الاثنين، 18 فبراير، 2008

الأندلس

نشر ملحق التايمز الأدبي مؤخرا مقالا كتبه روبرت إرون مستعرضا كتابا صدر لمظفر إقبال حديثا بعنوان "العلم والإسلام"، والكتاب يحاول تصحيح مفاهيم مغلوطة سادت تاريخ العلم؛ فساهمت في تشويه صورة الحضارة الإسلامية. في ذلك الكتاب ينفي مظفر إقبال خطأ شائعا بأن البحث العلمي توقف في العالم الإسلامي في القرن الثاني عشر الميلادي، بعد أن أصدر أبو حامد الغزالي كتابه "تهافت الفلسفة" فقطع به طريق البحث العلمي في العالم الإسلامي، لما قلل من قيمة التفكير العلمي. ينفي إقبال أن يكون القرن الثاني عشر هو نهاية جهود العلماء المسلمين، ويثبت أن القرن الخامس عشر هو التاريخ الصحيح لانتهاء تلك الجهود العلمية. أي أن الرجل يمنحنا ثلاثة "قرون" إضافية نتباهى بها.
ولا أحسب أن أحدا سيقرأ ذلك المقال ـ وسوف نقدم ترجمته في الأسبوع القادم ـ إلا ويسأل نفسه: وهل لكتاب مهما يكن أن يوقف حركة بحثية؟ وماذا لو لم يكن البحث العلمي قد توقف عندنا؟ ولماذا لم يتحول العلم لدينا كما لدى الغرب إلى ثورة في الصناعة والمجتمع على السواء؟ ولعل هذه الأسئلة جميعا تنتهي بكم ـ كما انتهت بنا ـ إلى أسئلة أخرى: كيف يمكن للبحث العلمي أن يستوطن العالم الإسلامي من جديد، فتتحول هذه المنطقة المستهلكة ـ في أفضل الحلالات ـ للتجليات السلعية للعلم، إلى منطقة مستهلكة للعلم نفسه، بل ومنتجة له؟ وكيف يمكن للتفكير العلمي أن يعرف طريقه إلى عقولنا، فلا نبحث عن الدواء لدى الفقيه، ولا نبحث عن الفتوى لدى الراقصة؟
إذا كان مقال روبرت إرون يثير سؤال البحث العلمي، فثمة سؤال آخر على هذه الصفحة: ماذا كان ليحدث لو لم تكتف جيوش المسلمين بالأندلس، وتجاوزتها إلى بقية أجزاء أوربا؟
كان هذا التوقف العربي عند حدود شبه جزيرة أيبريا ـ بحسب الكتاب الذي نقدم عرضا له فيما يلي ـ من أفدح خسائر التاريخ، فبهذا التوقف ظلت بقية أرجاء أوربا فريسة للتشرذم، والأرستقراطية الوراثية، والقمع الديني ولكل ما عانت منه أوربا في القرون الوسطى، وكانت لتنجو منه لو شملها الإسلام.
في أواخر التسعينيات، نشب خلاف ثقافي في مصر بين المؤيدين والمعارضين للاحتفال بمرور مائتي عام على غزو فرنسا لمصر، وهو الغزو الذي يقال إنه فتح أعين المصريين على العصر الحديث (وهو زعم فيه كلام). وها هو كاتب غربي يتبنى الموقف نفسه تقريبا، إذ يتمنى لو كان العرب المسلمون واصلوا احتلال بقية أجزاء أوربا فنقلوا إليها الحضارة.
ألا يمكن للحضارة أن تنتقل بدون عنف؟ ألم تنتقل حضارة المسلمين إلى بلاد لم تدخلها جيوشهم في آسيا وأفريقيا؟ ألا تنتقل الثقافة الغربية (الأمريكية في الغالب) اليوم إلى كل بقاع الأرض عبر شاشات الكمبيوتر والمحمول والتليفزيون والسينما؟ لا شك أن بوسع الحضارة أن تنتقل بدون عنف. ولعل السؤال المثير هنا هو لماذا لم تنتقل الحضارة الإسلامية إلى بقية أجزاء أوربا مع التجارة كما حدث مع مناطق كبيرة في آسيا وأفريقيا؟ ألم ينشأ تبادل تجاري بين مسلمي الأندلس وأهل أوربا؟ ألم يبال المسلمون بالدعوة إلى دينهم؟ لعل المقال يقدم بصيص أجوبة على هذه الأسئلة: فأي تجارة كانت لتنشأ مع بقية أوربا وهي على ماك كانت عليه من تخلف، وأي دعوة أو جهاد يمارسه المسلمون وقد استكانوا إلى نعيم الأندلس.
