الاثنين، 1 مارس 2010

بول أوستر: لا أملك إلا التفكير في الحرب


وصفت صحيفة أوبزرفر البريطانية بول أوستر بأنه "أحد أعظم الروائيين الأمريكيين الأحياء". وقد أصدر أوستر مؤخرا رواية جديدة عنوانها "الخفي" تبدأ أحداثها في نيويورك سنة 1967 حين يلتقي الشاعر الناشئ والطالب بجامعة كولمبيا آدم ووكر البالغ من العمر عشرين عاما بالفرنسي رودلف بورن، وهو من المحاربين الفرنسيين القدامى في الجزائر. وتنشأ على إثر هذا اللقاء علاقة بين الاثنين تنتقل بووكر من مرتفعات مورننجسايد إلى باريس، وفيها يلتقي بسيسيلي الباحثة الناشئة الطموح، ومن باريس إلى كاليفورنيا حيث يعيش فيها ولا هم له إلا كتابة قصص يستلهمها من حياته. يستكشف أوستر في هذه الرواية ـ وهي الخامسة عشرة بين رواياته ـ معنى السرد، والتأليف، والحقيقة، ويخترق العلاقة المعقدة بين الذاكرة والهوية. وقد تناقشت مؤخرا أنا وأوستر حول هذه الرواية الجديدة وأسلوبه في الكتابة.

تي إس: لماذا اخترت حقبة فيتنام لتستهل منها الرواية؟
أوستر: ليس بوسعي أبدا أن أجيب عن "لماذا" في أي شيء مما أقوم به. أتصور أنني يمكن أن أجيب عن "كيف" و"متى" و"ماذا". أما "لماذا" فتمتنع علي. القصص تندفق من العدم، فإن غلبتك، تتبعتها. تتركها تتكشف بداخلك وترى إلى أين تسوقك. وتلك القصة فتنتني. أظنني كنت مهتما بارتياد الشباب مرة أخرى. لقد كانت الكتب الثلاث السابقة تدور حول بشر أكبر سنا. ولعلي قلت لنفسي إنني استكشفت تلك المنطقة بما فيه الكفاية. كما كانت الذكرى الأربعون لكثير من الأحداث توشك أن تحل، كان الأفق موشى بكثير من الذكرى الأربعين حينما كنت أنتهي من الكتاب في 2008. كان 2007 مثلا هو الذكرى الأربعون لمظاهرات نيويورك التي شهدتها بنفسي. كثير من الأشياء المحورية في فترة شبابي يعاد دراسته الآن. ولقد كنت أطيل التفكير فيها جميعا. وربما جاء الكتاب، ربما يكون قد جاء من كل ذلك.

