الثلاثاء، 2 مارس 2010

حيثما تموت الطيور الآن ... نموت نحن غدا


مارجريت آتوود

بأي مبرر نبرر أفعال الإنسان بالطيور؟ وما قولنا في انجذابنا إليها؟ (فنحن ـ بالرغم من فيلم "الطيور" المرعب لهتشكوك ـ منجذبون في الغالب إليها) لماذا سميت مسرحية تشيخوف بـ "النورس" وليس بـ "يرقانة البحر"؟ فيم شغف (الشاعر وليم بتلر) ييتس بالإوز العراقي والصقور لا بأم أربعة وأربعين أو الحلزون أو حتى بالفراشة الجذابة؟ لماذا كان قطرس ميت هو المتدلي حول عنق البحار العتيق رمزا لكونه بحارا بالغ السوء ولم يكن على سبيل المثال سمكة رخوية ميتة؟ وما الذي يجعلنا نتفهم على الفور تلك الرموز المجنحة؟ تلك بعض من أسئلة كثيرة تؤرقني في ساعات صحوي.

منذ أقدم ما نتذكره نحن البشر ونحن نرفع أعيننا، فنرى من فوق رءوسنا الطير حرا مثلما لم نكن نحن قط، منشدة كما نحاول الإنشاد. خلعنا على ذواتنا أجنحتها، ابتداء من إنانا Inanna إلى هرمس المجنح وحتى الروح القدس المصورة في المسيحية على هيأة حمامة تغني للملائكة. طالما اعتقدنا أن الطيور أعرف منا بالأمور، ولم يبد ذلك إلا منطقيا، فهي من دوننا قادرة على الرؤية الكلية للأرض التي نطأها بأقدامنا دون أن يُرى منها الكثير إلا من أعلى، وتلك مزية صرنا نسميها بـ "الرؤية من عين الطائر". للإله الاسكندنافي أودين Odin غرابان اسمهما "الفكر" و"الذاكرة" يطيران حول الكرة الأرضية طوال النهار ثم يئوبان إليه كل مساء فيسران في أذنيه بكل ما رأياه في يومهما أو سمعاه فكان ذلك سر معرفته بكل شيء ـ على غرار الحكومات ذات الأجهزة البارعة في التصنت أو حتى على غرار جوجل إيرث Google Earth.

كان البعض منا يؤمن في البعض من الأزمنة بأن الطيور تحمل رسائل، وبأننا لو امتلكنا المهارة اللازمة لاستطعنا أن نحل شفراتها. ألم يكن اختراع الكتابة نفسه مستوحى ـ في الصين ـ من مسارات الكراكي؟ وتوت ـ إله الكتابة المصري المنسوب إليه اختراع الخط الهيروغليفي ـ ألم يكن له رأس طائر أبي منجل؟ هذا، وكانت في العالم القديم مهنة كاملة قائمة على قراءة الطير، وهي مهنة الكهانة augury يقوم بها الراءون والأنبياء الذين يفسرون حركات الأجنحة. وحينما كان أجاممنون Agamemnon ومينلاوس Menelaus يشرعان في الخروج من طروادة إذا بزوج من النسور يبقران أرنبة حبلى ويأكلان جنينها. فكانة نبوءة الكهانة هي النصر ـ أي أن طروادة إلى سقوط ـ ولكنه نصر مشئوم باهظ الثمن، وذلك ما كان. قال إكلسياتس بنبرة مؤثرة إن "طائر السماء سوف يحمل الصوت، وإن كل ذي جناح سوف يجهر بالحقيقة" وأراهن أن تلك الحقائق التي حملها الطير كانت بالغة الخطورة.

