الأحد، 22 يوليو 2012

موجز تاريخ النقود


لماذا رضينا بالمستطيلات الورقية الملونة ثمنا لكل شيء
موجز تاريخ النقود

جيمس سوروفيكي*


في القرن الثالث عشر، أجرى الإمبراطور الصيني قبلاي خان تجربة جريئة. كانت الصين في ذلك الزمان منقسمة إلى مناطق مختلفة كل واحدة منها تصدر عملتها الخاصة، وهو ما لا يشجع على التبادل التجاري داخل الإمبراطورية. فأصدر قبلاي خان مرسوما يقضي بأن تتخذ النقود شكل الأوراق.
لم تكن فكرة أصيلة تماما. فقد سبق لحكام من قبل أن اعتمدوا النقود الورقية، لكن ذلك كان متوازيا طول الوقت مع وجود العملات المعدنية التي كانت متداولة منذ قرون. جرأة قبلاي تمثلت في أنه سوَّد النقود الورقية (الـ تشاو chao) وجعلها الشكل الأساسي للعملة. وحينما قام التاجر الإيطالي ماركو بولو بزيارة الصين بعد زمن غير بعيد، عجب لما رأى الناس يستبدلون ببضائعهم وبجهدهم مجرد قصاصات من الورق. بدا له وكأنما القيمة تنشأ من الهواء.
كان قبلاي خان سابقا لزمنه: أدرك أن المهم في النقود ليس شكلها، ولا حتى ما تستند إليه، ولكن المهم هو أن يؤمن الناس بها إيمانا يكفي لاستعمالها. ولقد بات هذا المفهوم اليوم هو الأساس الذي تقوم عليه الأنظمة النقدية الحديثة التي تكتسب قيمتها من مساندة الحكومات وإيمان الناس. فالنقود بعبارة أخرى هي تجريد كامل ـ تجريد بيننا وبينه من الألفة ما يرقى إلى الحميمية، لكن تعقيده المتزايد يستعصي على أفهامنا.
يحن كثير من الناس  اليوم إلى أزمنة البساطة. وهذا أمر طبيعي في عالم لم تعد النقود فيه مجردة وحسب، بل إنها تصبح رقمية وافتراضية أيضا، وأصبحت فيه الحواسب الآلية تنفذ معاملات سوقية سريعة بدون أي تدخل بشري على الإطلاق، وأصبحت الاقتصاديات الخفية below-the-radar  تنشأ حول جميع أشكال العملات البديلة، وأصبحت الأزمات المالية العالمية تقع لأسباب يستعصي فهمها إلا على حملة الدكتوراه. في حين كان التفكير في غابر الأيام يرى أن النقود تمثل شيئا ما هو احتياطي من الذهب ذو قيمة حقيقية، ومن ثم لم تكن النقود بحاجة إلى حكومات تساندها.
غير أن النقود في حقيقة الأمر لم تكن يوما على هذا القدر من البساطة. وفي حين أن استعمالاتها ومعانيها تغيرت وتطورت على مدار التاريخ، فإن حقيقة أنها لم تعد تمثل أي جوهر هي في واقع الأمر مسألة طيبة. وإليكم السبب.
لنبدأ بسؤال عما تستخدم فيه النقود. يعرف علماء الاقتصاد المحدثون النقود في ضوء ثلاثة أدوار تلعبها في الاقتصاد:
النقود ((مخزن القيمة))، بما يعني أن النقود تسمح لك بإرجاء الاستهلاك إلى تاريخ لاحق.
النقود ((وحدة حساب))، بما يعني أنها  تتيح لك أن تفرض قيمة معينة لبضائع مختلفة بدون أن تضطر إلى مقارنتها. فبدلا من أن تقول إن ساعة روليكس تساوي  قيمة ست بقرات، يمكنك أن تقول إنها (أو البقرات) تساوي 10.000 دولار.
وهي ((وسيط للتبادل)) ـ طريقة سهلة وعملية لك ولي وللآخرين لتبادل السلع والخدمات بين بعضنا البعض.
