الأحد، 17 يونيو 2012

نورمان فينكلستاين : لا أريد الشهرة لأنني لا أريد أن أخون الحقيقة


في حوار لمجلة "تابليت"
نورمان فينكلستاين : لا أريد الشهرة لأنني لا أريد أن أخون الحقيقة
حوار: ديفيد سامولز 

فينكلستاين

يمثل نورمان فنكلستاين منذ ثلاثة عقود الطفل المزعج في مجتمع اليهود الأمريكيين، يوصف بالهستيري، المتعصب لعقيدته، وباليهودي الكاره لنفسه. قد يكون عابثا عاطفيا أكثر مما ينبغي، هستيريا في بعض الأحيان، لكن ذلك كله يقتصر على نبرته، أما حججه نفسها فمنطقية، وهو الآن أكاديمي حاصل على درجة الدكتوراه من برنستن، ولكن هجماته على "صناعة الهولوكوست" وعلى التهليل الشعبي لحزب الله جعلت من الصعب للغاية بالنسبة له أن يشغل أي موقع أكاديمي مهما تضاءل شأنه في أمريكا.
ومع ذلك، شئنا أم أبينا، يبقى لفنكلستاين تأثير على الرأي العام، وهو تأثير لم يعد من الممكن إنكاره، خاصة وقد اعتنق قطاع كبير من اليهود الأمريكيين أفكاره التي كانت تعد ذات يوم متطرفة، سواء ما تعلق من هذه الأفكار بفضحه لفكرة أن إسرائيل "أرض لا شعب" وكلامه عن صناعة الهولوكوست في أمريكا، وتأكيده لا أخلاقية استمرار الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
قبيل صدور كتابين جديدين له هما "أن تعرف أكثر مما ينبغي" و"ما يقوله غاندي عن اللاعنف، والمقاومة، والشجاعة"، قمت بزيارتين مستبعدتين إلى شقة فنكلستاين المكونة من غرفة واحدة حافلة بالكتب في أوشن باركواي.
***
ـ كيف تعرفت على نعوم تشومسكي؟
ـ هذه قصة مثيرة، تكشف لك شيئا عن البروفيسير تشومسكي كإنسان. أنا لا أريد أن أقدسه، أنا كما تعلم، أعرفه منذ ربع قرن، وكنت قريبا للغاية من زوجته، أقرب من البروفيسير تشومسكي. لأن البروفيسير تشومسكي يعيش في عالم ذهني تام، في حين أن زوجته عالمة اللغويات كارول شاتز البارعة، تعيش أيضا على الأرض. كنا نتكلم في كلام فارغ. كنت أذهب معها للتسوق، فنتكلم عن الأسعار في المتجر، وتأتي هي عند الصراف فتخرج من حقيبتها الكوبونات.
تشومسكي له عيوبه، لكن فضائله مذهلة. لا يقتصر الأمر على تلك الاكتشافات اللغوية، بل وتدريبه آلاف الطلبة. لقد خلق مجالا معرفيا بالمعنى الفزيائي للخلق. وأنا رجل كثير السفر، وفي كل مكان سافرت إليه، وجدت شخصا أو اثنين على الأقل يقولان لي مثلا "لقد قرأت كتابا لتشومسكي، فغير حياتي". لكن له عيوبه. شأنه شأن غيره.
تشومسكي

ـ ما عيوب تشومسكي؟
ـ لا يمكن أن أقول. ولكن فضيلة تشومسكي الكبرى، أتعرف ما هي؟ بعيدا عن العقلية المذهلة، والإخلاص المطلق، البروفيسير تشومسكي لم يخن صديقا قط. بل يدافع عن أصدقائه وإن علم في قرارة نفسه أنهم مخطئون.