بحلول خمسينيات القرن العشرين، وكنت فيما أسميه مطلعَ رشدي، كان احترام الطيور قد تضاءل تضاؤلا كبيرا. ربما بقي البعض يظنون أن الطيور تحمل الرسائل، فكنا مولعين بالقول إن "العصفورة قالت لي" a little bird told me ـ ولكن أحدا لم يعد يظن أنها رسائل من لدن الآلهة، ولم تعد تلك الرسائل معنية بوفيات الملوك ومصائر الأمم. كانت تلك الرسائل ترد في الأغلب من الفتاة التي تحتل الخزانة المجاورة لخزانتك في المدرسة، وتدور في أغلبها عن فلانة التي تركت علانا. كانت "أحلام العصافير" Bird-brained تعني الأغبياء، والمولعون بمعرفة شئون الطير وأحواله كانوا يعدون دجاجات حمقاوات. بات تأمل الطيور ومراقبتها يصبحان يوما بعد مما عفا عليه الزمن ـ وتلك نزعة أطلقت شرارتها من خلال "الدليل الميداني إلى الطيور" الذي أصدره روجر تروي بيترسن سنة 1934 ـ فكان من بين آثاره شيوع ظهور أدلة مماثلة وإن تكن ساخرة تهكمية حافلة بالرسوم الكارتونية لأناس سخفاء المنظر يلبسون قلنسوات من الإسفنج ويحملون أسماء من قبيل "ذكر النحل الرائع" يراقبون فتيات في ثيابهن الداخلية مع تعليقات بالغة الإيجاز من قبيل "كسارة البندق وردية النهدين". وبدأت تشيع تلاعبات لفظية بمفردة "الطائر" فتنصرف حينا على الفتاة الجذابة أو على العضو الذكري ـ راجع فرانت سيناترا. ولعل تفاهة التعلق بالطيور المزعومة تتجلى اليوم في الاسم الذي يحمله موقع تويتر Twitter (أي زقزقة) الشهير مع إطلاق لفظ "يزقزق" على الخبر السار.

ولكن الزمن يتغير، وها نحن في سبيلنا من جديد إلى الطريقة القديمة، أعني قراءة الطيور. بل ونعود إلى استبصار مصائر الأمم، والبحث عن نذر الشر، في مسارات الطيور، أو في اختفائها، وعن الأثمان الباهظة التي لا بد من دفعها كيما نحصل على ما نريد. صار لدى الطيور اليوم ما تقوله من جديد، ولم تعد الحقائق المحمولة على أجنحة الطير بالحقائق المريحة على أية حال.

***

لطالما عشت في عالم طيري. كبرت فيه ـ فقد كان والداي من أوائل المراقبين للطير والمتخصصين في طبائعها ـ ولي أن أنبئكم من واقع خبرة شخصية أن الأطفال الصغار لا يستمتعون كثيرا بالبقاء هادئين في القوارب الصغيرة لساعات تلو ساعات والبعوض يلسعهم في أطرافهم العارية على أمل أن يتكر طائر بلار شديد الندرة Blur ويقوم بتحليقته السريعة منتقلا من مكان إلى آخر، خاصة وأن هؤلاء الأطفال لن يرونه وهم في غمار متابعتهم للنمل الصاعد على أذرعهم. ولكن التعلم المبكر يثمر في بعض الأحيان عن بعض الفوائد، فلقد أعدت صلتي بعالم الطير وقت أن أدرك الجميع ـ وأنا منهم ـ أننا كنا قصار النظر. ولكنني كنت بحاجة إلى من يعينني على ذلك الشيء المدور الموجود أعلى عدسة المنظار، عند النقطة التي تجلى فيها طائر بلار شديد الندرة إلى شيء يمكنني فعلا أن أراه

ولأن الطيور على أشكالها تقع، فقد وقعت في نهاية المطاف على شخص نشأ في عالم الطير، أعني جريمي جيبسن الذي أصدر حديثا مؤلفا بعنوان "كتاب الطير المبسط" The Bedside Book of Birds ورئيس جمعية جزيرة بيلي لمراقبة الطير Pelee Island Bird Observatory. إن البقاء في قارب صغير والبعوض يلسعك في انتظار ظهور طائر بلار شديد الندرة يصبح أسهل بكثير حينما تكون أنت المتحكم في جدول الأعمال ـ كأن يكون لك الحق في القول بأن "هيا بنا نتناول الغداء" ـ ومن ثم فقد تسنى لنا أن نقوم بالكثير من مراقبة الطيور معا. كنت أرى في جريمي حماسة المعتنقة حديثا لدين جديد، وكنت أنا أبدي رزانة المولودة على هذا الدين، ولكننا كنا نشترك في غاية ساقتنا سويا إلى أماكن في العالم غير معهودة. ولم يكن البعض مما شاهدناه كشوفا بطولية ـ فاللغز المكسيكسي النائي الذي لم تقع عليه عين بشرية قط أسفر عن بجعة بنية، والبومة الجليدية لم تكن في حقيقة الأمر إلا زجاجة حليب بلاستيكية، أم ترى كان العكس هو الصحيح؟