جميع هذه الأدوار لها علاقة بالبيع وبالشراء، وهكذا هو تفكير العالم الحديث في النقود لدرجة أن نندهش إن فكر أحد فيها بطرق أخرى.
غير أن للنقود في الاقتصاديات القبَلية و"البدائية" غرضا مختلفا تماما، فما هي بمخزن للقيمة أو وسيط للتبادل وحسب، ولكن غرضها الأكبر أنها محرك اجتماعي. فالنقود بحسب ما يقول عالم الأنثروبولجي ديفيد جريبر في كتابه "الدَيْن: الخمسة آلاف عام الأولى" (الصادر عن دار ملفيل في 2011) كانت في تلك المجتمعات وسيلة "لترتيب الزيجات، وممارسة الأبوة، وتسوية النزاعات، ومواساة المكلومين، وطلب العفو في حالات ارتكاب الجرائم، والتفاوض على المعاهدات، واجتذاب الأتباع". لم تكن النقود إذن للبيع والشراء بل للمساعدة في الدفاع عن بنية العلاقات الاجتماعية.
كيف إذن أصبحت النقود قاعدة للتبادل التجاري؟ بحلول الوقت الذي تظهر فيه النقود للمرة الأولى في السجلات المكتوبة في بلاد ما بين النهرين في الألفية الثالثة قبل الميلاد، كانت لدى ذلك المجتمع بالفعل بنية مالية راقية، وكان التجار يستعملون الفضة معيارا للقيمة لضبط حساباتهم. ولكن النقد لم يكن بعد مستخدما على نطاق واسع.
ولكن في القرن السابع قبل الميلاد، حينما قدمت مملكة ليديا للعالم أولى العملات المعدنية المعيارية، حدث في ذلك الوقت أن بدأنا نرى أول استخدام للنقود بطريقة مفهومة. كانت مملكة ليديا تقع فيما يعرف اليوم بتركيا، عند ملتقي البحر المتوسط بالشرق الأدنى، وحيث كان التبادل التجاري شائعا بين الرحالة الأجانب. وهذا ـ كما يتبين ـ هو الوضع المثالي الذي يكون فيه للنقود نفع حقيقي.
لكي نفهم السبب، تخيلوا القيام بمبادلة تجارية في غير وجود النقود، أي من خلال المقايضة. (ولننح جانبا حقيقة أنه ما من مجتمع على الإطلاق اعتمد حصرا أو حتى في القدر الأكبر على المقايضة). مشكلة المقايضة الأساسية هي التي سماها عالم الاقتصاد وليم ستانلي جيفونز بـ "التزامن المزدوج للإرادات". بفرض أن لديك بضع موزات تريد أن تقايضها بحذاء، لن يكفي في هذه الحالة أن تجد شخصا لديه حذاء أو شخص يريد الحصول على الموز. فلكي تتم المقايضة، تكون بحاجة إلى العثور على شخص لديه حذاء ويريد الموز. وتلك مهمة صعبة.
في وجود عملة مشتركة تصبح المهمة العسيرة يسيرة: فما عليك إلا أن تبيع موزاتك لشخص ما في مقابل نقود، وبها تشتري الحذاء من شخص آخر. ولو حدث ـ كما هو حال ليديا ـ وكان هناك أجانب تريد أن تشتري منهم أو تود أن تبيع لهم، فإن وجود وسيط مشترك للتبادل يكون أمرا واضح الأهمية. أي أن وجود النقود يكون له نفع خاص حينما يكون التعامل بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض وقد لا يرون بعضهم البعض مرة أخرى.
كان الفتح في نظام ليديا هو العملة المعدنية المعيارية. صنعت هذه العملة من مزيج من الذهب والفضة سمي بالـ إلكتروم electrum ، حيث كل عملة تماثل العملة الأخرى تماما، خلافا للماشية مثلا. وخلافا للماشية أيضا، لا تهرم العملات ولا تموت ولا تتغير بمرور الزمن. وهي أسهل في حملها والتنقل بها. واتبعت ممالك أخرى مملكة ليديا وحذت حذوها، وطغت العملة على حوض البحر الأبيض، وراحت الممالك تضع شعاراتها على العملات التي تسكها. وكان لهذا الأمر أثر مزدوج: فقد سهل تدفق التجارة، وأسس لسلطة الدولة.
