الخميس، 31 يناير، 2008

في الظاهرة الجبرانية

أيام قليلة فصلت بين مقالين نشرا في اثنتين من كبرى المجلات الأمريكية، أحدهما نشر في السابع من يناير الحالي في مجلة ذي نيويوركر، وهو المقال الذي تجدون ترجمته الكاملة على هذه الصفحة، والثاني نشرته مجلة ذي نيو كرايتريون لأنطوني دنيال في عدد ديسمبر من عام 2007 وكان بعنوان "النبي الزائف". كلا المقالين يتخذان من جبران خليل جبران موقف رفض، أو اعتراض، أو لنقل إنه موقف مغاير للموقف الشعبي العالمي من الرجل، ومن كتابه الأهم "النبي". وكلا المقالين يجمعان على سبب واحد لانتشار هذا الكتاب "الضحل" ـ كما يريان، وهو أن الناس عند صدور الكتاب في عشرينيات القرن الماضي كانوا بحاجة إلى خطاب روحي، بشرط ألا يكون دينيا. ولعل الناس كما تلاحظ جوان أكوسيلا لا يزالون بحاجة إلى هذا النوع من الخطاب، والدليل كويليو.
باولو كويليو البرازيلي ـ أو الكاتب البرازيلي لو شئتم ـ هو الدليل الأوضح، هو الرجل الذي بيع من رواياته نحو مائة مليون نسخة في كثير جدا من لغات العالم، والذي يوشك الكثيرون أن يتحسسوا موقعه الإلكتروني، شأن الدراويش مع أضرحة الأولياء. ولكن ثمة أدلة أخرى على الظمأ الروحي الذي يعاني منه الإنسان اليوم كما كان يعاني منه منذ قرن مضى. ومن بين هذه الأدلة، رواية "الحرير" للكاتب الإيطالي أليساندرو باريكو. رواية "الحرير" التي ترجمت إلى ست وعشرين لغة وتحولت في عام 2007 إلى فيلم سينمائي، وينتظر أن تتحول إلى أوبرا، هي رواية قصيرة عن تاجر لدود القز، تذهب به تجارته إلى اليابان، وهناك يلتقي بصبية لها عينان ليستا كعيون الآسيويين، وهي خليلة حاكم قرية ثري، ومن أجل تلك الفتاة يذهب ثلاث مرات إلى اليابان، وفي كل مرة كانت الصبية تدس في يده رسالة مكتوبة باليابانية، وبرغم أنه متزوج ـ أو بسبب ذلك ـ يقع التاجر الأوربي في غرام الصبية. ولأنهما لا يتكلمان لغة واحدة تصبح العلاقة أروع من كل ما يمكن للغة أن تصفه. ولأننا في القرن التاسع عشر، تكتسب الرواية كلها حالة فاتنة من الغموض. ولأن ما يصاحبنا عبر ذلك كله هو الحرير، ولأن ثمة زوجة تحيك مؤامرة بالغة الرقة تستبقي بها زوجها، وإن لم تخلصه من أسر السحر الذي وقع فيه، وبسبب شخصيات هامشية بديعة، تترك الرواية قارئها وهو لم يزل ظامئا إليها.
ومع أنها رواية جميلة، إلا أن المرء لا يقدر أن يقاوم غواية تذكيركم بفيلم أمريكي يعاد كثيرا في القنوات الفضائية: "فتاة عيد الميلاد". ففي هذا الفيلم شبه طريف بالحرير. هناك شاب أمريكي يتعرف من خلال موقع إلكتروني على فتاة روسية، ثم يستقبلها في بلده، فإذا بها لا تجيد من الإنجليزية حرفا، فيبدأ بينهما نوع من التواصل غير القائم على اللغة، وما أن تبدأ علاقة رقيقة في التشكل، حتى يتبين أن الروسية ومعها اثنان من روسيا ليسوا سوى عصابة نصب. وتقال الجملة المهمة على لسان الحبيبة الروسية التي لعبت دورها نيكول كيدمن. "أي غرام هذا الذي تريده من امرأة لاتعرف لغتها؟ إنما تريد دمية صامتة".
أتصور أن جملة كهذه كفيلة بقراءة صحية لرواية الحرير. وأن مقالا كالمنشور على هذه الصفحة (وإن تكن لنا ملاحظات عليه وعلى تناقضات فيه) كفيل بقراءة صحية لجبران والنبي. فنحن قد نتعاطف مع الظمأ الروحي، ولكن لا ينبغي لهذا الظمأ أن يجعلنا نقدس غير المقدس. ينبغي أن نعرف أن صاحب "النبي" مات بالتليف الكبدي لأنه كان يفرط في شرب الكحوليات، وأنه عاش طويلا معتمدا على أموال امرأة، واهم من ذلك كله أن كان يكذب، وينبغي أن نعرف أن كويليو كاهن الأدب اليوم لم يكن معنيا حينما زار المنطقة العربية مؤخرا بأن يبرئ أرواحها الشقية، بل إن أكثر ما تكلم فيه هو حقوقه المادية عن ترجمته إلى العربية. وينبغي قبل أن نقرأ رواية الحرير ـ ونحن نرشحها للقراءة خاصة وأنها متاحة في أكثر من ترجمة عربية جميلة ـ أن نعرف أن ثمة زاوية أخرى للنظر إلى علاقة حب بين اثنين لا يتكلمان لغة واحدة.

