الثلاثاء، 4 مارس 2008

آليس في بلاد العجائب

الكاتبة مع زوجها الروائي بول أوستر

لسنا آلات بشرية

سيري هستفدت

"
من أكون أنا في هذه الدنيا؟ نعم، هذا هو اللغز الأكبر" هكذا تقول آليس ـ الشخصية التي كتبها لويس كارول ـ بعد أن مرت بتجربة نمو مفاجئ وغريب

وبينما هي تتأمل تلك المعضلة الفلسفية، إذا بجسدها يتغير من جديد. إذا بالفتاة تتقلص. وكم من مرة طرحت أنا هذا السؤال على نفسي، وغالبا ما يكون ذلك مرتبطا بتغيرات إدراكية، أو مشاعر معينة، أو نشوء أنواع غريبة من الحساسية الناتجة عن الصداع النصفي. "من أكون أنا في هذه الدنيا؟". ألست "أنا" غير هذه المضغة المخية التالفة؟ في كتب "الفرضية المدهشة"، يقول فرانسيس كريك (الذي اشتهر باشتراكه مع جيمس واطسن في اكتشاف لولب الـ دي إن آيهالمزدوج:

"
ما أنت، بأفراحك وأتراحك، بذكرياتك وأمانيك، بإحساسك بهويتك الذاتية وإرادتك الحرة، ما أنت بكل تلك الأشياء سوى سلوك جماع من الخلايا العصبية وما يتصل بها من جزيئات". وما الذهن كما قال كيرك إلا مادة. وما الحياة البشرية كلها غير شيء يمكن تقليصه في خلية عصبية.

هناك حالة من الصداع النصفي ينسبها العلماء إلى قصة التحولات العديدة التي كتبها تشارلز لوتفيدج دودجسن أو لويس كارول ، ويسمونها بـ "أعراض آليس في بلاد العجائب". حيث تشعر الشخصية المصابة بنفسها أو بأجزاء منها وقد تضخمت أو تقلصت. لقد كان دودجسن مصابا بالصداع النصفي. وكان معروفا أيضا بتعاطيه للخمر المشبع بالأفيون. ويبدو أكثر من منطقي أن يكون قد خبر بنفسه شيئا من الأعراض الغرائبية التي أسقطها على بطلته الصغيرة.

وهذه الأعراض ليست حكرا على الصداع النصفي، إذ يمر بها أيضا من يصابون بتلف عصبي. ففي كتابه "الإنسان ذو العالم المتشظي" أورد أستاذ علم الأعصاب الروسي آيه آر لوريا أنه سجل الظاهرة لدى رجل يدعى زازيتسكي كان قد أصيب في دماغه أثناء الحرب العالمية الثانية إصابة جسيمة. كتب زازيتسكي يقول "إنني أشعر وأنا جالس في بعض الأحيان أن رأسي بحجم منضدة، بينما يداي وقدماي وجذعي جميعها في منتهى الصغر".

تمثل صورة الجسد عموما ظاهرة هشة معقدة. فالتغيرات التي تطرأ على الجهاز العصبي نتيجة الصداع، أو الأضرار الناجمة عن ضربة أو رصاصة، قد تؤثر على الخريطة الجسدية الداخلية المسجلة في المخ، ومن ثم نتحول.

أتكون "آليس في بلاد العجائب" بهذا منتجا لعلم الأمراض، أي منتجا باثولوجيا لـ "جماع الخلايا العصبية وما يتصل بها من جزيئات" لدى رجل واحد. إن الميل إلى اختزال المنجزات الفلسفية أو الدينية أو الفنية بإرجاعها إلى أمراض جسمانية يُنسب إلى رجل يدعى وليم جيمس في كتابه "تنويعات التجارب الدينية"، فقد قال في كتابه هذا إن "المادية الطبية تجهز على الرؤيا التي رآها القديس بولس وهو في الطريق إلى دمشق، إذ إنها [أي المادية الطبية] تعتبر هذه الرؤية نتاجا لضررتعرضت له القشرة القذالية [أي التي في مؤخرة الرأس]. كما تعتبر المادية الطبية هذا القديس مجرد شخص مصاب بالصرع. وتعتبر المادية الطبية سانت تريزا مصابة بالهيستريا، والقديس فرانسيس الأسيسي معتلا بالوراثة". وقد أضيف إلى هذا أن لويس كارول كان مدمنا أو مريضا مزمنا بالصداع النصفي.