ـ لكن ألا تتعارض فضيلتا الإخلاص والصداقة هاتين مع الحقيقة؟
ـ أعرف هذا. أفهم هذا. ولكنه بالغ الاعتناء بالحقائق. دعني أحك لك قصة. كنت أعمل لصحيفة راديكالية اسمها الجارديان. جريدة متواضعة لم تسمع بها أنت مطلقا. أتذكر أننا كنا جالسين في غرفة، في اجتماع للتحرير، وكان هناك في ذلك الوقت فصيلان ماويان ـ وهذا يبدو مضحكا الآن ـ فصيل "عصبة أكتوبر" وفصيل "الحزب الشيوعي الثوري". وكانت الجارديان تؤيد العصبة، فكنا نتناقش هل نرفع في تغطياتنا أعداد المشاركين في المسيرات المناصرة للعصبة ونقلل أعداد المشاركين في مسيرات الحزب أم لا . وكنت أفكر بيني وبين نفسي: "مهلا. ثمة مشكلة هنا. أليس المفروض أن نقول الحقيقة؟". هنا اختلاف تشومسكي. لا يكفي بالنسبة له أن يقصف شيئا بأنه دعاية برجوازية، أو دعاية صهيونية، لا بد من برهان وإثبات.
إذن، كيف حدث أن التقيت به؟ كنت ماويا، ولما أطيح بعصبة الأربعة أصابني ذهول تام. لزمت الفراش ثلاثة أسابيع، كان أمرا مؤلما لي بصورة كبيرة للغاية. ليس فقط لاكتشافي أنني كنت على خطأ، ولكن لإحساسي أيضا بالخجل الشديد من تلك الثقة بالنفس التي كنت ألقي بها المحاضرات والعظات.
ثم حدث في عام 82، أي منذ ثلاثين سنة تقريبا، أن تورطت في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، ثم الإسرائيلي اللبناني، في 6 يونيو 1982. كنت أنتمي إلى مجموعة صغيرة، وكانوا دائمي النقاش في الصهيونية، ولم أكن في ذلك الوقت أطيق الكلام عن أية عقيدة. فرفضت أن أتبنى موقفا من الصهيونية. ثم إنني قررت: "أوكيه يا نورم، فلتكن مفكرا جادا". وجلست فأخذت أقرأ عن الموضوع. وفي النهاية تحول ذلك إلى أطروحتي للدكتوراه من برنستن.
وفي اللحظة الأخيرة، وبينما كنت أضع اللمسات النهائية للمرحلة البحثية، وأستعد لدخول مرحلة الكتابة، ذهبت إلى مكتبة "هاربر آند رو" وهنالك وجدت كتابا عنوانه "من قديم الزمان" لجون بيترز، قال فيه إنه سوف يغير تاريخ الصراع. فقال كل من في اليسار، من أمثال البروفيسير إدوارد سعيد "إن هي إلا بروباجندا صهيونية، فلمَ يبالي بها أي أحد؟"
حسن، كنت قد سمعت ذلك من قبل. فإن كان أحد انتقد الصين يقولون "بروباجندا برجوازية". وقلت "لن أدع أحدا يستغفلني مرة أخرى. لو أن الأمر صحيح، فهو صحيح". كنت محطما بسبب ما جرى في الصين. وكان أسوأ ما في الأمر هو المذلة الشخصية. كنت مصرا على ألا أكون أحمق مرة أخرى.
وهكذا، لما صدر الكتاب، مضيت إليه. كان بالنسبة لي هو القبطان آخاب وموبي ديك. ذهبت إلى مكتبة نيويورك العامة، وكان لديهم قسم خاص في ذلك الوقت يحتفظون فيه بكل ما أصدرته "عصبة الأمم" و"اللجنة الدائمة للانتداب" من تقارير عن فلسطين، ومضيت اقرأ كل شيء. لب الكتاب يتمثل في الفصل الثالث عشر، أي في الدراسة الديمغرافية، وفي نهاية الكتاب هناك الجداول المتعلقة بالنص. كنت أرجع من العمل كل ليلة، فأستلقي على السرير، وأستعرض الأرقام، وأنجز العمل كله بالقلم والورقة، وأعمل، وأعمل، وأعمل. وذات ليلة، قرابة الواحدة والنصف صباحا، اكتشفت الخدعة، اكتشفت الأرقام المزورة. اقشعر جلدي. اكتشفت تزويرا.
نهضت، في تلك الشقة الصغيرة في واشنطن هايتس، ورحت أقطع الغرفة ذهابا وإيابا، لقد فعلتها! فعلتها! لم أكن أصدق نفسي. لقد كنت مجرد خريج جامعي، أعمل في وظيفة نهارية في تشيلسي لأجد قوت يومي وأنا أكتب أطروحتي. وكان أول ما فعلته أن ذهبت إلى، حسن هو الآن واحد من أهم علماء الحاسب الآلي في العالم، لكنه في ذلك الوقت كان رئيس قسم في شركة "بيل لابس". ذهبت إليه لأتثبت من صحة المعادلات الرياضية، فأكد لي صحتها.
فكتبت النتائج التي توصلت إليها، وأرسلتها إلى خمسة وعشرين من أهم باحثي العالم الخبراء في الموضوع. فلم يرد منهم حتى اليوم أربعة وعشرون.
وفي صباح يوم سبت، تلقيت اتصالا هاتفيا. رفعت السماعة، فإذا على الطرف الآخر من يقول "هالو، اسمي البروفيسير تشومسكي، قرأت ما كتبته، ويبدو لي أنه صحيح".
أحيانا أغضب منه، يحدث فعلا. لكنه غير حياتي. لا أعتقد أنه يعرف إلى اليوم في أية كلية درست. فهو لم يسألني قط. من أساباب ذلك حالة جليفر في بلاد الأقزام. فمن القمة التي يعتليها، لا يستطيع أن يرى الاختلافات. ولكن جزءا مهما من الأسباب يتعلق بالحس الديمقراطي الأصيل. فهو لا تهمه المؤهلات، لا تهمه المكانة، لا تهمه المؤسسة التي ينتمي إليها المرء، لا تهمه قائمة المؤلفات، يهمه فقط أن يقرأها. قد تقول لنفسك أحيانا إنه يمكن أن يشغل عقله بأشياء أهم من إصلاح الأرض في ركن من شمال شرق البرازيل. وأحيانا تقول لنفسك هل كان هذا فعلا إهدارا للوقت والجهد؟

