الأحد، 22 يوليو، 2012

كيف قسمت سوريا العالم


كيف قسمت سوريا العالم
مايكل إجناتييف



أفضى الصراع السوري إلى أمر أكثر أهمية وجذرية من مجرد الاختلاف في الرأي حول التدخل الخارجي. أففضى إلى شيء يتجاوز الجدال عما إذا كان يجدر بمجلس الأمن أن يخول السلطة باستخدام القوة. ما أفضى إليه هو أنه جعل سوريا هي اللحظة التي ينبغي للغرب فيها أن يرى أن العالم قد انشق حقا إلى نصفين. فالتحالف الفضفاض القائم بين الدول الديمقراطية الرأسمالية المكافحة يجد نفسه الآن وجها لوجه أمام دولتين شموليتين مستبدتين هما روسيا والصين، أمام شيء جديد على حوليات العلوم السياسية: أمام نظامي حكم يمثلان مزيجا من اقتصاد السوق والدولة البوليسية. ولسوف يدعم هذان النظامان الدول المستبدة مثل سوريا طالما صب ذلك في مصلحتيهما.
على مدار ستة عشر شهرا، انقلب الوضع من انتفاضة في بضع مدن، إلى حرب أهلية كاملة النطاق. والآن نراه وقد انقلب مرة أخرى ولكن إلى حرب بالوكالة بين القوى العظمى. فالروس يقومون بتسليح النظام ـ ولقد كان نظام الدفاع الجوي الروسي هو الذي أسقط الفانتوم إف فور التركية ـ والغرب يقوم الآن بتسليح الثوار. والسعوديون ودول الخليج يمررون الأسلحة مباشرة إلى السنة، لا سيما من لهم خلفية سلفية أو ذات علاقة بالإسلام الراديكالي. يتسرب السلاح من خلال الحدود مع لبنان وتركيا والعراق والأردن، ولقد أوكل إلى المخابرات المركزية الأمريكية القيام بالمهمة الصعبة بضمان وصول الأسلحة التركية على الأقل إلى الأيدي المناسبة لا إلى أتباع للقاعدة. وأصحاب الأيدي المناسبة هؤلاء لا يمكن إلا تخمينهم. ففي حرب كهذه، حتى المخابرات المركزية الأمريكية لا يمكن أن تكون على يقين من شيء.
إلى حد أن هناك استراتيجية في الجانب الغربي ـ وهذا افتراض ضخم ـ يبدو أنها تقوم على تغيير التوازن العسكري داخل سوريا بدون إدخال الولايات المتحدة والناتو في مواجهة مع حماة بشار الأسد في موسكو. هذه الاستراتيجية قد تؤدي ببطء إلى تحويل الزخم لصالح الثوار. فالمتمردون القرويون والمنشقون عن الجيش يتجمعون ببطء ليصبحوا قوة مقاتلة. وتسجيلات الفديو التي يطلقونها عبر يوتيوب لم تعد تبين فقط الضربات التي احتملوها وإنما تبين أيضا الأضرار التي ألحقوها بقوات الأسد. والمزيد من القرى والمدن خرجت من تحت سيطرة النظام، على الأقل في أثناء الليل.
لقد بات انشقاق كبار رجال النظام وجنرالاته عنه أمرا واضح الدلالة. فالنظام يفقد أعصابه وقدرته على بث الرعب. المجندون لا يتقدمون للتجنيد. الضباط السنيون يلزمون بيوتهم، وعبء الدفاع عن النظام واقع على أكتاف القلة العلوية. وكلا الجانبين، أي النظام وخصومه، يقاتلان الآن بهمجية من يعرف ما ينتظره في حالة الخسارة. وألسنة نار الصراع ترتعش الآن حول حواف دمشق . وليس من المحتمل أن تنتهي حرب سوريا إلا حينما تحيط ألسنة  هذه النار بقصر الأسد.
وفي حين يكسب الثوار الزخم داخل سوريا، فإن زعامة المعارضة السورية في المنفى تبدد هذا الزخم خارجيا. فحينما نزل هؤلاء القادة في الغرف الفندقية في القاهرة وقال لهم مسئولو الجامعة العربية ودبلوماسيون أجانب إن عليهم أن يوحدوا موقفهم، تدنى الاجتماع إلى فوضى عارمة. فالأكراد السوريون ـ على سبيل المثال ـ غرهم ما رأوه من نجاح إخوانهم في العراق فسعوا إلى الاعتراف بهويتهم الوطنية في سوريا ما بعد الأسد، لولا أن جماعات أخرى في المعارضة لم تكن مستعدة للقبول بهذا. ولسوف يكون من الصعب للغاية الوصول إلى جبهة موحدة بسبب انقسامات العشيرة والقبيلة والعرق والدين. كما أنه بات من الواضح أن الأسدين ـ الأب وابنه ـ كانا أمهر من القذافي في الحفاظ على ضعف معارضيهم بالخارج وانقسامهم. وهذه الانقسامات سوف تضيّع على المعارضة السورية أي فرصة في الحصول على أي قدر أكبر من المساعدة العسكرية الدولية، على هيأة ضربات جوية، وملاذات آمنة، ومناطق عازلة. فتصعيد التدخل لا يكون له معنى إلا إذا كان هناك نظام ينتظر أن يؤدي العمل العسكري إلى الحصول على السلطة.
