الأحد، 9 أغسطس، 2009

تطور الدين

طرحت صحيفة لوس آنجلس تايمز سؤالا على اثنين من الباحثين المعنيين بالدين: ما رأيك في النظرية التي ترى أن الإيمان الديني نشأ بفعل التطور؟ فيما يلي الإجابتان، إجابة ترى أن التطور البشري هو الذي اخترع الدين والإيمان، وأخرى ترى أن التطور البشري أهلنا لتقبل الدين

الإنسان المتدين

مايكل شيرمر

هل تطور البشر حتى أصبحوا متدينين فآمنوا بالرب؟ بشكل عام، نعم، هذا ما فعلناه. وإليكم ما حدث.

في قديم الزمان، وفي بيئة بعيدة كل البعد عن عالمنا المعاصر، تطور البشر إلى درجة جعلتهم يرون في الطبيعة أنماطا ذات معنى يمكنها أن تعينهم على فهم العالم، فأحالوا هذه الأنماط على عناصر واعية، جاعلين بعضها أرواحا وبعضها آلهة. وبوصفنا سلالة من الرئيسيات الاجتماعية، فقد طورنا أيضا نظما اجتماعية بهدف تعزيز تماسك الجماعة وتأكيد القواعد الأخلاقية.

يؤمن الناس بالرب لكونهم سلالة من الرئيسيات الباحثة عن الأنماط. نحن نربط بين ألف وباء وجيم، فتكون ألف مرتبطة فعلا بباء، وتكون باء مرتبطة فعلا بجيم، وهذا ما نسميه بالتعلم الاتحادي، ولكننا لا نملك في مخنا وسيلة تحقق من الأنماط الزائفة تساعدنا على التفرقة بين الأنماط الحقيقية والأنماط المزيفة، وذلك سر ارتكابنا أخطاء في التفكير. النموذج 1 للخطأ هو الإيمان بأن نمطا ما حقيقي في حين لا يكون كذلك (وهذا نموذج إيجابي خاطئ) والنموذج 2 للخطأ هو الإيمان بأن نمطا ما خاطئ في حين أنه صحيح (وهذا نموذج سلبي خاطئ).

تخيل نفسك إنسانا بدائيا في سهل من سهول أفريقيا وأنك سمعت حفيفا في العشب. أهو حيوان خطر أم مجرد ريح؟ لو افترضت أنه حيوان خطر وتبين أنه الريح فقد ارتكبت النموذج 1 للخطأ، ولكنك لم تتعرض لأذى. ولكن لو افترضت أنه مجرد ريح وتبين أنه حيوان خطر فهناك فرصة كبيرة لأن تكون غداء ومن ثم تتلاشى من المصدر الجيني لسلالتك. وهكذا، كان هناك انتخاب طبيعي للبشر البدائيين الذين كانوا يميلون إلى الإيمان بأن كل الأنماط حقيقية ومن ثم خطرة.

هذه عملية أسميها "التنميط" (أي النزوع إلى رؤية أنماط ذات معنى في الفوضى العشوائية) والإحالة (أي النزوع إلى الإيمان بأن ثمة عناصر واعية خفية تحكم العالم وبوسعها أن تلحق بنا الأذى). هذا ـ في ظني ـ هو أساس الإيمان بالنفوس والأرواح والأشباح والآلهة والعفاريت والملائكة والكائنات الفضائية، ومصممي الذكاء، وواضعي نظريات المؤامرة في الحكومات.

الناس متدينون لأننا اجتماعيون ولأننا نحتاج إلى الانسجام. وقد تطورت المشاعر الأخلاقية في البشر والمبادئ الأخلاقية في الجماعات البشرية أساسا من خلال قوة انتخاب تعمل على الأفراد، وثانيا من خلال قوة انتخاب جماعي تعمل على المجاميع. أما الحس الأخلاقي (أي الشعور السيكولوجي بالـ "صواب" في صورة المشاعر الإيجابية مثل الصلاح والاعتزاز) فقد تطور من سلوكيات تم انتخابها لما كان فيها من نفع للفرد أو للجماعة. والحس اللاأخلاقي (أي الشعور السيكولجي بالـ "خطأ" في صورة المشاعر السلبية مثل الإحساس بالذنب والعار) تطور من سلوكيات تم انتخابها لما كان فيها من ضرر بالفرد أو الجماعة.

وفي حين قد تختلف الثقافات على تحديد الصائب والخاطئ من السلوكيات، فإن الحس الأخلاقي إزاء استصواب أو تخطئة السلوك س (مهما يكن س) هو إحساس بشري مطلق. استخلاص المبادئ الأخلاقية من المشاعر الأخلاقية تطور بوصفه شكلا من أشكال السيطرة الاجتماعية لضمان بقاء الأفراد داخل الجماعات وبقاء الجماعات البشرية نفسها. ولقد كان الدين أول مؤسسة اجتماعية تقدس هذه المبادئ الأخلاقية، وكانت للرب ـ بوصفه نمطا تفسيريا لعالم ـ قوى المنفذ المطلق للقواعد.

هكذا صار البشر متدينين وهكذا آمنوا بالرب.


كاتب المقال هو ناشر مجلة سكيبتيك وكاتب عمود شهري في ساينتيفيك أمريكان ومؤلف كتب "عقل السوق".



نموت، لذلك نحن متدينون


فرانسيسكو جيه آيالا

الاسم الرسمي للسلالة البشرية هو الهومو سابيين أي "الإنسان العارف". ومن توابع التطور أن صارت سلالتنا أذكى السلالت الموجودة على الأرض. وهناك تفسير محتمل لسر ارتفاع ذكائنا، وذلك التفسير نجده عند أسلاف لنا عاشوا قبل مليوني سنة وعرفت سلالتهم بالهومو هابيليس الذين كانوا أول من صنع أدوات حجرية بالغة البساطة. صنع الأدوات يستوجب النظر إلى هذه الأشياء بوصفها "أدوات" أي بوصفها ـ بعبارة أخرى ـ أشياء يمكن استخدامها لأغراض معينة: فالسكين للقطع والسهم للقنص وهكذا. صنع شيء ما كأداة يستوجب تكوين صور ذهنية لحقائق غير حاضرة: الغزالة التي أسعى إلى قتلها واللحم الذي سوف أقطعه لآكله. وبدوره، يستوجب تشكيل الصور الذهنية لحقائق غير حاضرة درجةً متطورة من الذكاء، وذلك هو السر في أن قليلا من الحيوانات من يصنع أدوات، وسر أن الأدوات التي يستخدمها قليل من الحيوانات لم تتطور إلى أي شيء يمكنه أن يضاهي تقنيات سلالتنا.

تشير سيناريوهات التطور إلى أن الأكثر ذكاء بين أسلافنا القدامى كانوا قادرين على صنع أدوات أفضل. وأن الذين صنعوا أدوات أفضل بقوا أكثر لأنهم امتلكوا قدرا أوفر من الطعام وكانوا أقدر على قتل أعدائهم دفاعا عن أنفسهم. ثم إن هؤلاء الأكثر ذكاء، تركوا نسلا أكبر، وجينات ذكاء أعلى ظلت لآلاف وآلاف من السنين في نسلهم.

ذكاؤنا أمر غامض: نحن نريد أن نفهم العالم المحيط بنا وكيف تحدث الأشياء ولماذا تحدث. نحن نبحث عن تفسيرات سببية للأحداث الطبيعية. وقبل أن يأتي العلم الحديث في القرن السابع عشر، أرجع البشر الأحداث الطبيعية التي لم يملكوا لها تفسيرا إلى عناصر ماوراء طبيعية. رأوا أن أرواحا أو آلهة هي التي تسبب المطر والجفاف والفيضانات والعواصف والزلازل والبراكين، وذلك كله جزاء وفاقا لم يقوم به البشر. وهذه الإيمانات هي التي ستفضي من بعد إلى العبادة والطقوس.

كان البحث عن تفسيرات سببية لأحداث الطبيعة من بين منابع الإيمان الديني والممارسة الدينية. إن البشر يعيشون في مجتمع معقد، يحتاج أن تحكمه القوانين والأعراف الأخلاقية. وكان البحث عن مبرر للأعراف الأخلاقية والقوانين الاجتماعية منبعا آخر للإيمان الديني والمذاهب الدينية. فقد أخبر موسى الإسرائيليين على سبيل المثال بالوصايا العشر امتثالا لأمر الرب.

ولكن هناك منبعا آخر للدين يعتمد على ذكائنا الذي ندين به للتطور: الوعي بالذات وما يترتب عليه من وعي بالموت. فكل إنسان ـ باستثناء الأطفال الصغار ـ يعي بوجوده كفرد مستقل مختلف عن غيره من البشر وعما حوله في البيئة. هذا الوعي بالذات هو أول حقيقة نخبرها وأبعد الحقائق عن التشكيك.

أهم من ذلك، أننا الحيوانات الوحيدة التي لديها هذه الخبرة الكاملة بالوعي الذاتي التي تتضمن الوعي بالموت. فلو أنني أعرف أني فرد مستقل، فإنني أعرف أنني سأموت، لأنني أرى الناس تموت. ولأننا ندفن موتانا في طقوس معينة، فإنا نعرف أننا الحيوانات الوحيدة التي لديها وعي بالموت. لكل المجتمعات البشرية طقوس جنائزية، وإن تكن شديدة التباين. والطقوس الجنائزية تنبع من الوعي بالموت: فلو أنني أعرف أنني سوف أموت، فسوف أعامل الموتى الآخرين باحترام كالذي أريد معاملتي به عند موتي.

ولأننا معشر البشر واعون بطبيعة وجودنا المؤقتة، فقد نشأ بداخلنا خوف من الموت. ونجد لهذا الخوف بعض العزاء في الدين والطقوس الدينية التي تجعل لحياة الإنسان معنى. وللبشر عزاء عن الخوف من الموت في الأديان الكثيرة التي تقول بخلود الروح، إما من خلال التناسخ أو من خلال الحياة بعد الموت.

من هنا يمكن القول إن التطور ـ الذي وهب البشر الذكاء ـ هو الذي جعلنا متقبلين للدين.


كاتب المقال أستاذ علم الأحياء في يو سي إرفين وعضو الأكاديمية الأمريكية للعلوم والحاصل على الوسام الوطني للعلوم عام 2001.



عن ملحق قراءات بتاريخ 9 أغسطس 2009