هوانج البطيخة ـ من بطن أمه؟ حسن، هو قضى له يومين في مدرسة الطب، ولما طلع منها بليدا كيوم أن دخلها، لم يكن يعرف كيف يضرب إبرة في شريان أو يعثر بسماعة على قلب، ولم يسمع يوما بمصطلحات بوصة، بار (وحدة قياس)، ذراع[i] عندما يفحص نبض مريض. فمن أحسن منه يعينونه مديرا لمستشفى؟ هذا الشخص دخل كلية الطب أصلا بفضل توصية مني لدى المدير شين في مكتب الصحة. ليكون جزائي منه التجاهل عندما يصبح هو المسئول. هذا المخلوق الشراني ليست له موهبة في الدنيا إلا هذه: إقامة العزائم، تقديم الهدايا، لحس المؤخرات، وإغواء النساء".

وإذ ذاك ضربت عمتو على صدرها ودبت بقدمها وقالت في غضب "كم كنت بلهاء لما فتحت الباب للذئب. أنا التي سهلت عليه طريقه إلى كل بنات المستشفى. وانج زياوماي، بنت سبعة عشر عاما من قرية وانج، كانت لها ضفائر جميلة وكثيفة، ووجه بيضاوي، وجلد في بياض العاج. رموشها مثل جناحي الفراشة، وعيناها تنطقان، وأي واحد كان يراها كان يقول إن المخرج السينمائي زانج ييماو لو اكتشفها لأصبحت أسخن في السوق من جونج لاي أو جانج زيياي في زمانيهما. لكن كان الذي اكتشفها للأسف هو شيطان الجنس هوانج البطيخة. سارع إلى قرية وانج، وبلسان يرد الروح للموتى تكلم مع أبوي زياوماي في أن يرسلا ابنتهما إلى المستشفى لتتعلم مني كيف تتعامل مع مشكلات النساء. قال إنها سوف تكون تلميذتي، ولكنها لم تقض معي يوما واحدا. بل احتفظ بها الداعر لنفسه، رفيقة بالنهار، وعشيقة بالليل. ولم يكن يكفيه هذا، بل كان يأخذها بالنهار أيضا، وهناك من رأوهما. وبمجرد أن شبع منها، رجع بها إلى مقر البلدية،  فأقام حفلات للمسئولين بفلوس الحكومة على أمل أن ينقلوه إلى المدينة الكبرى. ربما أنتم لا تعرفون شكله: وجه حمار طويل داكن الشفتين، لثة دموية، ونفس قاتل. وبرغم وجهه هذا، ظل يتصور أن لديه الفرصة لأن يكون مساعد المدير في مكتب الصحة! وكل مرة كان يسحب وانج زياوماي لتشرب وتأكل وترفه عن المسئولين، ولعله كان يقدمها لهم هدية، الحيوان! كان قطعة خالصة من الشر!