يبقى من الضروري أن نلفت انتباهكم إلى أن في المقال الذي نقدمه هنا ـ إلا فقرات قليلة ـ بعض الارتباكات فيما يتعلق بالإسلام ونبيه عليه الصلاة والسلام خاصة عند التطرق إلى دقائق مثل مسألة جمع القرآن، وفهم طبيعة "الحديث" النبوي، أو تفسير بعض آياته. وهي أخطاء ـ لا نراها ترمي إلى الإساءة، بقدر ما نراها ظواهر طبيعية تصاحب كل محاولة للفهم. ويبقى من الأمانة أيضا أن نشير إلى أن كاتبة المقال لم تتبع اسم النبي محمد بالصلاة والسلام عليه كما تجدون في الترجمة.


الأندلس
ماذا لو لم تقف الجيوش الإسلامية عند حدود فرنسا؟


جوان أكوسيلا


في عام 610 م، توجه محمد بن عبدالله (ص) ـ وكان رجلا في الأربعين من عمره ينتمي إلى عائلة تجار ثرية في مكة ـ إلى غار قريب يسمى غار حراء لكي يتأمل كما دأب على ذلك مرات كثيرة. غير أن التجربة في ذلك العام كانت مختلفة. فقد ظهر له ملاك وأمسك به وأسمعه كلمات من عند الله. فصعق محمد (ص) وعاد إلى زوجته في البيت صائحا فيها "دثريني". كان يخشى ان يكون عقله قد توهم ما رأى. ولكن حينما عاوده الصوت، آمن بأنه آت حقا من عند الله، فقد كان يدعوه إلى إصلاح مجتمعه: ينبغي للفقراء أن يحصلوا على الزكاة، وينبغي للعبيد أن يلقوا العدل في التعامل، وينبغي للربا أن تختفي. وكان أهل قريش ـ قبيلة محمد (ص) ـ مشركين يعبدون آلهة عدة شأن أغلب أهل شبه جزيرة العرب آنذاك، ولكن الله قال إنه الإله الواحد الذي يعبده اليهود والمسيحيون (وإن لم يكن يسوع ابنه، بل مجرد نبي مثل أنبياء العهد القديم). وها هي كلمة محمد (ص) تأتي لتنسخ ما سبقها، وعقيدته تزيح ما سلف من عقائد، ها هو الإسلام جاء.
حين بدأ محمد (ص) الدعوة في مكة، لم يجد أهله فيه خطرا، ولكن بمجرد أن اجتذب إليه الأتباع، بدأ أهله أولئك يرون فيه تهديدا لهم. كانت مكة في ذلك الوقت مركزا تجاريا مهما، مليئا بالتجار الأثرياء، وإذا بإله محمد (ص) يمنع شتى ألوان التباهي، بل ويأمر بنبذ عبادة الأوثان، وذلك يعني توقف دخل كبير من القرابين التي كانت تقدم لها. في عام 622، اضطر محمد (ص) وأتباعه إلى الخروج من مكة، ففروا إلى يثرب التي أصبحت تعرف بالمدينة ومن هناك حاربوا مدينتهم الأصلية. كان محمد (ص) في أول الأمر يعامل رفاقه في التوحيد من اليهود والمسيحيين باللين، ولكن الأديان الجديدة بطبيعة الحال لا تؤسس أنفسها بعون من الأديان القديمة. وهكذا تآمرت قبائل اليهود ضده. وبعد معركة حاسمة سنة 627م،تعرض سبعمائة يهودي في سوق المدينة للذبح. وفي سنة 630م استولى محمد (ص) ورجاله على مكة. وأمر محمد (ص) بتدمير ثلاثمائة وستين وثنا حول الكعبة، وأعلن سيادة الإسلام، ويقال إنه بعث رسلا إلى حكام فارس وبيزنطة واليمن واثيوبيا داعيا إياهم إلى الإسلام، وإنه قضى السنوات القليلة المتبقية من عمره ـ بحسب ما تروي كارن آرمسترونج كاتبة سيرته الذاتية ـ في إرساء دعائم السلام، وإن كتنت جهوده السلمية تلك لم تلق استحسان نفر من أصحابه في بعض الأحيان.
بعيد وفاة محمد (ص) في عام 632 تم جمع ما أوحى به الله إليه في "القرآن"، وتم جمع شهادات معاصريه عن حياته في "الحديث". وفي الوقت نفسه، توسع الإسلام، بسرعة فريدة في التاريخ. وكان الجهاد من بين التكليفات التي فرضها القرآن على المؤمنين. والجهاد كلمة تترجم إلى "الحرب المقدسة" بالإنجليزية وفي القرآن ما يدعم هذه الترجمة لا سيما توصية المسلمين بقتل أعداء الدين: "قاتلوهم حتى تزول الوثنية ويسود دين الله"* ولكن، وبعد آيات قليلة ينص القرآن على عكس ذلك حيث يقول "لا إكراه في الدين". ويرى بعض المفسرين ـ لا سيما في السنوات الأخيرة التي كثر فيها الكلام عن الحرب المقدسة ـ أن "الجهاد" في حقيقته يعني جهاد النفس، أي أن يجاهد كل مسلم شرور نفسه وغواياتها.
