الخميس، 25 يناير 2018

انتخابات مصر غير الديمقراطية


انتخابات مصر غير الديمقراطية
سارة خورشيد
لو كان ثمة أي شك في أن انتخابات مصر القادمة لن تكون ديمقراطية أو عادلة، فقد أصبح ذلك واضحا وضوح الشمس بعد اعتقال رئيس أركان الجيش المصري الأسبق سامي عنان إثر إعلانه الترشح للرئاسة.
لن تؤكد انتخابات مارس بأي حال شعبية الرئيس عبد الفتاح السيسي لدى الشعب المصري. فهذه الحملة الانتخابية هي محض امتداد لصراع السلطة الداخلي بين الجيش وأجهزة الأمن التابعة للنظام، ولا علاقة لها من قريب أو بعيد بآليات الديمقراطية الجديرة بهذه التسمية.
في أولى ساعات صباح يوم السبت، رجع عنان إلى المشهد السياسي. ففي إعلان متلفز بثه عبر صفحته الشخصية في فيسبوك بعد منتصف الليل، أعلن الجنرال المنتمي إلى عصر مبارك نيته الترشح للانتخابات الرئاسية القادمة.
"اعتبارا من الآن سيكون [السيسي] مجرد مرشح بين مرشحين". هكذا أعلن واثقا بنبرة من يقر واقعا، وكأنما يرد على التهديدات التي أطلقها الرئيس قبيل ساعات ضد "الفاسدين" الذين حذرهم السيسي من محاولة "الاقتراب من هذا الكرسي".
بعد أيام قليلة، ظهرت ثمار تهديدات السيسي الغاضبة. إذ اعتقل عنان يوم الثلاثاء بعد إذاعة بيان منسوب إلى الجيش في تليفزيون الدولة. اتهم البيان عنان بانتهاك القواعد بمحاولته الترشح للانتخابات بدون تصريح مسبق من الجيش وللـ"التحريض ضد القوات المسلحة بهدف إحداث شق" بين الجيش والشعب المصري. لقد بدا واضحا للعيان أن السيسي خائف حتى من عملية انتخابية شبه حرة وأنه يشك في فرصه أمام مرشح بوضعية عنان.
لقد شجّع الرئيس المصريين على التصويت. إذ قال في المؤتمر الذي عقده قبل إعلان عنان نيته دخول السباق "اختاروا من تريدون لكن صوتوا". ذلك أن المظهر التجميلي للانتخابات الديمقراطية مفيد لصورته داخليا وخارجيا طالما أن انتصاره مضمون.
أعطت الأيام الثلاثة الفاصلة بين إعلان عنان واعقتاله كثيرا من النشطاء شعاع أمل وتسببت في إثارة لم تحدث منذ سنين. فقد تسببت قرابة أربع سنوات من حكم السيسي في يأس كثير من المصريين لدرجة أن رأوا في إعلان جنرال عسكري آخر بادرة إيجابية، ويصعب أن نلومهم على ذلك. لأن سنوات من اعتقال النشطاء والخصوم بغير إجراءات قضائية، ومن الاختفاءات القسرية والقتل، ومن الاعتقالات السياسية لفترات طويلة، ومن فيض الأحكام بالسجن والإعدام، قد جعلت المصريين يتحرقون إلى بديل. وعلى الصعيد الاقتصادي، اقترن بإخراس المعارضين ارتفاعٌ في الأسعار وفي معدل التضخم بنسبة تتجاوز العشرين في المائة.
أعلن عنان عن شخصيتين مرموقتين تكونان من مساعديه، وهما هشام جنينة وحازم حسني. والأول منهما رئيس سابق لجهاز تابع للدولة معني بمكافحة الفساد أقاله السيسي بعد زعمه أن تكلفة الفساد في مؤسسات الدولة بلغت بلايين الدولارات. والثاني أكاديمي مرموق مناصر للديمقراطية يشتهر بنقده اللاذع لحكم السيسي. حتى اختيار عنان للكلمات التي خرج بها إعلانه المتلفز لقيت ثناء بوصفها مناقضة بوضوح لخطاب السيسي الأبوي ("ما تسمعوش كلام حد غيري" هكذا قال السيسي ذات مرة في خطاب من خطاباته). بينما كرَّر عنان مخاطبة جمهوره بـ"الشعب السيد في الوطن السيد".
لكن عنان يأتي من نفس القوات المسلحة التي ينتمي إليها السيسي، شأنه في ذلك شأن مبارك وأنور السادات وجمال عبدالناصر. وفي لحظة اليأس الراهنة في مصر، يبدو من السهل نسيان ما يعرفه الجميع، وهو أن الحيش وقيادته ينعمان بمزايا غير ديمقراطية وحصانة من المساءلة الشعبية أو البرلمانية منذ إطاحة عبدالناصر والضباط الأحرار بالملكية سنة 1952.
المدني الوحيد الذي وصل إلى المكتب الرئاسي في تاريخ مصر الحديث هو محمد مرسي التابع لجماعة الإخوان المسلمين، وقد أطاح به الجيش في 2013 عقب مظاهرات حاشدة ضد حكمه. وقد دأب مرسي خلال سنته الوحيدة في الحكم على مداهنة الجيش والشرطة بالثناء عليهم والتعامي عن انتهاكاتهم لحقوق الإنسان، فلم يشفع له ذلك ليحظى بدعم الجيش وقوات الأمن.
