الأحد، 22 يوليو، 2012

لماذا تعود الماركسية من جديد


لماذا تعود الماركسية من جديد
ستيوارت جيفرز ـ الجارديان


بدا الصراع الطبقي ذات يوم شديد الوضوح. كتب ماركس وإنجلز في ثاني أكثر الكتب مبيعا في التاريخ، أعني "البيان الشيوعي" يقولان "ومن ثم فإن البرجوازية تنتج ـ فوق كل ما تنتجه ـ حفاري قبورها. وإن سقوطها وانتصارا البروليتاريا الاثنين محتومان بالقدر نفسه". (يذكر أن أكثر الكتب مبيعا في التاريخ هو الإنجيل، وإن كان المرء يشعر أن ذلك الشرف مستحق لرواية "خمسون درجة من الرمادي" [وهي رواية عاطفية ساخنة صدرت في السنين الأخيرة].
واليوم، بعد 164 عاما من كتابة ماركس وإنجلز لحفاري القبور، توشك الحقيقة أن تكون النقيض الدقيق لما قالاه. فما أبعد البروليتاريا عن دفن الرأسمالية، بل إنها هي التي تبقيها على قيد الحياة. فالعمال الذين يعملون أكثر ويقبضون أقل، والذين تحرروا ظاهريا بفعل أضخم ثورة اشتراكية في التاريخ (أعني ثورة الصين) منساقون إلى شفا الانتحار لكي يهنأ أولئك الذين في الغرب باللعب أجهزة الأيباد. والنقود الصينية هي التي تدور في أمريكا التي لولا هذه الأموال لكانت أفلست.
لم تغب هذه المفارقة عن كبار المفكرين الماركسيين. فجاك رانسييه المفكر الماركسي الفرنسي وأستاذ الفلسفة بجامعة باريس الثامنة يقول إن "السيطرة  العالمية التي تحظى بها الرأسمالية اليوم تعتمد على وجود الحزب الشيوعي الصيني الذي يوفر للمؤسسات الرأسمالية المحلية عمالة رخيصة وبذلك يتسنى لها تخفيض الأسعار في حين يحرم هو العمال من الحق في إدارة أنفسهم". غير أنه يستدرك قائلا إنه "مما يبعث على السعادة أن من الممكن الحلم بعالم أقل عبثية وأكثر عدالة من عالمنا اليوم".
ذلك الحلم هو الذي ربما يفسر حقيقة أخرى غريبة من حقائق أزمتنا الاقتصادية الكارثية، أعني عودة الاهتمام بماركس والفكر الماركسي. لقد ارتفعت مبيعات "رأس المال" ـ رائعة كارل ماركس في الاقتصاد السياسي ـ ارتفاعا جنونيا منذ العام 2008، شأنها شأن مبيعات "البيان الشيوعي" و"موجز نقد الاقتصاد السياسي". ارتفعت مبيعات هذه الكتب في الوقت الذي قام فيه العمال البريطانيون بإنقاذ البنوك بأموالهم، للحفاظ على النظام القائم وعلى مكانة العائلات الثرية الراسخة، في حين تعاني بقيتنا من نضالها مع الديون، ومع القلق الوظيفي وربما مع ما هو أسوأ. بل إن هناك مخرجا مسرحيا صينيا يدعى "هي نيان" استثمر صعود "رأس المال" في إعداد عرض مسرحي موسيقي غنائي راقص.
وقد حدث في واقعة هي الأكثر ظرفا وتناقضا مع المفكر الثوري الملتحي الجاد أن وقع الاختيار على كارل ماركس مؤخرا ضمن قائمة من عشرة أشخاص مرشحين لأن تظهر صورهم على الإصدار الجديد من بطاقة ماستركارد الائتمانية التي سوف يحملها عملاء بنك سباركاسي الأماني في شيمنيتس. هذا وشيمنيتس هذه كانت معروفة في ألمانيا الشرقية الشيوعية في الفترة من 1953 إلى 1990 بمدينة كارل ماركس. ومن الواضح أن المانيا الشرقية سابقا لم تنجح بعد مرور أكثر من عقدين على هدم سور برلين في التخلص من ماضيها الماركسي تمام التخلص. ففي 2008، نقلت وكالة رويترز عن دراسة مسحية أن 52% من الألمان الشرقيين يعتقدون أن اقتصاد السوق الحرة "غير مناسب" وأن 43% منهم أعربوا عن رغبتهم في رجوع الاشتراكية. كارل ماركس إذن ـ وإن مات ودفن في مقابر هايجيت ـ لا يزال حيا وفاعلا في أوساط الألمان الجياع إلى الديون. هل كان ماركس سيقدر المفارقة الكامنة في وضع صورته هو على بطاقة يمعن بها الألمان في الاستدانة؟ فكروا.
يحضر الآلاف في نهاية هذا الأسبوع [نشر المقال في 4 يوليو الجاري] مهرجانا يقام على مدار خمسة أيام ينظمه حزب العمال الاشتراكي بعنوان "الماركسية 2012". وهذه المهرجان يمثل فعالية سنوية، لكن ما يلفت نظر المنظم جوزيف تشونارا هو أن أغلبية حضور هذه الفعالية في السنوات الأخيرة هم من الشباب. يقول جوزيف تشونارا إن "عودة الاهتمام بالماركسية، لا سيما بين الشباب، ينبع من أنها تمثل أداة لتحليل الرأسمالية، وبالذات لتحليل الأزمات الرأسمالية كالتي نمر بها الآن".
لقد صدر كم كبير من الكتب التي تروج لأهمية الماركسية في اللحظة التي نعيشها. فأصدر تيري إجلتن أستاذ الأدب الإنجليزي في العام الماضي كتابا بعنوان "لماذا كان ماركس على حق". وأصدر الفيلسوف الماوي الفرنسي "آلن بادو" كتيبا أحمر بعنوان "الفرضية الشيوعية" تتصدر غلافه نجمة حمراء (أمر شديد الماوية، شديد الآنية) ولقد جمع في كتيبه هذا كل ما يشير إلى قرب بزوغ الحقبة الشيوعية الثالثة (الحقبتان الأوليان تمتد أولاهما منذ تأسيس الجمهورية الفرنسية سنة 1792 وحتى مذبحة باريس سنة 1871، والثانية منذ 1917 وحتى انهيار ثورة ماو الثقافية سنة 1976). أليس كل هذا وهما؟
أليس نفع أفكار ماركس الجليلة لنا هو مثل نفع النول اليدوي في إثبات مقدرة أبل ماكنتوش على الابتكار؟ أليس الحلم بالثورة الاشتراكية والمجتمع الشيوعي منبت الصلة بـ 2012؟ إنني أقترح على رانسييه النظر في أن البرجوازية لم تنتج حفاري قبورها ولكن رانسييه يأبى التشاؤم فيقول "إن البرجوازية تعلمت كيف تحمل المستغَلين على دفع ثمن أزمتها وكيف تستخدمهم في الانتصار على خصومها. ولكننا لا ينبغي أن نقلب فكرة الحتمية التاريخية ونخلص إلى أن الوضع الراهن مؤبد. فحفارو القبور لا يزالون موجودين على هيأة عمال يعملون في ظروف غير مستقرة شبيهة بأوضاع العمال في مصانع الشرق الأقصى. والحركات التي يشهدها العالم اليوم ـ في اليونان وغيره ـ تشير إلى أن هناك إرادة جديدة في أن لا نسمح لحكوماتنا ومصرفيينا بنقل أزمتهم إلى الشعب".
هذه ـ على الأقل ـ هي رؤية ماركسي تجاوز السبعين من العمر. فماذا عن حالة الماركسية بين الشباب؟ أوجه سؤالي إلى جازوندر بلاكويل بال ـ طالبة الدراما واللغة الإنجليزية ذات الـ 22 عاما في كلية دولدسميث، والتي أنهت مؤخرا دراستها، أسالها لماذا ترى أنه لا تزال للفكر الماركسي صلة قائمة بالواقع فتقول إن "الشباب لم يشهدوا الزمن الذي كانت فيه تاتشر في السلطة أو الزمن الذي كان ماركس فيه مرتبطا بالاتحاد السوفييتي. إننا نميل إلى رؤية الماركسية بوصفها طريقة لفهم واقعنا اليوم. انظروا إلى ما حصل في مصر. لقد كان سقوط مبارك إلهاما. كان سقوطه تكسيرا لكثير من الأنماط الراسخة ـ فلم تكن الديمقراطية [وفقا لأحد هذه الأنماط] بالشيء الذي تقاتل من أجله الشعوب في العالم الإسلامي. مصر أثبتت أن الثورة عملية تجري لا حدث ينتهي. فقد شهدت مصر ثورة، وثورة مضادة، وثورة مضادة للثورة المضادة. ما تعلمناه منها هو أهمية التنظيم".
من المؤكد أن هذا هو مفتاح فهم صعود الماركسية في الغرب: فهي في أعين الشباب غير ملطخة بالمعتقلات الستالينية. أما الانتصار الذي أعلنه فرانسيس فوكوياما في كتابه الصادر سنة 1992 بعنوان "نهاية التاريخ" ـ والذي بدت فيه الرأسمالية أمرا مفروغا منه، وشيئا لا يمكن الإطاحة به ـ فهو أقل خنقا لخيال الشباب منه لمخيلة الكبار.
بلاكويل بال سوف تحاضر  يوم الخميس عن تشي جيفارا والثورة الكوبية خلال مهرجان "الماركسية 2012". تقول في توتر "إن هذه سوف تكون أول مرة أتكلم فيها عن الماركسية". ولكن ما مغزى الكلام عن جيفارا وكاسترو في هذا اليوم وفي هذا العصر؟ فلا شك أنه لا مجال للثورة الاشتراكية العنيفة في النضال العمالي الحالي؟ تقول بلاكويل بال إنه "لا مجال لذلك بالمرة" ولكن "ما يجري في بريطانيا مثير جدا للاهتمام. إن لدينا حكومة ضعيفة، بالغة الضعف، غارقة في مستنقع، وأعتقد أننا لو نجحنا في تنظيم أنفسنا جيدا فسوف نطبح بها". هل يمكن أن يكون لبريطانيا ميدان تحريرها، نسختها من حركة السادس والعشرين من يوليو التي قادها كاسترو؟ اتركوا الشابة تحلم. فبعد مظاهرات العام الماضي ومع شعور أغلب البريطانيين اليوم بالاغتراب عن أثرياء مجلس الوزراء، لم يبق من قادر على النطق بالقول الفصل إلا الطعام.
ومن أجل وجهة نظر أخرى أتصل بـ "أوين جونز" البالغ من العمر 27 عاما والذي يعد من رموز اليسار الجديد وهو أيضا مؤلف واحد من أكثر الكتب السياسية مبيعا في عام 2011 والذي صدر بعنوان "شيطنة الطبقة العاملة". أتصل به وهو في قطار متجه إلى برايتن لحضور مؤتمر "اتحدوا". يقول إن "بريطانيا لن تشهد ثورة دموية، ولكن هناك أملا في مجتمع العمال من أجل العمال"
يقول أوين جونز إن ماركس تخيل في سبعينيات القرن التاسع عشر أن الانتصار في هذا المجتمع ما بعد الرأسمالي سوف يتم من خلال وسائل غير عنيفة. "كان يقصد انتشار حق الاقتراع وغيره من السبل السلمية لتحقيق المجتمع الاشتراكي. حتى التروتسكيون اليوم لا يدعون إلى الثورة المسلحة. واليسار الراديكالي يقول إن الانفصال عن الرأسمالية لا يمكن تحقيقه إلا من خلال الديمقراطية وتنظيم العمال لإقامة مجتمع عادل في مقاومة القوى الراغبة في تدمير هذا المجتمع".
يتذكر أوين جونز اباه، الذي كان من مناضلي السبعينيات، والذي كان مستمسكا بفكرة الإصرار على ضمان فوز حكومة العمل في الانتخابات على أن يلي ذلك تنظيم العمال أنفسهم بهدف ضمان نوعية عمل تلك الحكومة. "أعتقد أن هذا هو النموذج". فما أبعده عن حزب "العمل الجديد". يذكر أن جونز أرسل لي بعد مكالمتنا الهاتفية رسالة نصية يؤكد فيها أنهه ليس تروتسكيا. ولكنه يريد أن يرى في السلطة حكومة من العمل تتبنى برنامجا سياسيا راديكاليا. ولا تزال في ذهنه كلمات البيان الانتخابي الذي أصدره حزب العمل سنة 1974 معربا فيه عن نيته "في إحداث تحول جذري ثابت في ميزان القوى في السلطة والثروة يصب في صالح العمال وعائلاتهم". اتركوا الشاب يحلم.
المثير للاهتمام في النجاح المدوي الذي حققه أوين جونز هو أنه جاء نتيجة لصعود الاهتمام بالسياسات الطبقية، وهي حجر الأساس في تحليل ماركس وإنجلز للمجتمع الصناعي. يقول جونز "لو أنني أصدرت كتابي قبل أربع سنوات فقط لكان الناس تجاهلوه بوصفه تكرارا لمفاهيم الستينيات الطبقية". ويستدرك بقوله "إن الطبقة عادة إلى واقعنا لأن الأزمة الاقتصادية تؤثر على الناس في مناح كثيرة ولأن ما تردده الطبقة الحاكمة من أن ’جميعنا في هذا سواء’ هو قول سخيف ومهين. لم يعد من الممكن القول الآن بما كان يقال في الستعينيات من أننا جميعا طبقة وسطى. إصلاحات هذه الحكومة قائمة على أساس طبقي. فارتفاع ضريبة القيمة المضافة مثلا يؤثر على الطبقة العاملة أكثر مما يؤثر على غيرها".
يقول أوين جونز "إنها حرب طبقية مفتوحة. وأبناء الطبقة العاملة سوف يكونون أسوأ حالا في عام 2016 عما كانوا عليه في مطلع القرن. ولكنهم يتهمون المرء بأنه مقاتل طبقي حينما يصر أن يمثل 30% من الشعب يعانون هذه المعاناة".
يتوافق هذا مع شيء قاله لي رانسييه. فالأستاذ الجامعي يذهب إلى القول بأن "ثمة شيئا واحدا في الفكر الماركسي يبقى ثابتا ، ألا وهو الصراع الطبقي. اختفاء مصانعنا، أي إخلاء بلادنا من شكلها الصناعي بإيكال مهمة التصنيع إلى دول ذات عمالة أرخص وأطوع، بماذا يمكن تسمية هذا إلا بصراع طبقي تخوضه البرجوازية الحاكمة؟"
هناك سبب آخر يجعل في الماركسية ما يمكن أن نتعلمه ونحن نخوض صراعنا مع الكساد الاقتصادي، هناك شيئ آخر غير تحليلها للصراع الطبقي. إنه يكمن في تحليلها للأزمة الاقتصادية. ففي سِفْرِه المرعب الجديد الصادر بعنوان "أقل من لاشيء: هيجل وظل المادية الجدلية" يحاول سلافوي جيجيك أن يطبق الفكر الماركسي على الأزمة الاقتصادية التي نمر بها في وقتنا هذا. يتأمل جيجيك الخصومة الأساسية بين "قيمة الاستخدام" و"قيمة التبادل".
ما الفارق بين الاثنتين؟ يوضح جيجيك أن لكل سلعة قيمة استخدام تقاس بنفعها في إشباع الاحتياجات والمطالب. أما قيمة التبادل للسلعة فتقاس ـ في المقابل ـ بحسب كم العمل اللازم لتصنيعها. يذهب جيجيك إلى أنه في ظل الرأسمالية الحالية، اكتسبت قيمة التبادل استقلالية ذاتية. "لقد تحولت إلى رأسمال ذاتي الدفع يستخدم القدرات الإنتاجية واحتياجات الناس الحقيقيين بوصفها مجرد تَجَسُّد مؤقت لنفسها. ولقد استخلص ماركس فكرته عن الأزمة الاقتصادية من هذه الفجوة بالذات: حيث تقع الأزمة حينما يلحق الواقع بهذه الوهم ذاتي التولد المتعلق بأن المال ينجب مالا ـ هذا الجنون لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، بل لا بد له من أن ينفجر في المزيد من الأزمات الطاحنة. جذر هذه الأزمة الأساسي بالنسبة لماركس هو الفجوة بين قيمتي الاستخدام والتبادل: فمنطق قيمة التبادل يتبغ طريقه الخاص، يرقص رقصته الخاصة، بغض النظر عن احتياجات الناس الحقيقيين".
في مثل هذه الأوقات المضطربة، من أصلح للقراءة من أعظم منظري الكوارث في تاريخ البشرية، كارل ماركس؟ ومع ذلك فقد حوصرت نهضة الاهتمام بالرأسمالية في خندق الشمولية الستالينية. ففي مقالة أخيرة نشرت في مدونة "الشيوعية الجديدة" على مجلة "وورلد أفير" كتب آلن جونسن أستاذ علوم الديمقراطية في جامعة إيدج هيل في لانكشير يقول إن "الرؤية العالمية المسئولة عن المعاناة والشقاء الهائلين وعن عدد من الوفيات يفوق ما تسببت فيه الفاشية والنازية عائدة بقوة على هيأة شمولية يسارية تحظى باحتفاء ثقافي وتسعى إلى السلطة السياسية.
"إن أهمية الشيوعية الجديدة لا تتأتى فقط من جدارتها الثقافية ولكن من قدرتها على التأثير في طبقات من الشباب الأوربي في سياق مجتمعات ديمقراطية منهكة وسياسات تقشفية وثقافة تنظيرية مشمئزة من كل شيء". ويختتم جونسن بقوله "إننا لا نملك في ظل هذه الجاذبية الشديدة التي تحظى بها الشيوعية الجديدة أن نهز رءوسنا تاركين إياها إلى أن تسيطر".
هنا مكمن الخوف: أن تنجح هذه الضرطات اليسارية القديمة المقرفة من أمثال جيجيك وبادو رانسييه وإيجلتن في تخريب عقول الشباب الأبرياء. لكن هل معنى قراءة نقد ماركس وإنجلز للرأسمالية أن المرء بات يتبنى رؤية للعالم مسئولة عن عدد من الوفيات يفوق ما يمكن أن تسأل عنه النازية؟ من المؤكد أنه لا وجود لعلاقة مباشرة بين البيان الشيوعي وبين والمعتقلات الستالينية، وما من سبب يدعو إلى القول بتبني اليساريين الشباب لمقولات بادو بدون عين نقدية. لقد كتب الأستاذ إريك هوبسباوم في مقدمته للطبعة الجديدة من البيان الشيوعي يقول إن ماركس كان محقا في قوله بأن "تناقضات نظام السوق غير القائمة على أية علاقة تربط الإنسان بالإنسان إلا المصلحة الشخصية، والنقود، ونظام الاستغلال "والتراكم اللانهائي"، هي تناقضات لا يمكن التغلب عليها: فعند نقطة معينة من سلسلة التحولات وإعادة هيكلة هذا النظام المنطوي جوهريا على أسباب عدم استقراره سوف يتوقف هذا النظام عن أن يكون صالحا للوصف بالرأسمالية".
هذا هو المجتمع ما بعد الرأسمالي الذي حلم به الماركسيون. ولكن كيف يكون شكله؟ يقول هوبسباوم "إنه من المستبعد أن تكون لهذا المجتمع ما بعد الرأسمالي علاقة بالنماذج التقليدية للاشتراكية، ومن المستبعد أكثر أن تكون له علاقة بالاشتراكيات التي قامت بالفعل في الحقبة السوفييتية" ويضيف هوبسباوم إن هذا المجتمع سوف يتعلق بالضرورة بتحول من الملكية الفردية إلى الإدارة الجماعية على صعيد دولي. "إن الشكل الذي سوف يتخذه هذا المجتمع ومدى تجسيده للقيم الإنسانية التي تؤكد عليها شيوعية ماركس وإنجلز، فسوف يعتمد على الفعل السياسي الذي سيحدث من خلاله هذا التحول".
من المؤكد أن هذه هي الماركسية في أكثر أشكالها تحررا، فها هي ترى أن مستقبلنا يقوم علينا نحن وعلى جاهزيتنا للنضال. أو كما يقول ماركس وإنجلز في نهاية البيان الشيوعي "فلترتعد الطبقات الحاكمة من ثورة شيوعية. ليس لدى البروليتاريا ما تخسره إلا قيودها. وعندها عالم بأكمله يمكن أن تظفر به".