وعلى أية حال، ومهما يكن جهاد خلفاء محمد (ص) لأنفسهم، فقد قاموا أيضا في غضون أربعة وثمانين عاما بعد وفاته (ص) بغزو سوريا ومصر وشمال أفريقيا والأناضول والعراق وفارس. وبحلول بداية القرن الثامن، كان قوات المسلمين تقف في الركن الشمالي الغربي من أفريقيا، وهناك، لم يكن يفصل بينهم وبين شبه جزيرة أيبريا غير مضيق جبل طارق بعرض تسعة أميال فقط، وكان يحكمها القوط وهم شعب مسيحي بذل أقصى الجهد لإبعاد الأديان الأخرى ـ مثل اليهودية ـ عن أراضيه. وثمة أدلة على أن يهود أيبريا دعوا المسلمين إلى الغزو، ففعلوا ذلك في عام 711، وأسسوا ثمة دولة دامت أربعة قرون، وهذه الدولة هي موضوع كتاب ديفيد ليفرنج لويس وعنوانه "اختبار الرب: الإسلام وتكوين أوربا، من 570 إلى 1215".
ينبغي أن نفهم هذا الكتاب في سياق، أو في الحقيقة، في سياقين. السياق الأول هو سياق مابعد الكولونيالية، وأعني الجهود التي قام بها عدد من الدارسين والباحثين بدءا من منتصف السبعينيات لتصحيح التحيزات التي صاحبت وبررت استعمار القوى الأوربية لخمسة وثمانين بالمائة من الكرة الأرضية فيما بين القرنين السادس عشر والعشرين. في تلك الفترة، وبحسب كتاب إدوارد سعيد "الاستشراق" ـ وهو النص المؤسس لفكر مابعد الكولونيالية ـ كانت كتابة تاريخ الشرق الأدنى والأوسط ذراعا من أذرع الإمبراطوريات، يرمي إلى جعل الشعوب غير الغربية تبدو غير متحضرة، حتى تبدو سيطرة الأوربيين عليهم فضلا ومنة. ومنذ سعيد، صار كثير مما يكتب عن مستعمرات أوربا السابقة محاولة لرفع ذلك الضيم.
السياق الآخر الذي تنبغي فيه قراءة كتاب لويس هو بالتأكيد تاريخ الإرهاب منذ نهاية سبعينيات القرن الماضي، وأعني الإرهاب الذي يمارسه من يزعمون أنهم يتبعون تعاليم القرآن. فحين بدأت تلك الموجة، لم يكن أغلب الأوربيين يعرف ماذا يكون العالم الإسلامي. ليس سوى الحريم والأرجيلة والسجاد. بل ولم يكن من السهل تكوين فكرة ملائمة عن الإسلام بعد الهجمات الإرهابية، حيث لم يظهر إلا سيل من الكتب المؤيدة أو المناهضة للإسلام. فهناك مفكرون مرموقون أدانوا الإسلام، ودافع آخرون بأن الأغلبية الساحقة من المسلمين لا تؤيد الإرهاب، في حين أدان بعض المؤرخين محاولة شيطنة الإسلام وكذلك الجهل بالعالم الإسلامي الذي يكشف اليوم عن حماقة سياسية ناهيكم عما فيه من غطرسة. فمضى باحثون إلى مكاتبهم ليدونوا شهاداتهم عن أمجاد الثقافات الإسلامية. حتى أن سلمى خضراءالجيوسي اعتبرت حذف الإسلام من قصة الحضارة الغربية "جريمة تاريخية" حسب ما ورد في مقدمتها لكتابها الرائع "أسطورة أسبانيا المسلمة" الصادر عام 1992 والذي يضم تسعة وأربعين مقالا لا تكتفي بوصف السياسة والدين في أيبريا الإسلامية بل تتجاوز ذلك إلى وصف المدن والمعمار والموسيقى والشعر والخط والطهي.
يأتي كتاب لويس في سياق تلك المراجعات. لقد جاء المسلمون إلى أوربا ـ كما يقول ـ فكانوا "موجة الحضارة الأولى التي تبدو معجزة عضوية مؤلفة من ممالك وثقافات وتكنولوجيات تعمل جميعا في خدمة أجندة سياسية ثقافية أكثر تفوقا" إن قورنت بأعدائها من الشعوب التي صادفتها هناك. لقد أسدى العرب إذن لأوربا معروفا حينما قاموا بغزوها. وهذه ليست بفكرة جديدة، ولكن لويس يمضي بها قدما فيبدي أسفه على أن العرب لم يكملوا غزو بقية أوربا. فلقد كان توقفهم عن التقدم محوريا في إيجاد "أوربا مقسمة متشظية متخلفة اقتصاديا ... وكان توقفهم عن التقدم في بقية أوربا ميزة استفادت منها الأرستقراطية الوراثية والاضطهاد الديني، والحروب المتواصلة ... وكان ذلك التوقف من أفدح خسائر التاريخ وأكثرها تأثيرا فيما تلاها منذ انهيار الإمبراطورية الرومانية". وتلك فرضية لا تنقصها الجرأة.