في الظاهرة الجبرانية


جوان أكوسيلا


يقال لنا إن شكسبير هو أكثر الشعراء مبيعا في جميع العصور، يليه لاو تسو، ومن بعدهما جبران خليل جبران الذي يدين بهذا الترتيب المتقدم في القائمة لكتاب واحد هو "النبي"، وهو ديوان يتألف من ست وعشرين قصيدة نثرية، يلقيها حكيمٌ خيالي في زمان بعيد ومكان قصي كما تلقى العظات الدينية. منذ صدور "النبي" في عام 1923، بيعت من طبعاته الأمريكية فقط تسعة ملايين نسخة. وأطلق اسم جبران على مدارس عامة في بروكلن ويونكرز. وتليت قصائد "النبي" في آلاف الأعراس والجنازات. وتصدرت مقتطفات منه مقالات وكتب تتراوح موضوعاتها من التدريب على تدريس الفن، إلى تحديد المسئولية الجنائية، وتثبيت الحمل خارج الرحم، وصعوبات النوم. وصاحبت كلماته إعلانات استشاريي الزواج، والمعالجين بالأيدي، والمتخصصين في الإعاقة الذهنية، وكريمات الوجه.
حقق "النبي" بداية سريعة، فقد بيعت طبعته الأولى في شهر واحد، ثم ازدادت سرعته حتى بلغت مبيعاته في ستينيات القرن العشرين خمسة آلاف نسخة في السبوع. كان إنجيل ذلك العقد. ولكن شعبية الكتاب لا يمكن أن توعز إلى الهيبز وحسب. فالكتاب حقق نجاحا ساحقا قبل الستينيات بكثير (وحقق مكاسب كبيرة حتى في فترة الكساد الكبير) كما أن مبيعاته فيما بعد عقد الستينيات لم تدن قط عن المستوى الصحي، وهو نجاح يبعث على السرور لأنه يوشك أن يكون نجاحا للكلمة وحدها. وهو نجاح تحقق بدون دعاية، اللهم إلا قليلا من الإعلانات في العشرينيات. وفيما يبدو أنه تكريم لهذا العمل الفذ، قامت مكتبة إيفري وان مؤخرا بإصدار "الأعمال الكاملة لخليل جبران) (27,50 دولار) بغلاف أحمر جميل، وشريط من قماش ذهبي. وفي حين أن أغلب الناس يعرفون جبران بكتابه "النبي"، فقد كتب الرجل سبعة عشر كتابا، منها ثمانية بالعربية. ويضم مجلد إيفري وان اثني عشر كتابا منها.
وسوف يقابل النقاد هذا المجلد بمثل ما قابلوا به جبران من عدم اكتراث منذ أن توفي في عام 1931. ولا يستثنى ناشر جبران نفسه ـ وهو ألفريد آيه نوبف ـ من عدم الاكتراث بجبران. فحينما سئل نوبف عام 1965 عن طبيعة جمهور "النبي" قال إنه لا يعرف، وأضاف أن هذا الجمهور "ينبغي أن يكون ملة من الملل" وهو رد لا يشي بالامتنان الواجب من رجل كان له "النبي" بقرة حلوبا لما يربو على أربعين عاما. في عام 1974 قام ابن عم للشاعر يدعى هو أيضا خليل جبران بالتعاون مع زوجته جين على إصدار سيرة ذاتية جيدة بعنوان "خليل جبران: حياته وعالمه"، ثم جاء في عام 1998 كتاب أجود من وجهة النظر البحثية هو "النبي: حياة خليل جبران وزمانه" بقلم روبن ووترفيلد، وهو مترجم للأدب اليوناني القديم. ولكن حتى صدور الأول من هذين الكتابين ـ بعد ثلاثة وأربعين عاما من وفاة جبران ـ لم تكن هناك أية سيرة ذاتية محترمة لذلك الكاتب واسع التأثير. لذلك يشكو كل من ووترفيلد وجبران من عدم احترام الأدب لواحد من أعلامه، وهو ما يرجعه ووترفيلد إلى التعالي أو الاستخفاف المتجذر، وإن كان الأقرب إلى الصواب هو أن كلا من ووترفيلد وجبران لم ينقبا بما فيه الكفاية عن الأسباب.
لعل عدم وجود سيرة ذاتية جيدة لجبران يرجع ولو جزئيا إلى أن أحدا لا يعرف عن حياته إلا أقل القليل، وذلك لأن جبران أراد ألا يعرف أحد عنها شيئا. من المعلومات التي تبدو مؤكدة أن جبران ولد في لبنان، في قرية تدعى بشري عام 1833. وفي ذلك الوقت كان لبنان جزءا من سوريا التي كانت بدورها جزءا من الإمبراطورية العثمانية. وكان جبران ـ حسب كلامه ـ طفلا مستكينا عاطفيا. ومنذ سنوات عمره الأولى، كان ـ كما يقول ـ يرسم كثيرا، فالرسم فنه الأول، ولوقت طويل ظلت للرسم عنده أهمية الكتابة، وكان يناجي الطبيعة، فكلما هبت عاصفة، إذا بالطفل ينزع عنه ثيابه، وينطلق عاريا منتشيا إلى المطر المنهمر. وكانت أمه جميلة تبعد عنه الآخرين، وأحيانا ـ حسب ما كتب جبران فيما بعد ـ "كانت تبتسم عندما يدخل شخص ما .. وتضع سبابتها على شفتين مزمومتين، وتقول: هششش، إنه ليس هنا".