ونبقى أسرى هذا العالم، عالم المادية الطبية، حيث يدفع الناس ملايين الدولارات لقاء إطلالة على خريطتهم الجينية عساهم يجتنبوا هذا المرض أو ذاك قبل أن يصيبهم. ويهرعون إلى القبول بآخر ما يجد ـ ويتناقض في الغالب مع بعضه البعض ـ من أخبار حول إطالة العمر. فقد تشير دراسة إلى أن من الخير للمرء أن يكون ممتلئ القوام. بينما تصر دراسة أخرى إلى أن أعمار أقاربنا من القردة العليا تطول عندما تقل تغذيتهم، ويصبح حتما علينا أن نقتدي بالقردة. يخضع الديمقراطيون والجمهوريون لمسح بالآشعة على المخ للتحقق مما إذا كانت الشبكات العصبية تتأثر عندما يفكرون في السياسة. وتعلن وسائل الإعلام أن الأبحاث قد عثرت على النقطة الإلهية في المخ. وقبل أن يتم فك شفرة الجينوم ويكتشف العلماء أن عدد الجينات لدى البشر لا يزيد إلا قليلا عن عدد الجينات لدى ذبابة الفاكهة، كانت الصحف تنشر ما لا يحصى عدده من المقالات التي تنبأت بأنه سوف يتم اكتشاف جين الإدمان على الكحول، وجين خلل الوسواس القهري، وجين الميل إلى ربطات العنق الأرجوانية، واختصارا، جينات كل شيء.

يميل البشر إلى التشبث في الإجابات البسيطة، هربا من الغموض والحقائق المتغيرة. ويروق لهم أن ينسوا أو يسيئوا فهم حقيقة أن الجينات تتأثر بالبيئة، وأنه مهما يكن دورها حيويا في تحديد قابلية الإصابة بالأمراض، إلا أنه من غير الممكن التنبؤ بذلك، اللهم إلا في حالات نادرة مثل مرض هنتنجتن[وهو خلل عصبي بالغ الندرة ينسب إلى العالم الذي وصفه بدقة وهو جورج هنتنجتن ـ ويكيبديا]، وأن المخ ليس عضوا ثابتا بل إنه لدن طيع يقوم بتشكيل نفسه بعد وقت طويل من مولدنا عبر تفاعلنا مع الآخرين، وأن العواطف المشبوبة سواء تجاه السياسة أو سمك التونة لا تظهر في الأشعة المسحية إلا كدوائر عاطفية نشطة داخل المخ، وأن الدراسات العلمية حول الوزن وطول العمر لا تخبرنا إلا بعلاقات لا أسباب، وأن المشاعر التي تثيرها ما توصف بالنقطة الإلهية هي مشاعر يمكن أن يئولها الشخص الذي يشعر بها بوصفها مشاعر دينية أو أي شيء آخر.

لقد كان الرجل الذي منحنا آليس في بلاد العجائب يعاني من الصداع النصفي. ولكنه أيضا كان متخصصا في الرياضيات، واللاهوت، وكان مصورا فوتوغرافيا، وكان إجمالا رجلا سليم العقل. وربما كان لديه ميل جنسي إلى الصبايا الصغيرات. ولكن من المستحيل أن نعرف حجم الدور الذي لعبه الصداع النصفي في عمله الإبداعي. ولكن لي خبرة شخصية بأمراض السكوتوما [ظهور بقعة معتمة في المجال البصري] والشعور بالخفة والأحاسيس الغريبة بأن ثمة ما يشدك إلى أعلى والهلوسات التقزيمية، فهذه أمراض فاعلة في قصة ذاتي، وهي قصة لا يمكن اختزالها في نهاية المطاف إلى أسباب ذات علاقة بالطبيعة أو التغذية وحسب.

ينتقل الصداع النصفي في العائلات، ومن ثم فقد تكون لدي ميول فطرية وراثية للصداع بأنواعه المختلفة، ولكن الطريقة التي يتطور بها المرض، وما يترتب على ذلك من معان، تعتمد على عوامل لا عد لها، منها الداخلي والخارجي، ومنها كثير لا سبيل لي إلى اختراق كنهه. فالسؤال عن "من أكون أنا في هذه الدنيا؟" سؤال لا جواب له، وإن تكن لدينا بعض المداخل إلى حل اللغز.

أغلب العمل الذي تقوم به عقولنا ـ كما رأى فرويد منذ ما يربو على القرن ـ هو عمل لاواع، يقع فيما هو أسفل أو فيما هو وراء قدرتنا على الفهم. ولم يعد ثمة من يجادل في هذا. يولد الطفل غير مكتمل، وفي غضون السنوات الست الأولى من حياته، ينمو الجزء الأمامي من مخه (القشرة الأمامية) نموا هائلا. أي أنه يتطور عبر التجارب، ويستمر في ذلك، وإن لم يكن بنفس المعدل الدراماتيكي. أما حياتنا الأولى ـ التي لا يتحول أغلبها إلى جزء من ذاكرتنا الواعية إذ تتبدد بسبب بسبب فقدان الذاكرة الطفولي (فالمخ لا يستطيع أن يدعم الذاكرة الواعية إلا بعد وقت طويل) ـ فتبقى مع ذلك أساسية في تحديد ما سنئول إليه.

إن الطفل الذي يحظى برعاية أبوية جيدة ـ فيجد من يحفزه، ويكلمه، ويحتضنه، ويلبي احتياجاته ـ يتأثر ماديا بتلك الصلة، تماما كالطفل الذي يعاني الحرمان ويتعرض للصدمات. فالأحداث التي تقع لكم، تلعب دورا أساسيا في تحديد ما يتم تفعيله أو تعطيله من شبكاتكم العصبية. ولأننا نولد ولدينا الكثير للغاية من الخلايا العصبية، فإن ما لا يتم استخدامه "يضمر". وذلك يفسر عجز من يطلق عليهم "الأطفال البريون" [وهم الذين ينعزلون منذ عمر مبكر للغاية عن الحياة البشرية] عن تحصيل أي شيء باستثناء أكثر أشكال اللغات بدائية.

إذن كان كريك مصيبا من وجهة النظر التقنية. فالثراء الظاهري الفادح للحياة البشرية الذهنية يعتمد أساسا على "جماع الخلايا العصبية". ومع ذلك فإن اختزالية كيرك لا تعطينا جوابا شافيا لسؤال آليس. فالأمر يبدو كما لو أن "الفتاة أو المرأة أو الخادمة التي تصب الحليب" في لوحة فيرمير ما هي إلا زيت على توال، أو أن آليس نفسها ليست سوى كلمات على صفحة. وهاتان حقيقتان لا شك، ولكنهما حقيقتان لا تقدمان تفسيرا لتجربتي الشخصية مع أي من الفتاتين، ولا تبرر ما تعنيه كل منهما لي. إن العلم يتقدم عبر مساءلته لما يتوصل إليه من نتائج، ثم معاودة مساءلته لها. وهو يعتمد على جهود الكثرة، لا القلة. وموضوعيته تقوم على التوافق، والاشتراك في الافتراضات، والمبادئ، والمناهج التي يتم التوصل منها إلى "حقائق" تخضع بدورها فيما بعد للتعديل، أو يأتي الوقت ليتم الانقلاب عليها كلية.

نحن جميعا أسرى أذهاننا الفانية، وأجسامنا البالية، نحن جميعا عرضة لشتى أشكال التحول التي تطرأ إدراكيا على المظهر. ونحن في الوقت نفسه، وبوصفنا كائنات متجسدة، نعيش في عالم نستكشفه، ونستوعبه، ونتذكره ولو جزئيا بطبيعة الحال. وليس لنا من سبيل إلى العثور على ما هو هناك إلا من خلال ما هو هنا. ويبقى أن ما وصفه الفيلسوف سير كارل بوبر بالعالم 3 ـ أي العلم والفلسفة والفن ـ المختزن في مكتباتنا ومتاحفنا، وأن الكلمات والصور والموسيقى التي أبدعها بشر ماتوا، تصبح أجزاء منا وقد يكون لها تأير أصيل على حياتنا اليومية. فتفكيرنا وشعورنا وعقولنا ليست صنيعة الجينات وحدها، ولكنها أيضا صنيعة لغتنا وثقافتنا.

إنني مغرمة بآليس للويس كارول منذ طفولتي. وربما لم تكن آليس في بدايتها إلا مجرد كلمات على صفحة، ولكنها الآن ساكنة في حياتي الداخلية. (وقد أقول إن قصتها راسخة في ذاكرتي من خلال عمل مهم أدته خلاياي الدماغية على أتم وجه). ولكن من المستحيل أن تكون نوبات صداعي هي التي جعلتني مغرمة بمغامرات الفتاة ولغزها الميتافيزيقي، فأنا لست وحدي في هذا الغرام. بل إنني أتجاسر واقول إن ملايين الناس أخذوها من العالم 3، وهو بحد ذاته أرض عجائب من نوع ما، وغرسوها كل في أفقه الداخلي حيث لا تزال تنمو وتتقلص وتتساءل من تكون هي في هذه الدنيا

.