"وذات يوم استدعاني الوغد إلى مكتبه. وكانت نساء المستشفى تخشين التواجد في مكتبه، أما أنا فلا. كنت أحمل خنجرا، وما كنت لأتردد في استخدامه مع الوغد. حسن، صب لي شايا، وابتسم، ولبس وجه المهم. "لماذا أردت أن تراني أيها المدير هوانج؟ دعنا ندخل في الموضوع. ابتسم بعرض وجهه "ههه ههه يا عمتي الكبيرة" واللعنة عليه لو لم ينادني بـ "يا عمتي" ـ "أنت استقبلتني يوم مولدي، ورأيتني وأنا أكبر حتى أصبحت رجلا. لماذا؟ لأنني كان يمكن أن أكون ابنك. ههه ههه"... قلت "هذا شرف أنا لا أستحقه. أنت مدير مستشفى كبير، وأنا مجرد طبيبة نساء عادية. ولو أنك ابني لمت من الشرف. فمن فضلك، قل لي ماذا في رأسك" وبعد مزيد من الههه هههه لف ودار ثم كشف عن السبب الفضائحي الذي جعله يستدعيني. "لقد ارتكبت الغلطة التي يرتكبها كبار الكوادر طال بهم الزمن أم قصر، فبسبب تهوري أصبحت وانج زياوماي حبلى". قلت "مبروك. الآن زياوماي تحمل بذرتك التنينية، واستمرارية زعامة المستشفى مضمونة الآن" ... "لا تسخري مني يا عمتي الكبرى. إنني حزين منذ أيام لدرجة أنني لا أقوى على الأكل أو النوم".  أتصدقون أن الوغد فعلا اشتكى من عجزه عن الأكل والنوم؟ "هي الآن تطالبني أن أطلق زوجتي وتهددني إذا لم أفعل ذلك أن تبلغ عني لجنة الانضباط في المقاطعة... "بجد؟ كنت أتصور أن الزواج من ’ثانية’ شائع بين المسئولين هذه الأيام. اشتر لك فيلا وضعها فيها وتكون خلصت". قال "لقد طلبت منك ألا تسخري مني يا عمتي الكبرى. أنا لا أستطيع أن أتخذ في العلن لا ’ثانية’ ولا ’ثالثة’ حتى لو معي من المال ما أشتري به فيلا". قلت "إذن عليك أن تطلق". طال وجه الحمار الطويل أصلا وقال "عمتي الكبرى أنت تعرفين أن حماي وأصهاري أولاد كلب بلطجية. وحياتي لن تساوي عندهم شيئا إذا عرفوا بهذا" ... "ولكنك مدير، ومسئول" ... "خلاص، كفاية، يا عمتي الكبرى أعرف أن مدير مستشفى في بلدة نائية وتافهة لا يساوي في نظرك الكليل أكثر من ضراط صاخب، فليتك بدلا من السخرية تساعديني في الوصول إلى حل"... "وأي حل يمكنني الوصول إليه؟". قال إن "وانج زياوماي معجبة بك. وهي نفسها قالت لي هذا مرارا. أنت الشخص الوحيد الذي سوف تستمع إليه" ... "وماذا تريدني أن أفعل؟" ... "أقنعيها بالإجهاض" ... قلت وأنا أصر على أسناني "هوانج يا بطيخة ... أنا لن أوسخ يدي ثانية بهذا العمل البغيض. لقد كنت على مدار حياتي مسئولة عن أكثر من ألفي حالة إجهاض، ولن أفعل هذا مرة أخرى. اصبر على نفسك إلى أن تصبح أبا. زياوماي بنت جميلة، ولا بد أنها سوف تهديك طفلا جميلا أو طفلة جميلة، والمفروض أن يفرحك هذا. اذهب فقل لها إنني سأكون موجودة حينما تحين ساعة الولادة".

"قلت الكلمتين واستدرت خارجة من المكتب مبسوطة من نفسي. ولكن ذلك الإحساس لم يدم إلا إلى حين رجعت مكتبي وشربت كوب ماء. تعكر مزاجي. شخص في وضاعة هوانج البطيخة لا يستحق وريثا، والفضيحة الحقة أن وانج زياوماي هي التي تحمل طفله. لقد عرفت الكثير من توليد كل أولئك الأطفال، وعرفت أن جوهر الإنسان ـ صالحا كان أم طالحا ـ تحدده الطبيعة لا التطبع. يمكنكم انتقاد قوانين الوراثة كيف تشاءون، ولكن هذه معرفة مستقاة من تجربة. يمكنكم أن تأخذوا ابن هوانج البطيخة الشرير وتضعوه في معبد بوذي، وسيكبر فلا يكون إلا راهبا داعرا. وبغض النظر عن مدى أسفي لوانج زياوماي وإصراري ألا أغسل مخها، كنت ببساطة لا أستطيع أن أريح ذلك الشيطان وأجد له مخرجا يسيرا من ورطته. ولو كان الثمن هو أن يبتلى العالم براهب داعر آخر، فليكن".

"لكن زياوماي نفسها جاءتني، واحتضنت ساقي بين ذراعيها، ووسخت بنطلوني بدموعها ومخاطها، وقالت وهي تنتحب "عمتو، عمتو الحبيبة، ضحك عليّ، كذب عليّ. ولا يمكن أن أتزوج ذلك الوغد ولو جاء إليّ بمحفة يحملها ثمانية رجال. ساعديني يا عمتو، خلصيني من بذرة هذا الشيطان".