ولا يزال يحلو للحكومات الحديثة أن تضع شعاراتها على النقود، لا على العملات وحدها. وهي تفضل ـ في العموم ـ أن تصدر النقود وتتحكم فيها ـ سواء كانت مادية أم رقمية ـ من خلال هيئات رسمية، وتفضل أن تكون المعاملات المالية (لا سيما الدولية منها) قابلة للتتبع. ومن ثم فالصعود الذي شهدناه مؤخرا للعملات البديلة مثل البيتكوين (التي تقوم على نظام تشفيري يسمح بالتعاملات المالية المجهلة والذي أثبت إلى الآن أنه غير قابل للتعقب) هو من الأشياء التي تتسبب للحكومات في شقاء ما بعده شقاء.
لم يكن انتشار النقود في شتى أرجاء حوض البحر المتوسط يعني الاستعمال العالمي للنقود. بل إن الأمر أبعد ما يكون عن هذا. فقد كان أغلب الناس في ذلك الزمان لا يزالون مجرد مزارعين يعيش القدر الأكبر منهم خارج الاقتصاد النقدي.
ولكن ازدياد شيوع النقود شجع على انتشار الأسواق. وهذا في واقع الأمر واحد من دروس التاريخ الباقية: ما أن تستولي النقود والسوق على جزء صغير من الاقتصاد حتى تشرع في استعمار البقية الباقية من الاقتصاد، وتدريجيا تلفظ المقايضة والإقطاع وما شاكلهما من الترتيبات الاقتصادية. وذلك يرجع جزئيا إلى أن النقود تسهِّل المعاملات السوقية كثيرا، ويرجع جزئيا إلى أن استعمال النقود يرغم الناس على إعادة تقييم سلعهم في ضوء الاقتصاد لا في ضوء الأعراف الاجتماعية.
سرعان ما تبنت الحكومات العملة لما سهلت جمع الضرائب وإنشاء القوات العسكرية. وفي القرن الثالث قبل الميلاد، ومع صعود روما، أصبحت النقود أداة مهمة لتوحيد الإمبراطورية وتوسيعها، مقللة تكاليف التجارة، وممولة الجيوش التي حافظت على قوة الإمبراطورية.
ثم حدث أن شهد انهيار الإمبراطورية الرومانية، الذي بدأ من القرن الثالث الميلادي، انهيارا لاستعمال النقود أيضا، في الغرب على الأقل. فتوقفت أجزاء سابقة في الإمبراطورية الرومانية ـ مثل بريطانيا ـ عن استعمال النقود. وإن ظل الناس في أماكن أخرى يستخدمون النقود في موازنة حساباتهم وتعقب ديونهم، وقام الكثير من الممالك الصغيرة بسك عملاتها. لكن تداول النقود بصفة عامة أصبح أقل مركزية، حيث تقلصت أحجام المدن وتراجع التبادل التجاري.
نال كذلك من أهمية النقود صعود المجتمع الإقطاعي. فالعلاقة الأساسية بين السيد والتابع لم تكن تحتوي على الدفع في مقابل الخدمات وإنما على قسم الولاء والوعد بالرعاية. لم تكن الأرض تشترى وتباع، بل كانت تخص الملك في نهاية المطاف، والملك كان يوكل استخدام الأرض إلى اللوردات، الذين كانوا بدورهم يخصصون قطعا منها لأتباعهم. ولم يكن الإقطاع يشجع على التجارة، فالإقطاعية، ومن ثم الدولة الإقطاعية كانت مجتمعا مغلقا ينشد الاكتفاء الذاتي. وفي وضع كذلك الوضع، ما أقل نفع النقود.
تراجع النقود في أزمنة الإقطاع جدير بالملاحظة؛ لأنه يكشف عن طبيعة النقود الجوهرية. فالنقود في أحد مظاهرها غير شخصية. بها يمكنك مثلا أن تجري معاملة مع شخص اسمه جيف بيزوس لا تعرفه ولعلك لم تقابله مطلقا، وهذا حسن. فطالما حسنت نقودك وبضاعته، يمكن لكليكما إتمام الصفقة. والنقود ـ بالمثل ـ تعزز نوعا من المساواة: فما دام لديك القدر الكافي من النقد، تكون كل الأبواب مفتوحة لك. وأخيرا، تشجع النقود الناس على تقييم الأشياء فقط في ظل قيمتها السوقية، وتحدد هذه القيمة في رقم.
