الاثنين، 11 يناير، 2010

فيدل وجابو ... آلهة تلعب



"كنت أنا وجابو في بوجوتو في ذلك اليوم الحزين، التاسع من ابريل سنة 1948، يوم مقتل جيتان Gaitán. كنا في نفس السن، في الحادية والعشرين، وشهدنا نفس الأحداث، كنا طالبين في الجامعة ندرس نفس المادة: القانون. أو هذا ما كنا نتصوره على أية حال. ولم يكن أي منا يعرف أي شيء عن الآخر. ولم يكن أحد يعرف من نكون، بل إنا لم نكن نعرف من نكون.

"وبعد قرابة نصف قرن، وفي الليلة السابقة على رحلة إلى بيران Birán في الشرق الأقصى، كنت أنا وجابو نتكلم في كوبا التي ولدت فيها في صباح 13 أغسطس 1926. كان للقائنا سمة التجمع العائلي، حيث تحكى الذكريات المشتركة والقصص المبهجة، وكان معنا كذلك بعض من أصدقاء جابو ورفاق الثورة القدامى".

على هذا النحو إذن، يبدأ أقرب ما كتبه فيدل كاسترو من الأدب، بعدما تجاوز عامه السادس والسبعين بشهرين. وما هو إلا مقالة قصيرة كتبها عن أفضل أصدقائه، وربما صديقه الوحيد جابريل جارثيا ماركيز. كلا الرجلين من أهم شخصيات تاريخ أمريكا اللاتينية في القرن العشرين، وكلاهما كانا في نفس المدينة في أسوأ الأيام التي شهدتها العاصمة الكولمبية منذ تأسيسها في عام 1538. ربما يكون طريقاهما قد تقاطعا، وهما يجريان في مناكب المدينة والفوضى، وليس بينهما من يعرف إلى أين يجريان أو لماذا. لعل أعينهما التقت لوهلة عند منعطف، أو لعل كليهما مرا على امرأة واحدة كانت تكافح كي تقيم نفسها التي الأرض التي طرحها عليها صبي كان ينعطف بدراجته. كان ابن عامل التلغراف المنحدر من أراكاتكا يحاول الرجوع إلى غرفته المستأجرة عساه ينقذ على الأقل مخطوطات القصص التي كتبها حتى على مدار أسبوع. في حين كان الطالب الكوبي يحدس أن الوقت قد فات، وما عاد يمكن أن يجمعه لقاء آخر مع الزعيم خورخي جيتان، أمل كولمبيا الساطع، وأكثر السياسيين حضورا في تلك اللحظة، والذي كان يحمل على كاهليه ونصب عينيه مشكلات طلبة الجامعة في أمريكا اللاتينية، والذي قابل ممثلين للطلبة ليتبنوا موقفا موحدا في مواجهة العلاقات المتردية بين الولايات المتحدة الأمريكية الشمالية والدول غير المتحدة الأمريكية الجنوبية.

***

ولد جابو في أراكاتكا، وهي بلدة صغيرة في شمالي كولمبيا في السادس من مارس عام 1927 والحبل السري ملتف حول عنقه، والدم ينزف بلا توقف من أمه. ولكن دونا لويسا ماركيز لم تنج فقط من نزيف الولادة ذلك، بل جلبت إلى العالم عشرة أطفال آخرين. وحين ولد ثاني أولادها، أرسلت ابنها جابيتو ليعيش مع جديه، فكانت تلك تجربة تكوينية شكلت شخصيته ليصبح في المستقبل حامل جائزة نوبل الذي أولى كل الاهتمام لقصص الزعماء السياسيين وكبار الرجال، فكان يقضي الساعات بصحبة جده، مصغيا لمآثر الرجال المدهشة في الحروب الأهلية التي جرت في مطلع القرن. أما جدته ـ التي كانت تمر الأيام عليها وهي ماضية في غناء هذياني ـ فكانت الهدف الدائم لتساؤلات الحفيد الراغب طوال الوقت في الاستماع لقصص الحرب:

"من يكون مابرو ذاك يا جدتي؟ وفي أي حرب من الحروب كان؟". ولما لم تكن لديها أدنى فكرة، ولما لم يكن لديها إلا خيال جامح، فقد كانت تجيبه بهدوء قائلة إنه "رجل حارب مع جدك في حرب الألف يوم". بينما نعرف نحن بطبيعة الحال أن مابرو الذي يرد ذكره في أغنية شعبية قديمة (كان الجد مغرما بترديدها) لم يكن غير دوق مارلبورو، ولما رأى جارثيا ماركيز أن يجعل منه شخصية حية في بعض رواياته وقصصه، وجد نفسه يؤثر قصة جدته على الحقيقة التاريخية. لذلك يظهر دوق مارلبورو متنكرا في هيأة نمر يخسر كل الحروب الأهلية الكولمبية جنبا إلى جنب مع الكولونيل أورليانو بونديا.

