الأربعاء، 6 أغسطس 2008

بورخس عن كافكا

في عام 2006 صدرت في المملكة المتحدة الطبعة الثالثة عشرة من كتاب عنوانه "قصص فرانز كافكا القصيرة في الفترة من 1904 إلى 1924". كانت الطبعة الأولى من هذا الكتاب قد صدرت في عام 1981 وفيها استهلال بقلم خورخى لويس بورخس:

طلب فرجيل من أصحابه وهو على فراش المرت أن يحرقوا مخطوطة الإنيادة التي لم تكتمل، والتي كانت ثمرة أحد عشر عاما من الجهد الشاق النبيل، وشكسبير لم يكترث قط بجمع مسرحياته الكثيرة في سفر واحد، وكافكا ناشد ماكس برود أن يدمر رواياته وقصصه التي كان لتحقق له شهرة دائمة. أي صلة بين هذه الحلقات الشهيرة هي ـ ما لم مخطئا كثيرا ـ محض وهم. فمن المؤكد أن فرجيل كان يعول على عصيان تقي من أصحابه، وكافكا على عصيان من ماكس برود. أما شكسبير فحالته مختلفة. فقد ذهب "دي كوينسي" إلى أن الشهرة بالنسبة لشكسبير كانت شيئا يتحقق من خلال خشبة المسرح لا من خلال الكلمة المطبوعة. والحقيقة هي أن الشخص الذي يود لكتاباته أن يطويها النسيان لا يوكل المهمة إلى غيره. وأنا شخصيا أعتقد أن رغبة فرجيل وكافكا في تدمير أعمالهما لم تكن صادقة، وكل ما هنالك أن كليهما أرادا أن يتخففا من المسئولية التي يلقيها العمل الأدبي على خالقه. وفرجيل في ظني طلب ما طلب لأسباب جمالية، فلعله كان لا يزال يرغب في إجراء تغيير هنا أو هناك، في هذا اللقب أو ذاك.
أما حالة فرانز كافكا فتبدو أكثر تعقيدا. إذ إن من الممكن تعريف أعماله بوصفها أمثولة أو سلسلة من الأمثولات التي تجمعها ثيمة العلاقة الأخلاقية بين الفرد والإله، وكون الإله المستغلق على الأفهام. وعلى كل ما في قصصه من مشهدية معاصرة، إلا أنها أقل قربا مما يوصف بـ "الأدب المعاصر" منها بسفر أيوب. وقصصه تستوجب وعيا دينيا، يهوديا على وجه التحديد، فأي تأمل لكافكا في سياق آخر سوف يجانب الذكاء. كان كافكا يرى عمله فعلا إيمانيا، ولم يشأ أن يثبط الآخرين. وبسبب هذا طلب من صاحبه أن يدمره. ويبقى أنني أشك في أن ثمة أسبابا أخرى. فقد كان كافكا يعرف أنه غير قادر إلا على الحلم بالكوابيس السوداوية، وهو علاوة على ذلك كان يقدر ما ينطوي عليه الإرجاء والتأجيل من ثراء، وهذا واضح في جميع أعماله. ولكن هاتين الثيمتين ـ أي السوداوية والتأجيل ـ كانتا مثار إزعاج له في نهاية المطاف. ولعله آثر أن يكون كاتبا لصفحات قليلة باعثة على السعادة لم يسمح له صدقه بكتابتها.
لن أنسى ما حييت أول مرة قرأت فيها كافكا في إصدار "حديث" مدرك لحداثته حوالي عام 1947. كان محررو ذلك الإصدار ـ وما كانوا منعدمي الموهبة تماما ـ قد كرسوا أنفسهم لابتكار نصوص مميزة بخلوها من علامات الترقيم، والحروف الكبيرة في بداية أسماء الأعلام، والسجع وكذلك محاكاتهم الرهيبة للاستعارات، وسوء استخدامهم للمفردات غنية الدلالات، وغير ذلك من آيات التجريب التي قد تكون مشتركة بين الشباب جميعا. ووسط ضجيج تلك الطبعة الصاخبة، بدا لي النص القصير الموقع باسم فرانتز كافكا، وبرغم سهولة انقيادي في سني شبابي ـ عملا استثنائيا في تفاهته. والآن في شيخوختي، أجترئ أخيرا وأعترف بما كنت عليه من بلادة حس أدبي لا تغتفر، لقد أوتيت من أعماله وحيا، وإنني الآن أنقله.