فيما مضى من سبعينيات القرن الماضي وثمانينياته ثم في تسعينياته، كان بوسع المرء منا أن يثق في المواضع التي ينبغي أن تُرى فيها الطيور. وكان الفشل في رؤيتها في تلك الأماكن يوعَز إلى الحظ العسر أو الفقر المهاري، أما الطيور نفسها فقد كانت موجودة لا شك في موضع ما من تلك الأماكن. فلو لم يحالفك الحظ في هذه المرة، ففي التالية، ولو لم يحالفك هذا العام، ففي العام القادم. ولكن التغيير نال من كل ذلك، وهو تغيير سريع للغاية. وهذا الانهيار المباغت ـ الذي لم ينل فقط من الأنواع النادرة، بل ومن الأنواع الوفيرة نسبيا مثل طائر الدخلة الاستوائي ـ مثير جدا للقلق. لم يعد وجود أي سلالة من الطير أمرا مسلما به.

***

في فبراير من عام 2006، قبلت أنا وجريمي الرئاسة الفخرية المشتركة لنادي الطيور النادرة Rare Bird Club التابع للمنظمة الدولية لحياة الطيور (بيرد لايف إنترناشيونال) BirdLife International. تصف بيرد لايف نفسها بأنها "منظمة دولية لمراقبة الطيور تعمل من أجل تنوع الحياة من خلال مراقبة الطيور وعاداتها". وفي بعض الأحيان تشير هذه المنظمة إلى نفسها بعبارة جانبية تنص على أنها منظمة "عاملة من أجل الطيور والبشر". وتحت هذه المظلة الواسعة، تعمل المنظمة على دعم عدد مثير للإعجاب من الأنشطة التي ينفذها شركاؤها في شتى أرجاء العالم، وتشمل هذه الأنشطة كل شيء ابتداء من إدارة برنامج لمقاومة الانقراض يركز على الطيور التي تتعرض للخطر، وحتى دراسة مسارات الهجرة الدولية للطيور وذلك بهدف إزالة الأخطار التي يتسبب فيها البشر عن عمد واستهتار، ومراقبة السموم التي تقتل الطيور بسرعة والبشر ببطء. (ملاحظة: في المياه التي تموت فيها الطيور، أنصحكم ألا تمارسوا السباحة) يتم تنفيذ مشاريع بيردلايف إنترناشيونال الكثيرة من خلال الدول المشاركة لها ـ وثمة أكثر من مائة شريك من هذا النوع والرقم يتزايد ـ أما الأمانة العامة القائمة على الجانب العلمي وإدارة الشبكة كلها فمقرها كمبردج، وهي تواجه المشكلة التي تواجهها أغلب المنظمات المماثلة، وهي أنه يسهل عليها الحصول على تبرعات لمشاريع معينة أكثر مما يسهل عليها الحصول على التمويل اللازم للإدارة الكلية.

مهمة نادي الطيور النادرة أن يدعم الأمانة العامة، وأن يقوم بتمويلها. وقد اتفقت أنا وجريمي على المضي في تنفيذ هذه المهمة، وليس ذلك لأن لدينا وقتا ـ فليس لدينا وقت ـ بل لأننا كنا على دراية بالأزمات القائمة في حياة الطيور، وكذلك بالصلة القائمة بين صحة النظام البيئي وصحة البشر أنفسهم. فليست عبارة "الكناريا في منجم الفحم" خالية من المعنى. وهذه العبارة مأخوذة من الوقت الذي كانوا يضعون فيه طيور الكناريا في مناجم الفحم، حتى إذا ما بدأت الكناريا في التساقط، كان ذلك مؤشرا على وشوك اختناق العاملين في المنجم. نعم، حيثما تموت الطيور الآن من السموم أو من تدمير البيئة أو من الجوع، سوف يموت البشر عما قريب. فالوفيات في حياة الطيور البحرية ـ على سبيل المثال ـ مؤشر على وفيات في الأحياء البحرية، ومن بينها السمك. وليس المرء بحاجة إلى كثير من براعة الكهنة لقراءة الطالع من هذه الإشارات الطيرية.