"وذلك ما كان" أشعلت عمتو سيجارة أخرى، ونفثت بضراوة، حتى لم أعد أتبين وجهها وسط الدخان. "ساعدتها في التخلص من الجنين. وإذا بوانج زياوماي، الوردة اليانعة الموشكة على التفتح، وقد صارت حطاما، صارت امرأة ساقطة". رفعت عمتو يدها وجففت دموعها. "وحلفت ألا أجري هذه العملية مرة ثانية، لم أعد أستطيع أن افعلها مرة أخرى، لأي أحد، حتى لو كانت المرأة تحمل نسل شمبانزي. لن أفعلها. صوت البلع الذي يصدر عند سحب [الجنين] إلى الزجاجة الخاوية يبدو كما لو أنه صوت يد وحشية تعصر قلبي، وتقسو عليه وتقسو، إلى أن يبدأ العرق البارد يتفجر مني وأشرع في رؤية النجوم، ولا أنتهي إلا وقد تكورت على الأرض.

"عندكم حق، أنا أستطرد في الكلام ـ أنا كبرت. وبعد كل هذه الثرثرة، لم أخبركم حتى الآن لماذا تزوجت هاو داشو. حسن، أعلنت تقاعدي في اليوم الخامس عشر من الشهر القمري السابع، ولكن الوغد هوانج البطيخة أراد أن يستبقيني بجواره فشجعني أن أتقاعد رسميا على أن أبقى ضمن كشف الرواتب على ثمانمائة يوان في الشهر. بصقت في وجهه. قلت له "أنا استعبدت نفسي لديك بما يكفي أيها الوغد. أنت لا بد أن تشكرني على ثمانية من كل عشرة يوانات تدخل إلى هذه المستشفى على مدار كل تلك السنوات. فالنساء والبنات اللاتي تأتين إلى هذه المستشفى من كل المنطقة، يأتين على اسمي أنا. ولو كانت الفلوس هي التي تعنيني، لكنت عملت لنفسي ألفا في اليوم على الأقل. هل تتصور فعلا أنك يمكن أن تشتريني بثمانمائة يوان في الشهر يا هوانج البطيخة؟ والعامل المهاجر يستحق أكثر من هذا. لقد استعبدت نصف حياتي، والآن حان الوقت لأستريح، وأرجع إلى شمال شرق جاومي". غضب مني وقضي أغلب السنتين الماضيتين وهو يحاول أن يجعلني أعاني. أنا أعاني؟ أنا امرأة دارت وشافت. كنت عيلة بضفائر ولم أخف من الشياطين اليابانيين، فما الذي جعله يتصور أن أخاف من وغد ضئيل مثله وأنا في السبعينيات؟ صح، صح، نرجع لما كنت أقوله".

"إذا كنتم تريدون أن تعرفوا لماذا تزوجت هاو داشو، فلا بد أن أبدأ بالضفادع. تجمع بعض الأصدقاء القدامى في حفل عشاء ليلة أن أعلنت تقاعدي، وعلى آخر الليلة كنت سكرانة، لم أكن شربت كثيرا، أقل ربما من ملء سلطانية، لكنه كان مشروبا رخيصا. زاي زياوكيو، ابن صاحب المطعم زاي بايجاو، ولد من أولاد البطاطا، من مواليد مجاعة 63، هذا الولد فتح زجاجة ووليانجاي فائقة القوة على شرفي كما قال، لكنها كانت مغشوشة، ودار رأسي. وكل الذين على المنضدة بدوا مهزوزين، غير قادرين تقريبا على الوقوف، وزاي زياكيو نفسه ملأ الزبد فمه وانقلبت عيناه في وجهه.