ميول عنان السياسية وموقفه من حقوق الإنسان واضحة منذ أن كان الرجل الثاني في المجلس العسكري الذي حكم مصر بعد الإطاحة بمبارك في 2011 وحتى انتخاب مرسي رئيسا سنة 2012. إذ اتسم حكم المجلس العسكري المؤقت بقتل المتظاهرين، وكشوف العذرية التي أجريت للخصوم من النساء، ومذبحة ماسبيرو سيئة السمعة التي شوهدت فيها سيارات الجيش وهي تدهس حشود المسيحيين الأقباط الأرثوذكس.
قد يعد ترشح عنان وانتهاؤه المفاجئ مؤشرا على انقسام بين الأجهزة الأمنية: أي الشرطة والأمن الوطني والجيش والمخابرات العسكرية والمخابرات العامة. فقد سبق إعلان عنان بالترشح قرار من السيسي في وقت أسبق من الأسبوع نفسه أطاح من خلاله برئيس المخابرات العامة ووضع بدلا منه أحد الموالين له ليرأس الجهاز مؤقتا. لقد كان السيسي لوقت طويل رئيسا لجهاز المخابرات العسكرية قبل أن يصبح وزيرا للدفاع ثم رئيسا. ويتكهن كثير من المراقبين بأن هناك صراعا على السلطة بين جهاز المخابرات العسكرية الموالي للسيسي وجهاز المخابرات العامة الذي قد لا يكون كذلك. ويبدو أن السيسي ينجح حاليا في اختراق الجهاز الأخير هو والموالون له. فابنه يحتل حاليا موقعا في جهاز المخابرات العامة، وتردد أنه صاحب رئيسه المقال حديثا في زيارة إلى واشنطن.
يصعب أن نعرف بدقة تفاصيل العلاقات بين الأجهزة الأمنية في ضوء نقص الشفافية في ما يتعلق بمؤسسات الدولة في مصر. لكن لا يمكن للمرء أن يتجاهل التعديلات الفجائية [في المناصب] التي شهدتها تلك الأجهزة في الفترة الأخيرة أو الواقعة الغريبة الخاصة بمسؤول عسكري كبير آخر من عهد مبارك هو أحمد شفيق إذ أعلن نيته خوض الانتخابات الرئاسية ثم انسحب بغموض بعد أسابيع قليلة.
يرجح أن عنان قد تأكد من تمتعه ببعض الدعم من دوائر الحكم قبل إعلانه الترشح للرئاسة، لكن ترشحه حاليا يزداد اضطرابا. ومثلما لم يعكس إعلانه المبدئي أي منافسة ديمقراطية حقيقية، فإن اعتقاله يبين أن الأجهزة العسكرية والأمنية غير الخاضعة تقريبا للمحاسبة تحل مشكلاتها الداخلية بتقديم مرشحين لخلق واجهة من الانتخابات الديمقراطية. والشعب المصري لديه بعض القوة لكن لا يتاح له أن يعرف ما الذي يجري داخل دوائر صنع القرار.
ثمة مجموعة صغيرة ومؤثرة من الناشطين المناصرين للديمقراطية حاولت التشبث في العملية الانتخابية كملاذ ضيق وفرصة ضئيلة. ومن خلال دعم مرشح ثالث هو محامي حقوق الإنسان خالد علي، سعى أولئك النشطاء إلى فتح المجال السياسي الكسيح وإتاحة مجال للشباب  والديمقراطيين في السياسة.
اعتقال عنان دفع علي إلى الانسحاب من السباق. وكان فريق حملة علي يعاني بالفعل من حملة ضده وعوائق مستمرة في طريقهم، لا سيما من أجهزة الدولة البيروقراطية التي كان عليهم أن يجمعوا من خلالها 25 ألف توكيل رسمي مطلوبة قانونا لترشحه.
شعبية خالد علي كانت محدودة دائما. فقد فاز بأقل من واحد في المئة من الأصوات حينما ترشح في 2012. ولعل هذه الشعبية زادت بعد رفعه قضية شهيرة ضد قرار السيسي بتسليم جزيرتين في البحر الأحمر للمملكة العربية السعودية، قيل إنهما كانا ثمنا لمساعدة السعودية ودعمها. وبرغم ذلك لم يشكل علي تهديدا انتخابيا جديا للسيسي. عنان كان التحدي الجاد، وشأن شفيق، كان لا بد من إيقافه.
يثبت اعتقال عنان مرة أخرى أنه ما من أمل في إحلال الديمقراطية بمصر بغير تفكيك سلطات النظام الكلبتوقراطية والإصلاح الراديكالي لأجهزة الأمن التي حصنت نفسها من الرقابة الشعبية والمحاسبة الحقيقية منذ عقود.
لقد حاول كثير من الملتزمين بالديمقراطية أن يتحلوا بالتفاؤل حينما أطيح بمرسي في عام 2013. كانوا يريدون الظن بأن حكم الإخوان المسلمين المحافظ قد ولى وأن السيسي لن يجرؤ على تحدي الإرادة الشعبية مرة أخرى بعدما رآهم يخرجون حشودا إلى الشوارع في 2011 و2013. وتعلموا بقسوة أنهم كانوا مخطئين، وأن حكم العسكر هو حكم العسكر وأن النظام الذي تديره أجهزة الأمن هو نقيض الديمقراطية.
كاتبة المقال: صحفية مصرية تنشر مقالاتها في نيويورك تايمز وجارديات والشروق وجدلية وكثير من المنابر الإعلامية.

عن فورين بوليسي ـ 24 يناير 2018