ـ إن كان بوسعه أن ينزل بمستواه إلى هذا العمل التفصيلي، فأنت أيضا قادر على هذا؟
ـ التفاصيل هي الأكثر إثارة للاهتمام، ففيها ترى جميع الأكاذيب.

ـ مفكرو اليسار، شأن مفكري اليمين، سواء في انعدام الأمانة.
ـ أنا عشت حياة كريمة، لكن الواقع يقول إنني تركت كلية "دي باول" منذ خمس سنوات الآن. وهناك الكثير من الأكاديميين المتعاطفين سياسيا معي. وفلسطين لم تعد بالموضوع الغريب على الوسط الأكاديمي. حسن، تعال نطرح هذا السؤال: هل عمل أي بروفيسير على أن يوفر لي وظيفة جامعية؟ أنا أريد أن أكون متقيدا بالمعلومات. الإجابة: لا. هل عمل أي بروفيسير على استقدامي محاضري زائرا؟ الإجابة: لا. هل عمل أي بروفيسير على أن يدعوني ولو إلى محاضرة واحدة؟ الإجابة: لا.

ـ هذا مدهش لي ...
ـ دعني أنه كلامي. أنت كنت طالبا في كلية وتعرف ما معنى "غداء الكيس البني". هل دعاني أي بروفيسير إلى "غداء الكيس البني" [أي اجتماع على غداء عمل بسيط]؟ الإجابة: لا. هناك في جامعة كولمبيا عدد قليل من أنصار القضية الفلسطينية، هل دعاني أي منهم إلى أي شيء؟ الإجابة: لا. مجلة ذي نيشن؟ ثلاثون عاما ولم ينشروا لي فيها غير رسالة. هذا وضع أراه مضحكا