لم يكن والد جبران مصدرا جيدا للدخل. كان يمتلك بستان جوز، ولكنه لم يكن يحب العمل فيه، مؤثرا الشراب والمقامرة، وأخيرا حصل على وظيفة محصل ضرائب، ثم حبس بتهمة الاختلاس، وباتت الأسرة الفقيرة أسرة معدمة، فحزمت جميلة متاعها، واصطحبت أبناءها: بطرس، وخليل (12 عاما) وماريانا وسلطانة، وأبحرت بهم إلى أمريكا. واستقروا في بوسطن، بحي ساوث إند الفقير الذي كان مأوى للمهاجرين من مختلف البلدان (وهو اليوم الحي الصيني في بوسطن). وشأن كثير من المهاجرين الشوام، عملت جميلة بائعة متجولة، تنتقل من بيت إلى بيت تبيع الكتان والخيوط من سلة تحملها على ظهرها. ولم يمض عام إلا وقد ادخرت من المال ما أقامت به لبطرس متجرا للأقمشة. وكانت قد أرسلت الفتاتين للعمل بالخياطة، خاصة وأنهما لم تتعلما القراءة والكتابة. ولم تستثن إلا خليل من مهمة ملء مائدتها بالطعام. لقد ذهب إلى المدرسة، للمرة الأولى في حياته.
بل إنه التحق بفصل لتدريس الفن في بيت مجاور، فأرسله مدرسه هناك إلى رجل يدعى فريد هولند داي. وكانت تلك الحقبة في الفن الأوربي هي حقبة الانحلاليين. وفلسفة الثيوصوفية التي جاءت بها مدام بلافاتسكي أصبحت جنون العصر. كان الناس يترددون على جلسات تحضير الرواح، يتعاطون المخدرات، يزدرون الغرب ذا القلب المدنس، ويهيمون حبا في الشرق الأكثر روحية. والأهم من ذلك كله أن الناس اتخذوا من الفن دينا لهم. ولم يكن هولند داي ـ ذو الثلاثين عاما ـ إلا زعيما لبوسطن في هذا المضمار. كان يعتمر عمامة، ويدخن أرجيلة، ويقرأ على ضوء شمعة، وإلى جانب ذلك كله يؤدي عملا جديا، فقد أسس وأصحاب له مجلتين للفن، وشارك آخرين في دار نشر أصدرت كتبا فاتنة. ولم تكد تحل تسعينيات القرن التاسع عشر حتى افتتن داي بالتصوير الفوتوغرافي، لا سيما تصوير الصبية ذوي الجمال واليفوعة والأصول "الغريبة"، فيصورهم عراة أو في أزياء بلادهم التقليدية، وغالبا ما كان يستأجرهم من شوارع ساوث إند. وحينما دق جبران ذو الثلاثة عشر عاما باب هولند داي في عام 1896، أصبح من بين موديلاته، وزاد عنهم أنه سلب لب داي، فاتخذه تلميذا ومساعدا، وعرفه بأدب القرن التاسع عشر، والشعراء الرومانتيكيين وورثتهم الرمزيين. يقول روبن ووترفيلد ـ في السيرة التي كتبها لجبران ـ إن المنهج المكون من دراسة المعاناة والنبوءة وديانة المحبة كان العماد الذي أقام جبران على أساسه أسلوبه الفني كله. ويرى ووترفيلد أيضا أن هولند هو الذي شكل لجبران "طموحاته". ولكم أن تتخيلوا كيف بدا الأمر لطفل من الحي الفقير يسير خطوات ينتقل بهن إلى عالم الجمال الذي يمكن للمرء فيه أن يتخذ الفن حياة له. كان من حسن حظ جبران أنه لاءم دنيا هولند داي من زاوية بسيطة: إنه كان شرقيا. لقد ابتهج داي بأصول تلميذه الشرقية، وأولاه ـ كما يقول ووترفيلد ـ المعاملة الجديرة بأمير من نسل أمراء. وأجاد جبران الدور، بحظ كبير توفر له من الوسامة والتحفظ في الكلام. بل إن شخصا آخر وصف جبران فيما بعد بأنه "نبي شاب" (ولم يكن قد نشر حرفا حتى ذلك الحين)، فما كان من جبران إلا أن بدأ يعد نفسه كذلك.
ما كان لجميلة وبطرس أن يغفلا عن قضاء خليل أغلب وقته مع أشخاص لا يعرفانهم. ولعل القلق انتباهما من احتكاك خليل بالبروتستنتية ـ فقد كانت الأسرة تنتمي إلى المذهب الماروني المتحالف مع كنيسة روما الكاثوليكية ـ وبهولند داي نفسه. على أية حال، بلغ جبران الخامسة عشرة، فبعثوه إلى الكلية المارونية في بيروت، ويبدو أنه قرر خلال السنوات الثلاث التي قضاها هناك أن يكون كاتبا ورساما. وهناك قام وزملاؤه بتأسيس مجلة أدبية طلابية وتم انتخابه "شاعر الكلية". ولكنه في عام 1902، عاد إلى ساوث إند، ومتاعب أهله. فقبل أسبوعين من وصوله إلى بوسطن، ماتت سلطانة بالسل عن أربعة عشر عاما. وفي العام التالي مات بطرس، وبالسل أيضا (فقد كان متفشيا في جنوب ساوث إند، ثم ماتت جميلة بالسرطان. يقول ووترفيلد إنه لا يوجد ما يدل على أن جبران حزن على أي منهم طويلا. ولعل من الصعب تجاهل فكرة أن ذلك الشاب الطموح لم ينزعج لموت أسرته الفقيرة. ولم تبق من الأسرة إلا شقيقة هي ماريانا، وكانت تعشقه، تطهو له طعامه، وتعد ثيابه، وتصرف عليه من عائد محل الخياطة. وبقي جبران دون أن يلتحق بوظيفة، كان الفن وظيفته.