في ليبيا، استطاع ثوار بنغازي أن يخرجوا معا بإدارة إقليمية كانت بمثابة غطاء كاف سمح للناتو أن يتدخل من جل تغيير النظام. غير أن مثل هذا لا وجود له في سوريا. ومن وجهة نظر الغرب، لدينا حرب وكالة دون أن يكون لدينا وكلاء يمكن الاعتماد عليهم. ومهما يكن النظام الذي سوف يظهر من بين الأطلال، سيكون نظاما يصوغه قادة الميلشيات الذين لا يدينون بالكثير للناتو أو للولايات المتحدة، ومن ثم فلن تكون لنا يد كبيرة في صياغة النتاجات السياسية عندما يسقط الأسد. قد يكون الإسلاميون الراديكاليون أكبر دينا لمن يقومون بتسليحهم من السعوديين.
القوى العظمى إذن في مواجهة تستضيفها المنطقة الأشد سخونة على كوكب الأرض، ضمن منافسة تفضي بالفعل إلى عدم الاستقرار في السياسات الداخلية في كل من الأردن ولبنان والعراق. ولسوف يستمر الوضع على ما هو عليه لبعض الوقت. فلا روسيا ولا الولايات المتحدة براغبتين في التصعيد الذي قد يصل بالحرب الأهلية السورية إلى نهايتها، خشية أن يؤدي هذا التصعيد إلى مواجهة بين القوتين. كما أن مما يحد حركة الروس والأمريكيين موقف كل منهم الخطير فيما يتعلق بالجارة إيران. فروسيا ساعدت إيران على إقامة برنامجها النووي، والصين بحاجة إلى النفط الإيراني وكلتاهما عازمتان على دعم دفاع إيران عن شيعة المنطقة ومن بينهم العلويون في سوريا، لا سيما حينما تكون الولايات المتحدة والسعودية مصطفتين خلف السنة.
لكن في حين أن روسيا والولايات المتحدة تريدان إبقاء المواجهة بينهما دون نقطة الغليان، فإن وكلاءهما ـ أي إيران وسوريا من جانب، وإسرائيل والعربية السعودية من الجانب الآخر ـ سوف يسعون إلى استدراجهما إلى الأعمق. وليس من الواضح ما إذا كانت واشنطن وموسكو سوف تقدران على احتواء هذا الضغط.
لقد كشف الصراع السوري عن حقيقة أن الغرب لا يفهم الكثير عن موقف روسيا والصين الجديد تجاه العالم. لقد قامت خطة كوفي عنان لسوريا على افتراض أن مصلحة روسيا الحقيقية هي أن تثبت للولايات المتحدة أنها الحليف الذي لا غنى عنه في خلق التحول في ما بعد الأسد. ومثل هذا الافتراض هو الذي قام عليه سعي عنان إلى الحصول على دعم الصين.
إن ما يجعل من سوريا لحظة مفصلية هو أن روسيا والصين تثبتان أنه ليست لهما أي مصلحة استراتيجية بعيدا عن الدكتاتورية، لا في سوريا ولا في أي مكان في العالم. فكل من روسيا والصين تنظران إلى سوريا لا من منظور السلام والأمن الدوليين أو حتى من منظور حقوق الإنسان، بل من منظور المنطق الاستبدادي الخاص بكل منهما. سوريا بالنسبة لبوتين هي الشيشان، وبالنسبة للصين هي التيبت. وهما يفهمان الأسد تمام الفهم. فالرجل يفعل ما سبق لكلتيهما أن فعلتاه مرارا، وهما تريدان من العالم أن يفهم جيدا أنهما سوف تدعمان أي دكتاتور يواجه مثل هذا النوع من التحديات.
ولا ينبغي لشيء من ذلك كله أن يكون لنا بمثابة صدمة. ففي هذه المرحلة ينبغي لنا أن نكون قد فهمنا النظامين الروسي والصين على حقيقتيهما. هي إذن ليست الصدمة، بل الدهشة.
في نهاية الحرب الباردة سنة 1989، قلنا لأنفسنا إن التاريخ أثبت أن لقصة الحرية نهاية سعيدة. فبمجرد أن يسمح النظامان في روسيا والصين بإصلاحات السوق، سوف تلي ذلك إصلاحات سياسية، لأن الشعوب التي تنعم بالحرية الاقتصادية لا بد لها أن تطالب بالحرية السياسية وبالديمقراطية أيضا. وما أكثر أن حاولت الشعوب ذلك منذ عام 1989 فقمعها النظامان.