ثلاث لقطات: منذ صيفين، كنا مجموعة من أعضاء نادي الطيور النادرة في القطب الشمالي. كنا نشاهد دبا قطبيا ينتهي من بقايا فقمة، في حين كان على مقربة منه نورسان عاجيان في انتظار أن يلتقطا العظام. كان كل من الحاضرين في ذلك المشهد على يقين من أن جميع عناصره ـ الدب الآكل، والنورس، والجليد نفسه ـ سوف تختفي بسرعة عن وجه الأرض اختفاء السراب، سوف تختفي وكأنها لم تكن قط. نعم، قد يحدث هذا، لا في غضون قرون، بل في غضون سنوات. إنه ارتفاع درجة حرارة الأرض، لا نظريا، بل بوصفه حقيقة ملموسة.

بعيدا جدا إلى الجنوب، وفي جزيرة تقع مقابل ولاية جورجيا الأمريكية، وقفنا على شاطئ نشاهد سربا ضخما من طيور الدريجة knots الحمراء ـ التي سميت في الأساس باسم الملك كانيوت King Canute ـ يتغذى عند ملتقى الماء بالشط. كانت الطيور منهمكة فيما تفعل، ولكنا كنا نعرف أن البشر في موضع غير بعيد من الساحل كانوا "يحصدون" سرطان البحر الذي يضع بيضه على الشط، وهو الأمر الذي يقضي على بيض السرطان الذي تعتمد عليه الطيور أثناء هجرتها الطويلة.

وبالتوغل أكثر جنوبا، إلى الجزيرة الجنوبية في نيوزيلاند، حيث مضينا ذات ليلة طلبا لرؤية طيور الكيوي (طيور لامجنحة من طيور نيوزيلاند ـ المورد)، ذات الفراء المريش والمناقير المعقوفة التي كان أول لقاء لنا بها في طفولتنا على عشرات من علب ورنيش الأحذية. في رحلات كتلك قد لا يسعفك الحظ برؤية كيوي واحد في بعض الأحيان. ولكن الحظ كان رفيقنا فرأينا منها خمسا: بين صغير وكبير وذكر وأنثى. وكان الحظ من قبل رفيقا لها هي ذاتها فلم تقع فريسة لأولئك القتلة الساكنين أرض نيوزيلاند ممن يعيشون على طيورها ـ وأعني القطط والجرذان والكلاب ـ وإن لم يكن الحظ حليفا لطيور أخرى من أقربائها. إن جميع الطيور اللامجنحة أو أرضية الأعشاش في نيوزيلاند معرضة للخطر. فمنذ وصول بني آدم إلى أرض نيوزيلاند والمذبحة قائمة وقاسية.

وذلك هو المفتاح: "منذ وصول بني آدم". فنحن في أغلب الحالات لا نقتل الطيور لغرض معين. بل نقتلها بالصدفة، أو كعرض جانبي لبعض ما نستحدثه من تقنيات، أو لأجل أعين حيواناتنا المدللة، أو نتيجة ثانوية للأوبئة التي ترافقنا في حلنا وترحالنا.

وإليكم فيما يلي قليلا من الإحصاءات. في الولايات المتحدة، تقتل خطوط الطاقة ما بين 130 و174 مليون طائر سنويا، وأغلب هذه طيور جارجة كالصقور و طيور الماء waterfowl التي يمكن لأجنحتها العريضة أن تمس سلكين في وقت واحد فتصعقها الكهرباء، أو تصطدم فتتهشم على سلوك الكهرباء الرفيعة التي لا تراها (وضعوا في أذهانكم حدة أسلاك البيانو على نحولها). السيارات والشاحنات تصدم وتقتل ما بين 60 إلى 80 مليون طائرا سنويا في الولايات المتحدة، والبنايات الشاهقة ـ لا سيما تلك التي تترك أنوارها مضاءة طوال الليل ـ خطر أساسي على الطيور المهاجرة حيث تؤدي إلى مصرع ما بين مائة مليون إلى بليون طائر سنويا. تضاف إلى ذلك أبراج الاتصالات المضاءة التي تقتل عددا ضخما من الوطاويط، والتي قد تكون مسئولة عن مصرع ما يرقى إلى ثلاثين ألف طائر في ليلة يسوء طقسها، وهو ما يجمل نحو خمسين مليون طائرا ميتا في العام. تؤدي المبيدات الزراعية بصورة مباشرة إلى مقتل 67 مليون طائر في العام، أغلبها ناجم عن تراكم السموم التي تتجمع في أعلى السلسلة الغذائية، أو بصورة غير مباشرة نتيجة التضور جوعا بسبب اختفاء الحشرات. تلتهم القطط في ولاية أمريكية واحدة قرابة 39 مليون طائرا ، واضربوا هذا الرقم في عدد الولايات الأمريكية، ثم اضربوا الناتج في عدد دول العالم، لتجدو الرقم فلكيا. وهناك مخلفات المصانع، وتسرب النفط، والرمال النفطية، وما نضيفه إلى كل ذلك المزيج من مركبات كيميائية غير معروفة. وبرغم أن الطبيعة ولود، إلا أنها لا تستطيع مجاراة معدلات القتل المرتفعة هذه ، ومن ثم تتضاءل سلالات الطيور ـ حتى ما كان شائعا منها ـ في شتى أرجاء العالم.