استولى المسلمون على أغلب أجزاء أسبانيا في أقل من ثلاث سنوات. كان القوط أكثر عددا، ولكن المقاتلين العرب كانوا في غاية المهارة، فكانوا يهجمون وينسحبون ثم يهجون من جديد وكأنهم يراقصون عدوهم. ويبدو في غير موضع أن لويس يرى فيهم المظلوم الذكي، فكأنهم داود أمام جالوت، أو محمد علي أمام جورج فورمن. ويقدم لويس بيانا بأكياس الذهب والفضة والأحجار الكريمة والعبيد والإماء مما أرسلوا إلى خليفتهم في دمشق حاضرة الخلافة. ومن بين ما أرسلوه كذلك رءوس محفوظة في مياه من البحر، رءوس قطعوها عن أجساد نبلاء القوطيين. وفي سنة 714، وصلوا إلى جبال البيرينيه وهي حد إيبريا الشمالي. دانت لهم شبه الجزيرة إذن، وسموها الأندلس.
ذاع خبر الغزو، وتدفق عرب الشرق على ايبريا، جالبين معهم ما كان يختمر بينهم من صراعات، وأهمها العداوة المستفحلة بين عرب الشمال وعرب الجنوب. فكان كل أمير من أول اثنين وعشرين أميرا للأندلس يحكم لفترة لا تتجاوز العامين. ولم تعرف اسبانيا المسلمة الاستقرار ـ أو ما تيسر منه ـ إلا حينما بدأ عهد عبد الرحمن الأول، وهو أمير سوري المولد وصل إلى السلطة عام 756 واستطاع أن يبقى في الحكم حتى وفاته بعد اثنين وثلاثين عاما. عبد الرحمن هذا هو بطل "اختبار الرب". فلويس مغرم به ولا يسميه إلا بلقبه: الصقر. كان عبد الرحمن حاكما قاسيا ـ فقد وصل إلى الحكم بالقوة ـ لكنه أيضا كان قريبا من الناس. فلويس يصفه وهو يمشي في أرجاء عاصمته قرطبة، في ثوب أبيض، غير محاط بالحرس، أو وهو يخطب في الناس في صلاة الجمعة. ولأنه نشأ في أحضان القصر، فقد كان محبا للفنون. وهو الذي أقام المسجد الأعظم في قرطبة، وهو أروع ما بقي من المنجزات المعمارية التي عرفتها أسبانيا المسلمة. وهو الذي زرع في اسبانيا أول نخلة وأول شجرة ليمون، وأول زيزفونة وأول شجرة جوز. وهو الذي جلب إليها أيضا المشمش والحناء والزعفران، فكان ذلك خيرا للتجارة التي ازدهرت في عهده.
وازدهرت مدن اسبانيا، تقطرها قرطبة التي بلغ عدد سكانها في ظل حكم عبد الرحمن نحو مائة ألف نفس. يصف لويس الحاضرة التي تركها الأمير لخلفائه بقوله: كان القصر جديدا، مكتملا، عندما أمر الصقر بوضع أساس مسجد الجمعة. وعلى بعد خطوات توجد الحمامات العمومية. وبالقرب منها سوق المدينة، حيث تباع بأسعار محددة السلع الأساسية مثل الخبز والخضراوات والفاكهة والزيت ولحم الضأن، والسجاد الفارسي والأدوات المعدنية الدمشقية، والحرير الصيني، والجلود والمجوهرات والعبيد وكثير مما يأتي ضمن نشاط الاقتصاد الإسلامي العالمي ... وكانت شارع المدينة يسير غير متبع نمطا خاصا محاذيا لنهر جوادلكفير واصلة أحياء اليهود والبربر الكاثوليك والأورثوذكس والعرب والمولدون وغير العرب ممن دخلوا في الإسلام، وكانوا جميعا يعيشون كأنما في عوالم منفصلة. وكان الصيادلة السفرديم والحدادون القوطيون والجراحون الإغريق يقدمون خدماتهم في ذلك الشريان الشيق الطويل. وكانت روائح أشجار البرتقال والليمون تملأ الأجواء. وخارج المدينة يمتد السهل ترويه السواقي، وتملؤه محاصيل الغلال كالقمح والشعير وتبرقشه أشجار الزيتون حتى نهاية الأفق". حتى لتتمنون لو تهاجرون إلى هناك.