حين كان جابو في السابعة من عمره، اصطحبه جده نيكولاس ماركيز إلى 5 شارع سان بدرو أليخاندرينو في سانتا مارتا حيث توفي سيمون بوليفار محرر أمريكا اللاتينية العظيم. وكان الجد قد حكى من قبل لحفيده مرات كثيرة عن تلك الشخصية الشهيرة. قبل ذلك، وحينما كان جابيتو في السادسة، كان يحملق في صورة لبوليفار الميت تحتل تقويما لدى جده. وهكذا كان لدى الطفل ـ في السن الذي كان مغرما فيه باللعب بالدمى ـ اهتمام ببوليفار وغيره من زعماء أمريكا اللاتينية الذين سيتطورون فيما بعد ليصبحوا شخصيات في رواياته، تكشف عن ولعه الأكيد بالسلطة.

تعلم جابو القراءة والكتابة في مونتيسوري حينما كان في الثامنة من عمره، وكانت معلمته روزا إلينا فرجسن هي ملهمته الأولى إذ كان يتصور أن أبيات الشعر التي كانت تلقيها في الفصل ـ "والتي انحفرت في ذهني وإلى الأبد" ـ ليست سوى بعض من تجليات جمالها المذهل. وفي التاسعة من عمره، وبينما كان ينقب في أحد صناديق جديه في لحظة ستكون من بين لحظات حياته المحورية، عثر على كتاب قديم مهترئ أصفر الصفحات. في ذلك الوقت، لم يكن يعرف أن عنوان الكتاب هو "ألف ليلة وليلة"، ولكنه بدأ يقرأ، وشعر بتحولات إيجابية تطرأ عليه. قال لنفسه:

... فتحته، وقرأت أنه كان هناك شخص فتح زجاجة فانطلق منها جني يحيط به الدخان، وقلت "واو، ما أروع هذا". كان ذلك مذهلا لي أكثر من أي شيء مررت به من قبل طوال حياتي حتى ذلك الوقت: فاق اللعب، فاق الرسم، فاق الأكل، فاق أي شيء، ولم أنزع أنفي من مجال الكتاب بعدها...

على مدار اسنوات العديدة التالية، وبسبب الضغوط الناجمة عن تربية عدد كبير من الأطفال، كانت أسرة جارثيا ماركيز كثيرة التنقل: من أراكاتكا إلى بارانكويل إلى سوكري. وفي عام 1940، عاد جارثيا ماركيز إلى بانكويل للدراسة في مدرسة سان خوزيه اليسوعية التي كتب فيها أولى أبياته وقصصه لمجلة جوفنتود (الشباب). وبعد ثلاث سنوات، وقبيل حلول عيد ميلاده السادس عشر، كان عليه أن يترك البيت ويبحث عن عمل يمكنه من مواصلة تعليمه، إذ لم يكن بوسع أبويه ـ وقد بلغ عدد أطفالهما في ذلك الوقت ثمانية ـ أن يطعما الجميع ثم يدفعا مصاريف المدرسة أيضا. فذهب إلى مدينة بوجوتا، وثمة ناله من بعدها وضخامتها وبرودتها كرب بالغ، فلم يكن بالمدينة من يعرف أحدا، وكانت عاداتها مختلفة كل الاختلاف عما خبره من قبل. حصل على منحة دراسية وبدأ يدرس في مدرسة زيباكويرا الوطنية للبنين، وفيها استشرت الجرثومة التي تمكنت منه إذ فتح ألف ليلة وليلة وراحت تتكاثر بداخله، حتى استوطنته تماما وما عاد هناك من سبيل لإيقافها. كان كثير القراءة والكتابة، فدرس كلاسيكيات الأدب الأسباني. وكان يبتهج بما لدى أساتذته من اطلاع واسع، يغذي حياته شبه التنسكية، حيث كان يقضي ساعات وهو منكب على كتبه ... أو وهو منكفئ يحملق في صفحة بيضاء، محاولا تأليف قصيدة. كان يشارك مشاركة كاملة في أنشطة المدرسة الأدبية، وفي عام 1944 كتب أولى قصصه. وبعد ثلاث سنوات دخل جابو مدرسة القانون في بوجوتا، وهي مدينة كان يسكنها سبعمائة ألف نسمة، وتقع على ارتفاع ستة آلاف وخمسمائة قدم من سطح البحر، وتشبه من نواح كثيرة سهول اسبانيا، وترتكز الحياة الثقافية الغنية فيها حول مقاهي وسط المدينة. كان صاحب نوبل القادم يقضي في تلك المقاهي وقتا أكثر من الذي يقضيه في المدرسة، وهناك التقى بأهم كتاب ذلك الزمن. كما اكتشف أيضا عددا من الدرر الأدبية التي جعلت جرثومة الأدب تتفاقم، وحفزته على كتابة قصص من وحي جنونه الخاص، ومن تلك الدرر: "المسخ" لفرانتز كافكا وكلاسيكيات الأدب الأسباني وأعمال معاصريه من جيل 1927 في أسبانيا وبابلو نيرودا. ولن يمضي وقت وطيل حتى يركز تركيزا شبه كامل على الرواية، ويقتنع أن انشغاله بالأدب أقوى من أن يسمح له بالاستمرار في دراسة القانون فيترك المدرسة نهائيا ...