قالت عمتو إنها خرجت من المطعم تتطوح، متجهة إلى سكن  المستشفى، ولكنها انتهت في منطقة مستنقعات قي درب ضيق محاط من على جانبيه بالغاب العالي. كان نور القمر ينعكس على المياه من حولها وضاء كالزجاج. كان نقيق الضفادع يتردد من جانب، ثم من آخر، من الأمام ومن الخلف، كأنه كورال متعدد النغمات. ثم جاء النقيق من كل اتجاه في وقت واحد، موجات تلو موجات فاضت على السماء. وبغتة، ساد صمت تام، لم يكسره إلا أزيز الحشرات. قالت عمتو إنها على مدار كل السنوات التي عملت فيها طبيبة، وسافرت شمالا وجنوبا عبر طرق نائية وفي أوقات متأخرة من الليل، لم تشعر ولو مرة واحدة بالخوف. لكن الخوف شلها في تلك الليلة. صحيح أن نقيق الضفادع عادة ما يوصف بقرع الطبول، لكنه بدا لها في تلك الليلة شبيها بالصرخات البشرية، وكأنما الآلاف من الأطفال حديثي الولادة يبكون معا. وطالما كان ذلك البكاء من أحب الأصوات إليها، فبالنسبة لقابلة، ليس في الدنيا صوت يعلو على موسيقى الروح إذ تشق طريقها في بكاء طفل وليد. قالت إن الشراب الذي تناولته في تلك الليلة ترك جسمها كالعرق البارد. "لا تتصوروا أني كنت سكرانة وأخرف، إذ ما كاد الشراب ينضح من مسامي، تاركا إياي أعاني قليلا من الصداع، حتى صفا ذهني". وفيما راحت تمشي على الدرب الموحل، لم تكن تريد شيئا إلا أن تهرب من النقيق. ولكن كيف؟ مهما حاولت الابتعاد، كانت الأصوات الباردة ـ أصوات النقيق ـ تخترقها من كل اتجاه. حاولت أن تجري فلم تقو، فقد كانت الأرض الدبقة تلتصق بنعلي حذائها، حتى ليصعب عليها أن ترفع قدمها منتزعة الخطوط الفضية التي تربط حذاءها بأرض الطريق. ولكنها لا تكاد تطأ بقدمها الأرض مرة أخرى حتى يتشكل المزيد من الخطوط الفضية. فخلعت الحذاء لتمشي بقدميها الحافيتين، فما زاد ذلك إلا من قبضة الطين على قدميها. قالت عمتو إنها جثت على يديها وركبتيها مثل ضفدعة عملاقة وأخذت تزحف. فالتصق الطين بركبتيها وعقبيها ويديها، ولكنها لم تكترث لذلك ومضت تزحف. قالت، وفي تلك اللحظة طلع من وراء ستائر الغاب الكثيفة ومن وسط زهور اللوتس عدد لا نهائي من الضفادع صارت تأتلق في نور القمر. بعضها كان أخضر زمرديا، وبعضها أصفر ذهبيا، وبعضها ضخما في حجم مكواة كهربائية، وبعضها صغير في حجم البلح. أعين البعض كانت مثل كرات الذهب، وأعين البعض مثل الحبوب الحمراء. غمرتها غمر موجات المحيط، طاغية عليها بنقيق غاضب، وبدا كما لو أن كل تلك الأفواه كانت تنقر جلدها، بدا كما لو كان طلع لها أظافر فهي تنهش بها جسمها. وتحت وطأة ثقلها الشديد وهي تتواثب فوق ظهرها ورقبتها ورأسها، انبطحت هي على الطريق الطيني. قالت إن أكثر ما كانت تخافه في تلك اللحظة لم يكن نقر الضفادع ونهشها، بقدر ما  هي لزوجتها وبرودتها المقززة فوق الاحتمال، والتصاق جلودها بجلدها. قالت إن "الضفادع أغرقتني بالبول، أو لعله المنيّ". وقالت إنها تذكرت أسطورة كانت سمعتها قديما من جدتها عن إغواء الضفدع: كانت فتاة عذراء تستروح ذات ليلة على ضفة النهر، حينما غلبها النوم وحلمت أنها نائمة بين ذراعي شاب متسربل بالأخضر. ولما استيقظت وجدت نفسها حبلى وأنجبت في النهاية سرب ضفادع. ذكرى تلك الصورة المرعبة بثت فيها طاقة متفجرة فقامت واثبة على قدميها تزيح الضفادع عن نفسها كأنها وسخ من الطين. لكنها لم تزحها جميعا، تشبثت بضع ضفادع بثيابها وشعرها، بل إن ضفدعين ظلا يقبضان بفميهما على حلمتي أذنيها، قرطين من البشاعة. وفيما هي تشرع في الجري شعرت أن الطين بطريقة أو بأخرى فقد قوته اللاصقة، وفيما هي تجري كانت تهز جسمها وتمزق ثيابها وجلدها بأظافرها. وكان تصرخ كلما وقعت يدها على ضفدع وتطيح به بعيدا. أما الضفدعان اللذان كانا متشبثين بأذنيها تشبث طفلين يرضعان فنزعا قطعا من الجلد وهي تنزعهما عن نفسها.