تي إس: الكثير في رواية "الخفي" يعتمد على الذاكرة. أود أن تلمح إلى علاقة الذاكرة بالسرد والقص لديك.
أوستر: سأحكى لك حكاية من حكايات الذاكرة. هي حكاية لا علاقة لها بالكتاب، ولكن لها علاقة بذلك الزمن، ومن ثم فإن لها صلة ما. كان من بين أساتذتي في كولمبيا إدوارد سعيد، الذي مات قبل سنوات قليلة. وكان مستشارا لرسالتي لنيل الماجستير، وتلك كانت آخر خطوة لي في التعليم. فلم أتجاوز ذلك الحد مطلقا. صدر لإدوارد بعد وفاته كتاب بعنوان "عن الأسلوب المتأخر" . وقد قام بجمع هذا الكتاب أستاذ قديم آخر من أساتذتي في كولمبيا هو مايكل وود، الذي يدرِّس الآن في برينستن وهو من أعز أصدقائي. بل إن مايكل في واقع الأمر هو الشخص الذي حاورني قبل خمس سنوات أو ستة في باريس ريفيو. فهي إذن صداقة مستمرة. هناك في الكتاب مقالة عن جان جينيه. لا أذكر في أي سنة بالضبط، ولكن لعل سنة 1969 هي التي جاء فيها جان جينيه إلى حرم جامعة كولمبيا دعما للفهود السود، وقد ألقى جينيه كلمة عند الساعة الشمسية، أي في منتصف الحرم بالضبط. ولما كنت أجيد الفرنسية، فقد طلب مني بعض من كانوا يعرفون بهذا الحدث أن أكون مترجما له في ذلك اليوم، فوافقت على ذلك عن طيب خاطر. أتذكر وأنا أمشي بجانبه، بينما روحه المعنوية مرتفعة للغاية. كان يضع خلف أذنه زهرة، ويتكلم بنعومة، وابتسامة، وكان اليوم ربيعيا جميلا.
يكتب إدوارد في مقاله أنه يتذكر زيارة جينيه لحرم جامعة كولمبيا. وكتب أنه صادف أحد تلامذته فقال له "جينيه قادم بجد، بل إنني الذي أترجم له". أنا لا أذكر أنني صادفت إدوارد وقلت هذا. ثم قال إن جينيه نهض وتكلم، وكانت عباراته بالغة البساطة وداعمة للغاية للفهود السود ومناهضة للعنصرية في الولايات المتحدة، وإن الطالب المترجم أسهب في شرح تعليقاته وتوجيه جميع أنواع الاتهامات إلى الإمبريالية والرأسمالية الأمريكيتين. ليس في ذاكرتي ما يثبت أو ينفي أنني كنت أترجم له وقت إلقائه كلمته. لقد كنت في منتهى الخجل آنذاك، ولا أعتقد أنني كنت لأود القيام بذلك. وإن كان صحيح أيضا أنني على يقين أنني لو كنت الشخص الذي ترجم له، فإنني ما كنت لأسهب في شرح خطبته. ذلك شيء ما كنت لأجد نفسي قادرا على القيام به أو حتى راغبا فيه.
عندما رأيت مايكل وود مؤخرا، تكلمنا في هذا. قال "أنت عارف، من الممكن جدا أن تكون ذاكرة إدوارد قد خلطت كل شيء". وهكذا لدينا الآن هذه الفجوة الذاكراتية العملاقة: أنا لا أتذكر إن كنت فعلت أم لم أفعل، وهو لا يستطيع أن يتذكر ما حدث بالفعل. منذ أسابيع وأنا أفكر في هذا اللغز. ولا يمكنني أن أنتهي فيه إلى حل. الخفي تعمل على أمور من هذا القبيل.

تي إس: يتناول الكتاب إلى حد بعيد فكرة السرد وكيف يمكن أن يتخذ أشكالا شتى. بالنسبة لك، ما الأجزاء التي كانت أكثر أهمية في سرد هذا الكتاب؟
ب أ: يصعب القول. كل شيء مهم.

تي إس: هل كانت هناك أجزاء معينة أتتك على الفور، وأجزاء معينة احتاجت بعض العمل لتأتي؟
ب أ : القوة الدافعة المركزية التي كانت تسوقني في الكتاب هي علاقة بورن/ووكر. هذا الشيء هو أول ما أتاني. وبالطبع، أصبح الكتاب أكثر من ذلك. ولكنه إيقاع دائم في الكتاب أيضا. أعتقد أن له علاقة بالشباب، بل والشباب النابه، وليس ووكر بشيء إذا لم يكن نابها، وكيف أنهم سذج وأقل خبرة مما يسمح لهم بفهم أنماط معينة من الناس الذين يصادفونهم. معظم الناس في هذه السن يقعون في كثير من التجارب، قد لا تكون جميعها بمثل هذه الدراماتيكية ولكن الفكرة العامة وراء كل هذه التجارب هي التقاء أنماط جديدة من الناس لا تعرف عنهم أي شيء. وهي لحظة فاتنة في الحياة، لأنك حينما تبلغ الثلاثين لا يصير بوسعك أن تقع في مثل هذه الأخطاء. إذ يمكنك أن تقرأ الناس بسرعة. يمكنك أن تشم الخطر، ولكن في العشرين، يكون كل شيء مغامرة، وكل شيء يكون جديدا، ويحدث لأول مرة. وأنت لا تريد أن توصد على نفسك بابا دون التجارب والخبرات. ولذلك فإن ووكر منفتح بما يكفي بورن لمصاحبته ولكنه في الوقت نفسه غبي بدرجة تجعله يتصور أن الغرباء الذين يسيرون من حولك يمكنهم أن يعطوك ببساطة مبلغا من المال لإنشاء مجلة.