نعرف بالطبع أن كافكا لم يكف عن الإحساس بذنب غامض في حضرة أبيه، شأن إسرائيل في حضرة إلهه، وأن يهودية كافكا ـ التي فصلت بينه وبين بقية الإنسانية ـ كانت سر عذابه. ولا بد أن إدراكه الدائم لدنو الأجل وغلو تقديره لحالته الدرنية قد أرهفا حواسه وقدراته.
غير أن هذه الملاحظات جميعا محض استطرادات، فالحقيقة ـ كما قال ويستلر ـ هي أن "الفن يحدث": ثمة فكرتان أو بالأحرى هاجسان يشيعان في أعمال فرانتز كافكا. أولاهما التبعية وثانيتهما اللانهائية. ففي جميع قصصه تقريبا، نصادف بنى هيراركية، وهذه الهيراركيات تبدو لانهائية. كارل روسمن بطل روايته الأولى أمريكا، شاب ألماني يذهب إلى متاهة قارة، ويتمكن في النهاية من الدخول إلى "مسرح أوكلاهوما الطبيعي" الكبير، فذلك المسرح اللانهائي، الذي لا يقل أهله عن أهل العالم نفسه، هو تمثيل للجنة (وإن بلمسة شخصية للغاية، فالإنسان ـ حتى في تصور كافكا للجنة ـ لا يحقق السعادة الكلية؛ إذ إن ثمة من جديد ذلك الإرجاء الغريب قليلا والمزعج).
بطل روايته الثانية جوزيف ك يتعرض لقهر إجراء عقابي مجنون، وفي نهاية المحاكمة تأمر اللجنة الخفية بإعدامه. أما ك المهندس وبطل روايته الثالثة والأخيرة فيتم استدعاؤه إلى قلعة لا ينجح قط في الدخول إليها، ويتحتم عليه الموت خارج أسوارها دون أن تعرف السلطة الحاكمة للقلعة بمجرد وجوده.
يشكو كثير من النقاد أن في روايات كافكا الثلاثة فصولا داخلية مفقودة، وإن كانوا يعترفون أن هذه الفصول ليست ضرورية. ويبدو لي أن أن شكواهم هذه تنم عن سوء فهم مستفحل لفن كافكا. فما يثير الشفقة على هذه الأعمال المنقوصة هو ما ينشأ بالضبط من لانهائية العقبات التي لا تني تعترض طريق أبطالها المتماثلين. وفرانتز كافكا لم يكن يكمل تلك الروايات لأن نقصانها كان جزءا جوهريا فيها. يؤكد زينو إن الحركة مستحيلة: فمن أجل الوصول إلى النقطة ب علينا أولا أن نمر بالنقطة البينية ج ولكننا قبل أن نبلغ النقطة ج ينبغي أن نمر بالنقطة البينية د ... وزينو لا يدرج جميع النقاط تماما كما أن كافكا في غنى عن سرد جميع المتتاليات. فيكفي أن نعرف أنها لانهائية شأن هادس Hades.
كانت أبرع مواهب كافكا تتمثل في ابتكار مشاهد يمكن التسامح معها. فسطور قليلة (من تأملات في الخطيئة، والمعاناة والأمل والطريق الحق على سبيل المثال) صالحة لأن نحفرها إلى الأبد في أذهاننا، وتأملوا قوله: ينتزع الحيوان السوط من يدي سيده ويجلد نفسه لكي يصبح السيد، غير عالم أن ذلك هو مجرد خيال مستمد من عقدة جديدة في سيور سوط السيد". أو قوله: "يثب النمر إلى المعبد فيتجرع كل ما في دنان الأضحية، ويحدث هذا مرارا وتكرارا، وأخيرا يسهل توقعه، ويصبح من جملة الطقوس".
ولعل صنعة كافكا أقل جدارة بالإعجاب من ابتكاره. فهناك شخصية واحدة فقط تظهر في جميع أعماله: هي شخصية الهومو دومستيكس Homo Domesticus، اليهودي جدا الألماني جدا، الشغوف جدا بالحفاظ على مكانه، مهما يكن قليل الشأن وبأي طريقة، سواء كان الكون أم المصح العقلي، أم الهدف. الحبكة والجو العام هما الخصائص الجوهرية في أعمال كافكا وليس تلافيف القصة أو التصوير السيكولوجي للبطل. وذلك ما يجعل قصص كافكا تفوق رواياته، وذلك ما يجعلنا نؤكد للقارئ أن الكتاب الذي بين يديه يمنحه صورة مكتملة لذلك الكاتب الفريد
خورخي لويس بورخس