هذه السمات تجعل للنقود قيمة كبرى بالنسبة للأنظمة المالية الحديثة: فهي تشجع على التجارة وتوزيع العمل وتقليل كلفة التعاملات المالية ـ أي التكلفة الناشئة من إجراء تبادل اقتصادي ـ كما أنها تجعل الاقتصاد أكثر كفاءة وإنتاجية. ولكن هذه السمات نفسها هي السبب في أن النقود تقضي على النظم الاجتماعية التقليدية، وهي السبب في الاعتقاد الشائع بأنه ما دخلت النقود في الصورة إلا وطغت العلاقات الاقتصادية على ما سواها.
فليس من المدهش في شيء أن يكون لوردات الإقطاع قد أهملوا النقد إهمالا يوشك أن يكون تاما. ففي عالمهم، كان الحفاظ على التراتبية الاجتماعية أهم بكثير من النمو الاقتصادي (ناهيكم عن الحرية الاقتصادية أو الحراك الاجتماعي). الانتشار الواسع لاستخدام النقود بما ينطوي عليه من معاملات غير شخصية  وقيم محسوبة كان كفيلا بالقضاء على النظام.
وبطبيعة الحال لم يدم انهيار النقود. بحلول القرن الثاني عشر، وفي حين كان الصينيون يجربون النقود الورقية، بدأ الأوربيون تبني رؤية جديدة للنقود: فبدلا من أن تكون شيئا يتم ادخاره أو إنفاقه، أصبحت النقود شيئا يتم استثماره، يتم تشغيله بهدف الحصول على المزيد منه.
جاءت الفكرة مع تجدد الاهتمام بالتجارة. ظهرت معارض التبادل التجاري في شتى أرجاء أوربا، مع ظهور مجتمع من التجار الذين بدأوا يمارسون نشاطهم في عموم القارة. هذه الفترة شهدت كذلك نشوء صناعة مصرفية في المدن/الدول الإيطالية. تلك المؤسسات الجديدة أنتجت جملة من الابتكارات المالية التي لم نزل نستخدمها حتى يومنا هذا، ومن بينها السندات الحكومية والتأمين. عززت البنوك من استخدام الائتمان والدين، فأصبحت تشغل موضعا مركزيا من الاقتصاد في ظل أن الملوك باتوا يقترضون من أجل تمويل مغامراتهم العسكرية وأن التجار باتوا يقترضون لتمويل عملياتهم التجارية بعيدة الآجال.
اختراع ورقة التبادل ـ الذي كان بمثابة حجر الأساس لنشوء النقد الورقي في الغرب ـ حدث هو الآخر في تلك الفترة. كانت وثيقة التبادل بمثابة تمهيد لصك الرحالة: وهو وثيقة تمثل مقدارا معينا من الذهب يمكن مبادلته بشيء حقيقي في مدينة مختلفة. كان التجار الرحالة قد وقعوا في غرام تلك الصكوك لانطواء حملها على قدر أقل من المخاطرة، وبقدر أقل من الجهد أيضا، بالمقارنة مع المعادن النفيسة.
بحلول القرن السادس عشر في أوربا، ظهر كثير من الأفكار المتعلقة بالنقود والتي لا تزال تحكم تفكيرنا فيها إلى اليوم. ومع ذلك بقيت النقود شيئا ماديا ـ سواء كان الذي تمثله ذهبا أم فضة. لم تكن العملة الذهبية ((رمزا)) لقيمة، بل ((تجسيدا)) لها، لأن الجميع كانوا يعتقدون أن للذهب قيمة جوهرية. وبالمثل، كان حجم النقود في الاقتصاد لا يزال مرهونا بالكم المتاح من الذهب والفضة. لم يكن حكام أسبانيا والبرتغال يقدرون كثيرا حدود هذا النظام، وإن يكن هو الذي مكنهم من نهب مستعمراتهم في العالم الجديد واكتناز مدخرات كثيرة من المعادن النفيسة التي استهلت بدورها مرحلة من التضخم العنيف والاضطرابات الهائلة في الاقتصاد الأوربي.