صرخت عمتو وجرت ولكنها لم تستطع الفرار من جيش الزواحف. ولما استدارت لترى ما خلفها، أوشك ما رأته أن يخرج روحها من جسمها. آلاف الضفادع، بل عشرات آلاف الضفادع تشكل جيشا عرما من ورائها، وكلها تتواثب وتتصايح وتتصادم وتتزاحم فكأن طوفانا حالكا يسرع صوبها في جنون. وفيما هي تجري، كانت الضفادع تثب من جانبي الطريق إلى نهر الطريق مشكلة حواجز تعوق تقدمها، بينما ضفادع أخرى تقفز من وراء ستائر الغاب في هجمات فردية. حكت لنا أن  أن الفستان الحريري الهفاف الذي كانت ترتديه في تلك الليلة تمزق بسبب تلك الهجمات. كانت الضفادع المهاجمة تبتلع أشرطة الحرير فتهتاج قبل أن تنقلب على الأرض كاشفة عن بطونها البيضاء.

ظلت تجري حتى وصلت إلى ضفة النهر، ورأت جسرا حجريا يغسله نور القمر الفضي. وفي ذلك الحين لم يكن قد بقي لها من فستانها شيء يذكر، فلما بلغت الجسر عريانة تماما، اصطدمت بـ هاو داشو.

ساعتها لم تفكر في الاحتشام، ولا هي كانت تعي أنها عارية. لقد رأت رجلا يرتدي معطف مطر من السعف ويعتمر قبعة مخروطية من البامبو جالسا في منتصف الجسر يعجن بين يديه شيئا. "عرفت بعد ذلك أنه كان يعجن كتلة صلصال. فليس من الممكن نحت طفل القمر إلا من صلصال معجون في نور القمر. لم أكن أعرف من هو، لكنني لم أهتم. ليكن من يكون، إنما هو خلاصي". أسرعت تلوذ بذراعي الرجل وتتسلل تحت معطفه، ولما مس نهداها صدره، وذاقت بعد برودة الضفادع المقززة المنتنة دفئه، بكت. "ساعدني، يا أخي الكبير، خلصني". وغابت عن الوعي.

أثارت حكاية عمتو الطويلة صور جيوش الضفادع في أذهاننا وجعلت القشعريرة تسري في ظهورنا. قطعت الكاميرا على هاو داشو الذي كان لا يزال جالسا كالتمثال، وكان قوام المشاهد التالية لقطات مقربة لتماثيله الطينية وللجسر الحجري الصغير، قبل أن ترجع الكاميرا إلى وجه عمتو، وتركز على فمها. قالت:

"صحوت لأجد نفسي على سرير هاو داشو الحجري، مرتدية ثياب رجل. بكلتا يديه قدم لي سلطانية من حساء الفاصوليا، أفقت على رائحتها البسيطة. بدأت أتعرق من سلطانية واحدة، وأدركت فجأة كم تأذيت وكم كان جلدي ملتهبا. ولكن ذلك الإحساس المقزز بالبرودة الذي جعلني أصرخ كان يتلاشى. كانت في جسمي كله أورام مؤلمة حارقة، وكنت محمومة، ومهتاجة. وعانيت كي أشرب حساء فاصوليا هاو داشو، وبدأت أشعر بوجع عظامي. كنت قد سمعت أسطورة البعث الجديد، وعرفت أنني سوف أكون امرأة جديدة. ولما استعدت عافيتي قلت لهاو داشو "يا أخي الكبير، تعال نتزوج".

 


نشر هذا الفصل من "ضفادع" في عدد ربيع 2012 من مجلة جرانتا الأمريكية مترجما إلى الإنجليزية بقلم هوارد جولدبلات ونشرت هذه الترجمة العربية صباح اليوم السادس عشر من أكتوبر 2012 في ملحق شرفات
 




[i]   ‘inch, bar, and cubit’ بوصة، بار (وحدة قياس)، ذراع ـ مصطلحات خاصة بعلم قياس النبض الصيني، ولمن يريد المزيد من المعلومات الرجوع إلى كتاب The Secret of Chinese Pulse Diagnosis  المتاح في جوجول بوكس