الأحد، 10 يونيو، 2012

لماذا لا يصلح رجال الأعمال للحكم


لماذا لا يصلح رجال الأعمال للحكم
ويندي جيتلسن

قبل أسبوعين، أرسل لي أحدهم رسالة عبر البريد الإلكتروني، خلاصتها أن شركة وولمارت [وهي الشركة المالكة لسلسلة أسواق أمريكية] ناجحة نجاحا رهيبا، فما الذي لا يجعلنا نوظف إدراتها لتسيير الحكومة؟ بجد؟ وولمارت؟ ثم إنني فكرت في الأمر قليلا. تلك الرسالة الإلكترونية كانت تجسد فكرة شديدة الشيوع في بلدنا هذا، فكرة أن التاجر الناجح أعلى يدا من الحكومة. ونحن نتخب رجال الأعمال للحكم بناء على فكرة أنهم سوف يديرون الحكومة بفعالية تفوق إدارة شخص لا خبرة له بعالم الأعمال.
برغم سنوات من العمل في الخدمة العامة، يرشح "ميت رومني" نفسه لا بناء على هذه السنوات بل بناء على مؤهلاته الاقتصادية، راجيا أن ينسى الناخبون الجمهوريون سجله التصويتي اللبرالي نسبيا. جورج بوش أيضا استهدف أصوات الاقتصاديين، برغم أنه هو نفسه كان رجل أعمال سيئا للغاية. ولم يبد ذلك مهما بالنسبة للكثير من الناخبين.  فقد رأوا أنه خير له أن يكون رجل أعمال فاشلا، من أن يكون سياسيا ناجحا.
يسهل جدا أن نفهم سر إغواء هذه الفكرة للكثيرين. فنحن على مدار ثلاثين عاما نسمع من يقولون لنا إن الحكومة سيئة. ولقد ذاع عن جروفر نوركويست (وهو صاحب التعهد الجمهوري بأن "لا ضرائب جديدة") قوله إننا ينبغي أن نقلص حجم الحكومة حتى تناسب حوض استحمام، ثم نغرقها. وانجذب الكثييرون للفكرة، لا سيما حينما قيل لهم إن الحكومة متضخمة، وإنها تسرق الأموال التي نشقى نحن للحصول عليها.
كلما نفتح التليفزيون، نسمع شيئا في حق الحكومة. الحكومة مفلسة. عندنا عجز رهيب ودين ضخم. ألا يجدر بنا أن نعين، لا، أعنى ننتخب، شخصا يفهم في التعامل مع الـ فلوس؟
وبرغم كل هذه الإغراءات والإغواءات، إجابة هذا السؤال هي: لا.
1 ـ الشركات تعمل لسبب واحد ووحيد ولا ثاني له ... أن تكسب المال. هي لا تعمل خدمة للعاملين فيها بل ولا لزبائنها. الشركات ملزمة بصورة شريعة بأن تقدّم الربح على أي شيء آخر. وهذه الفلسفة تتدنى بطبيعتها إلى صناعة أرخص منتج يسمح به السوق (أو تقديم أقل خدمة) وبيعه بأعلى سعر يسمح به السوق. أن يكون العمر الافتراضي لهاتفك المحمول ستة شهور أو سنتين فهذا شيء. وأن يكون هذا هو العمر الافتراضي لشبكة الكهرباء، فهذا شيء آخر.
2 ـ الشركات لا يعنيها زبائنها. هذا شيء أنا أعرفه جيدا. ربما يكون التعبير قاسيا، ولكنه صحيح. فالشركات تنفق البلايين على الدعاية الرامية إلى إقناعنا بأننا نعنيها، وأنها فعلا تريدنا أن نرتدي ثيابا نظيفة، وأنها فعلا تريدنا أن نعيش في بيئة نظيفة، وأنها تريد لأطفالنا أن يمرحوا في الحقول، وأنها تبيع لنا الدمية التي تجعل أطفالنا يعتبروننا أبطالهم المغاوير، وأنها تريد لنا السعادة. في حين أنه في واقع الأمر لا يوجد موضع في وثيقة أي شركة يرد فيه ذكر لسعادة الزبون أو حتى رضاه. من المؤكد، أنه لو جعلت شركة زبائنها سعاداء، فقد يكون لديها حافز لتسلك هذا الاتجاه، لكن الهدف في نهاية الأمر هو حاملو الأسهم، وحاملو الأسهم وحدهم. ثم إنه أسهل وارخص أن تقوم شركة بتحسين أساليبها الإعلانية من أن تقوم بتحسين منتجها. بعبارة أخرى، لا بأس في أن تبيع منتجات معيبة، طالما هي قادرة على خداع نسبة معينة من الناس يصدقون أنهم يشترون منتجات جيدة بأسعار جيدة، في هذا الحالة حملة الأسهم يكونون سعداء. ولو أن الحملة التسويقية جيدة فعلا، فسوف تقنع الزبائن أن عيوب المنتج طبيعية (كما في الأجهزة الإلكترونية) وأن عليهم أن يدفعوا مرة أخرى لتبديل المنتج المعيب الذي اشتروه بالإصدار الأحدث من نفس المنتج المعيب.
3 ـ الحكم ليس عملا مدرا للربح. تعالوا نضرب مثالا بمكتب البريد. أسلِّم معكم أن مكاتب البريد لا تبلي بلاء حسنا الآن، ولكن السبب بسيط للغاية. وهو أنها لا تفرض الرسوم الكافية، وهي مرغمة على تمويل رواتب تقاعدها أكثر من أي منظمة أخرى، حكومية أو خاصة. لكن لنفترض أنها تبلي بلاء حسنا. لنفترض أنها تربح. كان الزبائن في هذه الحالة سيصرخون قائلين "نريد استرداد أموالنا على هيأة طوابع بريدية أرخص". ألم يكن ذلك في واقع الأمر هو الافتراض الذي قامت عليه الخصومات الضريبية التي تكلم عنها بوش؟ كان لدى الحكومة فائض في التمويلات. وشعر بوش والجمهوريون أنه ينبغي رد هذا الفائض إلى دافعي الضرائب.
4 ـ الحكم ليس مجالا لخلق الطلب. إن الخدمات الحكومية خدمات ضرورية للمجتمع لا يقوم بدونها. والأنشطة الاقتصادية تزداد كل يوم ازدهارا بسبب ما تخلقه من طلب جديد على منتجات جديدة. شركات الأدوية تخترع الأمراض. شركات الملابس تقنعنا أننا نبدو أدنى من غيرنا إن نحن ضبطنا متلبسين بارتداء ثياب العام الماضي. الحكومة تلم القمامة، تعلم الأطفال، وتطفئ الحرائق. لا دافع لديها لتقنعنا بزيادة القمامة، أو تجهيز تلاميذ أكثر بلادة، أو إشعال حرائق. في المقابل، لو أديرت هذه الخدمات نفسها من خلال الشركات، فكلما ازدادت القمامة التي تجمعها، ازدادت الأموال التي تجنيها. كلما بذلت جهدا في تعليم أبنائنا، ازدات الأموال التي تجنيها. كلما ازدادت الحرائق التي تجنيها، ازدادت الأموال التي تجنيها.
5 ـ إجراءات تقليل التكلفة التي تتبعها الشركات تنعكس سلبا على الحكومة. فمنذ بداية عصر اتفاقات التجارة الحرة، أصبح من أكثر إجراءات تقليل التكلفة شيوعا هو تصدير الوظائف outsourcing ، والحق أن شركة ميت رومني هي التي علمت الشركات كيفية تحقيق الاستفادة القصوى. وأنا على المستوى الشخصي لن أشعر بالارتياح حينما يقوم حاملو جنسيات أخرى بإدارة المخابرات المركزية الأمريكية. قولوا ما يحلو لكم عن موظفي الحكومة، لكنهم على الأقل يدفعون ضرائب في أمريكا.
6 ـ الحكومة مسئولة أمامنا مسئولية مباشرة. أما الرئيس التنفيذي لشركة في المقابل فلا تحاسبه إلا مجموعة صغيرة من الناس تعرف بمجلس الإدارة. فلو أننا ـ نحن الزبائن ـ أردنا أن نفصل رئيسا أو عضوا برلمانيا، فكل ما علينا هو أن نذهب إلى صناديق الاقتراع (وهو شيء اشتهر الأمريكيون بعدم إجادتهم له). لكننا لو أدرنا كزبائن أن نفصل رئيسا تنفيذيا من شركة، فربنا يوفقنا.
7 ـ رجال الأعمال عادة أسوأ رجال الحكم. لقد كانكل من جورج دبليو بوش وديك تشيني ذا خلفية اقتصادية. وقد تركا الولايات المتحدة في أسوأ حالة مالية عرفتها منذ الكساد الكبير. ومساتشوستس في ظل حكم ميت رومني كانت الولاية رقم 47 بين 50 ولاية من حيث خلق فرص العمل.
8 ـ العمل التجاري بطبيعته لاأخلاقي. الأخلاق ليست بندا في وثيقة الشركة. ودستور الولايات المتحدة وثيقة أخلاقية. إنه خريطة طريق للحكم، ولمسئولي الحكومة. وهو يؤكد على مسئولي الحكومة أن يستجيبوا لنا نحن الشعب. فلو أننا نحن الشعب لا يعجبنا الدستور، يمكننا تغييره. أما أهل الاقتصاد فليست لديهم خارطة الطريق هذه، اللهم إلا لو كانت خارطة طريقهم تطلب منهم إلا يتسببوا في إحراج الشركة ومجلس إدارتها. ونحن الزبائن لا دخل لنا على الإطلاق في تحديد خارطة الطريق لشركة.
9 ـ وأخيرا، الشركات يمكن أن تفعل شيئا، بل إنها تفعل شيئا ليس مقبولا أن تفعله حكومة دولة، الشركات تخسر، الشركات تفلس.
بكل الإنصاف أقول إن الحكومات تعمل أحسن ما تعمل حينما يشترك فيها أناس من خلفيات متنوعة. فلا بد لأهل الاقتصاد والأعمال من مكان في الحكومة، مثلهم مثل جامعي القمامة والفنانين وغيرهم. الحكومات تعمل أفضل ما تعمل حينما تحتوي على تنويعة من وجهات النظر، وتعمل أفضل ما تعمل حينما نكون، نحن الشعب، من يديرها.


عن أدكتنج إنفو
نشر في جريدة عمان بتاريخ 10 يونيو 2012