الثلاثاء، 19 أغسطس، 2008

كلمات سولجنتسين الأخيرة

ثائر، سجين، شاعر، بطل. لا تزال أعماله التي سجل فيها أهوال عهد ستالين تعد بعد نصف قرن من صدورها من بين أعمق الأعمال في الأدب الحديث. في الصيف الماضي، وفيما بدأت صحة سولجنتسين تسوء، ألقى نظرة على حياته الفريدة بصحبة كريستيان نيف وماتثيان سكيب.

ألكسندر سولجنتسين في حواره الأخير


ـ عندما دخلنا عليك يا ألكسندر إيزايفيتش، وجدناك تعمل، حتى وأنت في الثمنة والثمانين، وبرغم أن صحتك لا تسمح لك بمجرد المشي حول بيتك. من أين تستمد هذه القوة؟
ـ طالما كان لدي هذا الدافع الداخلي. منذ مولدي. وطالما كرست نفسي عن طيب خاطر للعمل، للعمل وللنضال.


ـ في كتابك "سنواتي الأمريكية" تقول إنك كنت تكتب حتى وأنت تمشي في الغابة.
ـ حينما كنت في الجولاج (gulag) كنت في بعض الأحيان أكتب حتى على الجدران الحجرية. كنت أكتب على مزق من الورق، ثم أحفظ ما كتبت وأمزق الورق.


ـ ولم تخذلك هذه القوة حتى في لحظات اليأس؟
ـ لا، وكنت غالبا ما أقول لنفسي، مهما تكن النتيجة، فلتكن. ثم تصبح الأمور على ما يرام. يبدو أن شيئا لا بأس به قد نتج من ذلك.


ـ لا أظنك كنت تتبنى مثل هذا الرأي في فبراير 1945 عندما اعتقلنك الشرطة العسكرية السرية في بروسايا الشرقية. كنت في رسائلك من الجبهة لا تتملق جوزيف ستالين، وكانت نتيجة ذلك ثمانية أعوام في السجون.
ـ بل في جنوب وورمديت Wormditt. كنا قد تخلصنا للتو من حصار ألماني وكنا نسير إلى كونيجزبرج Königsberg (كالينينجراد Kaliningrad حاليا) عندما تعرضت للاعتقال. دائما كنت متفائلا. وقد التزمت واهتديت برؤاي.

ـ أية رؤى؟
ـ تطورت رؤاي بطبيعة الحال مع الزمن. ولكنني كنت أومن دوما بما أفعل، ولا أتحرك بما يخالف ضميري.

ـ طوال حياتك تطالب السلطات بالاعتذار للملايين من ضحايا الجولاج عن أهوال الشيوعية. هل لقيت دعوتك أذنا مصغية؟
ـ صرت أتقبل حقيقة أن الاعتذار العلني هو أكثر الخيارات التي يرفضها سياسي معاصر.

ـ يقول بوتن إن انهيار الاتحاد السوفييتي كان أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين وإن الوقت قد حان لوقف هذه المراجعة الماسوخية للماضي، لا سيما وأن هناك محاولات "من الخارج" على حد تعبيره لبث حالة من الندم غير المبرر بين الروس. أليس هذا الرأي يساعد الناس على نسيانكل ما جرى أثناء الماضي السوفييتي لروسيا؟
ـ ثمة قلق متزايد في العالم كله حول كيفية قيام الولايات المتحدة بالتعامل مع دورها الجديد كقوة عظمى وحيدة في العالم، وهو الوضع الذي انتهت إليه نتيجة التغيرات الجيوسياسية. أما عن المراجعة الماسوخية للماضي، فللأسف، لا يزال الغرب والدول التي كانت اشتراكية والجمهوريات السوفييتة السابقة تخلط بين "السوفييتي" و"الروسي" وهو الخلط الذي قومته منذ سبعينيات القرن العشرين. الجيل السياسي الأكبر في الدول الشيوعية لم يكن مستعدا لإبداء الندم، بينما الجيل الجديد سعيد بالجهر بما كان ثمة من ظلم وبتوجيه الاتهامات، وموسكو في يومنا هذا هدف مناسب. إنهم يتصرفون كما لو كانوا حرروا أنفسهم ببطولة وبدأوا يعيشون حياة جديدة، بينما موسكو لم تزل شيوعية. ومع ذلك، فأنا أجرؤ على الظن بأن هذه الفترة غير الصحية سوف تنتهي سريعا، وأن كل الشعوب التي عاشت في ظل الشيوعية سوف تفهم أن الشيوعية مسئولة عن أكثر صفحات تاريخهم مرارة.