ـ ما رأيك في بول بيرمن الذي يعد من وجهة نظر ما نقيضك الأدبي والأيدولوجي، ولكنه في الوقت نفسه يعد مفكرا جماهيريا، دون أن يشغل موقعا أكاديميا. هل تشعر أنكما متشابهان؟
ـ شوف، أنا قرأت شغله، ومن ثم فأنا لا أتكلم عن جهل. هناك تراث في اليسار يمتد إلى الوراء حتى تروتسكي، الذي كان لاعبا سياسيا فذا، وكان أيضا كاتبا سياسيا فذا. هناك إذن ذلك التراث الكامل، وسأتكلم الآن عن اليسار الأمريكي تحديدا، هناك تراث من أشخاص هم كتاب جيدون لكنهم يريدون في الوقت نفسه أن يكتبوا في السياسة، في حين أنهم لا يفقهون من أمرها أي شيء.
على كل حال، يضم هذا التراث أشخاصا ليسوا بشعين تماما، مثل إرفنج هاوي، الذي كان على معرفة بالأدب، وعلى قدر ما من المعرفة بالسياسة نظرا لنشأته في الثلاثينيات في فترة الكساد. في السنوات الأخيرة أصبح أمثال هؤلاء لا يعلمون أي شيء، مثل جورج بيكر، هذا درس في جامعة ييل، حصل على درجة في اللغة الإنجليزية، ويرى في نفسه الجدارة للكتابة في السياسة. حسن، كتابته، ككتابة، ليست سيئة، لكنه لا يعرف أي شيء عن العراق.
أعرف أن ما أقوله غريب، لكن الكتابة في السياسة تحتاج إلى قدر كبير فطرة سياسية. هذه الفطرة ليست مشاعا بين الجميع. هي عند تشومسكي. وطبعا كانت عند تروتسكي. لكن على المرء أيضا أن يغرق في موضوعه حتى أذنيه. وهؤلاء ليسوا مهتمين بالموضوع، بل مهتمون بالصياغة. قدوتهم شخص مثل كرستوفر هتشنز الذي كانت صنعته تقتصر على هذا: أن يأخذ ثلاث معلومات سرية  أو أربع ويظل يلف ويدور حولها عبر مقالة كاملة. قد يبدأ مقالة عن باكستان بقوله "أوه، باكستان تعني حرفيا: أرض النقاء" فتقول لنفسك، أوه، هذا الرجل يعرف عما يتكلم. هذا الرجل يعرف باكستان.
ونأتي إلى بول برمن مؤلف كتاب الإرهاب واللبرالية. هذا رجل يعثر في طريق على نسختين مقرصنتين من "سيد قطب" ، وبغتة يصبح خبيرا في النصوص الإسلامية. تروتسكي كتب "الأدب والثورة" وهو يتنقل من جبهة إلى جبهة أثناء الحرب الأهلية الروسية. بيرمان كان يتمشى في شارع أطلنطيك، وعثر على كتابين مقرصنين، فإذا به الآن متخصص في قطب الذي تبلغ أعماله الكاملة أربعين مجلدا، لو صحت الذاكرة. هذا سخف. هذا لا علاقة له بالجدية.