تي إس: ذلك شيء أحببته في القسم الأول من علاقتهما
ب أ : كان كل الشعراء الشباب في ذلك الوقت يريدون أن تكون لهم مجلاتهم. وكانت لكثير منهم مجلاتهم فعلا. وبعض هذه المجلات كان يصدر بأقل التكاليف، من خلال آلات نسخ بدائية. وقبل انتشار الطباعة الحديثة، كانت تلك المجلات المنسوخة في كل مكان.

تي إس: هل تذكر شيئا ما كنت تكن له حبا خاصا في تلك المرحلة؟
ب أ : "مغامرات في الشعر" الذي جمعه وحرره لويس وورش وآن وولدمن. كان هناك كذلك ناشر صغير له اسم غريب هو "مطبعة الموزة السيامية"، وهو الناشر الذي أصدر لي كتابي الأول وهو كتاب مترجم بعنوان "أنتولوجيا صغيرة من القصائد السريالية". كان مدير هذه المطبعة كاتب نثر اسمه جوني ستانتن. كذلك كنت أحب الكتب الرخيصة التي كان يرسم أغلفتها جو برينارد وجورج شنيمن. وكانت هناك بالتأكيد تلك المجلات الظريفة على حد ووصف ووكر لها. كانت مجلة إيفرجرين ريفيو بالغة الأهمية آنذاك. وكانت مجلتا "اتجاهات جديدة" و"ذي باريس ريفيو" هي مجلات الشعر الأهم. بجانب بعض المجلات الجميلة مثل "أدب وفن" التي لم تستمر طويلا. كانت فترة شديدة الخصوبة بالنسبة للشعر والمجلات الصغيرة. لذلك لا يملك ووكر غير الوثوب ... فما كان من سبيل إلى المقاومة.

تي إس: كتابك الأخير كانت له علاقة بالحرب. والحرب تلعب دورا في هذا الكتاب أيضا.
ب أ: صحيح.

تي إس: كيف أصبحت الحرب جزءا من عملية الكتابة لديك؟
ب أ: نحن الآن محاطون بها، صح؟ ونحن منغمسون فيها إلى حد أن لا نفكر في سواها. لقد قضينا في العراق فترة أكثر من التي قضيناها في الحرب العالمية الثانية، والكارثة في العراق تماثل كارثة فييتنام، وإن على نطاق أصغر. هناك أيضا أفغانستان، والتي لا تنتهي قط. يبدو أن الجميع يحاولون تفجير الجميع في شتى أرجاء العالم. كل يوم أفتح الجريدة فأجد شخصا يصرخ في شخص أو يقصف آخر، أو يهدد بذلك. أنا في هذا الكتاب أتكلم عن فييتنام. ومن الصعب أن أبين لك ما الذي فعلته تلك الحرب في المجتمع الأمريكي، كيف أنها ببساطة مزقتنا إربا. ولا أظننا برئنا منها قط. ومجرد ذهابنا إلى العراق ـ بغير ما أي سبب منطقي ـ يبدو لي مأساويا، وكاشفا عن أننا لم نتعلم الدرس. وما من نهاية لمثل هذه الحرب إلا المذلة، والهزيمة، ووفيات الأبرياء التي يتم التكتم عليها.
طوال تلك الفترة وأنا أضرب رأسي في الحائط من فرط الإحباط. بورن رجل فرنسي، عاين الكوارث الفرنسية، في الجزائر والهند الصينية على وجه التحديد، التي أصبحت فييتنام بالنسبة لنا. هاتان الكارثتان هما اللتان دمرتا فرنسا. لم تعد فرنسا قط مثلما كانت من قبل. فعنف الحروب الإمبريالية ينحل نسيج المجتمع الخائض لهذه الحروب. وكتاباي الأخيران يبحثان هذا. المثير للفضول بالنسبة لبورن هو أنني لم أسمه باسم الشاعر البروفنسي برتران دي بورن. لقد سميته بورن، ثم تذكرت الشاعر. فجميع شخصياتي لسبب ما تأتيني بأسمائها. لم أجد نفسي قط مرغما على البحث عن أسماء.