***

نشأ فيدل كاسترو في عائلة تنتمي إلى الطبقة العاملة الريفية. في بلدة بيران Birán الصغيرة قرب سانتياجو دي كوبا في أقصى الجنوب الشرقي من الجزيرة، كان أترابه في الطفولة عمالا في مصنع السكر في ماناكاس Mañacas. ولما كان يعيش في بيئة تحيط بها الطبيعة والحيوانات فقد اكتشف كاسترو الغابات مرتادا إياها على صهوات الخيول، وسبح في النهر، وحينما كان في الخامسة من عمره التحق بمدرسة محلية صغيرة. ولما بلغ السادسة والنصف، أرسله أهله إلى عاصمة الإقليم، سانتياجو دي كوبا، ليواصل دراسته في مدرسة داخلية تابعة لإحدى الإبرشيات. ويمكن أن نتلمس نزعته الثورية حتى في سنوات الطفولة البعيدة تلك، فحينما علد إلى المصنع، قام بتنظيم إضراب عمالي ضد أبيه شخصيا، متهما إياه بالاستغلال. ولكي يكمل السنوات الأخيرة له في الدراسة الثانوية، ونظرا لارتفاع مجموعه، ألحقه أبواه بالمدرسة اليسوعية في بيلن بهافانا، وهي أفضل مدارس الدولة، وكان الأرستقراطيون يرسلون أبناءهم للدراسة فيها، ومن ثم فقد كانت المدرسة مسئولة عن تخريج أكثر السياسين ميلا إلى المحافظة.

في أكتوبر من عام 1945، التحق كاسترو بجامعة هافانا لدراسة القانون. وتغيرت حياته. لقد كان قادما من بيئة وديعة خالية من الأحداث، أهم ما فيها هو أن ينال المرء تعليما محترما ويكون مسيحيا محترما، ثم إذا به يجد نفسه في مكان لا أهمية فيه إلا للكفاح من أجل البقاء على قيد الحياة. كان الحرم الجامعي شبه منقسم بين جماعتين سياسيتين متنافستين لكل منهما تأثيرها على المدينة كلها من خلال أعمال العنف والنفوذ التمويلي: جماعة "الحركة الاشتراكية الثورية" وعلى رأسها الشيوعي السابق رونالدو ماسفيرر Rolando Masferrer والاتحاد الثوري بزعامة الفوضوي السابق إمليو ترو Emilio Tro. وعلى الفور استحوذ على فيدل الطموح السياسي، فكان هدفه أن يتزعم اتحاد طلاب الجامعة وهو الجهة الممثلة لجميع طلبة الجامعة، وكان هذا الموقع يشهد تنافسا حادا بين أعضاء كلا الجماعتين. حاول أن يلفت إلى نفسه أنظار زعماء الحركة الاشتراكية أو الاتحاد الثوري، وعيا منه بأنه لن يحقق ما يصبو إليه من دون دعم جماعة نافذة، ولكنه وصل إلى السنة الدراسية الثالثة له ولم يتجاوز بعد منصب نائب رئيس مجلس الطلبة في مدرسة القانون. وفي الانتخابات التالية قرر ترشيح نفسه لرئاسة اتحاد طلاب الجامعة برغم عدم اتباعه لأي من الجماعتين الكبيرتين. وبحرص وضع الأساس لتحقيق هدفه. قرأ الكثير من أعمال الكاتب الثوري الكوبي العظيم خوسيه مارتي واستلهم منها فلسفة قوية آسرة للغاية، كما استلهم أيضا كمية كبيرة من المعلومات التي دعم بها خطبا برع في صياغتها. كما بدأ يمارس بعض الأنشطة خارج الجامعة، كأن ينظم مظاهرات مناهضة لحكومة رامون جراو سان مارتن. يشير كاتب سيرته الذاتية فولكر سكييركا Volker Skierka إلى أن "الصحف كانت تتكلم عنه، وبنرة تفخيمية في بعض الأحيان. كان شابا ساحرا، موهوبا، حديث السن، طويلا، رياضي البنية، أنيق الملبس، يرتدي سترة وربطة عنق، شعره الأسود مصفف إلى الوراء، وفي شكله وسامة إغريقية، استطاع وهو في الحادية والعشرين أن يبرز شخصيته، وأن يكون من النوع الذي تحلم به الأمهات لبناتهن اللاتي في سن الزواج".

ولكنه كان أكثر من مجرد أقوال تقال. فبعد لقاء مع الرئيس، اقترح كاسترو على زملائه الناشطين أن يجذبوا الرئيس ويقذفوا به من شرفته في محاولة لقتله بما يفضي إلى ثورة طلابية دراماتيكية إلى أبعد الحدود. ويقال إن كاسترو اشترك في ذلك الوقت في ثلاث محاولات اغتيال: الأولي في ديسمبر 1946 حينما أصيب عضو في الاتحاد الثوريUIR بطلق ناري في رئته، والثانية في فبراير 1948 حينما أصيب مانولو كاسترو مدير الرياضة الوطنية بطلق ناري مات على إثره خارج دار سينما، والثالثة بعد ذلك بقليل، حيث موت مأساوي لضابط شرطة يدعى أوسكار فرناندث، حيث كان موته على إثر إطلاق النار عليه أمام منزله، وقبل أن يلفظ أنفاسه الأخيرة قال إن الذي أطلق عليه النار هو زعيم طلابي.

ازداد اهتمام كاسترو بعالم السياسة في أمريكا اللاتينية بشكل تدريجي. فقد انضم إلى حركة لتحرير بورتو ريكو، وسافر إلى جمهورية الدومينيكان في محاولة فاشلة للإطاحة برفائيل تروجيلو، وأعرب عن تضامنه مع الحركات الطلابية في الأرجنتين، وفنزويلا، وكولمبيا، وبنما، والتي كانت تقاتل من أجل إنهاء الاستعمار لبلادها ووقف تسلل الإمبريالية الأمريكية. وتحقيقا لهذا الغرض، نظم مؤتمرا للجمعيات الطلابية في أمريكا اللاتينية في مطلع 1948، لينعقد في ابريل من ذلك العام في العاصمة الكولمبية بالتزمن مع القمة الأمريكية الداخلية التاسعة لوزراء الشئون الخارجية والتي كانت واشنطن ترمي منها إلى وقف "التهديد الشيوعي" برعاية من الجنرال مارشال.

***

انتهى وقت اللعب. واصطدم مصيرا إلهينا الصغيرين في بوجوتا في ذلك التاسع الدموي من ابريل عام 1948.

أسفرت أعمال الشغب في ذلك اليوم والأيام التالية عن مصرع ثلاثة آلاف وخمسمائة نفس إلى جانب ما يربو على ثلاثمائة ألف نفس في سنوات القتال التالية. في السابع من ابريل التقى كاسترو مع خورخي إليسر جيتان، وهو قائد التحرير الشعبي وزعيم المعارضة في كولمبيا. كان جيتان ـ برغم حداثة سنه ـ قد استطاع أن يلم شمل الحزب في فترة كانت البلد تحتاج فيها بصورة ماسة إلى من يضع حدا لمناخ العنف وحكم القلة، ولم يكن لدى أحد شك في أنه سوف يفوز بالرئاسة في الانتخابات التالية. وفي أثناء اجتماعه مع ممثلي الطلبة في كوبا بمكتبه في الشارع السابع، أعجب الاثنان أحدهما بالآخر. وتعهد جيتان بمساعدة كاسترو وزملائه على تأمين مكان لعقد مؤتمرهم المناهض للإمبريالية، وبأن تختتم فعاليات المؤتمر بمظاهرة شعبية هائلة. واتفقا على مقابلة ثانية تكون بعد يومين، في الثانية ظهرا، للانتهاء من جميع التفاصيل. وقبل ذلك بقليل، وبينما كان كاسترو وزملاؤه يتجولون في الحي، في انتظار حلول الموعد المحدد، قام مسلح وحيد مخبول يدعى خوان روا سييرا بإطلاق الرصاص على المرشح الرئاسي. ففي حين كان جيتان خارجا من مكتبه في 14-55 بالشارع السابع، بين طريق خيمنيث كويسادا والطريق الرابع عشر، أطلقت عليه ثلاث رصاصات، في المخ، وفي الرئة، وفي الكبد. ثلاث رصاصات أودت بحياة أمل كولمبيا العظيم، وكانت بداية لأحلك حقبات تاريخها، كما كانت شرارة حرب أهلية استمرت لعقود من الزمن.

في تلك اللحظة، وفي أحد منازل الطلبة السكنية الرخيصة في الشارع الثامن، وعلى مقربة من مشهد الاغتيال، كان طالب السنة الثانية بمدرسة القانون جارثيا ماركيز يوشك أن يتناول الغداء. كانت الساعة في معصمه تشير إلى الواحدة وخمس دقائق. وعلى الفور عرف بما جرى. فهرع هو وزملاؤه إلى حيث تهاوى جيتان على الرصيف. وعندما وصلا إلى هناك، كان جيتان قد نقل إلى العيادة المركزية، ليموت فيها بعد دقائق من وصوله. تمهل الطلبة في المكان لبعض الوقت وهم مرتبكون يحاولون أن يستوعوا الشغب الذي بدأ الشارع يشهده من حولهم، والصيحات، والصرخات، التي راحت تتعالى. كانت المدينة تحترق. قرروا أن يعودوا أدراجهم إلى المنزل. وحينما انعطفوا ليعبروا إلى شارعهم، هالهم أن يروا منزلهم، أيضا، يحترق. وما كان بوسعهم أن يواصلوا سيرهم لإنقاذ أغراضهم الشخصية. كان مصير الثياب والأثاث والكتب وكل شيء إلى رماد. حاول جابو أن يجري داخلا في قلب ذلك الجحيم، ولكن أصحابه حالوا بينه وبين ذلك. كانت رغبته الشديدة نابعة من فقدانه الموشك لأعز ممتلكاته: مخطوطات القصص التي كان يكتبها، لا سيما "قصة فاون Faun في الترام"، والمقطوعات التي كان قد نشرها فعلا في إل سبكتاتور. وفي حوالي الرابعة من عصر ذلك اليوم سارع لويس يلار بوردا ـ وهو صديق من الوسط الأدبي ـ بالذهاب إلى جابو عند تقاطع طريق خيمينيث دي كويسادا مع الشارع الثامن. داسو سالديفار Dasso Saldívar يصف اللقاء:

حينما رأى صديقه على تلك الحالة المزرية، والدمع يوشك أن ينهمر من عينيه، تأثر فيلار بوردا تأثرا شديدا، فعلى مدار السنة السابقة، رأى صديقه في كثير من فعاليات الجامعة وقاعاتها، ولكنه لم ير قط جابرييل مظهرا اهتماما أو شعورا تجاه أي شيء ذي طبيعة سياسية، وبخاصة ما يتعلق بالشئون الحزبية. فما كان منه إلا أن قال لصديقه "جابو، لم أكن أتصور أنك تناصر جيتان إلى هذا الحد؟" فقال له جابو "لا، ما هذا الذي تقوله يا أخي، إنها قصصي التي احترقت".


فصل من كتاب
Fidel and Gabo: A Portrait of the Legendary Friendship Between Fidel Castro and Gabriel Garcia Marquez
تأليف
Angel Esteban, Stephanie Panichelli

نشر في ملحق قراءات بتاريخ 10 يناير 2010