فكرتنا عن قصة الحرية ذات النهاية السعيدة هي التي جعلتنا نخطئ في قراءة نوايا الصين وروسيا الاستراتيجية. تغاضينا عن المؤشرات التي تشي برفضهما تبني رؤية الغرب للعالم. روسيا قاومت توسيع الناتو حدوده ورفضت أن تمنح الحلف الضوء الأخضر فيما يتعلق بكوسوفو، ولكننا ظننا أن احتياجهم إلى رأس المال الأجنبي سوف تخفف من عنادهم  بمرور الوقت. والقادة الصينيون رفضوا تخفيض قيمة عملتهم وظلوا يسجنون المنشقين. ولكننا افترضنا أنهم سوف يتعاونون معنا في قضايا أخرى لأنهم يريدون الاندماج في الاقتصاد العالمي. ولوقت طويل للغاية ظننا أنهم قد يكونون وراءنا في مسيرة الحرية ولكنهم يسلكون نفس الاتجاه.
سوريا نهاية لكل هذا الأوهام، نهاية لمرحلة ما بعد الحرب الباردة التي ترافقت مع هذه الأوهام. إن جزءا كبيرا من الكوكب، يمتد من الحدود الروسية إلى المحيط الهادي مرورا بدول الجوار الروسية واقع في قبضة نخب قاسية عميقة الفساد أحادية الأحزاب. هذه النخب ـ في روسيا والصين ـ سوف تتقارب من بعضها البعض مع فهمها لحقيقة أنها تتبنى نفس الخيار الاستراتيجي. فكلتا النخبتين استخدمتا الرأسمالية في تقوية الاستبداد. وكلتاهما ترى العالم حلبة صراع بين النخب المماثلة لهما ذات السلطة اللامحدودة وبين النخب الغربية التي تحد من سلطاتها الحرية الديمقراطية.
عندما ينظر النظامان الروسي والصيني إلى العالم هذه النظرة فهما يسخران من رؤيتنا للتاريخ. هما يؤمنان أن التاريخ في صفهما. والأزمة الاقتصداية التي تدخل الآن عامها الخامس تؤكد  رؤيتهما لأن الدول الديمقراطية ينقصها التماسك والكفاءة، يغلب عليها الفساد والنفاق وأهم من كل ذلك الضعف. ومثلما قال بوتين نفسه في خطبة في موسكو في التاسع من يوليو "إن اقتصادنا يؤدي إلى إضعاف الدور الأساسي لما يوصف بالغرب التاريخي". وحيثما يتدخل الغرب ـ على طريقة التدخل في العراق وفي أفغانستان ـ محاولا أن يفرض ما يسميه بوتين بـ "دبلوماسية الصواريخ" يكون قد خرج عن المسار الذي يدعو إليه، وحيثما يفشل في أن يؤيد كلماته بالأفعال ـ كما في سوريا ـ يكون قد أثبت وجهة النظر الروسية والصينية بأن الغرب ضعيف.
سوريا تؤكد لنا أن حقبة التدخل الإنساني و"مسئولية الحماية" قد ولت، لأن هذه الحقبة قامت على افتراض بالتطور التاريخي ثبت زيفه. فكرة أن "المجتمع الدولي" ينبغي أن يتكاتف متوليا مسئولية حماية الشعوب من أنظمة الحكم الدموية لا تكون منطقية إلا مع افتراض أننا جميعا نريد للشعوب أن تعيش حياة لائقة محتملة. ولكن لا روسيا ولا الصين تؤمنان بهذه الرؤية. هما راضيان تمام الرضا عن عالم موجابي والأسد ويريان أن الغرب ـ برغم كل ما فيه من احتجاجات ـ راض مثلهما. لأننا في الغرب منهكون وقلقون بسبب أزمتنا الاقتصادية ولأن مسئولية حرية الشعوب أثبتت أنها مهمة مرهقة ومكلفة.
علينا أن نفهم هذا الانقسام الجديد الذي يشهده العالم وأن نتصرف بناء عليه. وما هي بحرب باردة جديدة. فليس هناك تنافس أيديولوجي ـ حتى الآن ـ يعطي لبوتين والقيادة الصينية استراتيجية توسعية. هما ليسا عدوين لنا بعد، نظرا لعدم تبنيهما مخططا لإزعاج نظام التحالفات القائم بين الدول. لكنهما خصمان، لهما مصالح معارضة لمصالحنا. وافتراض أنهما قد يكونان حليفين لنا في سوريا لم يكن خطأ من عنان وحده. بل لقد كان وهما علينا جميعا أن نفيق منه.
إن دفاع روسيا والصين  عن المستبدين يظهر في لغة القانون الدولي، ولكنهما لا تباليان مطلقا ببشار الأسد ولا بسيادته، وحينما تقترب نيران غضب الشعب السوري من قصر الأسد وتحيط به في نهاية المطاف، فإن روسيا والصين سوف تديران له ظهرهما. ولكن بعد أن تكونا قد وضعتا علامة تقول إن هذا العالم ليس عالمكم، ليس عالم الغرب، وإن التاريخ لا يسير في الوجهة التي تتصورونها، وإن عليكم أن تحسبوا حسابنا. وفي هذا عندهما كل الحق.


عن نيويورك رفيو أوف بوكس