في أيامنا هذا تمتلك الدول بنوكا مركزية للإشراف على تدفقاتها المالية ولتحديد أسعار التبادل ولمقاومة التضخم، ومن ثم التحكم في سياساتها النقدية. وفي الولايات المتحدة هناك نظام الاحتياطي الفيدرالي، وفي منطقة اليورو هناك البنك المركزي الأوربي، وفي المالديف هناك الهيأة المالديفية للنقد، وهكذا. وحينما يريد الاحتياط الفيدرالي زيادة التدفق النقدي لا يكون عليه أن يذهب ليبحث عن زعيم القبيلة المكسو بالذهب. ولا هو يضطر إلى الاتصال بمطبعة النقود فيأمر بطبع المزيد من الدولارات، ففي واقع الأمر ليس هناك إلا عشرة في المائة فقط من التدفق النقدي الأمريكي ـ أي قرابة ترليون دولار من قرابة عشرة ترليونات من الدولارات ـ هو الذي يوجد على هيأة عملات ورقية ومعدنية.
بدلا من ذلك، يقوم الاحتياطي بشراء أوراق حكومية، كسندات الخزينة، من السوق، من بنوك خاصة، ثم يضخ نقودا في حسابات البنوك لديه. وحين تقوم البنوك بالإقراض والاستثمار وإنفاق هذه النقود الجديدة، يتزايد إجمالي التدفق النقدي المتداول. ولو حدث في المقابل أن أراد الاحتياطي تقليل التدفق النقدي، يفعل العكس: يبيع السندات الحكومية في السوق، للبنوك الخاصة ثم يخصم الأسعار من حسابات البنوك. فيكون لدى البنوك أموال أقل للإنفاق ومن ثم يقل التدفق النقدي.
الآليات المعقدة التي تعمل بها البنوك المركزية للحفاظ على الاقتصاديات تجعل نقاط الضعف التضخمية في الإمبراطورية الأسبانية تبدو في غاية السذاجة. لكن ضبط السياسة النقدية ـ والتلاعب الحاذق بأسعار الفائدة والتدفق النقدي وغيرهما من الآليات النقدية بحيث يبقى الاقتصاد يتوسع باطراد، وبمعدل خاضع للإدارة ودونما تضخم كبير، أو بطالة، أو دين، أو دورات من النمو والكساد ـ  لا يزال عملا غير مكتمل، كما يتبين لنا من الويلات التي يعاني منها الاقتصاد في أمريكا وأوربا.
نرجع إلى القرن السادس عشر: رؤية النقود بوصفها سلعة بدأت مع انتشار تبني العملة الورقية، التي وجدت أدفأ استقبال لها في المستعمرات الأمريكية. ففي سنة 1690 على سبيل المثال، أصدرت مستعمرة خليج مساتشوستس نقودا ورقية لتمويل حملة عسكرية، وفعلت ذلك دون أن تتعهد صراحة بأنها تضمن قيمة ذهبية أو فضية للنقود التي أصدرتها.
وفيما بعد، أثناء حرب الثورة الأمريكية، قام الكونجرس القاري بطبع "أوراق قارية" لتمويل ديون الحرب الجديدة التي استدانتها الدولة. هذه الأوراق كانت مدعومة من حيث المبدأ بقيمة من الذهب، ولكن أوراقا كثيرة صدرت بما يتجاوز بكثير قيمة المتاح من الذهب. ولما اكتشف الجنود والتجار أنهم سيحصلون على مستحقاتهم ورقا ليست له قيمة تقريبا، حدث رد فعل سلبي تجاه النقود، إلى حد أن دستور الولايات المتحدة مثلا منع الولايات من استخدام أي نقود غير العملات الذهبية والفضية. وذلك حتى عام 1862 ـ أثناء الحرب الأهلية ـ حينما مرر الكونجرس قانونا يسمح للحكومة بطبع النقود الورقية أو "الأوراق الخضراء".