وسرعان ما اجتمع لديه ما يمكن أن يعرضه، فأقام هولند داي في الاستوديو الخاص به في عام 1904 أول معرض لرسومات جبران التي رسمها في ذلك الوقت وما قبله بقليل، فتأثر فيها بالرمزيين الأوربيين. وفي تلك الرسومات غالبا ما يرى في المقدمة كيان بشري لا وجه له، ومن خلفه قوة أكبر، قد تكون ملاكا أو روحا أو ربما إيحاء بروح أو غموض من خلال تكوينات لونية شاحبة.
وبدأ جبران ينشر كتاباته أيضا: مجموعات مؤلفة من قصص قصيرة وقصائد وحكايات أخلاقية وعبارات موجزة. كان قد تعرض كثيرا للمشكلات السياسية في لبنان: التحارب بين المذاهب الدينية، ومعاناة الفقراء على أيدي الكهنة الفاسدين والحكام الأتراك. وكان الغضب على تلك الأوضاع، وأيضا الشفقة ـ سواء على فلاحي لبنان أو على نفسه ـ هي الثيمات الأساسية لكتاباته الأولى التي صدرت بالعربية فحققت له شهرة وإعجابا كبيرين بين العرب الأمريكين. إذ إنه لم يكن مجرد نصير لبلده وحسب، بل إنه نصير لبلده في أمريكا، ونصير لبلده من خلال الفن، لا من خلال الخياطة وبيع القماش.
وراقه الوضع، لكنه أثار لعابه إلى المزيد من الجمهور، وأخيرا وجد الشخص الذي سوف يجعل ذلك المستحيل ممكنا. كانت ماري هاسكل ـ ناظرة مدرسة البنات في بوسطن ـ امرأة عصرية: تؤمن بالمشي، والحمام البارد، والسياسات التقدمية، وتتعالى مدرستها على اللاتينية واليونانية، وتهتم بدلا منهما بالتشريح والأحداث الجارية. وقبل أن يقترب جبران من هاسكل في عام 1908، كان له تاريخ في مصاحبة نسوة أكبر منه سنا وفيهن نفع له. وكانت هاسكل أيضا أكبر منه بتسع سنوات، وكانت أطول أيضا (فقد كان طول جبران حوالي مائة وستين سم وهو سبب حزن لازمه طول عمره). لم تكن هاسكل ثرية، ولكنها بمهارة اقتصادية ـ كانت طاهية مدرستها تعمل لدى بعض الأثرياء وتسرق لها وجبات من مطابخهم ـ استطاعت أن تدبر من المال ما عاونها على دعم قضايا جديرة بالدعم: كانت تدعم صبيا من المهاجرين اليونانيين يحتاج إلى التعليم في مدرسة داخلية، كما كانت تدعم دراسة صبي يوناني آخر في هارفرد. ثم التقت بجبران، ليكون أعلى مشاريعها كلفة.
في البداية، كانت تقدم له بالدرجة الأساسية معونات مالية مباشرة، فتعطيه نقودا، وتدفع له الإيجار. وفي عام 1908 أرسلته إلى باريس لمدة عام ليدرس الرسم. قبل سفره، كانا "مجرد صديقين"، ولكن بمجرد أن افترقا بدأ حديث الصداقة يتحول إلى رسائل غرام، وحينما عاد جبران إلى بوسطن ارتبطا. ومع ذلك فقد كان ثمة اتفاق فيما يبدو على عدم الزواج، إلى أن يشعر هو أنه حقق ذاته، وهي لحظة لم تأت قط. كانت تعرف أنه يقيم علاقات مع أخريات، وإن كان يزعم أنه ذهنه غير مشغول بالجنس، بل لقد كان يقول لها إن الذي تفتقده هي في علاقتهما إنما هو موجود فيها. قال لها إنهما في البعد يكونان معا. وإنهما بغير حاجة إلى "زواج"، فصداقتهما "زواج متصل". غير أن هاسكل فيما يبدو كانت تريد من جبران ما يفوق الزواج، كانت تريد اعترافا بأنها المرأة في حياته. كانت تريد ـ كما أفضت لمذكراتها ـ أن تعرف أنه يحبها "فذلك أعظم شرف يمكن أن أحظى به، وأريد أن يعرف الناس أنه يحبني". ولكنه لم يكن يعرفها بأصحابه. "مسكينة ماري" هكذا يقول ووتر فيلد، ولا نقول نحن إلا آمين.