ـ من الواضح أنك قضيت وقتا طويلا تفكر في جيفري جولدبرج في كتابك الجديد. هل ترى أنه عميل للبروباجندا الإسرائيلية أم أنه مؤمن حقا بما يكتبه؟
ـ جولدبرج مثل باكر بالضبط. عنده بعض الموهبة في الكتابة، لكنه لا يفقه شيئا في السياسة. كل ما هنالك أنه عاش له سنتين في إسرائيل. حسن، هناك كثيريون يعيشون في الولايات المتحدة وليست لديهم أدنى فكرة عما يجري. لقد كان حارسا في سجن. وهذا لا يجعل من المرء خبيرا في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني. هو لا يعرف شيئا.
ومن ثم فلعله يذهب إلى إسرائيل فيخبرونه بتلك الأشياء، وهم شطار جدا في العلاقات العامة، شطار جدا في الخداع. وهو ميال للبروز، وأنا واثق أنهم يمنحونه إحساسا كاملا بالأهمية، يقولون له هذا لمعلوماتك الشخصية. فيشعر بالإثارة، ويكتب كل ما قالوه له. هل إسرائيل ستهاجم إيران؟ هذا يبدو لي سخفا، ولكن لا بد للمرء من إحساس سياسي ليعرف أن هذا سخف. أنا شخصيا لا أعتقد أن هذا سيحدث، لأن إسرائيل ذهبت إلى حرب لبنان سنة 2006 ولم تقتل زعيما واحدا من حزب الله، ومن ثم لا أعتقد إن إسرائيل سوف تهاجم إيران.
جسم جولدبرج يخلو من أية عظمة ذات علاقة بالسياسة. وبعيدا عما هو ذاتي، لا تجد في كتبه إلا كليشيهات. هو يعرف الكليشيه الخاص بأن القوة سممت الإسرائيليين، والكليشيه الخاص باحتياج الفلسطينيين إلى اعتناق أفكار غاندي، وفي النهاية، يقول أنا أحب أمريكا، أمركيا الجميلة وإلخه إلخه إلخه. حفنة كليشيهات متتالية، كل ما تقوله، إنه لا يعرف أي شيء.

ـ هو كاتب ذو لغة جيدة جدا. فهل هذا حسد؟
ـ أنا لست صاحب لغة جيدة، ولا يهمني. لسوء الحظ، لم يتوفر لي بعد الكلية وقت للأدب. ليته توفر. في معظم الوقت أقرأ الوثائق، وهذا لا يساعد المرء على تحسين لغته. ولكنني كاتب منطقي جدا، ولا يمكن لأحد أن ينال مني. ومن أنال منه، أجهز عليه تماما.

ـ أجد كثيرا مما تكتبه نتاج بحث مضن، وأشعر أنه يمثل لك تحديا مرهقا. ولكن وأنا في بيروت، أفتح التليفزيون فأراك على قناة المنار التابعة لحزب الله. ما الذي يجعلك بحاجة إلى هذا؟ لو أن هؤلاء الناس أصحاب لك، فكيف تتوقع من مجتمع اليهود الأمريكيين أن يتعاطفوا مع رؤاك أو ينصتوا لها؟
ـ أفكاري المتعلقة بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني ليست الأفكار التي تستريح لاعتبارها يسارية أو راديكالية وحسب. إنني أقول إن علينا أن نفعِّل القانون وأن ننهي الصراع على أساس القانون الدولي، وهذا يعني حل الدولتين ويعني حدود67، ويعني الحل العادل لقضية اللاجئين.
ولكن في مسائل مبدئية معينة، لن تراني أتزحزح، ولن يهمني في شيء ما يراني الناس عليه. اللبنانيون من حقهم أن يدافعوا عن سيادتهم، ومن حقهم استخدام القوة المسلحة لإجلاء المحتلين الأجانب. ولن يغير أحد موقفي من هذا الأمر لمجرد أنه لا يحب حزب الله.
أنا الآن لا يعجبني ما يقوله حزب الله بشأن سوريا، وقلت ذلك علنا. ولكن سجل حزب الله في احترام القانون الدولي جيد للغاية. أعتقد أن سجله أفضل من أي دولة أعرفها، ولكن ذلك ربما يرجع إلى أنهم يمثلون الطرف الأضعف.

ـ ضيعت منصبك في كلية دي باول بسبب وقوفك في مظاهرة سنة 2006 وقولك "كلنا حزب الله".
ـ صحوت في صباح ذلك اليوم والإسرائيليون يقصفون لبنان بضراوة. وأنا نشأت على أن العالم اقترف جريمة حينما صمت عن العذاب الذي لقيه أبواي في الجيتو في وارسو. فرأيت أنه من المهم أن أقف وأتكلم.