لا أقول بهذا إن النقود الورقية لم تكن موجودة قبل ذلك. فحتى حين لم تكن حكومة الولايات المتحدة تسك شيئا إلا العملات المعدنية، كانت البنوك الخاصة تصدر ما تحول عمليا إلى آلاف العملات. ومثل الأوراق القارية في زمن الحرب، كانت تلك الأوراق البنكية نظريا مدعومة بالذهب، ولكن كان من الصعب على أي أحد أن يعرف حقا إن كانت تلك البنوك لديها فعلا من الذهب ما تدعم به أوراقها، فلم يكن ثمة نظام مراقبة للبنوك في ذلك الوقت. وليس من المدهش في شيء أن نعلم أن تلك الحقبة كانت حقبة ذهبية للتزوير والخداع. ولكن المدهش ربما هو أن أغلب البنوك نجحت في تحقيق توازن بين أوراقها النقدية واحتياطياتها الذهبية وأن الاقتصاد الأمريكي نما بنشاط.
في تلك الأثناء تبنى بنك انجلترا نهجا أشد هدوءا. ففي عام 1821 تبنى المعيار الذهبي، متعهدا بقياس أوراقه النقدية بالذهب عند طلب ذلك. ولما تبعته دول أخرى في ذلك، أصباح المعيار الذهبي هو القاعدة العامة للاقتصاديات المتطورة. وجاء اكتشاف حقول الذهب الجديدة طوال القرن التاسع عشر ليضمن استمرار نمو التدفق النقدي. وحقق المعيار الذهبي المرجو ومنه فأدى إلى استقرار الأسعار وكان مفيدا بدرجة هائلة للملاك والمقرضين. ومع ذلك أدى إلى الانكماش ـ أي إلى سقوط الأسعار بصفة عامة ـ لأنه مع ازدياد أعداد السكان ونمو الاقتصاد، لم يعد من السهل على الحكومات أن تزيد من التدفق النقدي في ظل عدم اكتشاف المزيد من مناجم الذهب، ومن ثم أصبحت النقود عمليا نادرة. تلك الانكماشات كان شاقة على المزارعين والمقترضين الذين كانوا يتوقون إلى قليل من التضخم لمساعدتهم على ديونهم، حينما تفقد النقود قليلا من قيمتها، فتقل بذلك ديون الناس.
وأيضا لم يمنع عيار الذهب الاقتصاديات من السقوط في الركود، فحينما كانت تسقط فيه ـ مثلما حدث فيما عرف بالكساد الطويل الذي استمر من 1873 إلى 1896 ـ كان أنصار العيار يواجهون بشدة تنفيذ الإجراءات الكفيلة ربما بإعادة الأمور إلى نصابها الصحيح، مثل تخفيض معدلات الفائدة أو ضخ المزيد من النقد في الاقتصاد. ونتيجة لذلك، كانت الاقتصاديات تحتاج إلى وقت طويل للتعافي.
وتبقى العقول المالية الحاذقة بطبيعة الحال قادرة على إيجاد طرق للالتفاف على القواعد. ويتبين أن وجود معيار ذهبي لم يحد تماما من نمو النقود. فقد ظل بوسع البنوك أن تقترض بضمات احتياطياتها الذهبية، وكانت البنوك تفعل ذلك بحرية. ويؤمن مؤرخو النقود الآن أن مقدار العملة الورقية المتدوال كان أعلى بكثير من مقدار الذهب والفضة اللذين كانا تحت أيدي البنوك. وهكذا، وبرغم بقاء النقود مرتبطة بالذهب في الأذهان، كانت النقود بالفعل قد بدأت تنفلت من أسر الذهب.
ولكن ما نحى معيار الذهب نهائيا هو الحرب العالمية الأولى. كانت الحكومات بحاجة إلى النقود لجيوشها، وكان احتياجها أكبر مما كان لديها من الذهب، فبدأوا ببساطة في الطباعة. ومع أن دولا كثيرة حاولت الرجوع إلى معيار الذهب بعد الحرب، إلا أن الكساد الكبير جاء فأنهى هذه المحاولات إلى الأبد.
والنتيجة؟ أن العملات اليوم باتت عملات "رسمية"، بمعنى أنها مدعومة بسلطة الحكومة التي تصدرها، ولا شيء أكثر. وذلك يعني في الولايات المتحدة على سبيل المثال أن الدولة تقبل الدولارات فقط في تحصيلها للضرائب وتطلب من المقرضين أن يقبلوا الدولارات في تحصيل ديونهم. لكن لو فقد الناس إيمانهم بالدولار، وكفوا عن التعامل به في معاملاتهم اليومية، سيفقد الدولار كل قيمة له.
يرى كثير من الناس في هذا وضعا مرعبا، ولذلك لم تتوقف الدعوات إلى الرجوع لمعيار الذهب. ويقال لنا إن الاعتماد على النقود الرسمية يعطي الحكومة قوة كبيرة، إذ بوسعها أن تطبع من النقود ما يعن لأهوائها. ولكن الحقيقة أن ذلك الأمر كان ممكنا طول الوقت. فحتى في ظل وجود معيار الذهب، كانت الحكومات تعيد تقييم عملاتها من وقت إلى آخر، فتفرض بذلك سعرا جديدا للذهب، أو أنها كانت تتجاهل الذهب كلما تشعر أنه يحد من حركتها، مثلما حدث أثناء الحرب العالمية الأولى.
وفوق ذلك، فإن القول بأن الذهب "حقيقي" أكثر من الورق هو محض وهم. فالذهب ذو قيمة لأننا بشكل جماعي قررنا أنه ذو قيمة ومن ثم نرضى بتقديم البضائع والخدمات في مقابله. وهذا لا يختلف في نهاية المطاف عن قرارنا الجمعي بأن المستطيلات الورقية الملونة ذات قيمة وأننا نرضى بتقديم البضائع والخدمات في مقابل الحصول عليها.
الواقع هو أنه خير لنا أننا انتقلنا من معيار الذهب ومن فكرة ضرورة ربط النقود بشيء سواها. فهذا، في المقام الأول، هو الحق: فبمجرد أن نبذنا فكرة مبادلة الشياه بالحلوى (وكل منهما له قيمته الجوهرية)، أصبحت النقود عرفا اجتماعيا، ولم تفعل النقود الورقية إلا أن جعلت هذا العرف أكثر وضوحا. وفي أيامنا هذه بدلا من أن نشغل أنفسنا بالبحث عن مناجم الذهب والفضة، بوسعنا أن نركز على كيفية الإدارة الحكيمة للتدفق النقدي لما فيه الصالح الأعم.
ثانيا، وهو أهم، أن التخلي عن معيار الذهب أعطى للبنوك المركزية مزيدا من المرونة في التعامل مع الانهيارات الاقتصادية.
الكسادات الآن لوالب منحدرة: بدلا من الإنفاق والاستثمار، يمسك الناس والمشاريع نقدهم، وبذلك يتقلص الطلب، مما يرغم المشاريع على تقليل الإنتاج، مما يؤدي إلى البطالة، مما يؤدي إلى المزيد من التقلص في الطلب.
أحد الحلول أن تقوم الحكومات بالمزيد من الإنفاق.  ولكن من المهم أيضا أن تقل معدلات الفائدة ليزداد التدفق النقدي فتسهل على الناس الاقتراض ومن ثم تقلل من عزوفهم عن الإنفاق. وهذه إجراءات يسهل على البنوك المركزية اتخاذها في ظل عدم اضطرارها إلى الانشغال بالتقيد بمعيار الذهب. كما أن فترات الكساد أصبحت أقصر وأهون منذ التخلي عن معيار الذهب. فحتى فترة الكساد العالمي الأحدث، وعلى قسوتها، كانت بسيطة للغاية إن قورنت بالكساد الكبير.