كان عبد الرحمن مؤسس الكونفيفينسيا في أسبانيا المسلمة. ولو أننا ترجمنا تلك الكلمة ترجمة حرفيا لقلنا إنها تعني "التعايش برغم الاختلافات"، وهذه الفكرة هي مركز "اختبار الرب". وإنني أتصور أنها السبب الذي جعل لويس يختار أن يكتب عن أسبانيا المسلمة. فهو ليس عروبيا. وإنما هو مشهور بالسيرة الذاتية التي كتبها للشاعر الأفروأمريكي دبليو إي بي دوبوا وصدرت في جزأين في عامي 1993 و 2000 فنال عن كل جزء منهما جائزة بوليتزر. ولكن ذلك الكتاب ـ إذا لم يكن عن العرب ـ فهو عن العدالة العرقية، ومن أجل تلك العدالة ينال عبد الرحمن كل ذلك الإعجاب من لويس. وعلى الرغم من ذلك يوضح لويس أن تلك الكونفيفينسيا كانت لها حدودها. فهي لم تكن فقط نزعة إنسانية، أو التزاما بتعاليم القرآن ـ "لا إكراه في الدين" ـ أو مظهرا من مظاهر التحضر، بل كانت نوعا من البرجماتية السياسية. لقد كانت ايبريا فسيفساء عرقية ودينية. ولم يكن سوى التسامح ـ وهو ما نسميه اليوم بالتعددية الثقافية ـ سبيلا إلى جمعهم معا، وليس الإدخال القسري في الدين. والأهم من ذلك أن الكونفيفينسيا لم تعن قط التساوي التام. ففي السنوات الأولى فرضت محاذير على اليهود والمسيحيين، إذ كان عليهم ارتداء شارات هوية، والصلاة في صمت، ولم يكن يسمح لهم باتخاذ منازل أعلى من منازل المسلمين، والأهم من ذلك كله أنهم كانوا ملزمين بدفع ضريبة باهظة تسمى الجزية، ومع الوقت تبدد كثير من هذه القيود (ولم تكن بينها الجزية)، وصار مسموحا لليهود ـ على نحو خاص ـ بالخدمة العامة ككتبة وموظفين ومستشارين. فعلموا المسلمين إدارة الحكومة، حسب ما يكتب لويس. ويقول المؤلف إن العصر الذهبي للأندلس كان أيضا العصر الذهبي لليهود السفرديم. فحتى الذين لم يحظوا بوظائف مرموقة كانوا بلا شك يؤثرون الشارات والجزية على التغيير القسري لدينهم أو الموت. وفي النهاية اعتنق كثير من اليهود والمسيحيين الإسلام، ولعل ذلك كان لتفادي دفع الجزية في كثير من الحالات. فإذا كان أغلبية أهل ايبريا في نهاية القرن الثامن من المسيحيين، فقد أصبحت الأغلبية بعد مرور مائتي عام من المسلمين.
لم يحكم المسلمون قط شبه جزيرة أيبريا كاملة. فقد بقيت بعض المناطق ـ لا سيما في الشمال ـ مستقلة أو متحالفة تحالفات هشة مع إمارة المسلمين، وكانت تعاود الثورة كل حين. وكان هناك أيضا شقاق بين المسلمين. فلم يكن المسيحيون واليهود فقط هم الذين يلقون معاملة لا تقوم على المساواة، بل هكذا كان حال جميع غير العرب، ومن بينهم بربر شمال أفريقيا الذين ضم العرب أراضيهم إلى امبراطوريتهم في مطلع القرن الثامن والذين جاءوا معهم إلى أسبانيا. وكان بربر أيبريا مسلمين، وكانوا أفضل مقاتلي الإمارة (ويكفي أن طارق بن زياد قائد غزو أيبريا كان منهم وكذلك سلاح الفرسان في جيشه)، وكانوا يفوقون العرب عددا في أسبانيا، ولذلك كله فقد عافت نفوسهم وضعية الدرجة الثانية، فكان حتما على الأمراء طوال تاريخ الأندلس أن يتعاملوا مع ثورات البربر، ومن بين الأسباب التي حدت بالعرب إلى معاودة القتال هو أن اعتناق الإسلام ـ وما يستتبعه من تحرير المعتنقين من التزامهم بدفع الجزية ـ كان يؤثر سلبا على الخزانة، فكان على الأمراء أن يجدوا مزيدا من الكفرة لدفع الجزية، هذا إلى جانب أنهم مأمورون أساسا بالجهاد، وأنهم لم يهدفوا قط إلى التوقف عند حدود جبال البيرنيه، ففي عام 732 ـ أي بعد واحد وثلاثين عاما من دخولهم أيبريا ـ عبروا تلك الجبال الشاهقة ونزلوا إلى الجانب الآخر.