وإليكم إحصائية أخرى ننقلها عن (نائب الرئيس الأمريكي السابق) آل جور: 97% من التبرعات الخيرية تتجه إلى أغراض بشرية. نصف الثلاثة في المائة المتبقية تذهب إلى الحيوانات الأليفة. فلا يبقى للطبيعة كلها من بعد ذلك إلا واحد ونصف في المائة، والطبيعة هنا تعني المحيطات والجفاف والفيضانات وتقلص الغلاف الجوي الذي تعتمد عليه حياتنا. آه كم نحن مجانين! وآه ما أشبهنا بتلك الشخصية في أفلام الكارتون القديمة التي كانت تقطع غصن الشجرة الذي تجلس عليه، بينما تنتظرها من تحته هوة من عدم لا قرار له. وذلك هو الذي يجعل المرء يود لو يدفن رأسه في الرمال ـ فيفعل مثلما يفعل الجميع تقريبا، أي يشاهد الأفلام القديمة التي أنتجناها قبل أن يمس الجنون كل شيء، وقبل أن يتسلع كل شيء. أو ينتصح بتحذير جيمس لافلوك James Lovelock: استمتعوا بالأمر ما استطعتم وكلما استطعتم، فمهما يكن ذلك الأمر الذي تستمتعون به، فإنه لن يدوم طويلا.

برغم تلك الصورة السوداوية ـ وربما بسببها ـ هناك كثير من الجسورين أفراد ومنظمات ممن يدفعون أنفسهم دفعا على مسارات قطار الموت البيئي السريع. هناك منظمات دولية، ومحلية، جميعها تعمل بأقل مما تحتاج إليه من موظفين، وتهتم بما يفوق قدراتها من هموم، كأنها المستشفيات في أزمنة الوباء. ومثلما أسلفت، فإنني مرتبطة بمنظمة بيرد لايف الدولية، وقد حضرت لقاءها الدولي في الأرجنتين في سبتمبر من العام الماضي. وتلك الملتقيات لا تنعقد إلا مرة كل أربعة أعوام، ويلتقي فيها ممثلو شركاء بيرد لايف المحليون من شتى أرجاء العالم. كانت الطاقة والحماسة معديتين، وكان واضحا من مجرد نظرات عابرة قليلة أن أيام الخمسينيات قد ولت بلا رجعة، حينما كان ثمة نمط لذلك المحب الرومانتيكي للطيور.

المهتمون الآن بالمحافظة على الطيور أناس يتسمون بالجدية والجسارة، فهم أقرب إلى الساموراي السبعة عند جيري لويس. وهم يعرفون تماما ما يفعلون، وهذا الذي يعرفونه قد يكون حادا للغاية. استمعنا إلى حكايات عن قيام المنظمة الإكوادورية للحفاظ على الطيور Aves&Conservacion بخوض حرب على التدمير غير الشرعي للبيئة وقرصنة الأشجار، وقد خاضت المنظمة تلك الحرب من خلال كتابات على الإنترنت، وحين أدى ذلك إلى تهديدات بالقتل، نشرت المنظمة تلك التهديدات أيضا على الإنترنت إلى أن أرغمت الحكومة على التصرف، وسمعنا حكاية عن شريكنا المالطي بيردلايف مالطا وكيف أن تلك المنظمة استطاعت في نهاية المطاف أن تضع حدا للتدمير، واستمعنا إلى حكاية من الاتحاد الأوربي عن موسم صيد الربيع المحظور في تلك الجزيرة المحورية في هجرات الطيور وذلك بعون من المفوضية الأوربية التي ساقت الجزيرة إلى القضاء. كان ثمة تهديدات بالقتل في ذلك وتفجيرات لسيارات، ولكن بدعم من أكثر من سبعين في المائة من سكان الجزيرة، انتهت القضية بالنصر. استمعنا إلى حكاية تأليف "دليل طيور العراق" وهو مشروع تعرض العاملون فيه لأكبر أنواع الخطر. إن لحركة الحفاظ على الطيور زعماءها وجنودها الميدانيين، وإن لها كذلك شهداءها، ولقد كان ثمة موتى من البشر، مثلما أن هناك موتى من الطير.