بالطبع، كل هذا التجاوز عن صلاحيات البنوك المركزية وتحكمها في التدفق النقدي هو بالضبط ما يروع منتقدي النقود الرسمية، لأنهم على قناعة بأن هذه الصلاحيات سوف تؤدي في نهاية المطاف إلى التضخم. والتاريخ يبين لنا أنه عندما تسرف الحكومات في الإنفاق فإن ذلك يفضي إلى تضخم كبير كما يؤدي إلى فقدان العملة قيمتها مثلما حدث في ألمانيا سنة 1923، وفي زمبابوي قبل سنوات قليلة.
لكن هذه الحوادث تبقى نادرة. فعلى مدار التسعين عاما الماضية، لم تشهد الولايات المتحدة وأوربا إلا نوبة تضخم كبيرة واحدة في عقد السبعينيات. وهذا سجل ينبغي أن يزرع فينا بعض الإيمان بأن البنوك المركزية ـ بصفة عامة ـ تتحلى بالمسئولية وبأن الاقتصاديات الصناعية السليمة ليست عرضة لدورة تضخم تتكرر. لكن هذا الإيمان صعب الاعتناق فيما يبدو، فكثير منا يبدون في قلق دائم من أن التضخم وشيك الحدوث، وأنه سيكون خارجا عن السيطرة.
هذا الخوف غير العقلاني ليس في نهاية المطاف إلا خرافة من الخرافات المرتبطة بنشأة النقود: فنحن لا نزال مؤمنين بأن النقود لا بد أن تكون مقيدة إلى شيء "ملموس". ونحن في هذا أشبه بماركو بولو ـ لا نزال مندهشين من أن يقوم اقتصاد بأكمله على بضع قصاصات من الورق.
ومع ذلك نقبل بها. فنحن منذ ما يربو على ثمانين عاما نعيش في عالم يمكن فيه صنع النقود من الهواء. فكما سبق وقلنا، بوسع البنوك المركزية أن تطبع النقود، وكذلك البنوك العادية. فحينما يمنح البنك قرضا، فإن ما يفعله هو أنه يضع هذه النقود في حساب المقترض، سواء كانت هذه النقود في يد البنك أم لا، ومسموح للبنوك أن تقرض بما يفوق حجم احتياطياتها. وهذا هو الحال مع قرض سكني، أو قرض سيارة، أو رهن عقاري، يحدث أن تضيف البنوك إلى التدفق النقدي.
من المؤكد أن هناك شيئا ما غريبا في هذا كله، وفترات مثل فقاعة الإسكان الأخيرة، عندما قامت البنوك بتقديم الكثير من القروض السيئة، ينبغي لها أن تذكرنا بمخاطر الاستدانة المفرطة. ولكننا نخطئ حينما نتصور أن هذه الفترات تنبهنا إلى ضرورة إيجاد قاعدة ملموسة للنظام النقدي. إن النقود اختراع اجتماعي، شأن اللغة. هي أداة يمكن استخدامها بإتقان أو بإخفاق، وخير لنا أن نكون أكثر حرية في استخدام أداة بين أيدينا.
على مدار التاريخ، تناقصت أهمية الجوهر المادي للنقود، لدرجة أن الناس يتكلمون الآن عن مجتمع بلا نقد. المزيج القوي المتألف من الحواسب ووسائل الاتصال والهواتف الذكية والميديا الاجتماعية ونظم التشفير والاقتصاديات الافتراضية، هذا المزيج هو وقود هذا الطرح القائل بالمجتمع اللانقدي. والتقدم الجاري ليس له معنى إلا لأن المهم في النقود ليس ما هي إياه، بل ما تفعله. والعملات الناجحة في نهاية المطاف هي العملات التي يستخدمها الناس: هي محرك التجارة، وهي التي تتيح للناس تبادل البضائع والخدمات، وهذا يشجع الناس على العمل والابتكار. ولقد وصف عالم الاجتماع الألماني جورج سيميل النقود بأنها "التفاعل المحض"، وهو وصف يبدو مناسبا، فحينما تعمل النقود بنجاح لا تكون شيئا بقدر ما تكون عملية.
وهذا ربما هو الذي فهمه قبلاي خان قبل سبعة قرون، ولم نزل نحن نحاول أن نفهمه.
* جيمس سوروفيكي، كاتب ومحرر اقتصادي في "ذي نيويوركر".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق