الثلاثاء، 19 أغسطس، 2008

أمير شعراء كل العرب

أهداف سويف

لم يكن أحد منا يصدق أنه سيموت فعلا. فصرنا نقول لبعضنا البعض ما أفدح خسارتنا. وكانت تتالى في مخيلاتنا صور إدوارد سعيد، وحيدر عبد الشافي، وفيصل الحسيني وحتى، نعم، حتى ياسر عرفات. رجال فلسطين الكبار. والآن، محمود درويش.

كان في السابعة ـ في نكبة سنة 1948 ـ عندما فر من قرية البروة في الجليل. وفي سن الثانية عشرة، كان يقيم في دير الأسد، التي باتت جزءا من إسرائيل، حيث عرف الناس عنه أنه الشاعر الطفل، فطلبوا منه أن ينظم قصيدة ليلقيها على الناس. وكانت المناسبة هي الاحتفال بـ "يوم استقلال" إسرائيل، ولكن القصيدة التي ألقاها كانت تصف مشاعر طفل عاد إلى بيته فوجد آخرين ينامون في فراشه، ويحرثون أرض أبيه.
واستدعاه الحاكم العسكري وأخبره أنه لو استمر في كتابة مواد تخريبية فسوف يتم إلغاء تصريح عمل أبيه. وأحسب هذه الواقعة هي التي شكلت حياة درويش كلها.
كان من المستحيل بالنسبة لرجل له حساسية درويش وخلفيته أن لا ينضم إلى المقاومة. وقد فعل. وكتب. وبين عامي 1961 و1967 زج به الإسرائيليون في السجن خمس مرات.
كان درويش يعيش حيثما المقاومة تعيش: في بيروت والقاهرة وتونس وباريس وعمّان، وأيضا رام الله وحيفا. أنتج صحافة، وأسس الكرمل، فكانت لفترة على رأس المجلات الأدبية في العالم العربي. وكتب أكثر من عشرين ديوانا من الشعر.
وعلى مدار العقود الثلاثة الماضية لم يكن ثمة من يلقى احتفاء ويحظى بمحبة أكثر منه. كان ثمة في العالم كله من يرصد ويوثق ويحلل اهتماماته الشعرية، ونضاله، وتجاربه، ونجاحه المدوي. كانت قصائده الأولى منغمسة في وعي الأمة على نحو نادر بالنسبة لأي كاتب يعيش بيننا. وتبعه الشعراء، ورددوا خلفه، وعارضوه في أعمالهم، وصدَّر الروائيون رواياتهم بأبياته، وردد أغنياته المطربون.
لقد منح درويش الثورة الفلسطينية والمقاومة الفلسطينية صوتا وهوية. ولكن بطاقة هويته الإنشادية الصادرة في سنة 1964 ("سجل: أنا عربي") جعلت منه ـ لا سيما بعد سنة 1967 ـ أميرا لشعراء كل العرب. وكانت المسئولية ثقيلة عليه. صحيح أنه كان يقر بواجبه نحو شعبه، ولكنه أيضا كان يشعر بواجبه تجاه الشعر.
في الرسالة الموجهة إلى الكتاب المشاركين في مهرجان فلسطين الأدبي بمايو الماضي، تكلم درويش عن "مدى صعوبة أن يكون المرء فلسطينيا، ومدى صعوبة أن يكون الفلسطيني كاتبا أو شاعرا ... فكيف له أن يحقق الحرية الأدبية في مثل هذا الظرف الوضيع؟ وكيف له أن يحافظ على أدبية الأدب في هذا الزمن القاسي؟". وفي ذلك كان لب مشكلة الفنان "المنخرط". والاستراتيجية التي أتت درويش عفو الخاطر كانت تتمثل في إثارة القضايا المجاوزة للمحدَّد والمحدود، لكي يرى هذا المحدد بأكبر درجات الوضوح، وليرى كذلك الإنساني الكوني في المحدد والمحدود.
في "حالة حصار"، وهو الديوان الجامع لقصائده المكتوبة أثناء حصار رام الله في يناير 2002، خاطب درويش عدوه الإسرائيلي قائلا:
"بلاد على أهبة الفجر
لن نختلف على حصة الشهداء من الأرض
ها هم سواسية يفرشون لنا العشب كي نأتلف".

ولكن الائتلاف هذا ينبغي أن يقوم على العدل. لقد استطاعت قصيدته العظيمة المهداة إلى محمد الدرة، وهو الطفل الفلسطيني الذي أطلق الجيش الإسرائيلي النار عليه فيما كان يحتمي بأبيه، أن تمس وترا في هذا العالم، وفي هذه القصيدة يقول درويش نحن نحب الحياة، نحبها إن تأتت لنا.
أنهى درويش كلمته الموجهة إلى مهرجان فلسطين بكلمات قال فيها: "اعلموا أننا لا نزال موجودين؛ وأننا نعيش". لقد نعت الصحف العربية في محمود درويش شاعرا كان يستطيع أن يملأ الاستاد بالجماهير. ولكن درويش يعيش فينا وفي شعره. ويعيش أيضا في كتابة شعراء عرب شباب سرعان ما سيملئون ملاعب كرة القدم بالجماهير. فهم حواريوه. وهم لا يزالون موجودين.