كثير من طاقة بيرد لايف موجه إلى وضع خرائط لأماكن الطيور الرئيسية ومحاولة حماية تلك الأماكن، وإعداد كتب مصورة للطيور النادرة ومراقبتها. وعلى هذا النحو، يمكن إنقاذ الطيور النادرة والمهددة بالانقراض التي لا تغادر تلك الأماكن. ولكن ماذا عن الطيور المهاجرة؟ إنها التحدي الحق: فلو تمت حماية جميع نقاط توقفها باستثناء نقطة واحدة، ففي تلك النقطة الواحدة مهلك تلك السلالة. وفي هذا يمكن للشبكة الدولية أن تقدم إسهامها ومعونتها.

ولكم في القطرس عبرة. فهناك تسع عشرة سلالات ـ من بين اثنتين وعشرين سلالة من القطرس، وهو الطائر الذي لا تزال تتدلى جثته حول عنق البحار "بدلا من الصليب" رمزا للتضحية غير البشرية ـ تتعرض للخطر منذ سنوات بسبب بعض طرق صيد السمك. فبعض الصيادين يلقون بخطاطيفهم ـ وتفوق الألف في كل وتر ـ خلف قواربهم على مسافات طويلة، وتكون الطعوم معلقة في كل خطاف منها لجذب السمك، وذلك بدوره يجذب طيور القطرس، فتعلق من ثم بالخطاطيف. ذلك، في حين أن الصيادين ليس لهم في القطارس نفع، بل إنها في الواقع تعوق عملهم. ومع طول دورة تناسل القطرس الشديد، فإن ما يموت منها بتلك الطريقة يفوق في عدده ما يولد منها. ولقد كانت مئات الآلاف من القطارس تموت كل عام قبل 2005. والقطرس طائر بحري، يعيش أكثر وقته في البحر، ومن ثم فإن حمايته لا يمكن أن تكون مهمة دولة واحدة معينة.

في ضوء كل هذه الصعوبات، أنشأت بيرد لايف في عام 2005 فريقا دوليا للقطارس يعمل في سبع دول مهمته تقديم العون لكل من الصيادين والقطارس. وقد قام هذا الفريق بوضع مرشدين متخصصين على قوارب الصيد لتعليم الصيادين مباشرة حلولا بسيطة وفعالة وموفرة للمال، ولإدخال مجرد بعض التغييرات على تقنيات الصيد. وكانت النتيجة أن تم إنقاذ آلاف القطارس. ففي بحار جنوب تشيلي على سبيل المثال، تقلص صيد الطيور البحرية من 1500 سنويا إلى صفر، وفي الأرجنتين تحقق معدل قريب للغاية من الصفر. وبرغم هذه المكاسب لا يزال مائة ألف قطرس يتعرضون للقتل بسبب أعمال الصيد كل عام، ولا تزال هناك ثماني عشرة سلالة قطرس مهددة بالانقراض. ولكن ثمة بصيص أمل: فقد بين فريق القطرس الدولي أنه بالكثير من الإرادة مع القليل من المال، يمكن تغيير مسار الموت. ولكن ما يفصلنا عن الانقراض النهائي ليس سوى الوقت. فالبشر فيما يبدو أشبه بالأطفال الصغار الذين لا يصدقون قط أن الشيء حينما ينتهي فذلك يعني أنه لن يكون ثمة الزيد منه مهما فعلنا.

ومع ذلك فالأمل هو "ذلك الشيء ذو الجناحين" كما كتبت (الشاعرة الأمريكية) إيميلي ديكنسن. ومع أن الأمل في أيامنا هذه لم يعد كذلك في أغلب الأوقات، إلا أن الأمر مختلف في حالة القطرس، لو صح ما نقرأه في حركات الطيور. أو هذا ما يمكن أن نتشبث فيه، فتلك طبيعة الأمل.

عن ملحق قراءات نقلا عن الجارديان