وكانت المملكة التي نزلوا لغزوها هي مملكة الفرنجة وتضم تقريبا ما يعرف اليوم بفرنسا وبلجيكا وأقساما من غرب ألمانيا، وكانت تحت حكم شارل المطرقة أو شارل مارتل بالفرنسية. خسر المسلمون بعض الاشتباكات وانتصروا في بعض، ولكن ثورة البربر في الأندلس أرغمتهم على العودة. وفي عام 778، قام الفرنجة بقيادة حفيد شارل مارتل ويدعى شار الأول العظيم أو شارلمان بالانتقام. وشارلمان بطل آخر في عيني لويس ـ بعد عبد الرحمن ـ وليس ذلك فقط لعبقريته العسكرية وإنما لحسن خلقه وأناقته، لدرجة أن لويس يخبرنا ثلاث مرات أن ذلك الملك الفرنجي كان طوله أكثر من مائة وتسعين سم، ويصوره لنا فحلا ضخما أشقر الشعر، أزرق العباءة، واسع الخطى، ولو أن الفرنجة كانوا بدائيين فإن الشعوب التي غزاها شارلمان من ساكسون إلى لومبارديين إلى أفاريين كانوا أشد بدائية، فإذا بملكهم(غازيهم) الجديد يطورهم، فيفرض على القساوسة العفة، ويحرم سفاح ذوي القربى وكان فيما يبدو ممارسة شائعة بينهم. ولكي يطور ثقافة الفرنجة أقام مدرسة القصر فكانت مؤسسة تعليمية وبحثية استجلب إليها المثقفين ليعملوا فيها، ولكن جهودها كانت محدودة إذ كان تواجده معظم الوقت في الميدان. ولم يكن جيران شارلمان ليستسلموا له بسهولة، خاصة وأنه ـ على العكس من المسلمين ـ كان يجبرهم على اعتناق المسيحية. ولذلك فحينما كان الرجل ينتهي من الغزو، كان يجد نفسه مضطرا لإعادة الغزو. وذلك ما جعله ينهي حملته الأسبانية، فبعد شهور من استهلاله إياها، بلغه أن الساكسون ثائرون فكان عليه أن يرجع إلى وطنه.
كان عبد الرحمن وشارلمان مؤسسين بالدرجة الأولى، لم تؤت جهودهما ثمارها إلا بعد وفاتيهما (عبد الرحمن في عام 788 وشارلمان في عام 814). ولكن النضال الذي خاضه كل منهما يشكل مركز الدراما الإنسانية في كتاب لويس، بحيث أن انتهاءه من سرد ما يتعلق بهذا النضال يفقد الكتاب سخونته، وليس هناك مفر من ذلك في حالة مملكة الفرنجة بالتحديد. فلم يمض ثلاثون عاما على وفاة شارلمان، حتى انقسمت الإمبراطورية التي أسسها إلى ثلاثة أقسام، نال كل من أحفاده قسما منها. وفي الوقت نفسه قام الفايكنج بغزوهم، فلم تملك الإمبراطورية المقسمة أن تقاومهم، ولم ينته القرن التاسع إلا وقد أصبحت مملكة الفرنجة أثرا بعد عين. "وطرد المزارعون من أرضهم" كما يقول لويس "وخيمت على الآفاق الكنائس والأديرة المعتمة، ولم يكترث الفايكنج بمدرسة القصر، فهم ـ كما قال عنهم سفير مسلم ـ أقذر شعب خلقه الله، إنهم لا ينظفون أنفسهم بعد التغوط، وكأنهم جحوش برية".
أما الأندلس فكان موتها أبطأ. فلم يتقدم إليها الفايكنج، وإن تولى أمرها بربر ايبريا كالمعتاد بهجماتهم من مناطق الشمال المسيحية، وبربر شمال أفريقيا الذين جاءوا في البداية بهدف الدعم ثم استولوا على السلطة. وحين جاء هؤلاء البربر من شمال أفريقيا، جاءوا ومعهم إسلام أكثر تزمتا مما عرفته أيبريا من قبل. وبين مطرقة هذا التزمت، وسندان الثورات البربرية، تبددت أسطورة التعايش بين الأعراق والديانات المختلفة، وفي تلك الفترة لم يكن قادة الجيوش من العرب الذي أرخت الرفاهية سواعدهم، فمالوا إلى رغد العيش، وما عادوا يقبلون على حرب لا يجد المرء فيها وجبة طيبة أو حماما دافئا. (يذكر أن مسلمي أسبانيا كان لديهم إحساس عال بالنظافة الشخصية فكانوا يستخدمون فرشاة الأسنان ومزيلات العرق). فلزموا بيوتهم، وباتوا يرسلون البربر والأفارقة والعبيد لخوض حروبهم، فكانوا يخوضونها بقدر أقل من الحكمة، وقدر أكبر من القسوة، مقارنة بالعرب أنفسهم. وهنا يسجل لويس ملاحظة مؤسية: كلما ازداد شعب رقيا، كلما ازداد ضعفا.