تي إس: تأتيك إذن شبه مكتملة؟
ب أ: صحيح، لسبب أو لآخر، أجدها مكتملة. بورن إذن كان بورن، ثم بدأت أفتش عن سميه الشاعر، الذي لم أكن قرأت شعره منذ أن كنت طالبا، أي منذ أن كنت في عمر ووكر. شعر قاس، متوهج، وصاعق. وهو موجود بالفعل في جحيم دانتي، تجده سائرا في النشيد الثامن والعشرين وبين يديه رأس منحور. والقصيدة التي ترجمتها في الرواية من شعر برتران دي بورن وتعود إلى عام 1185 أو نحو ذلك. ولأنني لا أعرف اللغة البروفنسية فقد اعتمدت على ترجمة فرنسية حرفية للخروج بترجمتي الإنجليزية.

تي إس: أهي الترجمة الواردة في الكتاب؟
ب أ: نعم، برتران هو شاعر الحرب. أما بورن ـ أبن القرن العشرين الموجود في روايتي ـ فهو الشخص الذي حطمته الحرب وهو ـ بشكل ما ـ نصير الحرب.

تي إس: هل تعتقد أنه لا يمكن أن تنتهي أساليبك الكتابية في ارتياد أفكار الحرب أو فكرة ما يحدث للناس الذين يخوضونها؟
ب أ : من المثير أن تذكر هذا لأنني انتهيت مؤخرا من كتاب آخر، وهو رواية جديدة في مثل حجم "الخفي". تدور أحداثها بين عامي 2008 و2009، بين عدد قليل من الشخصيات. أغلب شخصيات الرواية في العشرينيات من العمر، وبينهم خريجة جامعية تكتب أطروحتها عن أعقاب الحرب العالمية الثانية والأثر الذي تركته على المجتمع الأمريكي (في الفترة من 45 إلى 47) كما عكسته الكتب، وروايات الجريمة، والأفلام، وغيرها من تمثلات الثقافة الشعبية. ومن بين ما تكتب عنه فيلم أحبه كثيرا وهو "أحلى سنوات العمر".
جزء من الرواية إذن يستكشف جيل الشباب في تلك الفترة، ولنقل إنه جيل أبوي. أمي ولدت سنة 1925، أي أنها كانت في السادسة عشرة عندما دخلت أمريكا الحرب. أي أن سني مراهقتها الأخيرة وأولى سنوات رشدها مرت في ظل الحرب. كل أبناء ذلك الجيل وسمتهم الحرب العالمية الثانية. في بعض الأحيان تتم التعمية على أثر الحرب على الجنود. لقد خرب الناس. والحياة صارت حطاما. والد زوجتي كان مجندا في الحرب العالمية الثانية وعمره تسعة عشر عاما. وأصبح رقيبا أول في المحيط الهادي. ولم يتخلص من الأمر قط. سيري (يقصد زوجته الروائية سيري هستفيدت) استخدمت في روايتها الأخيرة "أحزان أمريكي" تلك الحكايات المؤثرة التي كتبها. وأنا أتكلم عن مقتطفات من مذكرات أبيها، التي كتبها لأسرته. كان قد خدم في جيش الاحتلال في اليابان وتم تسريحه سنة 46. سرحوه إذن في تلك السنة وأرسلوه إلى الوطن. وكان أكثر من عرفتهم في حياتي عقلا ومنطقية وجدية وأخلاقية. رجل صالح، فعلا رجل صالح، ولكنه عاد إلى الوطن مجنونا. عاد إلى مزرعة مينيسوتا القديمة ـ المزرعة الفقيرة الخربة التي ضاعت تقريبا في فترة الكساد الكبير ـ وقضى الصيف كله هناك يقطع الأشجار. شجرة بعد شجرة بعد شجرة. فذلك إذن شاب أفقدته الصدمة عقله. ومرة أخرى، أتماس في الكتاب الجديد مع الحرب. وذلك مجرد جانب من جوانب الكتاب الذي يدور أغلبه عن أشياء أخرى، ولكنني لا أملك ألا أن أفكر في الحرب.

تي إس: اثنان من العروض النقدية المنشورة في مجلات الناشرين يقارنان بين الخفي وبين "قلب العتمة"للروائي جوزيف كزنراد، لا سيما بين النهايتين. وأنت تكتب كتابا، هل تكون واعيا بأعمال أدبية أخرى؟
ب أ: أنا لا أفكر في هذا. ويمكنني أن أفهم سر قول الناس مثل هذا، برغم الاختلاف البين. وقطعا لم أكن أفكر في كونراد وأنا أكتب.

تي إس: ولكن بصفة عامة، وأنت تكتب، هل تفكر في أي كتاب آخرين؟
ب أ: في معظم الوقت لا أكون على يقين تقريبا بما أفعله. فلو أننا رجعنا ـ على سبيل المثال ـ إلى مطلع التسعينيات (من القرن الماضي) حينما كنت أكتب مستر فرتيجو، كنت قد بدأت منتويا قصة قصيرة، فإذا بي أنتهي برواية من ثلاثمائة صفحة. حينما بدأت لم تكن في ذهني شخصية باسم مسز ويذرسبون. ولكنها دخلت حينما كنت قد وصلت الصفحة العشرين أو الثلاثين، وأصبحت شخصية في منتهى الأهمية في الكتاب. وفي وقت لاحق، حينما انتهيت من الكتاب، ومر بعض الوقت، أدركت أن ما كتبته هو نسخة ما من قصة بينوكيو. كان في المعلم يهوودي شبه قليل من جيبيتو، ومسز ويذرسبون كانت الجميلة الزرقاء. لذلك كان لا بد من وجودها، ولكنني لم أكن أعرف بذلك. وفي إخراجها بلا وعي دليل على أنني كنت أفهم أن ما أكتبه كان نسخة من قصة بينوكيو دون أن أكون على وعي بذلك.

تي إس: بالموازاة مع خطوط اكتشافك لما تفعله أثناء قيامك به، هذا الكتاب مكتوب على هيأة أجزاء عديدة محددة. حينما كنت تصل إلى نهاية جزء منها، هل كنت تعي أن ذلك هو نهاية ذلك الجزء؟
ب أ: نعم. والظريف لأن الكتاب مكتوب بصيغة ضمير المتكلم، وضمير المخاطب، وضمير المتكلم. وهو مكتوب في زمن الماضي وزمن المضارع. في حدود السرد، تنتهي قصة ووكر بعد الجزء الثالث. والفصل الرابع عبارة عن خاتمة كالخاتمة الموسيقية، ولكن بدون الجزء الرابع، ما كان الكتاب ليترك أثره الذي يتركه.

تي إس: صحيح، فنحن نعرف ما الذي يجري لبورن
ب أ: نعم. وذلك شيء ظريف، البناء في السرد. ليس للكتاب منحنى تقليدي. وقليل من كتبي لها هذا المنحنى. أتذكر حينما كنت أعمل في فيلم "دخان" مع ويان وانج. وكان ذلك في التسعينيات أيضا. أتذكر أن القصة تتواثب عبر عدد من الشخصيات. أعتقد أن الفيلم منقسم إلى خمسة أجزاء، لكل منها اسم إحدى الشخصيات. مرة أخرى، جوهر القصة ككل يروى بضمير المتكلم في أربعة أجزاء. ثم يأتي جزء خامس يحكي فيه شخص لشخص آخر. لا علاقة لهذا الجزء ظاهريا بأي شيء مما حدث قبله، ولكنه مرتبط بعمق، وإن بأكثر الطرق خفاء والتواء. حمولة الفيلم العاطفية كلها كامنة في هذا الجزء، برغم أنه لا يخدم ما يسمى الحبكة بأي طريقة واضحة. هو يساعد على إنهاء القصة ويعطيه ختاما من نوع ما. في "الخفي" تأتي يوميات سيسيلي مماثلة لذلك إلى حد بعيد. هي منفصلة عن بقية القصة المروية حتى ذلك الحين، ولكن من المهم أن تكون موجودة.

تي إس: إذن هناك طوال الوقت قصة، بجانب قصة، بجانب قصة. قد يستمر الأمر هكذا إلى الأبد.
ب أ: أعتقد أنني ربما أكون قد خاطرت أكبر مخاطرة فيما يتعلق بالبنية السردية في كتابي السابق وعنوانه "رجل في العتمة". ففي الثلثين الأوليين من الكتاب، يكون بريل وحده في غرفته، يفكر في قصته. ثم يصل إلى نهاية فيشرع في التفكير في أشياء أخرى. وبغتة يسمع طرقة على بابه، وتدخل حفيدته. عند هذه النقطة، نقوم بالتفاتة حادة كاملة إلى شيء آخر. وتتحول الرواية إلى قصة زواج بريل وقصة جدة الشابة كاتيا. بدا الأمر لي سليما. لا أستطيع أن أبرره على أي نحو، ولكنه هكذا كان. نهج آخر خارج عن المألوف.

تي إس: تكتب من زوايا نظر مختلفة في "الخفي". هل تكون أكثر ارتباطا بإحدى الشخصيات وأنت تكتب؟
ب أ: اللطيف في الأمر أنني أشعر بالقرب من جميع الشخصيات. أكون عميقا عميقا بداخلهم جميعا. لا أستطيع أن أصف مدى عمق حبي لهم جميعا، حتى الوحوش منهم مثل بورن. كنت أشعر أني قريب منه هو الآخر. وبطريقة ظريفة، كنت أشعر بمنتهى الحنان تجاه مارجوت، مارجوت التائهة الحيرانة.

تي إس: مارجوت هذه قصة محزنة.
ب أ: محزنةبصورة مرعبة. ولكن هناك أيضا سيسيلي، الفتاة الخرقاء العبقرية التي تتحول إلى باحثة من طراز رائع.

تي إس: هناك النساء الموجودات في حياة آدم، ناهيك عن شقيقته جوين التي يتعرف بها القارئ فعلا في الجزء الثاني. وفي هذا القسم أيضا يصادف القارئ حدثا يتعلق بآدم وشقيقته ويصعب على كثير من الناس أن يفهموه، وبطريقة ما يصعب عليهم أيضا أن يقرأوه. كيف تيقنت أن يكون التعاطف هو ما يشعر به الناس؟
ب أ: ذلك ما حدث وحسب. آدم لا يشعر بالذنب. جوين أيضا لا تشعر بالذنب، ولذلك لم يتأذ أحد مما فعلاه. في الحوارات التي أجريت معي مؤخرا، ليس في أمريكا فقط، ولكن في بلاد أخرى أيضا، وجدت أن الناس لا يريدون الحديث عن هذا الجزء. الجميع يريدون أن يمروا عليه، أن يغفلوه.

تي إس: في مقاله عن روايتك في ملحق نيويورك تايمز لعروض الكتب، كتب مايكل ديردا يقول إن شخصياتك تتسم بعادة الفرار إلى الحكايات. ما الذي يفتنك كل هذه الفتنة في الهروب، وما الذي يفتن شخصياتك فيه؟
ب أ: لقد كتبت كثيرا من الروايات الخطية التي تسير ببساطة من ألف إلى باء إلى تاء على طول الطريق إلى ياء، أو روايات قليلة في واقع الأمر. هناك كتب أخرى معقدة. أعتقد أن للأمر علاقة بالمزاج الذي أكون فيه، وبطبيعة القصة التي أكون راغبا في كتابتها، أو التي تطالبني بكتابتها. أنا فعلا أشعر أني تحت رحمة المادة. ولا أحاول أن أتلاعب بما منح لي. أصغي وأمتثل. في بعض الأوقات أشعر أنه قد تكون هناك تأثيرات مثيرة فيمما أسميه بالكولاج. حينما يكون لديك شيئان أو ثلاثة أو أربعة في إطار، أو على لوحة، وثمة فراغات بينها، فقد يكون هناك نوع من الطاقة يتم خلقه في هذه الفراغات بين عناصر الكولاج المتباينة. ولو وضع عنصر واحد من تلك العناصر على جدار وحده، فلن يكون له التأثير الذي للعناصر كلها مجتمعة. لذلك أتصور أن ما يعنيني هو الطاقة التي توجد بين القصص. لا أستطيع أن أبرر هذا فلسفيا. إنه مجرد موقف عاطفي.