فيما بعد حكى جبران للصحفيين أكاذيب كثيرة عن طفولته، ويبو من سيرته أنه اختبر هذه الأكاذيب للمرة الأولى على هاسكل. فقال إن له نسبا نبيلا، وإن عائلة أبيه كانت تمتلك قصرا في بشري، وتربي فيه النمور للتسلية، وإن عائلة أمه كانت الأثرى في لبنان، فكانت ممتلكاتها الشاسعة تضم "مدنا كاملة"، وإنه تعلم ـ كما يليق بأرستقراطي صغير ـ في بيت أبويه على أيدي معلمين إنجليز وفرنسيين وألمان.
كان على يقين أن قدرا عظيما ينتظره. وكان إيمانها بذلك يفوق إيمانه هو نفسه، وبالنسبة لجبران كان تملقها له في بداية العلاقة مهما بقدر أهمية نقودها. كتبت هاسكل في مذكراتها تقول "آه يا خليل المجيد، يا ذا الروح الأبدية المتجاوزة". وعندما قرأ عليها فقرات من كتاب له كتبت تقول إن "الغيب تحلق حول روحي وتكاثف، وتوافدت الأضواء والأصوات آتية من فضاءات بعيدة وأزمنة سحيقة، منبعثة من المركز إلى الأطراف، حتى امتلأت وفاضت عني قوة الحياة". ويا له من رد فعل، خاصة إذا عرفنا أن الكتاب كان مكتوبا باللغة العربية التي لم تكن تعرفها هاسكل.
سجلت هاسكل التجارب الاستثنائية التي حكى لها جبران أنه مر به، من قبيل أنه مثلا توصل بالحدس إلى النظرية النسبية قبل أينشتين، ولكنه لم يدونها، وكيف أن الهواء امتصه آلاف المرات كقطرة من الندى فـ "صعد إلى الغيوم، وسقط مع المطر ... وكنت صخرة أيضا، ولكنني الآن أقرب إلى شخص من هواء".
لا نعرف ما الذي كانت هاسكل تصدقه من هذا كله. ولكننا نعرف أنها كانت ناظرة مدرسة وكانت تحاول أن تعلمه. فكانت تجعله ـ بحجة قضاء أمسية أدبية ـ يقرأ لها من الكتاب الكلاسيكيين، تماما كما فعل معه من قبل فريد هولند داي، وللسبب نفسه: تحسين لغته الإنجليزية. وقد استفاد من ذلك، واستاء منه بالطبع، بمثل ما استاء من المبلغ الذي أخذه منها حتى عام 1913 ـ أي بعد خمس سنوات من بدء صداقتهما ـ والذي بلغ 7,440 دولارا أي نحو مائة وخمسين ألفا من دولارات أيامنا الحالية، ولكنه لم يطلب منها قط أن تكف عن كتابة الشيكات له.
لم يمض غير وقت قصير على "ارتباط" جبران بهاسكل حتى قال لها إنه راحل عن المدينة. فليست بوسطن إلا ترعة، بينما الفعل كله كان في نيويورك، ولكن من الواضح أنه كان يهدف إلى غرض آخر، هو البعد عن وجه هاسكل. كما كان بحاجة إلى التحرر من ماريانا. فإذا كان سيصبح فنانا كبيرا، فكيف سيفسر عيشه مع امرأة أمية تتبعه في البيت في خرقها المتسخة؟ وهكذا، وفي عام 1911، تخلص من المرأتين اللتين وقفتا بجواره في بداياته، وانتقل إلى نيويورك، لتبدأ هناك المرحلة الوسطى من حياته. وهناك عثر على شقة صغيرة ـ استدوديو ـ في مجمع سكني في 51 شارع ويست تينث. وبالطبع كانت هاسكل هي التي تدفع الإيجار.
بعد بضع سنوات في نيويورك أصدر خلالها كتابين آخرين بالعربية، اتخذ جبران قرارا خطيرا: أن يبدأ الكتابة بالإنجليزية. ولكي يفعل ذلك، كان بحاجة إلى مساعدة هاسكل، فهرعت هاسكل لتقدمها له. عندما كانا مفترقين، كان يرسل إليها مخطوطاته، فترسل إليه تصحيحاتها. وحين صارا معا، كانت كثيرا ما تتردد على شقته (كانت تقيم في مكان آخر) فيملي عليها كتاباته.
كتبت هاسكل في مذكراتها تقول "إننا" في ثنايا هذه العملية "كنا نأتي إلى جزء أسأل عنه، فنتوقف". فمن كان يجيب السؤال؟ لا نعرف. قالت هاسكل إنه "كان دائما يأتي بكل فكرة. وكنت أنا أجد العبارات في بعض الأحيان". ولكن الإتيان بالعبارات يمثل جانبا كبيرا من جوانب الكتابة. لقد كان أول ما نشر جبران باللغة الإنجليزية قصيدة موجزة، أرسلت له هاسكل سبع صفحات تحتوي سبع تعديلات مقترحة لها. ولعلها كانت تقوم بتغييرات جوهرية في كتبه المتأخرة أيضا. ولما وجدت في هذه المسئولية نصيبها الكافي من المجد، كفت عن المطالبة بالمزيد، وفي عام 1926، ودونما معارضة من جبران، تزوجت هاسكل من قريب ثري لها، ولكنها كانت تنتظر الليل، وبعد أن ينام الزوج، تبدأ في العمل على مخطوطات جبران، وهكذا كانت محررة جميع كتب جبران ومن بينها كتابه الثالث "النبي" الذي حقق له نجاحا ساحقا.
ولكن ما الذي جعل لـ "النبي" كل هذا النجاح الخرافي؟ في مستهل الكتاب يقال لنا إن المصطفى ـ وهو شخص مقدس ـ يعيش في المنفى، في مدينة اسمها أورفاليسي، منذ اثني عشر عاما. (ويلاحظ أن جبران عند صدور النبي كان يعيش في أمريكا "منفيا" عن لبنان منذ اثني عشر عاما)، وإذا بسفينة تأتي لتعيده إلى الجزيرة التي ولد فيها. فيصيب الناس غم كبير لفراقه، ويتحلقون حوله يسألونه حكمه الأخيرة، عن الحب والفرح والحزن وما إلى ذلك. فيستجيب لهم، وتشكل كلماته في هذه الأمور أغلب الكتاب. وليست نصائح المصطفى بالسيئة، إذ إن أغلبها من قبيل أنه: لا يكون الحب ما لم تكن المعاناة، لا بد أن يعطى الأطفال استقلالهم. ومنذا الذي ليقول غير هذا في أيامنها هذه؟ وعلاوة على سداد النصائح، فإن مجرد كون "النبي" كتاب نصائح أو لمزيد من الدقة كتابا ينتمي إلى "الأدب الروحي" قد ضمن له في تلك الأيام رواجا لا بأس به منذ البداية. ولعل أقرب نظير معاصر لجبران هو البرازيلي باولو كويليو بكتبه التي بيع منها نحو مائة مليون نسخة.
ثم إن هناك أيضا ذلك الغموض اللذيذ الذي يسربل نصائح المصطفى. فعلى غرار قراءة الأبراج، نجد أن العبارات المستخدمة (مثل طاقتكم الإبداعية أو مشكلاتكم العائلية) هي عبارات فضفاضة قابلة لأن تنطبق على حالات كثيرة بما يجعل أي شخص يظن أنها موجهة إليه. بل إن غموض المصطفى يبلغ أنكم لا تستطيعون أن تفهموا ما يعنيه. ومع ذلك فإنكم إذا نظرتم بمزيد من التمعن، لرأيتم أنه كثيرا ما يقول شيئا محددا، ومن ذلك على وجه التحديد، أن كل شيء هو شيء آخر. فالحرية هي العبودية، والصحو هو الحلم، والإيمان هو الشك، والفرح هو الألم، والموت هو الحياة. وإذن، مهما يكن ما تفعلونه فلا ينبغي للقلق أن ينتابكم، إذ إنكم في الوقت نفسه تفعلون عكس الذي تفعلون. وهكذا تحولت المفارقات التي ظل جبران يستخدمها لسنوات حتى يبعد هاسكل عن فراشه إلى الأداة الأدبية الأثيرة لديه. إذ إنها لا تكتسب جاذبيتها فقط من صحتها الظاهرية وحكمتها الشائعة، ولكن من قوتها التنويمية المغنطيسية أيضا، من نفيها للعمليات العقلانية.
كما أن الكتاب يبدو دينيا، وهو كذلك بالفعل بطريقة من الطرق. لقد كان جبران على معرفة بالكتب المقدسة لدى البوذيين والمسلمين، والإنجيل من قبل ومن بعد سواء في ترجمته العربية أو في طبعة الملك جيمس بالإنجليزية. (بعض مفارقات جبران مستمد من الموعظة على الجبل ـ إنجيل لوقا). أحال "النبي" كل ذلك إلى حساء اعترافي سلس ودافئ كان مثاليا لقراء القرن العشرين الذين كان أغلبهم في توق إلى ارتياح الأديان وإن كانوا غير راغبين في الالتزام بأي كنيسة، ناهيكم عن اتباع إله لعله ترك سجلا بالطريقة التي يريد لتصرفاتهم أن تلتزم بها. ولا عجب إذن حين تجتمع هاتان النزعتان ـ أي رفض السلطة والحنين إلى القداسة ـ فتنتج عنهما حقبة الستينيات، أن تصل مبيعات "النبي" إلى ذروة غير مسبوقة. ولعل الروح التي سادت الستينيات لم تتبدد بعد من العالم، فهي لم تزل قائمة في حركة العصر الجديد التي كان جبران عرابها، ولعلها كانت السوق الذي استهدفته دار إيفري وان حينما قررت إصدار الأعمال الكاملة.
والأهم أن "النبي" كتاب يبعث على الراحة. فقد قال جبران لهاسكل إن المعنى الكلي الذي ينقله الكتاب للقارئ هو أنك "أعظم بكثير مما تتصور، وأن كل شيء على ما يرام". وذلك خبر جيد لكل من يؤرقه الشك أو ينوء بالمتاعب. لذلك يقال إن الكتاب منتشر في السجون. وأخيرا، "النبي" كتاب صغير الحجم، يبلغ في طبعته الأصلية تسعا وستين صفحة، فيها مساحات بيضاء تتسع لرسم شاحنة، وتلك ميزة ترويجية لا ينبغي إغفالها. ولأن النص قصير، ونصوصه منفصلة، وذلك يجعله أقصر، إذ يكون بوسع القارئ أن يفتحه على أي صفحة كما يفعل بعض الناس مع الإنجيل، وأنا شخصيا أتصور أن كثيرا من جمهور النبي لم يقرأوه من الغلاف للغلاف.
لجبران كتاب أفضل من "النبي" هو "عيسى ابن الإنسان" الذي صدر بعده بخمس سنوات. وذلك هو الكتاب الثاني من حيث المبيعات بين كتب جبران، ولكنه الثاني بفارق كبير. وذلك لأنه يفتقر إلى ميزة مهمة توفرت لسابقه. فكتاب "عيسى" موضوعه عيسى. وهو ليس كتاب نصائح أو عزاء. هو رواية بمعنى ما، مكونة من تسعة وسبعين مقطعا أو شهادة يدلي بها أشخاص يتذكرون المسيح، بعضهم معروفون لنا ـ مثل الحاكم بيلاطس ومريم المجدلية ـ وبعضهم خياليون، ومن هؤلاء راع لبناني، وصيدلاني إغريقي. وجميعهم يتكلمون كما لو كان ثمة من يجري حوارات معهم.
ومع أن جبران كان يعد نفسه محبا للأديان جميعا، إلا أنه كان مفتونا بيسوع. فقد حكى لهاسكل أنه كان يأتيه في أحلامه، فيأكلان معا ويحكي له مواعظ لم تجد طريقها إلى الأناجيل. وفي بعض الأحيان، كان جبران يرى نفسه يسوعا، ولعل ذلك هو الذي ألهمه بقراره غير الحكيم، حينما رأى في كتابه "عيسى ابن الإنسان" أن يعيد كتابة مقاطع مطولة من الإنجيل ومن بينها على سبيل المثال "أبانا الذي في الأرض والسماوات، ليتقدس اسمك".
غير أن أغلب الكتاب يسمو على تلك الحماقات. لقد كان جبران يتمنى في وقت من حياته أن يكون كاتبا مسرحيا، وليس أفضل من يسوع كشخصية وكنبرة لإضفاء تماسك درامي على كتاب كان لولا ذلك ليتطاير بين أيدي قرائه من فرط خفته. وبرغم أنه كان يتخيل نفسه يسوعا، إلا أنه في ذلك الكتاب يتخلى عن النبرة السماوية التي تنوء بها بقية كتبه. فلدى بعض شخصيات هذا الكتاب ما تقوله ضد يسوع، بل إن يهوذا مثلا يتكلم ليبرر جرمه: "قد كنت أحسبه اصطفاني ربانا على سفنه، ورأسا على جنده". بل إن أم يهوذا التي كللها العار تحظى في الكتاب بخطبة جليلة مؤثرة "أناشدكم ألا تسائلوني في أمر ولدي بعد. فلقد أحببته، ولسوف أبقى أحبه. ولو أن الحب في الجسد لأحرقته بحديد يصطلي واسترحت، ولكن الحب في الروح، لا وصول إليه. والآن لا أزيد. فاسألوا امرأة أخرى أعز من أم يهوذا واشرف. اذهبوا إلى أم يسوع".
بعكس "النبي" الذي لم يلق غير القليل والفاتر من حفاوة النقاد، فقد حظي "عيسى ابن الإنسان" بثنائهم، وإن اقتصر الأمر على نقاد الصحافة. وفيما أولت الإصدارات الأدبية لجبران في بدايته قدرا ضئيلا من الاهتمام، فقد تجاهلته تماما بعد ذلك. وليس ذلك بغريب، إذا كانت السمات الأساسية لديه ـ كالمثالية والغموض والوجدانية ـ هي بالضبط ما كان شباب الكتاب في القرن العشرين يسعون إلى التخلص منه. ولذلك، فإن جبران لم يكن جزءا من المشهد الفني في منهاتن. فنادرا ما يظهر اسمه في المذكرات الأدبية المكتوبة عن تلك المرحلة. يقول إدموند ويلسن ـ في يومياته عن العشرينيات ـ إن "جبران الفارسي" كان متواجدا في حفل عشاء حضره واحد من أصحابه. وتلك هي المرة الوحيدة التي ذكر فيها.
ولكن، إذا كان فنانو المرحلة يعافون المثالية والوجدانية، فذلك لم يكن شأن الناس العاديين الذيؤن كانوا يريدون أن يستمعوا إلى من يكلمهم عن أرواحهم، ولم يكن سينكلير لويس [الروائي الذي كان أول أمريكي يحصل على نوبل في الأدب عام 1930] يلبي لهم احتياجهم ذلك. ولذلك راج "النبي" بين العامة، وبعد نشره بدأ جبران يتلقي أجولة من البريد، ويجد نفسه محاصرا بالزوار، أو الزائرات بالأحرى. والمثير أنه برغم تلهفه على الشهرة، لم يجد متعة في ذلك الاهتمام. فكان يقضي شهورا كل عام مع ماريانا في بوسطن، ومع أنه أصبح ثريا بصورة أو بأخرى، إلا أن حياته مضت كما كانت، بل إنه لم يغير شقته الصغيرة، وظل يعيش فيها حتى نهاية حياته. والظاهر أن بساطتها كانت تلائم روحه. لقد كان يسميها الصومعة ويؤكد حالة الناسك التي يؤثرها باستخدام الشموع في إضاءتها.
وكانت عزلته تزادا كلما قل إنتاجه. وبعد "عيسى ابن الإنسان" بدا أنه نفد. فلم يصدر بالإنجليزية غير كتابين، ضعيفين، وذلك ما قاله عنهما النقاد. وحينما كان جبران في باريس، التقى برودان، وقال إن ذلك النحات الشهير وصفه بأنه وليم بليك القرن العشرين، ولعل ذلك لم يكن إلا من اصطناع جبران نفسه، ولكنه راق لناشريه في دار نوبف، فوضعوا العبارة على الملصقات الدعائية لجبران، ولم يعترض رودان على ذلك، خاصة أنه كان قد مات. واستفز ذلك نقادا كانوا مستفزين أساسا بسبب شعبية "النبي" الجارفة، فباتوا عدائيين تجاه جبران.
وحل عقد الأربعينيات على جبران، وقد صار مريضا، وكان يعاوده على فترات مرض يسميه الإنفلونزا. ولكنه قرر في الأربعينيات أن يغير التشخيص، فقرر أن العلة في الروح لا في الجسد. فقد كان بداخله كتاب عظيم، أعظم من "النبي"، ولكنه لا يستطيع إخراجه. وكانت لديه مشكلة أخرى هي التسمم الكحولي، وهو وضع وصل إليه بعد فترة وجيزة من نشر "النبي" أو ربما أثناء كتابته له. ويظن ووترفيلد أن مشكلة جبران الأساسية هي إحساسه بأنه منافق، وأن حياته تتناقض كثيرا مع وضعه كشخص مقدس. في سنواته الأخيرة، أغلق على نفسه باب شقته، لا يفتحه إلا لزائر يستحق الاستقبال، أو لجالونات العرق ـ وهو مشروب كحولي شامي ـ كانت ماريانا ترسله إليه. ولم يحل ربيع عام 1931 إلا وكان طريح الفراش، وذات صباح رأت المرأة التي جاءته بالإفطار أن حالته باتت حرجة. فنقل إلى مستشفى سان فنسنت حيث مات في وقت لاحق من ذلك اليوم. وكان السبب في موته كما تقول الوثائق هو "تليف كبدي وسل أولي". ويشير ووترفيلد إلى أن محبي جبران قد ألحوا كثيرا على السل الأولي مغفلين التليف الكبدي. ولكنه يعترض قائلا إن "الأشياء الأولية لا تميت". ويبدو أنه يميل إلى أن جبران ظل يشرب حتى الموت، من جراء إحساس بالخداع والفشل.
وتلا الموت نوع من الكوميديا السوداء. فبعد مراسم جنائزية مهيبة في كل من نيويورك وبوسطن، نقلت ماريانا الجثمان للدفن في لبنان كما كان جبران يتمنى. وفي بيروت فتح التابوت، وقام وزير التعليم اللبناني بوضع وسام على صدر جبران. وبدأت الرحلة إلى بشري على بعد ثمانين ميلا، اصطف خلالها ثلاثمائة من حرس الشرف. واصطف أبناء لبنان على طول الطريق ـ كما يصف جبران وجين في كتابهما ـ "شبابا وشابات في أزيائهم الوطنية رافعين السيوف، مشتركين جميعا في رقصة شعبية، وتناثر الورد أمام النعش".
كان جبران قد أوصى لماريانا بنقوده، ولهاسكل بمخطوطاته ورسوماته، ولبلدة بشري بالريع الأمريكي المستقبلي للكتب التي صدرت في حياته. وقد أدى هذا الشرط الأخير إلى كثير من المصاعب التي دونت في نص القانون الأمريكي لحقوق النشر. فمن من أبناء بشري سيحدد طريقة توزيع هذه النقود؟ لقد أوصى جبران بإنفاقها على القضايا الخيرية. ولتحديد تلك القضايا الخيرية، تم تشكيل لجنة تضم أعضاء من جميع العائلات الكبرى في بشري وهو ما أدى إلى مزيد من المشكلات. فقد تخاصمت العائلات ـ حسب ما ذكرت مجلة تايم ـ على من يحظى بعضوية اللجنة. وأدت النزاعات إلى المزيد من الغضب مما أدى حادثي قتل، وذلك بينما كانت الأموال نفسها تختفي، وبلغ الأمر في عام 1967 حد الفضيحة، لدرجة أن دار نوبف قررت منع تحويل الريع الذي بلغ في ذلك الوقت ثلاثمائة وخمسين ألف دولار سنويا. وأخيرا رفعت ماريانا قضية على بشري لتكون لها حق السيطرة على حقوق النشر، وخسرت القضية أمام أبناء بشري الذين تناقص نصيبهم كثيرا برغم فوزهم، وذلك لأن أجر محاميهم الأمريكي من أصل لبناني كان عبارة عن خمسة وعشرين بالمائة من الريع. فقام أبناء بشري بمقاضاة المحامي وخسروا. وفي النهاية، تدخلت الحكومة اللبنانية، ويقال إنها أعادت أموال جبران إلى مسارها الصحيح.
يوجد اليوم تابوت جبران في دير مقدس في بشري اختاره جبران بنفسه مثوى أخيرا له. وقد زار ووترفيلد ذلك الدير، ويقول إنه وجد شرخا في غطاء التابوت وإنه عندما نظر من خلاله رأى الناحية الأخرى من التابوت، أي أن الجثمان اختفى. وتلك نهاية طبيعية وإن تكن مؤسفة. فهي تطابق قول أم جبران ذات يوم: هششش، إنه ليس هنا.