ـ رأيت أنك توصلت إلى فكرة قوية حينما ذهبت إلى أن الهولوكوست بنية ثقافية اخترعها اليهود الأمريكيون الذين لم يتعرضوا في حقيقة الأمر لبشاعات النازيين ولم يفعلوا إلا القليل لإنقاذ اليهود في أوربا. ولكنني أعود فأقول إنك قدمت هذه الفكرة بطريقة جعلتها مثيرة لاشمئزاز الذين كنت تحاول توصيل فكرتك إليهم.
ـ عندما يقول لي شخص إنه قرأ كتابي أسأله إن كان ضحك. فقد كان المفترض بالكتاب أن يكون ساخرا. كانت سخرية منطلقها هو الغضب.
لقد عشت معاناة أبويّ يوما بيوم حتى وفاتيهما، وذلك لأنني كنت أرعاهما في السبع سنوات الأخيرة من حياتيهما. ومجرد رؤيتي لما انتهت إليه تلك المعانة كان يصيبني بالدوار. لقد كان والدي، قبل نقلهما إلى المعتقل، يعيشان في الجيتو بوارسو، كما لعلك تعرف. عندما كنت طفلا في الثالثة عشرة أو الرابعة عشر بدأت أقرأ كتبا عن الهولوكوست النازية مثل "الجدار" لجون هيرشي وميلا 18. أتذكر أني قرأت الكتابين ونظرت إلى أبويّ، فلم أستطع أن أربط بينهما وبين ما قرأت. الجثث المكدسة في الشوارع، والملاجئ. كان أبواي عاديين تماما. أمي لم تكن تضع مساحيق تجميل بالمرة، لا تصبغ شعرها، ملابسها غاية في البساطة. أبي كان عاملا في مصنع، ويرتدي ثياب عامل بسيط.
ما جرى لهما، كان بيني وبينه هوة لا عبور لها. أمي كانت في مجتمع يهودي بولندي منسجم مع المجتمع الأكبر، فكانت تذهب كل ليلة إلى الحفلات الموسيقية، وكانت تجيد اللاتينية إجادة تامة، وخبيرة بالموسيقى الكلاسيكية، وبين عشية وضحاها رميت في القمامة. كان كل من أبوي قريبا من أسرته، وفجأة اختفت الأسرتان كأنما لم يكن لهما وجود.
وقد يحدث كل حين أن تغامر فتطرح سؤالا، فلا تكون الإجابة إلا "لا تكلمني في هذا". لم يحدث أن سألت بي قط عن معتقل أوشفيتز. أعرف أن من الصعب على أحد أن يصدق هذا. لكنني لم أقدر، ولا سؤال واحد.

ـ لكن قد يكون ذلك نتاجا إيجابيا لـ "صناعة الهولوكوست" التي تنتقدها، أنها أوجدت مناخا يتيح للناس أن يتكلموا بمزيد من الانفتاح؟
ـ لا أعتقد أنها أوجدت حساسية في الناس تجاه أي شيء. أفضّل كثيرا ما كان الوضع عليه قبل ظهور تلك الصناعة. أنت ببساطة لا يمكن أن تتخيل كيف كان حال طفل ينشأ بين أبوين ناجيين من الهولوكوست. لقد كان أكثر سؤال يصيب أمي بالغضب هو "كيف تمكنت من النجاة؟". وكان ذلك السؤال في معظم الأحيان سؤالا شديد البراءة، لكنها كانت تشعر أنه يضمر إدانة، فبما أنها نجت، لا بد إذن أنها كانت كابو  Kapo ، تتعامل مع الألمان ، وإلا فكيف نجت؟ فالناس كانت بين من يفعل شيئا قذرا، أو يساق إلى الذبح سوق الماشية.
كان مصدر حرج أن يكون المرء ابن ناجيين من الهولوكوست. في أول الأمر كانوا يطلقون على أبوي اسم القرون الخضراء نظرا لرداءة لغتهما الإنجليزية، ووضوح اللكنة الأجنبية فيها بشدة. وإذا كنت ابن ناجيين من الهولوكوست، فالافتراض البديهي هو أن أبويك سيقا إلى الأفران مثل الماشية.