ـ والروس أيضا؟
ـ لو استطعنا جميعا أن نلقي نظرة هادئة على الماضي، فلن نرى هذا الإحساس النوستالجي تجاه الماضي السوفييتي، وهو الإحساس الذي يهيمن الآن الجزء القل تأثرا في مجتمعنا. ولن تجد دول أوربا الشرقية وجمهورية الاتحاد السوفييتي السابق حاجة إلى النظر لروسيا التاريخية باعتبارها مصدر تعاستها. فلا ينبغي أن ننسب أفعالا شريرة قام بها زعماء أفراد أو أنظمة سياسية إلى الشعب الروسي باعتبارها أخطاءه وأخطاء بلده. لا ينبغي أن نوعز ذلك إلى "فساد سيكولوجيا" الروس، كما يحدث غالبا في الغرب. ما كانت كل تلك الأنظمة لتبقى في روسيا لولا أنها فرضت إرهابا دمويا. ينبغي أن نفهم تماما أن القبول الطوعي من شعب بالاعتراف بذنبه هو وحده الذي يضمن للأمة أن تبرأ. أما اللوم المتواصل الآتي من الخارج فله أثر معكوس.


ـ قبول المرء بذنبه يقتضي أولا حصول المرء على معلومات كافية حول ماضيه. في الوقت الذي يشكو فيه المؤرخون من تعذر وصولهم إلى أرشيف موسكو سواء الآن أو منذ التسعينيات؟
ـ هذا أمر معقد. ومع ذلك، لا شك أن ثورة قد حدثت في أرشيف روسيا خلال العشرين عاما الأخيرة. انفتحت آلاف الملفات، والباحثون الآن يطلعون على آلاف الوثائق التي كانت تعد سرية. وقد صدرت مئات التقارير التي تتيح الاطلاع العام على هذه الوثائق، وتقارير أخرى في طور الإعداد. وبموازاة رفع السرية عن وثائق تسعينيات القرن الماضي تم نشر الكثير من الوثائق بدون أن تمر بعملية إلغاء السرية. كان للمؤرخ العسكري ديميتري فولكوجونوف Dmitri Volkogonov ، و العضو السابق في النمكتب السياسي (البلوليتيرو Politburo) ألكسندر ياكوفيليف Alexander Yakovlev ،نفوذ وسلطة خولا لهما الوصول إلى أي ملفات، والمجتمع ممتن لهما لما نشراه من إصدارات قيمة.
أما عن السنوات القليلة الماضية فلم يكن أحد قادرا على تحويل مسار إجراء رفع السرية. غير أن هذا الإجراء لسوء الطالع يحتاج وقتا أكبر مما يتمناه المرء. ومع ذلك، فإن ملفات أهم أرشيفات البلد وهو الأرشيف الوطني للاتحاد الروسي متاحة الآن كما كانت في التسعينيات. وقد أرسل مكتب الأمن الفيدرالي مائة ألف وثيقة تحقيقات جنائية إلى الأرشيف الوطني للاتحاد الروسي في أواخر التسعينيات، ولا تزال هذه الوثائق متاحة للمواطنين والباحثين. وفي 2004ـ2005 أصدر الأرشيف الوطني للاتحاد الروسي تاريخ الجولاج في عهد ستالين في سبع مجلدات. وقد تعاونت شخصيا في إصدار هذه المجلدات ويمكنني القول إنها جاءت على أشمل ما يمكن، ويمكن الاعتماد عليها إلى أبعد الحدود، وهذا ما يشعر به الباحثون في شتى أنحاء العالم.


ـ منذ نحو تسعين عاما، تعرضت روسيا لهزة ثورة فبراير ثم ثورة أكتوبر. ويبدو هذان الحدثان كما لو كانا ثيمة محورية في عملك. بل إنك عاودت منذ شهور قليلة التأكيد على هذه الفرضية: الشيوعية لم تكن نتيجة النظام السياسي الروسي السابق، والثورة البلشفية لم تتحقق إلا بسبب سوء حكم كيرينسكي في عام 1917. لو تتبع المرء هذا الخط الفكري، لقلنا إن لينين كان شخصا اعتباطيا حدث أن تمكن من المجيء إلى روسيا والاستيلاء على السلطة بدعم ألماني. هل فهمناك هكذا على نحو صحيح؟
ـ لا. فليس بقادر على تحويل الفرصة إلى واقع إلا شخص استثنائي. لقد كان لينين وتروتسكي سياسيين يتسمان ببراعة ونشاط فريدين، وتمكنا في وقت قصير من استغلال ضعف حكومة كيرينسكي. ولكن اسمحا لي أن أصحح لكما: "ثورة أكتوبر" أسطورة احتلقها المنتصرون، البلاشفة، وقبلتها حلقات التقدميين في الغرب كما هي. في الخامس والعشرين من أكتوبر عام 1917، وقع انقلاب في أربعة وعشرين ساعة في بتروجراد. ووقع الانقلاب بتخطيط بارع وعميق من ليون تروتسكي، بينما كان لينين مختبئا خشية أن يمثل أمام العدالة بتهمة الخيانة. ما نسميه "ثورة 1917 الروسية" هو ثورة فبراير.
الأسباب التي دفعت إلى الثورة موجودة بالفعل في الوضع الروسي فيما قبل الثورة، ولم يحدث أن قلت غير هذا. ثورة فبراير لها جذور عميقة، وقد أوضحت ذلك في كتاب "العجلة الحمراء The Red Wheel ". أول هذه الأسباب يكمن في انعدام الثقة القديم والمتبادل بين أولئك الذين في السلطة من ناحية، والمثقفين من جهة، وكان ذلك شكا مريرا حال دون الوصول إلى أي حل بناء للدولة. والمسئولية العظمى تقع على أكتاف السلطات، فمن غير القبطان يلام على انحطام السفينة؟ ومن ثم يمكنكم القول إن ثورة فبراير كانت من واقع أسبابها "نتيجة النظلم السياسي الروسي السابق".
ولكن هذا لا يعني كون لينين "شخصا اعتباطيا" بأية حال، أو أن الإسهام المالي المقدم من الإمبراطور فيلهلم Wilhelm كان غير مؤثر. لم يكن ثمة شيء طبيعي بالنسبة لروسيا في ثورة أكتوبر. بل لقد قصمت الثورة ظهر روسيا. والإرهاب الأحمر الذي انطلق على أيدي زعمائها بهدف إغراق روسيا في الدماء هو أول دليل على ذلك.

ـ هل استفاد الروس من دروس هاتين الثورتين وعواقبهما؟
ـ بدأوا في ذلك. وليس أدل على تنامي الطلب من ظهور عدد كبير من الإصدارات والأفلام. إلى جانب قناو روسيا الحكومية التليفزيونية قد قامت مؤخرا ببث مسلسلة عن أعمال فارلام شالاموف Varlam Shalamov تبين الحقيقة القاسية الرهيبة للمعسكرات في عهد ستالين. لم يعتم أحد عليها.
ومنذ فبراير 2007 وأنا مندهش من المناقشات الساخنة التي أثارتها إعادة نشر مقالة لي عن ثورة فبراير. لقد سررت بالنطاق الواسع للأفكار المعروضة، فهي تكشف عن توق بالغ إلى فهم الماضي الذي لن يتحقق بدونه مستقبل ذو معنى.


ـ كيف تقيم فترة حكم بوتين بالمقارنة مع فترتي يلتسين وجورباتشوف؟
ـ كانت إدارة جورباتشوف ساذجة سياسيا سذاجة غريبة، ومفتقرة إلى الخبرة، وغير متحلية بالمسئولية تجاه البلد. لم تكن حكما بل تخليا طائشا عن السلطة. ولم يؤد إعجاب الغرب إلا إلى تقوية قناعته بصحة النهج الذي اتبعه. ولكننا ينبغي أن نقول إن جورباتشوف، وليس ستالين كما يقال حاليا، هو الذي أتاح حرية التعبير والحركة لمواطني الدولة.
اتسمت فترة يلتسين بنهج لا يقل انعداما للمسئولية تجاه حياة الشعب، ولكن بطريقة أخرى. ففي سياق تعجله تحويل ملكية الدولة إلى ملكية خاصة، تسبب يلتسين في فوضى، وبيع ببلايين الدولارات لإرث الدولة. ورغبة منه غي الحصول على دعم الزعماء الإقليميين، دعا يلتسين إلى الانفصالية وسن قوانين شجعت على انهيار الدولة الروسية. وقد حرم هذا روسيا من أداء دورها التاريخي التي عملت من أجله كثيرا، وأضعف من موقفها في المجتمع الدولي. وقد قوبل كل ذلك بمزيد من الإعجاب في الغرب.
أما بوتين فقد ورث بلدا منهوبا مرتبكا، ذا شعب فقير ومنهك. وبدأ يفعل ما كان بإمكانه، بدأ مرحلة استعادة بطيئة وتدريجية. ولم تكن هذه الجهود ملحوظة، أو مقدرة، في وقتها. و على أية حال، لا يجد المرء في التاريخ نماذج لتشجيع من حكومات أجنبية عندما يحاول حاكم استرداد قوة بلده.

ـ صار من الواضح أن في استقرار روسيا نفعا للغرب. ولكن ثمة شيئا واجحدا يدهشنا: عند الحديث عن الشكل الصحيح للحكم، نجد أنك آثرت حكما ذاتيا مدنيا، وأنك جعلت هذا الحكم مقابلا للديمقراطية الغربية. ولكننا بعد سبع سنوات من حكم بوتين نلاحظ ظاهرة معاكسة تماما: وهو أن السلطة مركزة كلية في يد الرئيس، وأن كل شيء موجه إليه.
ـ نعم، طالما أصررت على الحاجة إلى حكم ذاتي محلي لروسيا، ولكنني لم أقابل بينه وبين الديمقراطية الغربية قط. بل إنني على العكس من ذلك حاولت أن أقنع إخوتي المواطنين أن يقتدوا بنماذج الحكم الذاتي المحلي القويمة في سويسرا ونيوإنجلند.
أنتما في سؤالكما تخلطان بين الحكم الذاتي المحلي، وهو أمر ممكن على المستوى القاعدي فقط عندما يعرف الناس مسئوليهم المنتخبين، وبين هيمنة شرذمة من الحكام الإقليميين الذين سرهم في فترة يلتسين أن يشاركوا الحكومة الفيدرالية في قمع تجربة الحكم الذاتي المحلي.
ولا زلت قلقا للغاية بسبب بطء تطور الحكم الذاتي المحلي. ولكنه بدأ على أية حال. في فترة يلتسين كان الحكم الذاتي المحلي معاقا، بينما نجد "السلطة الرأسية" للدولة (أي الإدارة نزولا من مستوى بوتين) تفوض المزيد والمزيد من القرارات للسكان المحليين. ولكن هذه العملية لسوء الحظ غير منظمة بعد.

ـ ولكن لا تكاد تكون هناك معارضة.
ـ المعارضة ضرورة لتطور أي بلد تطورا صحيا. ليس من الممكن أن تجد الآن معارضة، إلا بالنسبة للشيوعيين. ولكنكما بقولكما إنه "لا تكاد تكون هناك معارضة" تعنيان على الأرجح أحزاب التسعينيات الديمقراطية. ولكنكما لو نظرتما إلى الوضع نظرة بعية عن التحيز، لوجدتما أن التسعينيات شهدت انحدارا متسارعا في مستويات المعيشة، وهو ما أثر على ثلاثة أرباع الأسر الروسية، وكل ذلك تم تحت "راية الديمقراطية". ولا يدهشني كثيرا أن الشعب الآن لم يعد يتحلق حول هذه الراية. بل إن زعماء هذه الأحزاب غير قادرين الآن على الاتفاق على توزيع الحقائب الوزارية في حكومة ظل وهمية. من المؤسف أنه لا توجد معارضة واسعة النطاق في روسيا اليوم.ولكن نمو المعارضة وتقدمها سيحدثان مع مرور الوقت واكتساب الخبرة.

ـ خلال حوارنا الأخير، كنت تنتقد قواعد انتخاب نواب مجلس الدوما، على أساس أن نصفهم فقط هم الذين يتم انتخابهم في دوائرهم الانتخابية وأن ممثلي الأحزاب السياسية كانوا هم المهيمنون. بعد إصلاح الانتخابات الذي أجراه بوتين، لم يعد هناك انتخاب مباشر على الإطلاق. أليست هذه خطوة إلى الوراء؟
ـ هذا خطأ. أنا دائم الانتقاد للبرلمانية الحزبية. أنا مع الانتخابات غير الحزبية لممثلين حقيقيين لشعب يكونون مسئولين أمام دوائرهم، ويمكن مساءلتهم عند أدائهم بصورة غير مقبولة. إنني أفهم جيدا وأحترم فكرة تشكل جماعات على أسس اقتصادية أو تعاونية أو إقليمية أو ثقافية أو مهنية أو صناعية، ولكنني لا أرى في الأحزاب سمة عضوية. الروابط القائمة على أساس حزبية قد تكون غير ثابتة، وغاليا ما تكون خلفها دوافع أنانية. ولقد قالها ليون تروتسكي بوضوح في ثورة أكتوبر: "الحزب الذي لا يكافح من أجل الاستيلاء على السلطة لا قيمة له". فنحن إذن نتكلم عن السعي إلى منفعة الحزب على حساب بقية الشعب. وهذا قد يحدث سواء كان الاستيلاء على السلطة سلميا أم غير ذلك. إن التصويت على الأحزاب وبرامجها هو بديل زائف للطريق الوحيد الصحيح المتمثل في انتخاب ممثلين: التصويت الذي يمارسه شخص حقيقي لمرشح حقيقي. هذا هو مغزى التمثيل الشعبي.

ـ برغم العوائد الضخمة من النفط والغاز، ونشأة طبقة متوسطة، هناك فجوة كبيرة بين الأغنياء والفقراء في روسيا. ما الذي يمكن القيام به لتحسين هذا الوضع؟
ـ أرى أن الفجوة بين ألأغنياء والفقراء تمثل ظاهرة بالغة الخطورة وتحتاج إلى اهتمام فوري من الدولة. وبرغم ضياع الكثير من الثروات في عهد يلتسين بسبب النهب، فإن الطريق الوحيد المعقول لتصحيح الوضع لا يتمثل في السعي إلى المشاريع الكبرى بل المتوسطة منها والصغيرة. وذلك يعني حماية المواطنين وصغار أصحاب الأعمال من القواعد العشوائية والفساد.

ـ صارت علاقات روسيا بالغرب في الفترة الأخيرة أبرد من ذي قبل. ما السبب؟ ما الصعوبات التي يواجهها الغرب في فهم روسيا المعاصرة؟
ـ السبب الأكثر إثارة للاهتمام سبب سيكولوجي، وأعني به التصادم بين الأمال الوهمية والواقع. وقد حدث ذلك في كل من روسيا والغرب على حد سواء. عندما عدت غلى روسيا في عام 1994 كان العالم الغربي ودوله عمليا معبودين. ولم يكن السبب في ذلك معرفة حقيقية أو خيارا واعيا، وإنما اشمئزاز من النظام البلشفي ودعايته المناهضة للغرب.
بدأ هذا المزاج يتغير مع قصف الناتو القاسي لصربيا. فقد صدمت جميع طبقات المجتمع الروسي صدمة عميقة وغير قابلة للنسيان من جراء هذا القصف. ثم بدأ الوضع يزداد سوءا عندما بدأ الناتو يبسط نفوذه ويجتذب الجمهوريات السوفييتية السابقة إليه. وكان ذلك مؤلما بصورة خاصة في حالة أوكرانيا، وهي الدولة التي يتأكد قربها من روسيا بملايين الروابط الأسرية بين الشعبين، وألقرباء الذين يعيشون على جانبي الحدود المشتركة بين البلدين. فبضربة واحدة باتت هذه الروابط السرية مهددة بالانفصام بسبب خط حدودي يحدد كتلة عسكرية.
وهكذا، تبددت صورة الغرب بوصفها "فارس الديمقراطية"، وحل بدلا منها اعتقد محبط بأن البراجماتية، بل والأنانية، هي التي تكمن في عمق السياسات الغربية. كان ذلك بالنسبة للكثير من الروس سرابا، تحطيما للمثل. في الوقت نفسه كان الغرب يحتفل بنصره بعد الحرب الباردة، وينظر إلى الفوضى التي استمرت خمسة عشر عاما في ظل حكم جورباتشوفويلتسين. كان من السهل تقبل فكرة أن روسيا أصبحت تقريبا من دول العالم الثالث وأنها سوف تبقى كذلك. وحينما بدأت روسيا تسترد بعض قواها، كان رد الفعل ـ ربما بسبب مخاوف غير واعية أو مخاوف سابقى ـ ذعرا حقيقيا.

ـ ربط الغرب ذلك بالقوة العظمى السابقة، اي الاتحاد السوفييتي.
ـ وذلك أمر بالغ السوء. ولكن حتى قبل ذلك، كان الغرب يضلل نفسه، أو لعله كان يريح نفسه بتجاهله الواقع، باعتباره أن روسيا ديمقراطية صغيرة، في الوقت الذي لم يكن يه في روسيا ديمقراطية أصلا. روسيا إلى اليوم ليست دولة ديمقراطية، هي فقط تبدأ في إقامة الديمقراطية. ما أسهل أن يتم انتقاد روسيا بقائمة طويلة من الانتهاكات والأخطاء.
ولكن ألم تبسط روسيا يدها بلا مواربة لمساعدة الغرب بعد 11/9؟ المشكلة السيكولوجية أو قصر النظر الكارثي فقط هما القادران على تفسير رفض الغرب غير المنطقي لهذه اليد المبسوطة بالعون. لم تكد الولايات المتحدة تقبل بمساعدة روسياالمهمة في أفغانستان حتى بدأت بتقديم مطالب ومطالب. أما بالنسبة لأوربا، فمزاعمها بخصوص روسيا قائمة جميعا على خاوف متعلقة بالطاقة، وهي مخاوف ليس لها ما يبررها.
أليس من الرفاهية أن يقوم الغرب الآن بتنحية روسيا جانبا، خاصة في مواجهة التهديدات الجديدة؟ لقد قلت في آخر حوار أجريته في الغرب قبل عودتي إلى روسيا (مع مجلة فوربس في ابريل 1994): "إنني أرى لحظة من القرن العشرين سوف تكون فيها الولايات المتحدة وأوربا بحاجة ماسة إلى روسيا كحليف".

ـ في رأيك ما وضع الأدب الروسي اليوم؟
ـ فترات التحول الجذري المتسارع لم تكن قط فترات محبذة للأدب. إنتاج الأعمال الكبيرة يتم دائما وفي كل مكان في أوقات الاستقرار، سواء كان استقرارا جيدا أم رديئا. وليس الأدب الروسي الحديث استثناء من ذلك. القارئ المثقف اليم أكثر اهتمام بالكتابات غير الخيالية. ومع ذلك، أعتقد أن العدالة والضمير لن يذهبا أدراج الرياح فيغيبا عن الأدب الروسي كمؤسسة، بل سيبقيان ليكونا في خدمة تنوير أرواحنا وتعميق فهمنا.

ـ في عام 1987 قلت إن من الصعب عليك أن تتكلم علنا في الدين. ما الذي يعنيه لك الإيمان؟

ـ الإيمان بالنسبة لي هو أساس حياة المرء وسندها.

ـ هل أنت خائف من الموت؟
ـ لا، في شبابي ألقى موت أبي بظله على حياتي، وكنت أخشى أن أموت قبل أن أحقق كل خططي الأدبية. ولكن بين الثلاثين والأربعين هدأ موقفي من الموت واتزن. أشعر أنه شيء طبيعي، ولكنه ليس نهاية المطاف بأية حال، هو مرحلة في وجود المرء.


ـ على أية حال، نتمنى لك المزيد والمزيد من السنوات الحافلة بالإبداع
ـ لا، لا تتمنيا هذا. يكفي ما كان.

عن الإندبندنت