تي إس: هذه هي روايتك الخامسة عشرة، وقلت إنك انتهيت مؤخرا من رواية أخرى. على مدار كتابتك لكل تلك الروايات، هل تغير منهجك؟
ب أ: الأمور تغيرت في السنوات الأخيرة. فلوقت طويل تراكمت لدي الأفكار، ولذلك فإنني أعرف وأنا أكتب في رواية عن أي شيء سوف تكون الرواية التالية أو ما أتمنى أن تكون عليه. وغالبا ما أفكر في الكتاب التالي وأنا أكتب في سابقه. عندي معاهدة صغيرة بيني وبين نفسي. فمن الصعب جدا أن أبين كيف يمكن لكتابة رواية أن تستولي على جميع أفكاري في ساعات صحوي. ولكنني من كبار المؤمنين باللاوعي. فحينما أتوقف عن الكتابة في يوم، أحاول أن أدفع الكتاب عن ذهني. وليس من السهل أن تفعل ذلك. أما المنطقة الخطرة، ولحظة المخاطرة الكبرى فهي لحظة الاستلقاء في السرير والاستعداد للنوم. لسنوات كنت أقول "أبعد الكتاب عن ذهنك، وفكر في التالي له". وأفكر في القصة التالية أو الكتاب التالي. وظل الأمر كذلك حتى رواية "حمقى بروكلن"، كنت أعرف ـ لا أكثر ولا أقل ـ بالشيء التالي الذي أود أن أفعله. ثم حدث فجأة أن خلت الأدراج. كتبت أربعة كتب منذ ذلك الحين، كتابين قصيرين وكتابين أكثر طولا، مع فجوات كبيرة بين انتهائي من كتاب وشروعي في آخر. أعتقد أنني بعد "الخفي" قضيت ستة أشهر أو سبعة قبل أن أبدأ في كتابي الجديد. كل واحد من تلك الكتب كتب في حالة من الاهتياج. كل منها كتب في غضون شهور، بينما في الماضي كنت أستغرق ما بين سنتين إلى ثلاث لإكمال كتاب. "الخفي" كتبت في نحو ستة شهور. والكتاب الذي سيصدر قريبا كتب في ستة شهور. كل منهما يقع في نحو ثلاثمائة صفحة. أنا لا أفهم هذا. يبدو أن نتاجي اليومي تزايد، ولكن مرات إبداعيتي تقلصت بالمثل. فترات التبطل هذه ليست بالفترات السعيدة مطلقا. إنني أحاول أن أسترخي، ولكن أحدا لا يريد لهذه الفترات أن تدوم طويلا.

تي إس: وماذا تفعل في هذا الوقت؟
ب أ: تبدأ بأن تشعر باللاقيمة. وقد كنت أفعل الكثير من الأشياء البسيطة على مدار الشهرين أو الثلاثة الماضية، فقط لأجعل نفسي مشغولا.

تي إس: سؤال آخر وأخير عن "الخفي"، من أين جاءك العنوان؟
ب أ: أعتد أنني استخدمت المفردة عدة مرات في الكتاب، وكل مرة كنت أستخدمها بوعي شديد. المرة الأولى عندما وصف وجه بورن، فقال "كان من الوجوه التي تغدو خفية في أي زحام. وهو يتكلم عن المطحونين في أمريكا، لا سيما السود الفقراء باعتبراهم أخفياء. وحينما يستقل فريمان الطائرة عائدا إلى الوطن في الظلام قادما من كاليفورنيا إلى نيويورك، نجده يقول إن "هناك أمريكا خفية من تحتي". وفي الصفحات الأخيرة من الكتاب، وفيما تسير سيسيلي نازلة التل، تسمع شيئا ولكنها لا تراه. ولأنها لا تراه فهي لا تعرف ماهيته. أعتقد ـ بمعنى من المعاني ـ أن هذه هي الطريقة التي يعمل بها الكتاب. نحن نسمع أشياء ولكننا لا نراها، وحتى إذا كنا نراها، فنحن لسنا على يقين مما إذا كنا نراها على نحو صحيح. ومن هنا: الخفي.

نشر الحوار في عدد قراءات بتاريخ 28 فبراير 2010