عاما بعد عام، تلاشت الحياة الرغدة. وبدأ حرق الكتب وبدأت المذابح. وصارت الثورات والانتقامات تحدث انتشاء بممارسة العنف. وعندما تم غزو قرطبة ـ في عهد محمد الثاني ـ على يد مطالب بالعرش، إذا بالبربر في جيش الغازي يغتصبون النساء وينهبون المدينة ويهدمون مبانيها البديعة ومنها قصر عبد الرحمن (ولكنهم لم يمسوا المسجد الأعظم). وبعد عشرين عاما انتهت الخلافة الأيبيرية، وانقسمت شبه الجزيرة إلى طوائف أو مماللك صغيرة حكمها ملوك قساة. وفي ذلك الوقت، بدأت جهود المسيحيين الجادة لاستعادة أسبانيا. سقطت طليطلة واستولى عليها ألفونسو الرابع ملك ليون وكاسل الكاثوليكي في عام 1085، ثم مرت أربعة قرون قبل أن يتم طرد آخر أمير من غرناطة عام 1492، ولكن لويس يعبر هذه القرون بسرعة، وكأنه لا يريد أن يتحدث عنها.
وبدلا من الخوض في ذلك، يركز على إسهام أسبانيا المسلمة في مجال التعليم والذي بلغ ذروته في الوقت الذي كان الوضع السياسي في انهيار. استمرت العمارة مزدهرة (كما يتبين من الحمرا في غرناطة والتي بدأ العمل فيها في القرن الثالث عشر) وكذلك الموسيقى والشعر والعلوم والرياضيات، فبفضل أسبانيا المسلمة لم نعد اليوم مضطرين إلى احتمال صعوبات الأرقام الرومانية. وانتقلت تقنية صناعة الورق من الصين إلى الأندلس. وكان في مكتبة قرطبة أربعمائة ألف كتاب. ولكن أبقى منجزات الأندلس الثقافية كان ترجمة وشرح النصوص الإغريقية القديمة. ففي القرن العاشر أشرف الفيزيائي حسدان ابن شبروط على الترجمة العربية لكتاب الطب الإغريقي الذي وضعه ديوسكريدوس وكان جراحا في الجيش اليوناني في القرن الأول. وقد ظلت الترجمة اللاتينية لتلك الترجمة مرجعا طبيا أساسيا حتى عصر التنوير. وفي القرن الثاني عشر كتب ابن رشد شروحه لأرسطو، ووضع موسى بن ميمون كتابه "دلالة الحائرين" الذي تأثر فيه بأرسطو. وقد أخذ كل من الفيلسوفين على عاتقه مهمة المصالحة بين العقل والإيمان، ومهمة إثبات وجود الله. وهي المهمة التي قامت بها في العالم المسيحي فلسفة السكولاستيين وعلى رأسهم توما الاكويني الذي كانت كتاباته أساسا للفلسفة الأوربية بدءا من القرن الثالث عشر وحتى السادس عشر. وكان الاكويني قد اعتمد بدوره على قراءة ابن رشد لأرسطو. وهكذا فإن الثقافة الغربية خرجت من رحم الثقافة الإغريقية لأن باحثي الأندلس نقلوا الفكر الإغريقي إلى أوربا الغربية.
غير أن هذا الفكر نفسه أصبح مصدر خطر في أسبانيا بحلول القرن الثاني عشر. (تم إحراق كتب ابن رشد، وبعضها ضاع كلية). وكانت الخطورة أكبر على اليهود من أمثال ابن ميمون الذي مات في المنفى وهو يلوم وطنه لنبذه كل ما هو ليبرالي. وبموت هذين الرجلين (ابن رشد وابن ميمون) تحل العتمة على "اختبار الرب".
ومن الغريب أن لويس الذي يثمن الثقافة كثيرا في التجربة الأندلسية، لا يتيح لها مساحة أكبر في كتابه. فليس لابن رشد وابن ميمون سوى سبع صفحات فقط، وتلك مساحة بالغة الهزال في ضوء أهمية الرجلين. كما أن لويس لا يكترث كثيرا بالفن، ففي معرض وصفه لقصر الزهرة الفاتن الذي بناه عبد الرحمن الثالث في القرن العاشر فإن تركيزه الأكبر لا ينصب على القيم الفنية والجمالية، بل على الأثر السياسي، من قبيل ما كان يتركه القصر من رهبة في أنفس زواره، وما يسببه لهم من إحساس بالدونية، أمام عظمة الخليفة. وكذلك يكاد يغيب عن الكتاب تناول التاريخ الاجتماعي، فلا يشعر قارئ الكاتب بمعنى أن يكون المرء مواطنا أندلسيا، سواء كان غنيا أو فقيرا، وليس في الكتاب تناول جيد لدين الدولة، وذلك أغرب ما في كتاب عن الثيوقراطية. ولعل بوسعنا القول إن "اختبار الرب" يتناول أساسا القتال والحكم. ويحق للويس هنا أن نذكر له مقدرته على جعل الحرب موضوعا مثيرا ("خرج الفرسان مثقلين بالسلاح ... فشنوا الهجوم وهم يهتفون: الله أكبر، قاطعين التل، مخترقين الطريق الروماني، في هالة من البخار المتدافع من أنوفهم في البرد القارس، مختفين أو يكادون خلف وابل من السهام المندفعة"). كما أننا نجد لديه أيضا محاباة لسبل انتقال السلطة. فالكتاب يجعلنا نعرف كيف أن بيبان الثاني ـ وهو والد شارل مارتل ـ أفاق نفسه من غيبوبة ليصدر أحكاما بالإعدام بحق المتنازعين على العرش، وما أن فعل ذلك، حتى عاد إلى الغيبوبة ومات. كما يمنحنا لويس أيضا أجمل الألقاب لملوك قصته، فلا يقتصر الأمر على شارل المطرقة، إذ إن هناك أيضا بيرتا كبيرة القدم (والدة شارلمان). ومن مزايا لويس أنه قصاص بارع، فإذا كنا لا نكاد نعرف شيئا عن الرهبان الذين كتبوا تاريخ عصور الظلام من وجهة النظر الأوربية، فإن لويس يتخيل مؤرخا من هؤلاء في كنيسة سان دينيس، خارج باريس، في ليلة باردة، في مطلع القرن الثامن، حيث "أضاف إلى إبريق النبيذ عسلا أو قرفة وهو جالس إلى المدفأة في غرفة معبأة بالدخان، وعيناه مجهدتان، والريشة تنتقل بين المحبرة والقرطاس مسجلة زخم الأحداث". كأنها سينما. وأخيرا فإن لويس بارع في إحكام البناء السردي. فكل من يريد أن يكتب تاريخ أسبانيا الإسلامية مضطر إلى الإلماح إلى تاريخ الإمبراطورية الرومانية، والإمبراطورية البيزنطية، وإمبراطورية الفرنجة، والإمبراطورية الإسلامية التي حكمت الشرق قبل حكم العرب لأيبريا وأثناء ذلك. ولويس يقدم كل هذا بمهارة فائقة، إذ يتنقل بين الحكومات كما لو كان يؤدي على المسرح رقصة حفظ خطواتها عن ظهر قلب.
يبدو على طول صفحات الكتاب أن لويس عاجز عن التوقف عن المقارنة بين المسلمين والفرنجة لإظهار أن الأخيرين كانوا أقل تحضرا، فقد كان المسلمون يقيمون المدن، والفرنجة يعيشون في الأدغال، وكان لأمراء المسلمين قصور من المرمر، ولملوك الفرنجة بيوت من خشب، والمسلمون يتنقلون على ظهور الخيل، بينما الفرنجة في عربات بدائية تجرها الثيران، وللمسلمين عملات فضية، وتجارة في الحرير والتوابل، بينما غاية القول في اقتصاد الفرنجة هو أنه كان "أفضل قليلا من اقتصاد العصر الحجري الحديث". وكان علية القوم من المسلمين يترددون على المحافل التي يستمعون فيها إلى الشعر ويناقشون الجديد من الأفكار، على عكس بيبان القصير ـ والد شارلمان ـ الذي كان يستقبل السفراء في غرفة تملؤها "الفراء، والأسلحة، والكلاب، والعظام، ودنان الخمر الملقاة".
وبرغم أن لويس لا يبالغ في حديثه عن بعض الممارسات الغربية التي تبدو غير عادلة في عيوننا مثل الغزو والاستعباد وقهر النساء، وهي جميعا ممارسات طبيعية في العصور المظلمة، ولكنه يفعل هذا أيضا مع المسلمين، هذا عندما يجد في نفسه القدرة على تناول مثل هذه الممارسات لديهم. يقول لويس إن المسلمين ـ على العكس من غيرهم ـ كانوا لا يستعبدون شركاءهم في الدين، وإنما الكفار فقط. (وما الذي يجعل ذلك أفضل؟) أما بخصوص المحاذير المفروضة على المرأة ـ وهو موضوع ملتهب في أيامنا هذه ـ فيعترف لويس بأنهم كانوا في ذلك الشأن أقسى من الفرنجة، ولكنه يعتقد أن محمدا (ص) لم يدع إلى هذه القسوة وأن القرآن أرحم بالمرأة من التوراة والقديس بولس. حينما يقوم المسلمون بتعذيب الكفار، يقول لويس إن ذلك "من المظاهر المؤسفة المصاحبة لإقامة الدول". وحينما تسقط مدن المسلمين، لا يشير لويس إلى أن الجهاد كان بانيها، ولكنه يشير فقط إلى أن جهاد المسيحيين كان سبب سقوطها. أما السبب الذي يجعل لويس ينهي كتابه في عام 1215 فهو أن ذلك العام شهد إرسال البابا إنوسنت الثالث لحملة صليبية كانت تجسيدا للتعصب الديني الذي نشأ في أوربا ـ في رأي لويس ـ كرد فعل لما قام به المسلمون وامتد أثره على كثير من دول العالم لقرون تلت.

* آثرنا أن نقدم ترجمة حرفية للترجمة الإنجليزية، على أن نردها إلى الأصل القرآني وهو ـ على الأرجح ـ من سورة البقرة ونصه "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله"