الاثنين، 18 فبراير، 2008

قيلولة العلم الإسلامي

قيلولة العلم الإسلامي
هل حقا توقف التقدم العلمي في العالم الإسلامي عند القرن الثاني عشر؟


روبرت إرون


هل هناك مشكلة بالفعل؟ لو أن أصدرنا حكمنا بناء على ما نشره ملحق التايمز الأدبي في يناير وفبراير من عام 2007، لقلنا إن هناك مشكلة بالفعل. ففي مقال نشر في التاسع عشر من يناير حول كتاب "وهم الرب" لريتشارد داوكنز، كتب عالم الفيزياء الحاصل على جائزة نوبل ستيفن واينبرج منكرا حدوث أي تطور علمي في العالم الإسلامي بعد وفاة العالم والصوفي [أبي حامد] الغزالي عام 1111. وردا عليه، كتب أستاذ تاريخ العلوم جيمس راجب مقدما بصورة أقرب إلى العمومية جميع أوجه التطور التي شهدها العلم في العالم الإسلامي بعد وفاة الغزالي. ثم رد واينبرج، منكرا أو مقللا من شأن بعض الأمثلة التي ضربها راجب مثل الدورة الدموية في الرئة، أو التصور ما قبل الكوبرنيكي للنظام الشمسي وكلاهما مثالان على الجهود الإسلامية. وفي معرض تأكيده على أن العلم في العالم الإسلامي لم يحقق شيئا يذكر فيما بعد القرن الثاني عشر، انتهى واينبرج بنقل مقتطف من دراسة مسحية ترجع إلى عام 2002 قامت بها مجلة نيتشر التي "حددت ثلاثة مجالات علمية تبرع فيها الدول الإسلامية: تحلية المياه، الصيد بالصقور، تناسل الإبل".
من الواضح أن الأمر هنا يتعلق بما هو أكثر من مجرد التأريخ لتقدم العلم. إذ أن هناك مفكرين أوربيين منذ القرن التاسع عشر ـ مثل إرنست رينان ـ يرون أن هناك من الساس تعارضا بين النظرة العلمية والإسلام، وأن انفجارة الترجمة والمكتشفات العلمية قامت على أيدي غير العرب، بينما عمد الإسلام ـ مع تنامي صرامته وتصلبه ـ إلى الحد من التفكير العلمي والتأملي. ومنذ القرن التاسع عشر يتساءل المؤرخون عن السبب الذي منع التطور العلمي في الأراضي الإسلامية بين القرنين الثامن والحادي عشر من إفراز تطور صناعي أو علمي. وقد يروق لبعض المسلمين أن يبحثوا لدى هؤلاء المؤرخين عن أجندة معادية للإسلام. ولكن الثورة الصناعية ـ في نهاية الأمر ـ لم تحدث في أي مكان بالعالم إلا أوربا، ومن ثم فقد يحتاج المرء إلى توضيح خصوصية ما في التاريخ الأوربي، بدلا من البحث عن الكابح للعالم الإسلامي. وقد أصدر مظفر إقبال ـ وهو عالم شهير وباحث إسلامي مقيم في كندا ـ كتابا عن العلم والإسلام يتناول العصور الوسطى دون أن تكون له علاقة بتربية الإبل أو الصيد بالصقور. وهو في كتابه هذا يتعامل مع الأفكار الخاطئة والبالية المتعلقة بتاريخ العلم بصورة لا خلاف على عنفها وسخريتها اللاذعة. والكتاب أقرب إلى الحوارية منه إلى التاريخ ومن ثم فهو يشجع على الحوار. ومن بين الأهداف التي يرمي إليها الكتاب تأكيد فكرة أن العلم الإسلامي كان أكثر قليلا من مجرد نسخة من العلم الإغريقي القديم، يقول إقبال إن "كثيرا من مؤرخي العلم يميلون إلى اعتبار القرون الثمانية من النشاط العلمي في العالم الإسلامي مجرد (جراج) استراح فيه العلم الإغريقي، ثم انطلق منه إلى حيث استردته أوربا فيما تلا ذلك من قرون".
يبين الكاتب أن الحركة العلمية العربية في القرن الثامن كانت أسبق من حركة الترجمة التي شهدها القرنان التاسع والعاشر. ويلفت النظر إلى نشوء نوع جديد من الأدبيات يسمى "الشكوك" ويعنى بالتشكيك فيما انتهى إليه الإغريق، ولا يصعب على الكاتب قط أن يورد حالات ونماذج لعلماء مسلمين طوروا أو فندوا أو اختبروا أفكارا إغريقية. وعلى جودة المصادر التي يعتمد عليها إثباتا لوجود تلك التطورات العلمية الإسلامية المبكرة، إلا أن الحكمة تخون إقبال حينما يعتمد على كتابات جابر ابن حيان(721 تقريبا ـ 815).
فالذين لا يعرفون عن جابر إلا اسمه كعالم قديم، قد لا يكونون على معرفة بالكنوز الغريبة الوفيرة التي توجد في كتاباته المتنوعة والمدهشة: المني مكون أساسي في إكسير الحياة، مني الطائر لازم لإنتاج إنسان مجنح، صورة الخزاف في الفراش تمنع النوم طول الليل، صورة شخص يقتل الثعابين إذا رسمت بحبر سحري فإنها تقتل الثعابين فعلا، هناك سمكة اسمها "طبيبة البحر" في رأسها حجر بوسعه أن يشفي جميع الأمراض، الشعر يتعفن فيصير أفاعي، يمكن حبس الأرواح الشريرة في التماثيل. في كتاب تذكاري عن جابر ابن حيان بعنوان تاريخ الإسهام الفكري العلمي للإسلام" قام باول كراوس (1904 ـ 1944) ـ وهو عبقري انتحر مبكرا ـ بدراسة مسحية لكتابات جابر ابن حيان التي شملت الجنس، والكيمياء، وفن الحرب، وصناعة الطلاسم، والتقنيات الفنية، والمناظرات الدينية، والنحو، والموسيقى، والأحبار السرية، والجيل الصناعي من البشر وغيرها كثير. وقد بين كراوس أن هذه الكتابات ليست نتاج يد واحدة. والأهم أن كثيرا من الرسائل المؤرخة في أواخر القرن التاسع وأوائل لقرن العاشر تحتوي دعاية شيعية متطرفة. وإقبال يعلم بأمر النتائج التي توصل إليها كراوس، لكنه يرفض بغرابة أن يناقشها، ويواصل معاملة جابر باعتباره شخصا حقيقيا عاش على هذه الأرض وكتب عدة مئات من الرسائل المتنوعة. وإقبال بصورة عامة، يتجاهل تغلغل التفكير السحري في العلم الإسلامي. وعندما يكتب عن الفلك، فإنه يشير عرضا إلى أدبيات "عجائب المخلوقات"، في حين أن الرسائل التي رجعت إليها بنفسي بعيدة كل البعد عن العلم، وتشترك في كثير من السمات مع خرافات "صدق أو لا تصدق".
ولكن إقبال ينجح بقوة حينما يذهب إلى أن "القرآن نفسه يضع تصورا محددا وشاملا للعالم الطبيعي، وأن ذلك قام بدور تأسيسي في إقامة التقاليد العلمية في الحضارة الإسلامية". فالإيمان كان دافعا للعلماء المسلمين لا عائقا. والقرآن يأمر الإنسان بدراسة خلق الله. وقد كتب عالم الفلك الذي عاش في القرن الحادي عشر [أبو الريحان] البيروني: "جُعل البصر آلة للإنسان يتتبع بها في المخلوقات العلامات والحكمة، فينتقل من المخلوقات إلى الخالق". وعلى مستوى أكثر عملية، كان ثمة اهتمام بعلمي الفلك والرياضيات، وتطوير لهما، وإسهام منهما في بناء المساجد وتوجيهها نحو القبلة، وتحديد مواقيت الصلوات وتوزيع المواريث وفقا للقانون الإسلامي.
من الغريب أن يقع الاختيار على حياة الغزالي وكتاباته لتكون علامة فارقة في تاريخ العلم الإسلامي. غير أن المستشرق المجري المهم إجناز جولدتسيهر يقول في مقال نشره عام 1915 إنه كان ثمة عداء مستحكم منذ البداية بين العلوم القديمة والإسلام المتزمت. فقد كانت المؤسسة الدينية المحافظة تتعامل بشك مع الذين يدرسون تلك العلوم، ويقول جولدتسيهر إن "تهافت الفلسفة" للغزالي لقي قبولا لدى المجتمع الإسلامي بوصفه دحضا لمقدرة العلم. وبعد الغزالي، عم الظلام الفكري العالم الإسلامي.
ومع أن إقبال يسيء تقديم جولدتسيهر حين يعتبره معاديا للإسلام، إلا أنه ـ أي إقبال ـ يصيب حين يذهب إلى أن "تهافت الفلسفة" لم يكن في الحقيقة هجوما على العلم كما زعم جولدتسيهر. فالغزالي في اقع الأمر كان واضحا في قبوله بالرياضيات والطب، وما عني بدحضه وتفنيده فلسفيا لم يكن إلا مبدأ السببية الذي اعتنقه ابن سينا وفلاسفة آخرون. فالله ـ عند الغزالي ـ هو السبب الحقيقي لكل ما يحدث. ومبدأ السببية الذي اعتنقه الفلاسفة ممن انتقدهم الغزالي لم يكن إلا فكرة توصل إليها بعض الناس بناء على ما رأوه ولاحظوه. ومهما يكن ظن المرء في رأي الغزالي في السببية (التي أتاحت المجال أمام حدوث معجزات) فإن من الصعب علينا أن نتخيل المجتمع العلمي في القرن الثاني عشر وقد أصابه الشلل بمجرد أن ظهر التهافت.
والأهم من ذلك، أن ثمة تطورات علمية مهمة قد حدثت فيما بعد القرن الثاني عشر. فهناك ـ على سبيل المثال ـ ابن الشاطر (توفي 1357) الذي قام بتحسين النموذج البطلمي للنظام الشمسي بحذفه لما فيه من غرائب، ونموذجه لتعاقب الشمس الذي سبق فيه كوبرنيكس. وهناك أيضا [غياث الدين بن مسعود بن محمد] الكاشي (المتوفى 1429) والذي ابتكر العديد من الأدوات الفلكية وبالإضافة إلى ذلك توصل إلى أول نظام للكسور العشرية وكذلك إلى طريقة للتوصل إلى الجذر الأقصى للعدد. ومع أن جانبا كبيرا من المؤسسة الدينية كان معاديا للكيمياء، بسبب التوافه المخادعة التي كان يكتبها الكيميائيون، إلا أن ذلك الموقف لم يكن سيئا (فكثير من العلماء والأطباء والفلاسفة انضموا إلى المؤسسة الدينية في رفضها لتلك الممارسات). أما فيما عدا ذلك من مجالات، فلم يكن ثمة صراع بين الإسلام والعلم في الحقبة ما قبل الحديثة، كما يبين لنا إقبال.
وتبقى مشكلات. لماذا يوجد انهيار علمي واضح فيما بعد القرن الخامس عشر، ولماذا لم يشهد العالم الإسلامي ثورات علمية وصناعية؟ وبرغم أن إقبال يتميز بالوضوح والقدرة على الإقناع في رأيه بأن الإسلام لا يمكن أن يلام على ذلك، إلا أنه لا يقدم أية إجابات، ويتبنى الرأي العقلاني القائل بأن المجال لا يزال بحاجة إلى الكثير من البحث، بحيث لا يمكن الآن تقديم أي نوع من الإجابات، ولو حتى الإجابات المؤقتة. وبالطبع لا تزال هناك حاجة إلى عقود من البحث. وبالطبع أيضا، هناك الكثير من قراء ملحق التايمز الأدبي ممن لا يطيقون صبرا إلى حين يظهر نتاج ذلك البحث. ولذلك أتصور أن انتشار المدارس ـ أي مؤسسات التعليم الديني ـ في عموم الشرق الأوسط في أواسط وأواخر العصور الوسطى قد أدى إلى نوع من تضييق الآفاق الفكرية. ففي حين واصل العلماء البحث والنشر، إلا أنهم لم يؤسسوا أوساطا علمية كالتي انتشرت في أوربا الغربية في القرن السابع عشر. كما أن الشرق الأوسط فقير إلى الموارد اللازمة لنشوء ثورة صناعية، إذ ينقصه الحديد والنحاس والخشب، بين موارد أخرى كثيرة، كالأنهار التي يمكن أن تستخدم لأغراض تصنيعية. يضاف إلى ذلك الرضا الذاتي الذي خدر العثمانيين والصفويين والمغول وأصاب امبراطورياتهم جميعا بالشلل (وهو نوع من الرضا عن الذات نجد شبيها له لدى الأسبان والبرتغاليين في الحقبة نفسها). والحقيقة أنه كان ثمة ما يدعو إلى الرضا عن الذات كما يبين لنا إقبال "ففي مطلع القرن الثامن عشر كان الشرق الأوسط كله، وشطر كبير من أفريقيا، والحزام الأوسط في آسيا وجزر المالاي، كانت خاضعة لسيطرة المسلمين". وهو الوضع الذي سرعان ما تغير بضراوة.
ويصل إقبال إلى ذروة الحدة حينما يتكلم عن العلاقة بين الإسلام والعلم في القرنين المنصرمين. حيث يقدم سردا فاتنا لنشوء نوع من التفسير المتخصص في بيان أن القرآن قد سبق علم الأجنة الحديثة ونظرية تمدد الكون. حتى لقد ذهب الباحث التركي سعيد نورسي (1877 ـ 1960) إلى أن في القرآن إشارات إلى السكك الحديدية والكهرباء.
يصف إقبال لقاء العالم الإسلامي بالعلم الغربي بدءا من عام 1950 باعتباره "صحوة من قيلولة قروسطية". ويرى أن الدول الإسلامية الحديثة تنتج "صورا كاريكاتيرية للعلم الغربي" ملاحظا ـ وإن يكن بقدر طفيف من المبالغة ـ أن "جميع الدول الإسلامية تقريبا فيها وزارات للعلم والتكنولوجيا لا تكف عن إصدار بيانات المطالبة باستجلاب العلم الحديث، في حين لا تقوم أي من هذه الدول البالغ عددها سبعا وخمسين دولة بإنتاج أي علم يستحق اسم العلم، وأن معظم العلماء المسلمين الأكفاء يعيشون خارج هذه البلاد".
وفي حين أجد إقبال قادرا على النقد النافذ لكتابات أمثال جولدتسيهر وجورج سارتن وديميتري جوتاس، فإنني مندهش للغاية من تسليمه الأعمى بالفلسفة الأبدية التي اعتنقها أتباع رينيه جونون (توفي 1951) وفيرتسوف سكون وكلاهما اعتنق الإسلام. وتلك ـ أي الفلسفة الأبدية ـ عقيدة لا خلاف على غنوصيتها ونخبويتها وغرائبيتها وكراهيتها للنساء، ويمينيتها ومعاداتها لنظرية التطور، ولاعلميتها في النهاية. وعلى الجانب الآخر، نجد أن إقبال يقسو في بعض الأحيان على المستشرقين في الغرب. فليس صحيحا أن أغلب ترجمات القرآن إلى اللغات الأوربية مستقاة من الترجمة التي قام بها روبرت كيتن في القرن الثاني عشر. فهناك الترجمتان العظيمتان اللتان قام بهما في القرن السابع عشر لودوفيكو ماراكسي وآندرو دو راير. وقد اهتدت هاتان الترجمتان بالتفاسير الإسلامية. وهناك ترجمة القرن الثامن عشر التي قام بها جورج سيل معتمدا على ترجمة ماراكسي وموليا اهتماما كبيرا للتفاسير الإسلامية. فالاستشراق مدين للبحث الإسلامي بأكثر مما يدرك أغلب المسلمين.

* صدر لكاتب المقال في عام 2006 كتاب بعنوان "شهوة المعرفة: عن المستشرقين وأعدائهم"، وهو المحرر المسئول عن الشرق الأوسط في ملحق التايمز الأدبي