ـ أوكيه، أبواك إذن كانا ضحية مرتين، وأنت من ثم أصبحت ضحية الضحيتين. لماذا تبقى حبيس هذا العار؟ إنا ناسا كثيرين نجوا.
ـ كان ذلك هو الحزن الخاص في بيتنا. هكذا كان الأمر. لا تتكلم عن معاناة أبويّ، فأنت لا تعرف ما مرا به. أنا بصدق أغضب غضبا شديدا عندما أسمع اليهود يتكلمون عن الهولوكوست، إذا ما الذي يعرفونه بحق، فعلا ما الذي يعرفونه؟ بناء على أية خبرة يتكلمون؟ وأي حق لهم في الكلام عنها؟
انظر إلى كتاب "حنا أرندت" الذي صدر سنة 62 أو 63 بعنوان "أيخمان في أورشليم"، وانظر إلى الببلوجرافيا في آخر الكتاب، هل تعلم كم كتابا بالإنجليزية كان يتناول الهولوكوست والنازية في ذلك الوقت؟ كتابان. كتاب راءول هيلبرج وكتاب آخر. لم يكن أحد يبالي بما جرى نهائيا، إلى أن أصبحت الهولوكوست صناعة.

ـ قد يقول محلل نفسي عنك إن "هذا شخص نشأ في بيت الأبوان فيه عانيا معاناة رهيبة. وكانا يعيشان في مجتمع يتجاهل معاناتهم ويرفضها. ومن ثم فابن هذين الشخصين ييشعر بغضب هائل تجاه المجتمع الذي عامل أبواه تلك المعاملة".
ـ لا أريد الادعاء بأنني نبي أو قديس. أنا واعٍ بحدودي تمام الوعي. وأعرف عيوبي. ولكنني لا أحب الكذب. لذلك عندما كان ديرشوفيتز يقرأ الآلاف والآلاف والآلاف والآلاف من صفحات تقارير حقوق الإنسان ليبين أن الخروقات الإسرائيلية لحقوق الإنسان لم تحدث ـ هذا غير صحيح، هذا غير صحيح، هذا غير صحيح. وهذا كلام أقوله ولا علاقة له بأي عداء لليهود قائم على أسس شخصية. هذا له علاقة بـ حسن، قد يبدو في كلامي طنطنة ولكنه الحق، هذا موقف له علاقة بالعداء للكذب.
عندما يتعلق الأمر بكتاب "صناعة الهولوكوست" كان هناك جانب شخصي، لا شك في ذلك. وأنا لا أتمسح هنا في الموضوعية بالمرة. لقد كنت الأكثر معرفة في عائلتي، ولم أكن الأذكى، وكنت الأكثر معرفة في الولايات المتحدة، فكنت أخوض المعارك. كنت أعرف جميع الأطراف شخصيا. لذلك كان سهلا علي أن أنال منهم في الكتاب.

ـ أتذكر صدمتي حينما أدركت لأول مرة أن الحقيقة ليست لها أهمية نسبيا في الحياة الثقافية العامة، وفي الحياة الأكاديمية، وفي الحياة الأدبية، وأن الأيديولوجية أهم، والميل الشخصي أهم، والوظيفة نفسها أهم.
ـ من أحب الكتب الصغيرة إليّ كتاب جوليان بيندا "خيانة المثقفين" القائم على هذه النظرية الثنائية البسيطة، وهي أن في العالم منظومتي قيم متنافستين: الشهرة والثروة من جانب، والحقيقة والعدالة في الجانب الآخر. الفرضية الأساسية لدى بيندا هي أنه كلما ازداد المرء حمية في التزامه بالحقيقة والعدالة، قل احتمال أن يعرف الشهرة والثروة. ومن ثم فأنا لا أريد أن الشهرة لأنني لا أريد أن أخون الحقيقة والعدالة.
في المقابل، هناك صوت بداخلي يقول "ولكن البروفيسير تشومسكي يحظى باحترام حشود هائلة من البشر". وأعتقد أنهم قد يصلون إلى عشرة آلاف أو مائة الف، أولئك الذين يمكن أن يقولوا إن طقراءة تشومسكي غيرت حياتي". ومن ثم فإنني ممزق طول الوقت بين مسار البروفيسور تشومسكي الذي ظفر من خلاله بإعجاب حشود من البشر إيمانا منه بأنه قائل للحق، قادر على التنبؤ، وفي المقابل دائما ما أتذكر ما قاله بيندا من أن الموظف الذي يحظى بشعبية لدى رجل الشارع هو موظف خائن لوظيفته.

ـ ولكن ثمة أمرا مزعجا بخصوص المتنبئين. أنهم ينتقدون الملك وينتقدون الشعب، وانهم يتنبأون بأن أهوالا سوف تقع كعواقب لسوء التصرف، والظلم، ثم يثبت أنهم على حق. هناك إذن رضا عن الذات من جراء صدق النبوءات، من جراء جلد الشعوب.
ـ يصعب في أكثر الأحيان أن تفصل الأنا عن مثل هذه الأمور. تعال نفترض أنك ألفت كتابا تنبأت فيه بنشوب حرب ـ وأنا فعلت هذا. جزء منك سيريد لهذه الحرب ان تنشب فتصدق نبوءتك، وإلا فأنت أحمق فيما تذهب إليه من تنبؤاتن. تلك هي النرجسية الفكرية. في المقابل، هذا جنون مكتمل، ولذلك فإنم تستبقه دائما بقولك "أرجو أن أكون على خطأ ". في حين أن صوتا بداخلك يقول "بل أرجو أن أكون مصيبا".
 مايكل فالتزر يناقش بإسهاب مسألة النبوءات في لا في كتاب "الخروج والثورة" بل في كتاب صحبة النقاد"، وهو ينطلق من فرضية أن على المتنبئ أن يكون لصيقا بشعبه. لا يمكنك أن تكون متنبئا منفصلا، بل لزام عليك أن تحب شعبك في الوقت الذي تنتقد فيه هذا الشعب. وحتى لو أنك أردت أن تزعج الناس، وتلح في انتقادهم، فعليك أن تفعل هذا دون أن تنفصل عنهم.

ـ لو أنك ترى نفسك جزءا من الجماعات التي تنتقدها، فهذا يعني أنمك متورط في اللعبة. وإلا، فما أسهل أن تقول إن هذه الجماعة أو تلك من الناس فاسدة ثقافيا أو أخلاقيا، لأن كل الجماعات بالضرورة فيها بذرة فساد ما.
ـ أظن أن عليك أن تعتمد على مبادئ العدالة وأن تغضب عندما يتم اختراقها.أعتقد أن ذلك يبدو ـ بحسب تعبير فالتزر ـ تجريديا ومنفصلا، لكن هكذا أنا.
ثم إن على المرء أن يكون واقعيا بشأن قدراته. أنا لا أملك ما يملك البروفيسور تشومسكي من نطاق معرفي، ومن قدرات عقلية، ولكنني أحب أن أتقن ما أعمل. أنا رجل تفاصيل، بارع في التعامل مع التفاصيل. ولم أعد أشعر باضطرار إلى العمل على الصراع الإسرائيلي الفلسطيني الآن، لأن الكثيرين جدا يعملون عليه.

ـ لكنني حينما تكلمت مع تشومسكي عن ما يستثمره من نفسه في مواضيعه، كان ثمة شيء من التردد في نهاية حوارنا. بدا أشبه بـ "نعم، طبعا، النشأة، والطفولة، وذكريات الأبوين، كلها تلعب دورا عندي".
ـ لكن هناك فارقا هائلا هنا، فتشومسكي نشأ في بيت صهيوني. كان على أهل ذلك البيت أن يتكلموا العبرية فيه. كل شيء كان عبريا. أتعرف كيف التقى بكارول؟ أبوه كان أستاذ العبرية لكارول. كاروا قالت لماذا تزوجت من نعوم. لأنه كان أفضل من يتكلم العبرية في فيلادلفيا. كان هناك منافس آخر، لكنه كان الأفضل. بيته إذن كان مشبعا بالعبرية. بيتي كان بالهولوكوست.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق